إتحاف الكرام وتقريع اللئام
ببيان موافقة الشيخ العلامة محمد علي فركوس لأئمة الاسلام
(الحلقة الأولى)
<بسملة1>
ببيان موافقة الشيخ العلامة محمد علي فركوس لأئمة الاسلام
(الحلقة الأولى)
<بسملة1>
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين(1)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن أهل الهدى والبصائر من الناس، هم الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه على كل من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئا له حاصل ينتفع به وهي: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح، الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون(2).
وأما من عداهم ممن ركب مطايا الفتن، واغتر بما تمليه العقول العقيمة، والآراء الدخيلة السقيمة، ينسبون من اعتنى بالفلسفة والزندقة إلى الطائفة الناجية الكريمة، ويزعمون أنهم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن طريقتهم أعلم من طريقة السلف وأحكم، وأن معهم من العلوم ما كان مع أهل القرون المفضلة وزيادة، وأنهم نالوا من التحقيق ما خفي على أهل الفضل والسيادة، يقول قائلهم: إن الصوفية والأشاعرة والكلابية والماتوريدية، بل والمعتزلة والجهمية، وغيرهم من الفلاسفة وورثة اليونان هم أهل السنة المجيدة، وهم نصرة المنهج القويم والعقيدة، يخطئون من يبين عوارهم كذبا وطغيانا، ويردون كلام المحققين من علماء الاسلام زورا وافتراء وبهتانا، لا يستطيعون العيش إلا في ظلمات الأهواء، وفي جحور الأفكار ودهاليز الآراء، فلما سلطت عليهم الأضواء، ولاح لهم نور الحق من مشكاة العلماء، كادت تخطف براهين الوحيين أبصارهم، فهم كما قيل:
خفافيش أغشاها النهار بضوئه***و وافقها قطع من الليل مظلم
وقال آخر: مثل النهار يزيد أبصار الورى***نورا ويعمي أعين الخفاش
لا يحسنون الرد إلا بالشتم والتقبيح، لفراغ عقولهم من الفهم السليم، وأفئدتهم من العلم الصحيح، فإذا وافق أن كان لهم من السلطان مكانة، أوجعوا أهل السنة بالتقتيل أو الضرب والإهانة، فإن كانوا في المنزلة دون ذلك، فلهم في التحريش وتنفير الناس عن الحق وأهله طرائق ومسالك.قال شيخ الإسلام رحمه الله: فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والانسان لو أنه يناظر المشركين، وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه، والباطل الذي معهم، فقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. (3)
وهذا هو الحاصل في هذه الأيام بعد المقالين الشهريين الذين خطتهما يمين عالم الجزائر فضيلة شيخنا ووالدنا الشيخ العلامة محمد علي فركوس حفظه الله، فما رأينا للمناوئين الشانئين له ولدعوته الطيبة المباركة، التي هي دعوة الرسل كلهم، ودعوة من مضى من السلف الكرام رضي الله عنهم، بل هي دعوة إمام دار الهجرة رحمه الله الذي ينتسب إليه المبطلون كذبا وزورا، ردا علميا ولا حتى شبها يحسب القارئ الكريم أنها تمت إلى العلم بصلة، فيا ليت شعري.
واعلم يا طالب النجاة والفوز يوم القيامة، و يا من ترجو أن ترد الحوض يوم الحسرة والندامة، فتسقى منه شربة لا تظمأ بعدها حتى تدخل الجنان، أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضان عظيمان، حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر، والذين يذودونهم هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة، هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها، فمن ظمئ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول: يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله، فيقول: لكني والله ما شربت، واعطشاه.
فرد أيها الظمآن والورد ممكن***فإن لم ترد فاعلم بأنك هالك
وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة***سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالك
وإن لم ترد في هذه الدار حوضه***ستصرف عنه يوم يلقاك آنك(4)
فمن لم يرد سنة النبي صلى الله عليه وسلم اليوم في كل أموره وما يعرض له في أمور دينه ودنياه، عاش في حيرة وفي شك وريب، وانظر إلى ما قاله قائل المتكلمين الذين حكموا عقولهم ونأوا عن سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم:وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة***سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالك
وإن لم ترد في هذه الدار حوضه***ستصرف عنه يوم يلقاك آنك(4)
لعمري لقد طفت المعاهد كلها***وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر***على ذقن أو قارعا سن نادم
فأي حيرة أكبر من هاته الحيرة؟. وانظر إلى حال من ورد حوض سنته المنيفة، ودان لله بما دانت به القرون المفضلة الشريفة، فإنه لا يصيبه ما أصاب القوم من شك وحيرة مخيفة، ومن جميل ما قاله من أمر السنة على نفسه، ما قاله محمد بن إسماعيل الوزير رحمه الله تعالى متعقبا البيتين الماضيين:فلم أر إلا واضعا كف حائر***على ذقن أو قارعا سن نادم
لعلك أهملت الطواف بمعهد ال***رسول ومن والاه من كل عالم
فما حار من يهدي بهدي محمد***ولست تراه قارعا سن نادم. (5)
ولو لم يكن من غباء القوم إلا أنهم يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكفى، قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى:فما حار من يهدي بهدي محمد***ولست تراه قارعا سن نادم. (5)
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ـ 78]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الاسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.(6)
وها هي شهادة كبير من كبراء علماء الكلام ألا وهو الرازي رحمه حيث يقول:
نهاية إقدام العقول عقال***وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا***وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا***سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وأقرأ في النفي: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي.وأرواحنا في وحشة من جسومنا***وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا***سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
أهؤلاء نقول: إن طريقتهم أعلم وأحكم؟. الذي يقول: ـ إني أتمنى أن أموت على عقيدة عجائز نيسابور ـ والعجائز من عوام الناس، يتمنى أن يعود إلى الأميات، هل يقال: إنه أعلم وأحكم؟ أين العلم الذي عندهم.(7)
ومما أوجبته هذه القاعدة المعوجة، ما انتشر بين المعتمدين عليها من الإعراض عن كلام أئمة الاسلام والسنة، في باب المعتقد، والمنهج، فيقول قائلهم: أنا مالكي المذهب أشعري العقيدة، شاذلي أو قادري أو تجاني الطريقة، كما قال ابن عاشر رحمه الله في متنه:
في عقد الأشعري وفقه مالك***وفي طريقة الجنيد السالك
وهذا الذي عليه المنتسبون لمذهب مالك رحمه الله لم يعلم إلا بعد وفاة مالك رحمه الله بسنين طويلة، وذلك بعد ما افتتن خلق من المالكية بمذهب ابن كلاب ومن ثم بمذهب أبي الحسن الأشعري عليهما رحمة الله.قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
ولأجل ظهور بدعتهم، واشتباه ضلالتهم، ـ أي المعتزلة والجهمية ـ ، قامت طائفة أخرى كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه، فردوا عليهم قولهم بنفي الصفات، وإنكار العلو والرؤية، وبخلق القرآن، وخالفوهم في ذلك.
ولكن وافقوهم في أصل قولهم بامتناع حوادث لا أول لها، وأن ما قامت به الحوادث فهو حادث، فقالوا: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن القرآن ليس بمخلوق لكنه قديم.
وابن كلاب أول من ظهر عنه في الاسلام أنه قال: (هو قديم). ولم يقل هذا أحد من الأمة والأئمة، وإنما كانوا يقولون: (كلام الله غير مخلوق)، ويقولون أيضا: (منه بدأ وإليه يعود).
ويريدون بقولهم: منه بدأ، أي: هو الذي تكلم به، لم يبدأ من غيره، كما تقول الجهمية والمعتزلة: إنه مخلوق ابتدأ من غيره. ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: (كلام الله من الله، ليس ببائن منه).
وجاء أبو الحسن الأشعري بعد بن كلاب، وكان قد صار من أئمة المعتزلة وأخبرهم بمقالاتهم، فلما تبين له، فساد أقوالهم وتناقضها انتقل عن مذهبهم، وأخذ أصول بن كلاب فاتبعها وبنى عليها، وأظهر من تناقض المعتزلة في مسائل الصفات والقدر والوعيد وغير ذلك ـ ما ظهر به فساد أقوالهم لكثير من الناس الذين كانوا لا يعرفون حقيقة أقوالهم، حتى قال فيه أبو بكر الصيرفي: إنه قمع المعتزلة في قمع السمسمة.
لكنه موافق لابن كلاب على الأصل الذي وافق فيه هؤلاء الجهمية، فصار المخالفون له من أهل السنة والإثبات، ومن أهل النفي والتجهم ـ يردون عليه ويقولون: إنه تناقض، وقال أقوالا مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وإن ما أثبته من الكلام لا حقيقة له، بل يعود إلى التعطيل، لأنه أثبت معنا واحدا قائما بذات الرب، هو الأمر بكل مأمور به، والنهي عن كل منهي عنه، والخبر بكل مخبر عنه، وأن هذا المعنى إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وإن معنى آية الكرسي وآية الدين معنى واحد، وأنه يريد جميع الكائنات بإرادة واحدة، وإرادته تخلق ذلك، وكذلك قال في سائر الصفات كما قال في الكلام.(8)
يتبع ..
وكتب: العبد الفقير إلى عفو ربه أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
.................................................. ........................................
الحواشي:
1ـ خطبة كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد رحمه الله. نقلا عن كتاب إعلام الموقعين.
2ـ إجتماع الجيوش الإسلامية. ص 15ـ 16 بتصرف.
3ـ مجموعة الفتاوى لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله. ج2 ـ ص 113.
4ـ اجتماع الجيوش الاسلامية. ص 37.
5ـ المحفوظات الشعرية للشيخ مقبل رحمه الله.
6ـ شرح الفتوى الحموية الكبر للشيخ بن عثيمين رحمه الله. ص 18.
7ـ شرح العقيدة الواسطية للشيخ بن عثيمين رحمه الله. ص 76.
8ـ شرح الأصبهانية لشيخ الاسلام رحمه الله. ص 374 ـ 375.
تعليق