نظرات في رسالة " نقض اتهامات حول الدعوة السلفية " لرضا بوشامة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعدُ :
فقد نظرت في رسالة صغيرة للدكتور رضا بوشامة الجزائري عنوانها " نقض اتهامات حول الدعوة السلفية "؛ فوجدت صاحبها على صغر حجمها - أقل من 50 صفحة - وقع فيها في خلل وإخلال - ننبهه لعله يرجع عنه مستقبلا -؛ تمثّل هذا الأمر فيما يلي:
1- زعمه أن أهل الضلال والبدع من المسلمين إنما أتوا من جهلهم فقط دون سوء النية؛ فقد قال الدكتور رضا بوشامة عن الضلال والمبتدعة من المسلمين: « وعداوة الآخرين منشؤها سوء الفهم » رسالة النقض ( ص/ 6 ط دار الفضيلة ).
بدليل أنه لما تكلم عن عداوة الكفار للمسلمين ( نفس الصفحة ) قال: « وعداوة الأولين منشؤها سوء القصد ».
وهذا الكلام كلام باطل؛ فإن من المبتدعة المسلمين جهالا ومنهم معاندين، والقول بأنهم كلهم نيتهم حسنة باطل مخالف للدليل الشرعي والأمر الواقعي.
كما أن في الكفار من أُتيَ في عداوته للإسلام من سوء الفهم أيضا، وليست عداوة الكافر للإسلام دائما من سوء القصد.
ولذلك وصف أئمة الإسلام بعض أهل البدع بأعيانهم بالخبث، والخبث ناشئ عن سوء القصد لا عن سوء الفهم؛ وكلامهم في هذا كثير؛ منه ما قال الإمام ابن بطة العكبري: « ومن خبثائهم ومن يظهر في كلامه الذبّ عن السنة والنصرة لها، وقوله أخبث القول: ابن كلاب، وحسين النجار، وأبو بكر الأصم، وابن علية » الإبانة الصغرى ( ص/ 95 ).
وقال الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي: « ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه...لا يغرك خشوعه ولينه..لا تغتر بتنكيس رأسه؛ فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من خبره » طبقات الحنابلة ( 1/ 234 ).
وقال الإمام أحمد أيضا عن الكرابيسي: « كذب هتكه الله الخبيث » السنة لعبد الله ين أحمد ( 1/ 165 - 166 ).
ثم إن الدكتور رضا ناقض نفسه قائلا في ( ص/ 15 ) واصفا من وصف السلفيين بأنهم تكفيريون بأنه: « غالط ومغالط »؛ فأثبت له سوء الفهم وسوء القصد معا.
وكذلك ناقض نفسه في ( ص/ 42 ) في خاتمة الرسالة قائلا عن مصدر هاته الاتهامات للسلفية : « بل اشترك فيها المعاندون في كل وقت وزمن »؛ فأثبت أن من اتهم الدعوة السلفية بما ذكره في رسالته: معاندٌ، والمعاند أُتِيَ من سوء القصد لا سوء الفهم.
2- زعمه أن النزاع الدعوي مع المخالف موجه للعامة من المسلمين دون إشارة إلى غيرهم؛ فقد قال الدكتور رضا بوشامة ( ص/ 6 ): « ومحلّ النزاع ومكمن الصراع مع الأعداء الداخليين هو المسلم العامي »؛ وهذا كلام باطل مخالف للنصوص الشرعية الآمرة بأن الصراع الدعوي مع المخالفين مع كل البشر، وليس خاصا بالمسلم العامي فقط؛ فنحن كما نخاف على المسلم العامي أن يحْرفهُ أهل البدع نخاف على غيره أيضا - حتى ولو كان كافرا أن يصله الإسلام مُشوّهاً-.
فعن تميم الداري - رضي الله عنه - : [ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : الدين النصيحة، قلنا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] رواه مسلم ( رقم 55 ).
ففي الحديث أن التصفية والتربية لا تختص بعامة المسلمين، بل هي لولاة أمور المسلمين مشروعة مثل مشروعيتها للعامة.
قال الله تعالى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا }.
والحقُّ أن القول بأن الدعوة موجهة في الأساس لعوام المسلمين هي فكرة " الإخوان المفلسين أتباع حسن البنا "؛ فهم الذين يقصرون الدعوة التي يسمونها : " الدعوة الفردية " على المسلمين؛ لأن الإخونجية لا هم لهم إلا صرف المسلمين عن عقيدتهم ودينهم بدعوتهم لعقيدة حسن البنا تمهيدا لإيصالهم للكرسي؛ فإن رفضوا فجزاؤهم التكفير والتفجير؛ ولذلك تجدهم لا يحطّون رحال الفتن والشر والفساد إلا بديار المسلمين؛ وهذا هو منهج الخوارج الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: [ يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ] رواه البخاري ومسلم.
يقول يوسف القرضاوي : « كانت تربية هذا المسلم هي المهمة الأولى لحركة الإخوان؛ لأنه هو وحده أساس التغيير، ومحور الصلاح والإصلاح، ولا أملَ في استئناف حياة إسلامية، أو قيام دولة إسلامية، أو تطبيق قوانين إسلامية، بغيره » التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا ( ص/ 7 ).
ونحن هنا نقول للدكتور رضا بوشامة: بعد أن عرفت الآن مصدر هذا التقرير؛ فنرجوا أن تتراجع عنه؛ حتى لا تكون من الإخونجية.
3- عدم ذكر الدكتور رضا بوشامة لأصل أصيل مما يستنكره وينكره أهل البدع والأهواء في هذا العصر، وهو: « أصل التحذير من المبتدعة والضلال والرد عليهم وكشف باطلهم »، وهذا خلل ونقصٌ فادح من الدكتور في رسالته؛ ففي هذا الأصل العظيم - الذي يُنفّر منه أهل البدع بحجة أنه غيبة وأكل للحوم حسن البنا وسيد قطب والقرضاوي وغيرهم من المبتدعة - يقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله - وقد قيل له: « الرجل يصوم ويصلي ويعكتف أحبُّ إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال : إذا قام وصام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين؛ هذا أفضل » مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 28/ 231 ).
وقال عاصم الأحول: « جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيدٍ؛ فوقع فيه، فقلت: لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض، فقال: يا أحول؛ أولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي أن يذكر حتى يُحذرَ» الميزان للذهبي ( 3/ 273 ).
قال زائدة بن قدامة: « قلت لمنصور بن المعتمر: إذا كنت صائما أنال من السلطان؟ قال : لا، قلت: فأنال من أصحاب الأهواء؟ قال : نعم » الصمت لابن أبي الدنيا ( رقم 235 ).
وهناك كثير جدا من الآثار في هذا الباب على أهمية هذا الأصل السلفي - حتى أُلّفت فيه المؤلفات -، والذي هو الآن من أظهر العلامات الفارقة بين السلفي والمبتدع، وبيان أنه ليس بغيبة ولا أكل للحوم رموز الجماعات البدعية الذين يسمونهم: " علماء ".
فنتمنى من الدكتور رضا بوشامة أن يضيف هذا الفصل لرسالته لأهميته - خاصة في هذه الأيام -.
4- عدم الإيضاح ورفع اللبس في مسائل الحكم على العاصي والمبتدع؛ وذلك يتضح بأن الدكتور بوشامة في ( ص/ 31 ) قال كلاما مجملا عن المبتدع وكذلك العاصي هو: « وكذلك العاصي والمذنب يعلمون أنه لم يقترف تلك السيئات والمعاصي إلا بجهله ».
وهذا من الدكتور تعميةٌ يَخرجُ قارئُ كتابه منها بغير نتيجة واضحة، وكان على الدكتور التفريق بين الجهل بعظمة الله وشدّة عذابه، والجهل بحكم المخالفة من بدعة ومعصية.
- فالجهل بعظمة الله وشدّة عذابه لا يُعذر الواقع فيه: وأدلته كثيرة من الكتاب والسنة؛ كقوله تعالى: { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير }، وقوله تعالى تعالى أيضا : { ولكن أكثرهم يجهلون }، وقوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } ونحوها.
- والجهل بحكم المخالفة من شرك أوبدعة أومعصية هو الذي يعذر الجاهل به؛ ومن أدلته قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }، وقوله تعالى أيضا: { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا } ونحوها.
ومن تأصيلات الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - قوله: « فإذا كان يعلم أنه كفر؛ لكنه لا يعلم أنه إذا كفر لا يُدفن في مقابر المسلمين، وأنه يخلد في النار، ما أشبه ذلك؛ فهذا ليس بعذر؛ ولهذا لم يعذر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، وهو لا يدري: هل عليه كفارة أم لا؟ بل ألزمه بالكفارة » معجم التعريفات والفوائد والتقسيمات العقدية الاعتقادية في مصنفات ابن عثيمين ( ص/ 333 ).
فالذي وقع في الشرك أو البدعة أو المعصية عالما بحكمها - وإن لم يعلم عقوبته عند رب العالمين - غير معذور؛ وبهذا تجمتع النصوص الشرعية الذي ذكرنا آنفا شيئا منها.
وسائر كلام الدكتور بوشامة في هذا المبحث ( ص/ 30 - 33 ) لم يذكر الدكتور سوى أن أهل السنة يفرقون بين الداعية وغير الداعية، والذي فعل الذنب مرة والذي تكرر منها...وغيرها من التفريقات دون بيان لحكم كل واحد منها؛ وهذا خلل واضح - نتمنى من الدكتور استدراكه مستقبلا - خاصة أن الدكتور ذكر في ( ص/ 6 ) من رسالته عن الضلال والمبتدعة من المسلمين وموقفهم من الحق وأهله: « وعداوة الآخرين منشؤها سوء الفهم »؛ فهل الدكتور التزم هذا التأصيل الباطل في هذا الموضع هنا أيضا؟.
عبد الصمد بن أحمد السلمي
الأحد 18 رمضان 1439 هـ
تعليق