إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

[تفريغ]: (وصايا وتوجيهات لذوي العرفان من الكنديين والأمريكان) كلمة لفضيلة الشيخ الدكتور: محمد بن هادي المدخلي (15-8-1439)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [تفريغ]: (وصايا وتوجيهات لذوي العرفان من الكنديين والأمريكان) كلمة لفضيلة الشيخ الدكتور: محمد بن هادي المدخلي (15-8-1439)

    وصايا وتوجيهات لذوي العرفان
    من الكنديين والأمريكان

    لفضيلة الشَّيخ العلَّامة:
    محمَّد بن هادي المدخلي

    حفظه الله تعالى ورعاه، وثبته على الإسلام والسنة، وجزاه عنا خير الجزاء



    تفريغٌ لكلمةٍ ألقاها فضيلته في مسجد بدر العتيبي بالمدينة النَّبويَّة
    على أبنائه طُلاّب العلم، وذلك ليلة الثَّلاثاء 15 شعبان 1439هـ
    أسألُ الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها الجميع



    لتحميل الصَّوتيَّة: مِنْ هُنَا



    التَّفريغ:


    .. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    معشر الأحبة، سمعتم ما قرأنا في هذه السورة العظيمة "سورة القيامة"، التي فيها التذكير لنا جميعا بالورود على الله جلَّ وعلا ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ.

    فالعبد معشر الأحبة خُلق في هذه الدنيا لغاية عظيمة وهي عبادة الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له وطاعته سبحانه واتّباع مراضيه كما بيّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رحمنا الله به كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، رحمنا الله به جل وعلا؛ فهدانا به من الضلال، وبصّرنا به من العماية، وعلّمنا به بعد الجهالة، وألّف به بيننا بعد الفرقة، وآخى بيننا به سبحانه وتعالى بعد العداوة، وأظهرنا الله به سبحانه وتعالى على سائر الأمم فأعزنا بعد المهانة، قد كنا أذلّة قبل بعثته -عليه الصلاة والسلام- ولم يكن للعرب ذكر وكانت القوة لمن سواهم من فارس والروم، فلما بعث الله هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- حصل من الخير والفضل ما سمعنا، أحيانا الله بهذا الكتاب الذي أنزله عليه -صلوات الله وسلامه عليه-، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
    فأحيانا الله جل وعلا بهذا النور المبين؛ هو حياة القلوب، هو حياة الأرواح، والعبد إنما هو إنسان بروحه لا بجسده، فالحياة هي حياة الروح؛ حياة القلوب.

    فنحن في هذه الدار إنما نزرع فيها، فهي مزرعةٌ لدار القرار عند الملك العزيز الغفار سبحانه وتعالى الذي سنقدم عليه وسيُجازي كل واحد منا بما فعله في هذه الحياة الدنيا ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا.

    فالهداية التي متّعنا الله بها ومنّ بها علينا هي أعظم النعم أنْ هدانا لدينه القويم ولصراطه المستقيم.

    فالواجب علينا معشر الأحبة: أن نقوم بهذا الأمر وهو إخلاص العبادة له سبحانه وتعالى وإفراده بالطاعة؛ إفراده بالعبادة دون ما سواه، كل أحد طاعته تَبَع لطاعة الله ورسوله، وكل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو المعصوم المبلِّغ عن ربنا تبارك وتعالى، ونحن مسؤولون عن هذا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويوم القيامة إنما السؤال على شقين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟

    فالواجب علينا معشر الأحبة: أن نقوم بما أوجب الله علينا، مِن إخلاص العبادة لله تبارك وتعالى وذلك بتحقيق التوحيد والبعد عن الشرك كبيره وصغيره والقيام بما أمرنا الله به جل وعلا مِن اتّباع هذا النبي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ.

    فالواجب علينا: طاعة هذا النبي -صلى الله عليه وسلم-، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا.
    فالواجب علينا: أن نتبع هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحذر البدع والمحدثات، بعد أن نُحقِّق التوحيد نقوم بالسنة ونحذر البدع والمحدثات، ونتعلَّم ذلك؛ فإن هذا أول ما أوجب الله جل وعلا علينا، أول ما أوجبه الله علينا معرفة ربنا بالتوحيد،

    أول واجب على العبيدِ *** معرفة الرحمن بالتوحيد

    فنعرف حق الله جل وعلا في هذا، نعرف ما يُنافيه من أصله مِن الشرك الأكبر وأنواعه، نعرف ما يُنافي كماله من الشرك الأصغر وأنواعه والشرك الخفي، ثم نعبد الله تبارك وتعالى على بصيرة، وهذا كله معشر الأحبة لا يتأتَّى لنا جميعا وإياكم إلا بالعلم، فلا بد من التعلم؛ معرفة ما أراد الله ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه-، معرفة مراد الله جل وعلا في كلامه ومعرفة مراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كلامه في سنته ونعمل بهما، فإن خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فلا يُمكن أن يُعرَف ذلك: الهدى من الضلال والغي من الرشاد والحق من الباطل والشرك من التوحيد والسنة من البدعة؛ لا يُمكن أن يُعرف ذلك إلا بالتعلم كما قال جل وعلا في أول ما أنزل على رسوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
    فقال سبحانه وتعالى مُمْتنا على رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- وهو المنة علينا في قوله جل وعلا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى الهداية هي التي جاءت مُفسّرة في قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.

    فإذا منَّ الله عليك أيها المسلم بالعلم في دين الله ومعرفة مراده ومعرفة مراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه وسنته فأنت المُوفَّق، هذا هو الفقه الصحيح، قال -صلوات الله وسلامه عليه-: (من يُرد الله به خيرا يُفقهه في الدين) فَدَلَّ ذلك على أنَّ أعظم النِّعم بعد الإسلام نعمة الفقه في دين الله جل وعلا.
    (من يُرد الله به خيرا) نكرةٌ في سياق الخبر تعمّ كلَّ خيرٍ قليلِه وكثيرِه وصغيرِه وكبيرِه؛ تعمُّه كلَّه.
    فمن يرد الله به خيرا يُفقهه في هذا الدين، وإنما يسود المرء في دين الله بالفقه في دين الله (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين).

    فالفقه في دين الله معشر الأحبة لا شيء أعظم منه ولا شيء يعدله؛ لأن صاحبه يعمل على نور من ربه وعلى بيّنة من ربه، فيأتي ما يأتي عن علم، ويذر ما يذر عن علم، فإذا كان كذلك فهو المُوفَّق في أقواله وأفعاله، فالخير والهدى كله في الفقه في دين الله تبارك وتعالى.

    فالواجب علينا جميعا معشر الأحبة والواجب على المسلمين جميعا: أن يتفقهوا في دين الله.

    والفقه فقهان:

    - فقه العين: يجب على كل مسلم أن يتفقَّه فيما لا يقوم دينه إلا به في الأمور الواجبة العينية؛ فروض الأعيان على كل المسلمين، فيعرف توحيد الله جل وعلا الواجب عليه ويُحقّقه، ويعرف من أمور العبادة ما يجب عليه عينيا ويعرف مقدِّمات ذلك، أحكام الطهارة التي تجب على كل مسلم أن يتعلّمها، هذا علم يجب على كل مسلم أن يتعلَّمه لأنه واجب عيني؛ ما لا يصح عبادته إلا به، فيتعلَّم من أحكام الطهارة التي يترتب عليها صحة عبادته، فيجب عليه أن يتعلم.

    وهكذا العبادة؛ يتعلم أحكام الصلاة حتى يعبد الله على بصيرة فيعرف أركانها وواجباتها وشروطها ومسنوناتها، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال للذي لا يُحسِن صلاته ثلاث مرات: (ارجع فصلِّ فإنك لم تُصلِّ)، وكم من الناس الآن نراه لا يُحسن الصلاة وهو مُتعلِّم! مُتخرِّج ربما! فتجده إذا ركع لا ترى الركوع الصحيح وينقر الصلاة نقرا، وإذا قام لم يعتدل الاعتدال الصحيح فتفسد صلاته وتبطل وهو لا يعلم أو يتساهل بعدما علِم، وإذا سجد لا يطمئن في سجوده، وإذا جلس لا يعتدل ويطمئن أيضا في جلوسه؛ لا يطمئن في جلوسه بين السجدتين، وهكذا.
    فيجب على كل مسلم أن يتعلَّم حتى يعلم.

    وهكذا في الصيام يجب عليه أن يتعلم ذلك، وهكذا في الزكاة إن كان ممن تجب عليه الزكاة من ذوي الأموال سواء النقدين الذهب والفضة، عموم التجارة، الثمار، بهيمة الأنعام، مَن كان عنده شيء من المال تجب فيه الزكاة فيجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة.

    وهكذا إذا وجب عليه الحج وهو قادر مستطيع فعليه أن يتعلَّم أحكام الحج حتى يأخذ في حجه ما أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- (خذوا عني مناسككم) كما قال -عليه الصلاة والسلام- وهكذا.

    فالفقه في دين الله على قسمين: قسم عيني، وقسم كفائي.

    - والكفائي: هو التوسع في معرفة الأحكام الفقهية في جميع أبواب الفقه، هذا لا يجب إلا على طائفة من المسلمين يؤدُّونه إلى أهل الإسلام ويُعلّمونهم إذا احتاجوا إليه، فإن تركوه أثموا جميعا، قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.

    فمهمة العلماء: بيان أحكام الدين للناس وتحذيرهم من الشر، هذا هو الواجب عليهم، تفقيههم في دين الله، تعريفهم إياهم ومعرفتهم بأحكام الشريعة توجب عليهم أن يُعرّفوا المسلمين بذلك وأن يقعدوا لهم حتى يعلم من لا يعلم، وأن يُجيبوا على سؤالاتهم واستشكالاتهم، هكذا الواجب؛ لأنهم قاموا مقام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فـــ (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
    هؤلاء العلماء لهم منزلة ومكانة عظيمة،

    لهم مقامٌ رفيع ليس يُدركه *** من العباد سوى الساعي كسعيهم

    هؤلاء هم العلماء، مكانتهم عظيمة عند الله تبارك وتعالى، ولِعِظَم مكانتهم ولطهارتهم ونقائهم لما يحملونه من العلم ومن الوحي ومن النور المبين شبّههم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقمر ليلة البدر قال: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، ليلة البدر هذه الليلة؛ انظروا إلى القمر كيف هو في اكتماله واكتمال جماله وحسنه وبهائه ونضارته وسطوع ضوئه وإنارته، هكذا العلماء يترفعون عن خسيس ما في هذه الدنيا ويترفعون عن ما في أيدي الناس الدنية، هذه الدنيا ما سُميت دنيا إلا لأنها دنيّة دنيئة.

    فيا طالب الدنيا الدنيّة جاهدا *** ألا اطلب سواها إنها لا وفا لها

    فأهل العلم في شغل عظيم وفي نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من ذاقها كما تذوّقوها، يعلمون أن هذه الدنيا حقيرة خسيسة ليست بشيء فترفَّعوا عنها فانتفعوا وأعلى الله قدرهم ونوَّه بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (والعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما).

    فالعلماء ليسوا أهل دنيا، علماء الشريعة الحاملون لهذه الشريعة إنما يطمحون إلى الآخرة ويتنافسون في الآخرة وفي أعمال الآخرة وفي هداية الناس وفي تعليم الناس وفي بثّ الخير بين الناس، هذه مهمتهم لأنها مهمة النبي -صلى الله عليه وسلم التي ورّثها لهم، ثم إنهم أصفياء أنقياء كما قال: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ليس على كل أحد؛ على العابد الصالح، ومع ذلك العلماء أفضل منه! وذلك لعموم نفعهم، فهكذا أهل العلم.

    فالواجب علينا معشر الأحبة: أن نعرف قدر هذا العلم، ولا يعرف قدره حقيقة إلا أهله الذين منّ الله عليهم بالسلوك في طريقه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ...

    فالواحد منا يتفقّه في الدين ليرفع الجهل عن نفسه ويعمل صالحا لربه يتقرب به عنده ويدّخره عنده ليوم القيامة، ثم لينفع مَن بعده ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.

    ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فالإيمانُ هو العلم النافع، وعمل الصالحات هو العمل الصالح، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ هذه هي الدعوة إلى العلم والهدى والنور، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ بالصبر على الأذى أذيّة الناس؛ لأن الناس لن يقفوا منك كلهم موقف الموافق، إذا دعوتهم إلى دين الله تبارك وتعالى وإلى اتّباع شرعه ومنهاجه واقتفاء سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لن يقفوا منك موقفا واحدا، وإنما ستجد المخالف وستجد المُخذِّل وستجد المستهزي وستجد المحارب المنابز، فعليك أن تصبر وتحتمل يا عبد الله كما صبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصبّره ربه جل وعلا قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ مع كفار قريش ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ.

    ومن يتصبَّر يُصبّره الله، وأمرَه أن يصبِرَ صَبْرَ أولي العزم من الرسل، ليس كصبر الرسل جميعا؛ وإنما صبر أولي العزم أقوى الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وعلى نبينا معهم أفضل الصلاة وأتم التسليم-.
    فأمره بذلك قال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.

    فأمره أن يصبر -عليه الصلاة والسلام-، والواجب علينا نحن أن نصبر نقتدي به جميعا معشر الأحبة، فإن من قام يدعو إلى دين الله ويُبصّر الناس من العمى ويُرشدهم ويُنوّرهم ليُبعدهم عن الردى ويُدخلهم في طريق الهدى لا بد وأن يناله،

    واصبر على لاحق مِن فتنة وأذى *** فيه .....................

    يعني: في العلم والتعليم والدعوة،

    ...................... *** .... وفي الرُّسْل ذكرى فاقتدِ بهمِ
    لَواحد بك يهديه الإله يكن *** خير غدا لك من حُمْرٍ من النَّعمِ

    هذه وصيتي لكم جميعا معشر الأحبة لأنها وصية الله لنا ووصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنا، فالواجب علينا أن نقوم بهذا؛ نقوم بهذا الدين وندعو الناس إليه.

    أبنائي وإخواني وأحبتي الحاضرين معنا وأكثرهم من أمريكا الآن نخصهم أيضا بالذكر مع أخينا الشيخ الدكتور عبد الرحمن العميسان -جزاه الله خيرا- وعموم إخواننا وعموم من يصله هذا الكلام: نحثّ الجميع على التعلم أولا وتحقيق العبادة لله تبارك وتعالى وذلك بإفراد الله جل وعلا بها وإخلاصها له سبحانه، ثم الاجتهاد في التعلّم والتعليم ودعوة الناس إلى الخير، (لَأَنْ يَهديَ الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه).

    فأوصيكم معشر الأحبة إذا رجعتم إلى بلدانكم أن تقوموا بهذا، مَن منَّ الله عليه بالتعلم والمعرفة في دين الله وعنده قوة وقدرة ونشاط عليه أن يقوم بهذا ويُعلّم الناس ويدعوهم إلى الخير ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ الآية.
    ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ والخير هو: هداية الناس ودعوتهم إلى صلاح أمور دينهم ودنياهم، هذا هو الخير، فالواجب علينا هو هذا.

    فأوصي أحبتي وإخوتي وأبنائي إذا عادوا إلى ديارهم أن يحرصوا على هداية المسلمين وتثبيتهم ودعوتهم إلى الحق والخير والهدى وبيان الحق لهم وبيان السنة من البدعة وبيان الضلالة من الهدى والحق من الباطل والبدعة من السنة والشرك من التوحيد، فإن هذا أجره عظيم عند الله تبارك وتعالى يوم القيامة.

    فتعليم الناس والصبر عليهم في هذا الباب هذا جهاد، فالذي يخرج في طِلاب العلم ليرجعَ إلى الناس ويهديَهم هذا مجاهدٌ في سبيل الله،

    وخارجٌ في طِلاب العلم محتسبا ** مجاهد في سبيل الله أيُّ كَمِي

    من مثله؟ ما فيه فارس مثله، لأن الطعان والرمي بالسنان يُحسنه كل أحد، أما هداية الناس بالوحي والبيان الذي أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله وهو هذا القرآن ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا هذا لا يُحسنه إلا المتعلِّمون والعلماء.

    فالواجب علينا جميعا أن نقوم بهذا، ومَن فضَّله الله بالعلم وأخلد إلى الأرض وتكاسل وترك هذا فهذا خسارته عظيمة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث، نعوذ بالله من هذه الصورة القبيحة.

    فمن فضَّله الله بالعلم والآيات ثم تركها وضيّعها فهو المغبون، عياذا بالله من ذلك.

    فيا معشر الأحبة: إذا شرَّف الله عبدا بالعلم فلا يجوز له أن يُضيّعه ولا أن يُفرّط فيه، بل الواجب عليه أن يتعاهده وأن يُنمّيه ويقوم في الناس به ويُعلّمه لأنه لا حسد إلا في اثنتين كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رجل آتاه الله مالا فسلطه على نفقته ..) أو (..على هلكته في الحق..) كما في اللفظ الآخر، (..ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها) بين الناس، والحكمة هي: العلم والسنة كما قال جل وعلا مخاطبا زوجات نبيه -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ.

    فالواجب أن نعرف هذه النعمة التي منَّ الله بها علينا معشر الأحبة وأن نقوم بحقها، واحذروا كل الحذر بالذات أنتم أيها الأحبة الذين تعيشون في المجتمعات الغربية في دول الغرب عموما وفي أمريكا خصوصا فإنكم ترون البلايا أمامكم، فتن عظيمة، الشرك بالله جل وعلا والكفر بالله جل وعلا، وهكذا تجدون البدع في المسلمين الذين عاشوا هناك، تجدون الجهل فيهم، والباب مفتوح على مصراعيه: شهوات وشبهات، لا يمنعهم مانع إلا الدين عند مَن منَّ الله عليه ووفقه.

    فاحرصوا -رحمكم الله- على الحفاظ على المسلمين هناك وتثبيتهم على هذا الدين، واحرصوا على ناشئة المسلمين هناك وذلك بحفظهم من أن يتلقّفهم شياطين الإنس والجن، وكذلك احرصوا على تفقيه الناس أحكام هذا الدين وبيّنوا لهم محاسنه، بعد ذلك انتقلوا إلى أهل الكفر بدعوتهم إلى الدين الصحيح وبيان محاسن هذا الدين بفعالكم قبل أقوالكم، أنتم مطالبون بالأقوال أيضا لكن بالفعال قبل أقوالكم، فإن العبد يجب أن يكون قدوة في هذا الباب، الداعية إلى الله يجب أن يكون قدوة، فإذا رأوا منكم أنتم أيها الطلبة طلبة العلم ومشايخ العلم والدعاة إلى دين الله رأوا منكم الاستقامة (كلمة لم أفهمها) أفعالكم وأعمالكم ورأوا حسن أخلاقكم شدّهم ذلك واقتدوا وأحبوا هذا الدين الذي أنتم عليه، ولكن المصيبة كل المصيبة هي الثانية: أن نكون فتنة للذين كفروا بسوء فعالنا وسوء أخلاقنا، فنصبح نجاريهم في المحرمات التي هم عليها لا يردعهم عنها دين ولا يردعهم عنها خلق، فإذا ساويناهم فقد ذهب فضلنا الذي فضّلنا الله سبحانه وتعالى به على سائر الخلق وهو هذا الدين.

    فالواجب أن نحمي هذا الدين، وأن نحافظ على نقائه، وذلك بحسن اتّباعنا لنبينا -صلى الله عليه وسلم- والاستقامة على أوامره، فإن الإنسان المسلم يجب أن يكون قدوة بين الكفار حتى يُرغّبهم في الدخول في هذا الدين، قال الله سبحانه وتعالى مُخبرًا إيانا عن حال أصحاب رسول الله أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا.

    فالواجب علينا جميعا معشر الإخوة: أن نكون هداة إلى الخير يُقتدى بنا، وأن لا نكون مخالفين لما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أخلاقنا وأقوالنا وأفعالنا فنكون سوءا على هذا الدين، نسأل الله العافية والسلامة.

    فالواجب علينا جميعا: أن نحرص على هذا الجانب، وأن نقوم بحق الله علينا في هذا الباب، وأن نحرص أيضا على دعوة الناس إلى الخير، هدايتهم إلى دين الإسلام نعمة من الله عظيمة، لكن بعد ماذا؟ بعد أن نحافظ على الأصل على رأس المال وهم أهل الإسلام في هذه البلدان فنثبّتهم على الدين، نثبّتهم على الإسلام والسنة، نثبتهم على الأخلاق الفاضلة، ونحميهم من الرذائل، نحثهم على الفضيلة ونحميهم من الرذيلة، ونحافظ عليهم من فتن الشهوات والشبهات، ثم بعد ذلك ننطلق إلى دعوة غيرنا ممن ليسوا على دين الإسلام ونبصرهم بهذا الدين ونُظهر لهم محاسنه ونُظهر لهم فضائله ونُظهر لهم مزاياه الجميلة بأفعالنا وأقوالنا، هذا هو الواجب.

    والواجب علينا أيضا جميعا: أن نكون إخوة متحابين متكاتفين متعاونين على البر والتقوى كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

    فالواجب علينا أن نتعاون على الحق والهدى وعلى البر والتقوى، وأن نكون متعاونين فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأن نُظهر روح المحبة فيما بيننا، وليس معنى كلامي هذا أننا نُصبح نحن وأهل البدع والأهواء سواء؛ لا، معاذ الله، ولكن المراد أن ندعو الناس إلى السنة ونصحّح لهم ما هم عليه، ندعوهم إلى التوحيد نصحح لهم ما هم عليه، وندعوهم إلى الأخلاق الجميلة الفاضلة التي جاء بها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ونصحح لهم ما هم عليه، فمثلا إذا كنتم أئمة مساجد فليُقرأ مثلا عليهم "كتاب التوحيد" وقبله "القواعد الأربع" و "الأصول الثلاثة" ثم "الواسطية" ويُعلَّمون ما يجب لله جل وعلا في هذا الباب في توحيد العبادة وفي توحيد الأسماء والصفات، وهكذا يُعلَّمون في الأخلاق والآداب فيُقرأ عليهم أمثال "الأدب المفرد" للإمام البخاري -رحمه الله-، الآداب الإسلامة التي جاءنا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وآدابه وقد كُتبت فيها المؤلفات لأئمة الحديث فلتُقرأ على الناس أهل الإسلام ويُبثّ هذا في عالم الغرب بين الكفار ليروا هذا النبي -صلوات الله وسلامه عليه- من خلال أقواله التي سطّرها أئمة الإسلام ونقلوها بالحرف عنه -عليه الصلاة والسلام-، فيعرف الغرب ويعرف المُضلَّل والملبَّس عليهم في الغرب حقيقة هذا النبي وصورة هذا النبي الحقيقيَّة -صلوات الله وسلامه عليه- فيُرغّبهم ذلك في الإسلام والدخول فيه إذا رأونا نحن في أنفسنا صادقين وملتزمين بذلك ومتَّبعين له -عليه الصلاة والسلام-، هذا هو الواجب معشر الأحبة.

    وأوصي ونفسي وإياكم بالبعد عن الفتن وأسبابها، فإنَّ الفتن من دخل فيها عصفت به وأهلكته، فعليكم بالحرص على أوقاتكم وعلى إخوانكم وعلى دعوتكم، فقوموا بذلك وامضوا فيه واحرصوا على تعليم الناس الخير، وإياكم والالتفات إلى ما ذكرنا، إياكم والدخول في الفتن، دعوا أهل الفتن يفعلون ما يشاؤون واتجهوا إلى تعليم الناس ينفع الله بكم، دعوا أهل الفتن يقولون ما يقولون واتجهوا إلى تعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم فإن هذا هو الربح الصحيح وهذا هو التجارة الصحيحة؛ مربحها عند الله عظيم وهي التجارة الصحيحة.

    أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم جميعا الفقه في الدين والبصيرة فيه والثبات على الحق والهدى حتى نلقاه، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يُنوّر بصائرنا وأن يُعيذنا وإياكم جميعا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأسأله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى أن يجعلنا وإياكم مباركين أينما كنا وأن يجعلنا وإياكم نافعين لخلقه ولعباده سبحانه وتعالى أينما حلَلْنا، وأسأله سبحانه أن يُصلح أحوالنا جميعا وأحوال المسلمين حكاما ومحكومين، إنه جواد كريم.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.اهـ

    فرّغه:/ أبو عبد الرحمن أسامة
    17 / شعبان / 1439هـ

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

  • #2
    جزاك الله خيرا أخي أسامة

    تعليق

    الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
    يعمل...
    X