بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين، وأصلّي وأسلّم على المبعوث بالحقّ المبين، وآله وصحبه والتّابعين، وبعد..
إِتْحَافُ الحَاضِرِ وَالبَادِي .. بِالدِّفَاعِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَادِي
يَقُولُ لِيَ الخِلَّانُ مِـمَّ التَّـفَجُّـعُ؟! ... وَمِـمَّ سُهَادُ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ هُـجَّعُ؟!
هَـجَرْتَ فِرَاشًا بِالدُّجَى مُتَمَلْمِلًا ... وَبِتَّ تُرَاعِي النَّجْمَ وَالنَّجْمُ يَلْمَـعُ!
رَأَيْنَا دُمُوعَ العَيْنِ حَرَّى سَخِينَةً ... وَلَمْ تُرَ قَبْلَ اليَوْمِ يَا صَاحِ تَدْمَعُ!
أَصَبٌّ فَنَأْتِي ظَبْيَةً قَدْ تَرَحَّلَتْ ... عَنِ الحَيِّ لَمْ تَعْلَمْ بجُرْحِكَ نَشْفَعُ؟!
وَنُـخْبِرُ عَمَّنْ خَلَّفَتْهُ وَرَاءَهَا ... فَقَدْ تَرْحَمُ الصَّبَّ العَلِيلَ وَتَرْجِعُ
فَلَـمْ يُـجْدِ مَعْ دَاءِ الصَّبَابَةِ وَالهَوَى ... سِوَى الوَصْلِ تِرْيَاقًا يُفِيدُ وَيَنْفَعُ
فَقُلْتُ لَهُمْ يَا قَوْمُ مَـهْلًا فَإِنَّنِي ... لِوَصْلِ كَحِيلِ الطَّرْفِ لَا أَتَطَلَّعُ!
عَلَى الحُبِّ لَا أَبْكِي فَلَسْتُ أَنَا الَّذِي ... إِذَا ارْتَحَلَ الظَّبْيُ اليَـمَانِيُّ أَجْزَعُ
فَلَـمْ يُبْكِنِي مَا قَدْ تَظُنُّونَ وَيْحَكُمْ ... فَلَيْسَ لِحَسْنَاءٍ بِقَلْبِيَ مَوْضِعُ
وَلَكِنْ تَسِيلُ العَيْنُ مِنِّي لِمَا أَرَى ... بِهَذِي السِّنِينِ الخَادِعَاتِ وَأَسْـمَعُ!
وَكُنْتُ إِذَا سَالَتْ تَقَنَّعْتُ لَا أُرَى ... فَأَمَّا لِهَذَا الخَطْبِ لَا أَتَقَنَّـعُ
بَكَيْتُ لِطَعْنٍ بِابْنِ هَادِي مُحَمَّدٍ ... وَحَرْبٍ لَهَا كُلُّ الصَّوَارِمِ شُرَّعُ
فَلَا تَمْنَعُوا دَمْعِي وَخَلُّوهُ وَيْحَكُمْ ... عَلَى مِثْلِ مَنْ أَبْكِيهِ لَا لَيْسَ يُمْنَعُ
وَلَيْسَ الَّذِي يَجْرِي مِنَ العَيْنِ مَاؤُهَا ... وَلَكِنَّهُ قَلْبٌ يَسِيلُ مُقَطَّعُ
تَنَادَى لِحَرْبِ الشَّيْخِ مِنْ كُلِّ بُقْعَةٍ ... صَعَافِقَةٌ تَتْرَى عَلَيْهِ تَجَمَّعُوا!
كَمَا اجْتَمَعَتْ فِي الغَابِ حَوْلَ غَضَنْفَرٍ ... تُرِيدُ لَهُ كَسْرًا كِلَابٌ وَأَضْبُعُ
وَقَدْ رَكِبُوا لِلْحَرْبِ كُلَّ وَسِيلَةٍ ... كَأَنِّي بِـ(مِكْيَافِيلَ) أَزَّ فَأَسْرَعُوا!
فَكَـمْ كَذَبُوا وَاللهُ يَكْشِفُ كِذْبَهُمْ ... وَكَـمْ خَدَعُوا وَاللهُ لِلْقَوْمِ يَـخْدَعُ
وَكَـمْ حَرَّشُوا بَيْنَ الـمَشَايِـخِ خِسَّةً ... أَمَا لِخَسِيسٍ عَنْ دَنَايَا تَرَفُّعُ؟!
إِذَا عَجَزُوا عَنْ حُجَّةٍ وَقِرَاعِهَا ... تَنَادَوا إِلَى السُّلْطَانِ يَا قَوْمُ فَافْزَعُوا!
وَهَبُّوا إِلَى سَاحِ المَحَاكِمِ وَيْحَهُمْ ... يُرِيدُونَ خَفْضَ الشَّيْخِ وَاللهُ يَرْفَعُ
وَتِلْكَ لَعَمْرِي حِيلَةُ القَوْمِ حِينَمَا ... يَلُوحُ دَلِيلٌ دَامِغٌ لَيْسَ يُدْفَعُ
أَمَا فَعَلُوا هَذَا قَدِيـمًا بِـمَالِكٍ ... لَعَلَّهُ عَنْ فَتْوَاهُ لِلنَّاسِ يَرْجِعُ؟!
فَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ الإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ ... أَتَى مُنْكَرًا أَوْ قَالَ مَا لَيْسَ يُشْرَعُ!
أَمَا صَنَعَ الـمَاضُونَ هَذَا بِأَحْمَدٍ؟! ... يُسَاقُ إِلَى المَأْمُونِ وَالقَيْدُ يُوجِعُ
يَمُوتُ ابْنُ نُوحٍ فِي السَّلَاسِلِ مُوثَقًا ... كَأَنِّي بِهِ يُوصِي وَأَحْمَدُ يَسْمَعُ
يُسَجِّيهِ فِي تِلْكَ الفَلَاةِ ابْنُ حَنْبَلٍ ... يُقَبِّلُ رَأْسًا لِابْنِ نُوحٍ فَيَدْمَعُ
أَمَا صَنَعُوا هَذَا بِشَيْخِ كِنَانَةٍ ... تَرَحَّلَ عَنْ دَارٍ بِمَكَّةَ يُسْرِعُ؟!
وَسَارَ إِلَى أَرْضِ الخِلَافَةِ وَحْدَهُ ... يُنَاظِرُهُمْ لَـمَّا تَطَاوَلَ لُكَّعُ!
فَبَكَّتَهُمْ عَبْدُ العَزِيزِ بِحُجَّةٍ ... تُضِيءُ كَشَمْسٍ بَعْدَ ظَلْمَاءَ تَطْلُعُ
وَأَلْجَأَ بِشْرًا وَالجُـمُوعَ أَذِلَّـةً ... إِلَى حَيْدَةٍ كُبْرَى فَطَعْنُهُ مُخْضِعُ
فَلَمْ يُـجْدِ مَعْ ذَاكَ الكِنَانِيِّ جَمْعُهُمْ ... وَعَسْكَرُهُمْ حَيْثُ البَوَارِقُ تَلْمَعُ
وَهَذَا أَبُو ذَرٍّ وَقَدْ كَانَ شَوْكَةً ... بِحَلْقِ ذَوِي الأَهْوَاءِ لَا لَيْسَ تُنْزَعُ
يُقَدَّمُ شَيْخٌ مِنْ هَرَاةٍ مُبَجَلٌّ ... إِلَى السَّيْفِ خَمْسًا رُبَّمَا يَتَضَعْضَعُ!
يَقُولُ اقْطَعُوا رَأْسِي فَلَسْتُ بِرَاجِعٍ ... وَمَا ضَرَّ رَأْسًا حِينَ فِي الحَقِّ يُقْطَعُ!
أَمَا سَجَنُوا فِي قَلْعَةٍ خَيْرَ مَنْ مَشَى ... عَلَى الأَرْضِ فِي ذَاكَ الزَّمَانِ وَرَوَّعُوا؟!
فَيَمْكُثُ فِي سِجْنٍ هُنَالِكَ صَابِرًا ... وَيَـخْرُجُ مَحْمُولًا بِقَبْرِهِ يُوضَعُ!
لِحَرَّانَ طُوبَى إِنَّهَا أَنْجَبَتْ فَتًى ... تُبَاهِي بِهِ البُلْدَانَ وَاللهُ يَرْفَعُ
فَقَدْ صَارَ لِلْإِسْلَامِ شَيْخًا مُبَجَّلًا ... عَلَى فَضْلِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ مُجْمَعُ
أَمَا حَارَبَ الشَّيْخَ ابْنَ بَادِيسَ ثُلَّةٌ ... وَقَدْ قَامَ فِيهِمْ بِالحَقِيقَةِ يَصْدَعُ؟!
فَأَزُّوا إِلَى دَارِ الإِمَامِ سَفِيـهَـهُمْ ... بِخِنْجَرِهِ المَشْحُوذِ وَاللهُ يَمْنَعُ
وَكَانُوا مَعَ الكُفَّارِ ضِدَّ إِمَامِـهِمْ! ... كَذَلِكَ أَصْحَابُ البَدَائِعِ تَصْنَعُ
أَمَا اقْتِيدَ أَلْبَانِـيُّ شَـامٍ مُقَيَّدًا ... إِلَى قَلْعَةٍ جُدْرَانُهَا تَتَصَدَّعُ؟!
لَقَدْ عُمِّرَتْ وَاللهِ قَلْعَةُ شَامِنَا ... وَكَانَتْ لِلُقْيَا نَاصِرٍ تَتَطَلَّعُ
فَبَعْدَ أَخِي حَرَّانَ حَنَّتْ لِمِثْلِهِ ... يُخَبِّرُهَا العُوَّادُ عَنْهُ فَتَسْمَعُ
وَيَأْتِي إِلَيْهَا نَاصِرٌ لِيَعُودَهَا ... أُصُولٌ تَلَتْهَا فِي الشَّدَائِدِ أَفْرُعُ
أَبَا أَنَسٍ صَبْرًا فَإِنَّكَ مُقْتَفٍ ... سَبِيلَ هُدَاةٍ مُهْتَدِينَ؛ أَتَرْجِعُ؟!
عَلِمْتَ -رَعَاكَ اللهُ- أَنَّ سَبِيلَهُمْ ... سَبِيلُ أَذًى مِنْهُ الجِبَالُ تَضَعْضَعُ
فَمَا حَارَبَ الأَعْدَاءُ فِيكَ مُحَمَّدًا ... أَرَادُوا يَقِينًا مَا تَبُثُّ وَتَزْرَعُ
أَرَادُوا الَّذِي عَلَّمْتَهُ وَنَشَرْتَهُ ... وَكُنْتَ بِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ تَصْدَعُ
وَعُذْرًا -رَعَاكَ اللهُ- إِنْ كُنْتُ مُوصِيًا ... لِمِثْلِكَ مَعْ أَنِّي أَقَلُّ وَأَوْضَعُ
أَلَمْ يُوصِ حَبْرَ المُسْلِمِينَ ابْنَ حَنْبَلٍ ... أَبُو الهَيْثَمِ العَيَّارُ وَالسَّوْطُ يُرْفَعُ؟!
يَقُولُ تَجَلَّدْ لِلْبَلَاءِ إِمَامَنَا ... فَإِنَّكَ رَأْسٌ فِي البَرَايَا وَمَرْجِعُ
وَلَا تُعْطِهِمْ مَا يَبْتَغُونَ فَإِنَّهَا ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقَشَّعُ
يَبُثُّ وَصَاةً لِلْإِمَـامِ مُثَبِّتًا ... وَأَحْمَدُ يُصْغِي لِلْوَصَاةِ وَيَسْمَعُ!
يَقُولُ لِيَ العُذَّالُ مَهْلًا رَفَعْتَهُ ... وَأَحْلَلْتَهُ حَيْثُ السُّهَى يَـتَرَبَّعُ!
فَقُلْتُ لَهُمْ كَلَّا أَرَانِي مُقَصِّرًا ... مُحَمَّدُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ أَرْفَعُ
هُوَ العَالِمُ الفَهَّامَةُ المُتَفَنِّنُ الْــ ... ـأَدِيبُ الأَرِيبُ الأَلْمَعِيُّ السَّمَيْدَعُ
هُوَ الحَافِظُ النَّقَّادُ قَلَّ نَظِيرُهُ ... هَنِيئًا لِمَنْ كَانَتْ تُرَبِّي وَتُرْضِعُ
هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ الجَوَانِبِ جِئْتَهُ ... يُفِيدُكَ عِلْمًا بَلْ مُحَمَّدُ أَوْسَعُ
جِهَادُهُ لِلْأَهْوَاءِ مُذْ كَانَ أَمْرَدًا ... وَطَعْنُهُ فِي نَحْرِ البَدَائِعِ مُوجِعُ
تَقَدَّمَ لَمَّا أَنْ تَأَخَّرَ غَيْرُهُ ... فَإِنَّهُ مِنْ لَيْثِ العَرِينَةِ أَشْجَعُ
وَقَدْ شَابَ مِنْهُ العَارِضَانِ أَلَمْ يَكُنْ ... مَشِيبُهُ يَا أَهْلَ التَّمَيُّعِ يَشْفَعُ؟!
مُحَمَّدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ابْنُ حَنْبَلٍ ... وَإِنْ قَالَ أَقْوَامٌ غَلَوْتَ وَشَنَّعُوا
كَمَا قِيلَ قَبْلَ اليَوْمِ فِيكَ تَصَوُّفٌ ... كَأَنِّي بِأَوْرَادِ ابْنِ سَبْعِينَ مُولَعُ
وَمَا كُنْتُ صُوفِيًّا يُقَدِّسُ شَيْخَهُ ... وَلَكِنَّ دَفْعَ الظُّلْمِ بِالشِّعْرِ يُشْرَعُ
وَلَسْتُ أَرَى التَّقْدِيسَ دِينِي فَإِنَّنِي ... عَلَى النَّهْجِ سُنِيٌّ لِأَحْمَدَ أَتْبَعُ
وَلَكِنَّ ذَنْبِي قَدْ عَلِمْتُ قَصَائِدِي ... أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ نِبَالٍ وَأَوْجَعُ
أُبَشِّرُهُمْ أَنَّ القَصَائِدَ حِرْفَتِي ... وَعَنْهَا بِإِذْنِ اللهِ لَا لَسْتُ أُقْلِعُ
فَإِنْ يَسْكُتُوا نَسْكُتْ كَمَا قَالَ أَحْمَدٌ ... وَإِلَّا فَطَعْنٌ بِالقَوَافِي مُرَوِّعُ
كتبه أبو ميمونة منوّر عشيش -عفا الله عنه-
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين، وأصلّي وأسلّم على المبعوث بالحقّ المبين، وآله وصحبه والتّابعين، وبعد..
إِتْحَافُ الحَاضِرِ وَالبَادِي .. بِالدِّفَاعِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَادِي
يَقُولُ لِيَ الخِلَّانُ مِـمَّ التَّـفَجُّـعُ؟! ... وَمِـمَّ سُهَادُ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ هُـجَّعُ؟!
هَـجَرْتَ فِرَاشًا بِالدُّجَى مُتَمَلْمِلًا ... وَبِتَّ تُرَاعِي النَّجْمَ وَالنَّجْمُ يَلْمَـعُ!
رَأَيْنَا دُمُوعَ العَيْنِ حَرَّى سَخِينَةً ... وَلَمْ تُرَ قَبْلَ اليَوْمِ يَا صَاحِ تَدْمَعُ!
أَصَبٌّ فَنَأْتِي ظَبْيَةً قَدْ تَرَحَّلَتْ ... عَنِ الحَيِّ لَمْ تَعْلَمْ بجُرْحِكَ نَشْفَعُ؟!
وَنُـخْبِرُ عَمَّنْ خَلَّفَتْهُ وَرَاءَهَا ... فَقَدْ تَرْحَمُ الصَّبَّ العَلِيلَ وَتَرْجِعُ
فَلَـمْ يُـجْدِ مَعْ دَاءِ الصَّبَابَةِ وَالهَوَى ... سِوَى الوَصْلِ تِرْيَاقًا يُفِيدُ وَيَنْفَعُ
فَقُلْتُ لَهُمْ يَا قَوْمُ مَـهْلًا فَإِنَّنِي ... لِوَصْلِ كَحِيلِ الطَّرْفِ لَا أَتَطَلَّعُ!
عَلَى الحُبِّ لَا أَبْكِي فَلَسْتُ أَنَا الَّذِي ... إِذَا ارْتَحَلَ الظَّبْيُ اليَـمَانِيُّ أَجْزَعُ
فَلَـمْ يُبْكِنِي مَا قَدْ تَظُنُّونَ وَيْحَكُمْ ... فَلَيْسَ لِحَسْنَاءٍ بِقَلْبِيَ مَوْضِعُ
وَلَكِنْ تَسِيلُ العَيْنُ مِنِّي لِمَا أَرَى ... بِهَذِي السِّنِينِ الخَادِعَاتِ وَأَسْـمَعُ!
وَكُنْتُ إِذَا سَالَتْ تَقَنَّعْتُ لَا أُرَى ... فَأَمَّا لِهَذَا الخَطْبِ لَا أَتَقَنَّـعُ
بَكَيْتُ لِطَعْنٍ بِابْنِ هَادِي مُحَمَّدٍ ... وَحَرْبٍ لَهَا كُلُّ الصَّوَارِمِ شُرَّعُ
فَلَا تَمْنَعُوا دَمْعِي وَخَلُّوهُ وَيْحَكُمْ ... عَلَى مِثْلِ مَنْ أَبْكِيهِ لَا لَيْسَ يُمْنَعُ
وَلَيْسَ الَّذِي يَجْرِي مِنَ العَيْنِ مَاؤُهَا ... وَلَكِنَّهُ قَلْبٌ يَسِيلُ مُقَطَّعُ
تَنَادَى لِحَرْبِ الشَّيْخِ مِنْ كُلِّ بُقْعَةٍ ... صَعَافِقَةٌ تَتْرَى عَلَيْهِ تَجَمَّعُوا!
كَمَا اجْتَمَعَتْ فِي الغَابِ حَوْلَ غَضَنْفَرٍ ... تُرِيدُ لَهُ كَسْرًا كِلَابٌ وَأَضْبُعُ
وَقَدْ رَكِبُوا لِلْحَرْبِ كُلَّ وَسِيلَةٍ ... كَأَنِّي بِـ(مِكْيَافِيلَ) أَزَّ فَأَسْرَعُوا!
فَكَـمْ كَذَبُوا وَاللهُ يَكْشِفُ كِذْبَهُمْ ... وَكَـمْ خَدَعُوا وَاللهُ لِلْقَوْمِ يَـخْدَعُ
وَكَـمْ حَرَّشُوا بَيْنَ الـمَشَايِـخِ خِسَّةً ... أَمَا لِخَسِيسٍ عَنْ دَنَايَا تَرَفُّعُ؟!
إِذَا عَجَزُوا عَنْ حُجَّةٍ وَقِرَاعِهَا ... تَنَادَوا إِلَى السُّلْطَانِ يَا قَوْمُ فَافْزَعُوا!
وَهَبُّوا إِلَى سَاحِ المَحَاكِمِ وَيْحَهُمْ ... يُرِيدُونَ خَفْضَ الشَّيْخِ وَاللهُ يَرْفَعُ
وَتِلْكَ لَعَمْرِي حِيلَةُ القَوْمِ حِينَمَا ... يَلُوحُ دَلِيلٌ دَامِغٌ لَيْسَ يُدْفَعُ
أَمَا فَعَلُوا هَذَا قَدِيـمًا بِـمَالِكٍ ... لَعَلَّهُ عَنْ فَتْوَاهُ لِلنَّاسِ يَرْجِعُ؟!
فَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ الإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ ... أَتَى مُنْكَرًا أَوْ قَالَ مَا لَيْسَ يُشْرَعُ!
أَمَا صَنَعَ الـمَاضُونَ هَذَا بِأَحْمَدٍ؟! ... يُسَاقُ إِلَى المَأْمُونِ وَالقَيْدُ يُوجِعُ
يَمُوتُ ابْنُ نُوحٍ فِي السَّلَاسِلِ مُوثَقًا ... كَأَنِّي بِهِ يُوصِي وَأَحْمَدُ يَسْمَعُ
يُسَجِّيهِ فِي تِلْكَ الفَلَاةِ ابْنُ حَنْبَلٍ ... يُقَبِّلُ رَأْسًا لِابْنِ نُوحٍ فَيَدْمَعُ
أَمَا صَنَعُوا هَذَا بِشَيْخِ كِنَانَةٍ ... تَرَحَّلَ عَنْ دَارٍ بِمَكَّةَ يُسْرِعُ؟!
وَسَارَ إِلَى أَرْضِ الخِلَافَةِ وَحْدَهُ ... يُنَاظِرُهُمْ لَـمَّا تَطَاوَلَ لُكَّعُ!
فَبَكَّتَهُمْ عَبْدُ العَزِيزِ بِحُجَّةٍ ... تُضِيءُ كَشَمْسٍ بَعْدَ ظَلْمَاءَ تَطْلُعُ
وَأَلْجَأَ بِشْرًا وَالجُـمُوعَ أَذِلَّـةً ... إِلَى حَيْدَةٍ كُبْرَى فَطَعْنُهُ مُخْضِعُ
فَلَمْ يُـجْدِ مَعْ ذَاكَ الكِنَانِيِّ جَمْعُهُمْ ... وَعَسْكَرُهُمْ حَيْثُ البَوَارِقُ تَلْمَعُ
وَهَذَا أَبُو ذَرٍّ وَقَدْ كَانَ شَوْكَةً ... بِحَلْقِ ذَوِي الأَهْوَاءِ لَا لَيْسَ تُنْزَعُ
يُقَدَّمُ شَيْخٌ مِنْ هَرَاةٍ مُبَجَلٌّ ... إِلَى السَّيْفِ خَمْسًا رُبَّمَا يَتَضَعْضَعُ!
يَقُولُ اقْطَعُوا رَأْسِي فَلَسْتُ بِرَاجِعٍ ... وَمَا ضَرَّ رَأْسًا حِينَ فِي الحَقِّ يُقْطَعُ!
أَمَا سَجَنُوا فِي قَلْعَةٍ خَيْرَ مَنْ مَشَى ... عَلَى الأَرْضِ فِي ذَاكَ الزَّمَانِ وَرَوَّعُوا؟!
فَيَمْكُثُ فِي سِجْنٍ هُنَالِكَ صَابِرًا ... وَيَـخْرُجُ مَحْمُولًا بِقَبْرِهِ يُوضَعُ!
لِحَرَّانَ طُوبَى إِنَّهَا أَنْجَبَتْ فَتًى ... تُبَاهِي بِهِ البُلْدَانَ وَاللهُ يَرْفَعُ
فَقَدْ صَارَ لِلْإِسْلَامِ شَيْخًا مُبَجَّلًا ... عَلَى فَضْلِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ مُجْمَعُ
أَمَا حَارَبَ الشَّيْخَ ابْنَ بَادِيسَ ثُلَّةٌ ... وَقَدْ قَامَ فِيهِمْ بِالحَقِيقَةِ يَصْدَعُ؟!
فَأَزُّوا إِلَى دَارِ الإِمَامِ سَفِيـهَـهُمْ ... بِخِنْجَرِهِ المَشْحُوذِ وَاللهُ يَمْنَعُ
وَكَانُوا مَعَ الكُفَّارِ ضِدَّ إِمَامِـهِمْ! ... كَذَلِكَ أَصْحَابُ البَدَائِعِ تَصْنَعُ
أَمَا اقْتِيدَ أَلْبَانِـيُّ شَـامٍ مُقَيَّدًا ... إِلَى قَلْعَةٍ جُدْرَانُهَا تَتَصَدَّعُ؟!
لَقَدْ عُمِّرَتْ وَاللهِ قَلْعَةُ شَامِنَا ... وَكَانَتْ لِلُقْيَا نَاصِرٍ تَتَطَلَّعُ
فَبَعْدَ أَخِي حَرَّانَ حَنَّتْ لِمِثْلِهِ ... يُخَبِّرُهَا العُوَّادُ عَنْهُ فَتَسْمَعُ
وَيَأْتِي إِلَيْهَا نَاصِرٌ لِيَعُودَهَا ... أُصُولٌ تَلَتْهَا فِي الشَّدَائِدِ أَفْرُعُ
أَبَا أَنَسٍ صَبْرًا فَإِنَّكَ مُقْتَفٍ ... سَبِيلَ هُدَاةٍ مُهْتَدِينَ؛ أَتَرْجِعُ؟!
عَلِمْتَ -رَعَاكَ اللهُ- أَنَّ سَبِيلَهُمْ ... سَبِيلُ أَذًى مِنْهُ الجِبَالُ تَضَعْضَعُ
فَمَا حَارَبَ الأَعْدَاءُ فِيكَ مُحَمَّدًا ... أَرَادُوا يَقِينًا مَا تَبُثُّ وَتَزْرَعُ
أَرَادُوا الَّذِي عَلَّمْتَهُ وَنَشَرْتَهُ ... وَكُنْتَ بِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ تَصْدَعُ
وَعُذْرًا -رَعَاكَ اللهُ- إِنْ كُنْتُ مُوصِيًا ... لِمِثْلِكَ مَعْ أَنِّي أَقَلُّ وَأَوْضَعُ
أَلَمْ يُوصِ حَبْرَ المُسْلِمِينَ ابْنَ حَنْبَلٍ ... أَبُو الهَيْثَمِ العَيَّارُ وَالسَّوْطُ يُرْفَعُ؟!
يَقُولُ تَجَلَّدْ لِلْبَلَاءِ إِمَامَنَا ... فَإِنَّكَ رَأْسٌ فِي البَرَايَا وَمَرْجِعُ
وَلَا تُعْطِهِمْ مَا يَبْتَغُونَ فَإِنَّهَا ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقَشَّعُ
يَبُثُّ وَصَاةً لِلْإِمَـامِ مُثَبِّتًا ... وَأَحْمَدُ يُصْغِي لِلْوَصَاةِ وَيَسْمَعُ!
يَقُولُ لِيَ العُذَّالُ مَهْلًا رَفَعْتَهُ ... وَأَحْلَلْتَهُ حَيْثُ السُّهَى يَـتَرَبَّعُ!
فَقُلْتُ لَهُمْ كَلَّا أَرَانِي مُقَصِّرًا ... مُحَمَّدُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ أَرْفَعُ
هُوَ العَالِمُ الفَهَّامَةُ المُتَفَنِّنُ الْــ ... ـأَدِيبُ الأَرِيبُ الأَلْمَعِيُّ السَّمَيْدَعُ
هُوَ الحَافِظُ النَّقَّادُ قَلَّ نَظِيرُهُ ... هَنِيئًا لِمَنْ كَانَتْ تُرَبِّي وَتُرْضِعُ
هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ الجَوَانِبِ جِئْتَهُ ... يُفِيدُكَ عِلْمًا بَلْ مُحَمَّدُ أَوْسَعُ
جِهَادُهُ لِلْأَهْوَاءِ مُذْ كَانَ أَمْرَدًا ... وَطَعْنُهُ فِي نَحْرِ البَدَائِعِ مُوجِعُ
تَقَدَّمَ لَمَّا أَنْ تَأَخَّرَ غَيْرُهُ ... فَإِنَّهُ مِنْ لَيْثِ العَرِينَةِ أَشْجَعُ
وَقَدْ شَابَ مِنْهُ العَارِضَانِ أَلَمْ يَكُنْ ... مَشِيبُهُ يَا أَهْلَ التَّمَيُّعِ يَشْفَعُ؟!
مُحَمَّدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ابْنُ حَنْبَلٍ ... وَإِنْ قَالَ أَقْوَامٌ غَلَوْتَ وَشَنَّعُوا
كَمَا قِيلَ قَبْلَ اليَوْمِ فِيكَ تَصَوُّفٌ ... كَأَنِّي بِأَوْرَادِ ابْنِ سَبْعِينَ مُولَعُ
وَمَا كُنْتُ صُوفِيًّا يُقَدِّسُ شَيْخَهُ ... وَلَكِنَّ دَفْعَ الظُّلْمِ بِالشِّعْرِ يُشْرَعُ
وَلَسْتُ أَرَى التَّقْدِيسَ دِينِي فَإِنَّنِي ... عَلَى النَّهْجِ سُنِيٌّ لِأَحْمَدَ أَتْبَعُ
وَلَكِنَّ ذَنْبِي قَدْ عَلِمْتُ قَصَائِدِي ... أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ نِبَالٍ وَأَوْجَعُ
أُبَشِّرُهُمْ أَنَّ القَصَائِدَ حِرْفَتِي ... وَعَنْهَا بِإِذْنِ اللهِ لَا لَسْتُ أُقْلِعُ
فَإِنْ يَسْكُتُوا نَسْكُتْ كَمَا قَالَ أَحْمَدٌ ... وَإِلَّا فَطَعْنٌ بِالقَوَافِي مُرَوِّعُ
كتبه أبو ميمونة منوّر عشيش -عفا الله عنه-
تعليق