بسم الله الرحمن الرحيم
أقوال علماء لم تنل اجتهاداتهم حظّها من الطباعة والنشر؛ من مقدمة تحقيق مفتاح الوصول للعلّامة فركوس.
الحمد لله الذي خلق الخلق ليبرهنوا عليه، وبعث فيهم رسلا منهم يهدونهم إليه، صلى الله عليهم عموما، وعلى محمد وآله خصوصا صلاة نجدها بين يديه.
أما بعد:
فإن العلم أجمل السجايا الإنسانية، وأجزل العطايا الربانية، لا سيما علم الشريعة، إذ هو في سماء المعلوّات أسطع بدرا، وأهله من بين أولي الدرجات أرفع قدرا، بجنة رعايته يتحصن يوم الفزع الأكبر من العذاب الأليم، وبنور هدايته يستضاء في ظلم الحشر إلى جنات النعيم، فلقد فاز بالسعادة من أحيا به رسما دائرا، وحاز مع المسلمين فيه قسما وافرا.[1]
ومن هؤلاء: الإمام الشريف التلمساني رحمه الله، "فارس المعقول والمنقول، صاحب الأصول والفروع، المتوفّى سنة (771 ه- 1370 م)" [2]، ألّف كتابه: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول الذي يُعَدّ من أعظم الكتب في مجال تخريج الفروع على الأصول، وقد زاده بهاء وأخرجه في حلة قشيبة الشيخ العلّامة مفتي الغرب الإسلامي: محمد علي فركوس حفظه الله تعالى، فقد عُنِيَ بدراسته وتحقيقه، فجزاه الله خير الجزاء وأفره، ثم إني أثناء مطالعتي لمقدمة تحقيقه وقفت على درة نفيسة؛ وهي أن الشيخ عند عرضه لمضمون كتاب المفتاح ومحتواه ذكر ميزة عظيمة له، وهي: أنه قد جاء مشتملا على جملة من أقوال العلماء ممن لم تنل اجتهاداتهم حظّها من الطباعة والنشر، فقام الشيخ حفظه الله بذكر أولئك العلماء مع الإشارة إلى أقوالهم وترتيبها، فالفضل بعد الله جل وعلا أولا للإمام التلمساني الذي حفظها لنا في كتابه وثانيا للشيخ فركوس الذي نبّه عليها وأشار إليها وذكرها، فجزاهما الله خيرا.
وقد أحببت نقل هذه الدرة النفيسة لإخواني حتى يستفيدوا منها، وهاهي كما كتبها الشيخ حفظه الله:
" … وبعد هذا فقد جاء محتوى الكتاب مشتملا على جملة من أقوال العلماء ممّن لم تنل اجتهاداتهم حظّها من الطباعة والنشر أمثال:
• أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيديّ الأزديِّ البصريِّ، المتوفّىَ سنة (170 ه- 786م) الذي نقل أنّ الإهاب للجلد من غير أن يقيِّده بأنه مدبوغ.[3]
• وأبي عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسيِّ العامريِّ الجعديِّ المالكيِّ، المتوفىَّ سنة (204ه – 819م) في قوله بصحة صلاة المؤتمِّين بالعبد والمسافر إذا كانا إمامين في الجمعة، بناء على قاعدة أن: "الأمر بواحد من أشياء يقتضي وجوب الجميع ". [4]
• وأبي محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصريِّ المالكيِّ، المتوفَّى سنة (214ه – 829م) في قوله: " السابق بالعقد أولى" في مسألة المرأة إذا عقد عليها وليّان لزوجين ودخل الثاني منهما ولم يعلم بالأول. [5]
• وأبي بكر محمّد بن القاسم بن بشَّار الأنباري النحويِّ، المتوفى سنة (328 ه – 940م) في ذكره أن القرء مفردا يحتمل الطهر والحيض، فإن جُمع على أقراء فالمراد به الحيض: كقوله صلى الله عليه وسلم: " دَعِي الصلاة أيام أقرائك"، وإن جمع على قروء فالمراد به الطهر كقول الشاعر:
لمِاَ ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نسَائِكَا. [6]
• وأبي عبد الله الحسين بن عليّ الحنفيِّ المعتزليِّ الملقَّب بالجُعل، المتوفَّى سنة (369ه – 797م) في قوله: إنه ليس بشرط أن لا يكون الأصل المقيسُ عليه فرعا عن أصل آخَرَ، بل يجوز القياس على ما ثبت حكمه بالقياس. [7]
• وأبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهريِّ المالكيِّ، المتوفَّى سنة (375ه – 985م) في قوله: إن أوامر الله تعالى تقتضي الوجوبَ، وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي الندبَ. [8]
• وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد البصريِّ المالكيِّ، المتوفَّى في أواخر القرن الرابع الهجري في بنائه مسألةَ التيمم – من حيث وجوبه لكلّ صلاةٍ أو إجزاءُ الواحد ما لم يحدث- على مسألة كون الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه،[9] وحكايته عن مالك القول بالوجوب في حكم فعله صلى الله عليه وسلم وقال: "ورأيته في "موطَّئه" يستدل بأفعاله كما يستدل بأقواله"[10]، كما ذكر –أيضا- مذهب مالك أنّ: " الأمر بالشيء نهي عن ضده"، ونقل عنه ذلك الاجتهاد من ناحية كون مالك رحمه الله يقول بمفهوم المخالفة. [11]
• وأبي بكر محمد بن الطيِّب بن محمد بن جعفر المشتهر بالقاضي الباقلَّانيِّ المالكيِّ، المتوفَّى سنة (403ه – 1012م) في ذكره أن حقيقة النسخ الرفع. [12]
• والأستاذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران الإسفرايينيِّ الشافعيِّ، المتوفَّى سنة (418ه – 1027م) في نقله للإجماع على أن تقدُّم الوجوب لا يكون قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي. وقد حقّق المسألة بقوله: " والحقُّ أن في ذلك خلافا".[13]
• والقاضي أبي زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدّبوسيِّ البخاريِّ الحنفيِّ، المتوفَّى سنة (430ه-1038م) في قوله: " المناسبُ: ما لو عُرِضَ على العقول تلقّته بالقبول". [14]
• وأبي محمد عليِّ بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالبٍ الأندلسيِّ الظاهريِّ، المتوفَّى سنة (456ه- 1063م)، وقد ذكر أنه ثقة في النقليات.[15]
• أبي محمد عليِّ بن محمد الربعيِّ الصفاقصيِّ المالكيِّ المعروف باللخميِّ صاحب "التبصرة"، المتوفى سنة (478 ه- 1080م) فيما انفرد به عن المالكية بقوله بجواز طرح بعض أهل السفن بالقرعة إذا خيف غرق جميعهم". [16]. [17]
انتهى النقل، وجزى الله خيرا الإمام التلمساني والعلّامة محمد علي فركوس، وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
الهوامش:
1- مفتاح الوصول: ص (325).
2- مقدمة التحقيق: ص (8).
3- انظر: (ص 576).
4- انظر: (ص 435).
5- انظر: (ص 816).
6- انظر: (ص 481).
7- انظر: (ص732).
8- انظر: (ص 416).
9- انظر(ص 424).
10- انظر (ص624).
11- انظر: (ص 452).
12- انظر: (ص649).
13- انظر: (ص455).
14- انظر: (ص767).
15- انظر: (ص 678)، وأشار الناسخ الونشريسي أحمد بن يحي على الهامش عبارة: "اعرف أنّ ابن حزم ثقة في النقليات" ش(66 أ).
16- انظر: (ص 771).
17- مقدمة التحقيق ص:277-280.
أبو أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.
تعليق