إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أَثْبِتْ سَلَفِيَّتَك! مَوَاقِفُ أَثَريَّة خَلَّدَ ذِكْرَهَا التَّارِيخ!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أَثْبِتْ سَلَفِيَّتَك! مَوَاقِفُ أَثَريَّة خَلَّدَ ذِكْرَهَا التَّارِيخ!

    أَثْبِتْ سَلَفِيَّتَك!
    مَوَاقِــــــــــــفُ أَثَرِيَّة خَلَّدَ ذِكْرَهَا التَّــارِيـــــــــخ!



    بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
    الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ المُرْسِلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

    فَإِنَّ الاِنْتِسَابَ إِلَى الشَّرَفِ وَأَهْلِهِ مَطْلَبٌ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، فَتَرَاهُمْ يَبْذُلُونَ الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ..

    وَإِنَّ الاِنْتِسَابَ إِلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ شَرَفٌ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الشَّرَفِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَهُوَ وَاجِبُ القَبُولِ كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ الله: " لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إِلَيْهِ وَاعْتَزَى إِلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالاِتِّفَاقِ، فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا " [مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤٩/٤) ].

    وَحَيْثُ إِنَّ الدَّعْوَى لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الاِنْتِسَابَ إِلَى المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِـ " العَمَلِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ "، وَرَأْسُ السَّلَفِ الصَّالِحِ هُمُ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الَّذِينَ أَخَذُوا الدِّينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَفَهِمُوهُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ الصَّحِيحِ.

    وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ نَقِفُ -مَعْشَرَ الأَحِبَّةِ- وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ مَعَ خُلُقٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ فِيمَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: « مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْض أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِي.


    فَمِنْ ذَلِكَ:
    قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وَهِيَ تَحْكِي عَنْ حَادِثَةِ الإِفْكِ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ -زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَمْرِي: « مَا عَلِمْتِ؟ » فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا "، -وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ-، رَوَاهُ الشَّيْخَان.

    وَهَذَا المَوْقِفُ مِنْ أَعْظَمِ المَوَاقِفِ فِي الوَرَعِ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ كُنَّ يَتَنَافَسْنَ فِي الظَّفَرِ بِالمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَا كَانَ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنْ تَتَّخِذَ مِنْ حَادِثَةِ الإِفْكِ مَطِيَّةً لِلتَّنَقُّصِ مِنْ ضَرَّتِهَا، وَإِنَّمَا تَوَرَّعَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَحَفِظَتْ لَهَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- هَذَا المَوْقِفَ النَّبِيل.

    وَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي حَادِثَةِ الإِفْكِ أَيْضًا: دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: « أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ »، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ.

    وَكَانَ هَذَا -مِنْهَا- مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ الدِّفَاعِ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْح ( ٤٧٠/
    ٨ ): قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْبَدِيعِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ، فَغَفْلَتُهَا عَنْ عَجِينِهَا أَبْعَدُ لَهَا مِنْ مِثْلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهَا فِي رِوَايَة هِشَامِ بْنِ عُرْوَة: " مَا عَلِمْتُ إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى الذَّهَبِ الأَحْمَرِ "، أَيْ: كَمَا لَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ إِلَّا الخُلُوصُ مِنَ العَيْبِ فَكَذَلِكَ أَنَا لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا الخُلُوصُ مِنَ العَيْبِ، وَفِي رِوَايَة ابْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ فَقَالَتِ الجَارِيَةُ الحَبَشِيَّةُ: " وَاللهِ لَعَائِشَةُ أَطْيَبُ مِنَ الذَّهَبِ، وَلَئِنْ كَانَتْ صَنَعَتْ مَا قَالَ النَّاسُ لَيُخْبِرَنَّكَ اللهُ "، قَالَتْ: فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ فِقْهِهَا. اهــ

    وَرَوَى ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ عَنِ اِبْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي النَّجَّارِ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ -خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ- قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ أَيُّوبَ: " يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الكَذِبُ، أَكُنْتِ يَا أُمَّ أَيُّوبَ فَاعِلَةً؟ قَالَتْ: لَا وَاَللهِ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَهُ، قَالَ: فَعَائِشَةُ -وَاللهِ- خَيْرٌ مِنْكِ " [
    ٢/ ٣٠٢ ].
    الله أَكْبَر!!
    حَسَمَ أَبُو أَيُّوبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الأَمْرَ فِي أَوْجَزِ عِبَارَة، كَانَتْ كَافِيَةً لِقَطْعِ الشَّكِّ بِاليَقِينِ، وَالبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الكَذِبِ والبُهْتَان، وَعَدَمِ عَوْدَةِ أُمِّ أَيُّوبَ لِهَذَا المَوْضُوعِ أَبَدًا، وَفِيهِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ كَمَا فِي رِوَايَة.

    وَفِي صُوَرٍ أُخْرَى أَبْلَغُ فِي دِفَاعِ الصَّحَابَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ:

    مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
    فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي *** لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ


    فَأَيُّ نُبْلٍ هَذَا -عَزَّ وُجُودُهُ فِي رِجَالِ زَمَانِنَا- فِي اعْتِذَارِهَا لِمَنْ وَقَعَ فِي عِرْضِهَا، وَذَلِكَ بِالدِّفَاعِ عَنْهُ وَعَدَمِ قَبُولِ الطَّعْنِ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ وَقَعَ فِي مَقَالَةِ السُّوءِ ثُمَّ تَابَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

    وَفِي مَوْقِفٍ آخَرَ، رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوك قَوْلَهُ: وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ -وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ-: « مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ »، قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
    قَالَ النَّوَوِي فِي المِنْهَاج (
    ١٧ / ٨٩): " هَذَا دَلِيلٌ لِرَدِّ غِيبَةِ المُسْلِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَتِّكٍ فِي البَاطِلِ وَهُوَ مِنْ مُهِمَّاتِ الآدَابِ وَحُقُوقِ الإِسْلَامِ ". اهـ

    وَالَّذِي يَسْتَوْقِفُكِ فِي هَذَا المَشْهَدِ هُوَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ التَّخَلُّفُ عَنِ الغَزْوَةِ بِلَا رَيْبٍ، وَمَعَ ذَلِكَ أَقَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَلَى هَذَا الدِّفَاعِ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا.

    فَأَيْنَ النَّاسُ اليَوْمَ مِنْ هَذِهِ المَوَاقِفِ النَّادِرَةِ فِي زَمَانِنَا؟
    وَلَوْ جَلَسْتُ أَتَتَبَّعُ مَوَاقِفَ الصَّحَابَةِ وَسَادَةِ التَّابِعِينَ وَالعُلَماءِ لَخَرَجْنَا بِسَفْرٍ فِي هَذَا الأَمْرِ..

    وَالقَصْدُ مِنْ هَذِهِ المُقَدَّمَةِ هُوَ الكَلَامُ عَنِ اِنْتِشَارِ الأَخْبَارِ وَالشَّائِعَاتِ، وَبِنَاءِ بَعْضِ الإِخْوَةِ الأَحْكَامَ عَلَى النَّاسِ وَاِتِّخَاذِ المَوَاقِفِ مِنْهُمْ اِسْتِنَادًا إِلَيْهَا..

    نَعُودُ إِلَى زَمَنٍ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَنَّا، قَبْلَ حَوَالَي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الآن، أَحْدَثَ رَجُلٌ مِنَ الجَنُوبِ الجَزَائِرِي فِتْنَةً أَتَتْ عَلَى الأَخْضَرِ وَاليَابِس، وَكَانَ يَتَّصِلُ عَلَى المَشَايِخِ السَّلَفِيِّينَ وَيَنْقُلُ لَهُمْ أَخْبَارًا مُزَيَّفَةً مَشْحُونَةً بِالكَذِبِ، وَكَانَ العُلَمَاءُ يُفْتُونَهُ بِنَاءً عَلَيْهَا..
    وَأَخْطَرُ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّ تِلْكَ الأَخْبَارَ كَانَتْ -عِنْدَ العُلَماءِ وَكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ- مِنْ قَبِيلِ الخَبَرِ الَّذِي لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، وَأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَبَلَغَتْ حَدًّا لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا مَعَه!، فَمَنْ كَذَّبَهَا أَوْ رَدَّ الحُكْمَ المَبْنِيَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالضَّحِيَّةِ.
    أَلَا تَذْكُر ؟!!، أَمْ أَنَّكَ نَسِيتَ سَرِيعًا ؟!!

    وَحَيْثُ إِنَّهُ « لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ » فَإِنَّنَا مَا نَسِينَا، بَلْ تَعَلَّمْنَا مِنْ تِلْكَ المِحْنَةِ التَّأَنِّيَ وَعَدَمَ العَجَلَةِ.

    فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ، وَأَبَيْتَ إِلَّا الحُكْمَ عَلَى النَّاسِ بِمَا بَدَا لَكَ، فَإِنِّي سَائِلُكَ:

    فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الجَنُوبِيُّ -عَفَا اللهُ عَنْهُ- يَنْشُرُ تِلْكَ الشَّائِعَاتِ وَالأَكَاذِيبَ فِي حَقِّ مَشَايِخِنَا وَيَنْسِبُهَا إِلَيْهِمْ زُورًا وَبُهْتَانًا، هَلْ كَانَتِ الأَحْكَامُ الصَّادِرَةُ فِي حَقِّ المَشَايِخِ أَحْكَامًا مُعْتَبَرَةً أَمْ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى بَاطِلٍ؟!

    إِنْ قُلْتَ هِيَ مُعْتَبَرَةٌ، فَأَنْتَ تَعْتَقِدُ أَنَّ مَشَايِخَنَا كَانُوا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ أَهْلَ أَهْوَاءٍ وَبِدَعٍ وَالآنَ تَابُوا، وَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ..

    وَإِنْ قُلْتَ هِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِنَاءًا عَلَى أَنَّ الأَخْبَارَ مَكْذُوبَةٌ، قُلْنَا إِنَّ أَحْكَامَكَ عَلَى إِخْوَانِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ -كَذَلِكَ- لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَخْبَارٍ مَكْذُوبَةٍ بِالأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينِ، فَنَحْنُ أَمَامَ حُكْمِ اللهِ سَوَاسِيَة.
    أَحَرَامٌ عَلَى بَلَابِلِهِ الدَّوْحُ *** حَلَالٌ لِلطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ

    ثُمَّ إِنْ سَلَّمَنَا لَكَ جَدَلًا أَنَّ إِخْوَانَكَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَا تَقُول، أَيْنَ هُوَ الهَدْيُ النَّبَوِيُّ « مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟! »، وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِإِخْوَانِكَ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بَعْدَ الوِشَايَةِ الكَاذِبَةِ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص، قَال عُمَر: " ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ "، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ ؟!، أَثْبِتْ سَلَفِيَّتَكَ فِي ادِّعَاءِ الاِنْتِسَابِ إِلَيْهِم!

    وَمِمَّا تَعَلَّمْنَاهُ فِي إِحْسَانِ الظَّنِّ بِالنَّاسِ أَنَّهُ:
    - إِذَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدِ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الجُلُوسِ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، فَإِنَّنَا نَعْتَذِرُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ -وَبِكُلِّ أَسَفٍ- مَعْلُومُ الحَال!!.. ( أَثْبِتْ سَلَفْيَّتَك! ).

    - وَإِذَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدِ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ لَا يَهْجُرُ صَاحِبَ هَوًى، وَيَقُولُ ( أَخَافُ أَنْ يُؤْذِيَنِي ) فَإِنَّنَا نَعْتَذِرُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ تَسَلُّطَ النَّاسِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ الأَوْلَى بِمَنْ هَذَا حَالُهُ أَنْ يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَلَا يؤْذِي الدَّعْوَةَ بِمَوَاقِفِه ذِي!!..
    ( أَثْبِتْ سَلَفْيَّتَك! ).

    - وَإِذَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدِ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ يُلِينُ جَانِبَهُ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَلَا يَقْبَلُ الطَّعْنَ فِيهِ، فَإِنَّنَا نَعْتَذِرُ لَهُ بِأَنَّهُ ( يُنَاصِحُهُ ) رَجَاءَ أَنْ يَعُودَ، مَعَ أَنَّ عَقْدًا مِنَ الزَّمَنِ لَيَكْفِي المُلْحِدَ لِيُؤْمِنَ بِالله!!..
    ( أَثْبِتْ سَلَفْيَّتَك! ).

    - وَإِذَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدِ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ يَقُولُ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ: مَا لَهُمْ وَلِلكَلَامِ فِيهِ، هُوَ عَلَى الأَقَلِّ قَائِمٌ عَلَى ثَغْرٍ فِي الفِقْهِ المَالِكِي، اِعْتَذَرْنَا لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ زَجْرَ المُعْرِضِينَ عَنِ العِلْمِ المُشْتَغِلِينَ بِغَيْرِهِ!!، مَعَ أَنَّ الفِقْهَ لَا يُقَالُ فِي ( عُجَالَة ) !!
    ( أَثْبِتْ سَلَفْيَّتَك! ).

    وَرَغْمَ أَنَّ كُلَّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ لَا بِالدُّنْيَا، فَالأَوْلَى بِنَا أَنْ نَقِفَ مَوْقِفَ الأَوْزَاعِيِّ مَعَ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدٍ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، فَأَبَى الأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: " يَا ثَوْرُ، لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا لَكَانَتِ المُقَارَبَةُ، وَلَكِنَّهُ الدِّينُ ".

    وَرَغْمَ كُلِّ مَا جَاءَكَ وَيَأْتِيكَ عَنْ أَخِيكِ مِمَّا يُكْرَهُ فِي الدِّينِ والدُّنْيَا، فَكُنْ كَمَا قَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " لَا يَحِلُّ لِاِمْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً يَظُنُّ بِهَا سُوءًا، وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الخَيْرِ مَخْرَجًا "
    .

    وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ فَافْعَلْ مَا فَعَلَهُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عُبَيْد الجَابِرِي -حَفِظَهُ الله- حِينَ اتَّصَلَ عَلَيْهِ سَائِلٌ عَبْرَ الهَاتِفِ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الشَّيْخِ عُبَيْد أُمُورًا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ اِبْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ الله- قَالَ أَنَّهَا أَخْطَاء، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الشَّيْخُ عُبَيْد ذَلِكَ، فَقَالَ يَا شَيْخ، أَنَا سَأَقْرَأُ عَلَيْكَ بِالمَصْدَرِ مِنْ العُنْوَانِ وَالصَّفْحَةِ، فَقَالَ الشَّيْخُ عُبَيْد حَفِظَهُ الله: أَنْتَ عِنْدِي مَجْهُولٌ، وَالشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ثِقَةٌ عَالِمٌ، وَأَنَا لَا أَقْبَلُ كَلَامَ المَجَاهِيلِ فِي العُلَماءِ وَالثِّقَاتِ. اهــ
    فَبِمِثْلِ هَذَا الحَزْمِ تُقْطَعُ أَلْسُنُ الوُشَاةِ وَالكَذَّابِينَ، وَيَسْتَرِيحُ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحُ مِنْ فَاجِرٍ.

    وَفِي كَلِمَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ تَرْبَوِيَّةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ شَيْخِنَا وَعَالِمِنَا الفَاضِلِ الشَّيخ عَبْد الغَنِي عَوسَات -حَفِظَهُ الله- قَالَ: " لَا تَتَصَوَّرُوا وُجُودَ شَيْخٍ سَلَفِيٍّ تَخْلُو حَالُهُ مِنَ الأَخْطَاءِ، هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الخَيَالِ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ الخَطَأ مِنْهُ لَا يَسْتَدْعِي التَّحَامُلَ عَلَى إِسْقَاطِهِ، بَلْ نَسْعَى فِي نُصْحِهِ وَإِرْشَادِه ".

    هَكَذَا يَتَرَبَّى النَّشْءُ تَرْبِيَةً سَلَفِيَّةً، وَيَكُونُ -بِأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ- اِمْتِدَادًا حَقِيقِيًّا لِلقُرُونِ المُفَضَّلَة رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّالِحينَ فِيهَا.

    إِلَى هَاهُنَا يَنْتَهِي بِنَا الكَلَامُ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّكَ سَتَجِدُ مُسَوِّغًا لِفِعْلِكَ تَرْضَاهُ لِنَفْسِكَ وَتَأْبَاهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الجَنُوبِيِّ.

    وَإِنِّي لَأَغْتَمُّ هَمًّا وَحَزَنًا إِذْ تَرَسَّخَ فِي ذِهْنِي أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَتَّعِظُوا بِغَيْرِهِمْ، بَلْ لَمْ يَتَّعِظُوا حَتَّى بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا حَلَّ أَمْسِ بِهِمْ!!

    بَذَلْتُ لَهُمْ نُصْحِي بِمُنْعَرجِ اللِّوى *** فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ
    وَلَسْتُ أنَا مِنْ غُزَيَّةَ إِنْ غَــــــــــــوتْ *** أَبَــــــــــــــــــيْتُ وإِن تَـــرشُدْ غُـــــــــــزَيَّــةُ أرْشُدِ

    فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا المُضِيَّ فِي شَأْنِكَ وَنَهْجِك، فَاعْذُرْنِي أَنْ أَرْجِعَ بِنَفْسِي إِلَى زَمَنِ: ( مِنْ فَضْلِك، اِقْلِبِ الشَّرِيط )، فَإِنَّ أَنْفَاسِي عَلَيْهِ تَئِنّ، وَقَلْبِي إِلَيْهِ يَحِنّ..

    أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ..

    وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ..

    وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين..



    وَكَتَبَ -بِكُلِّ عَفْوِيَّةٍ وَبِلَا تَمَلُّق-
    أَبُو حَـــاتِم البُلَيْـــدِي
    رضْوَان حَدَّادِي
    ١٣ ذُو القَعْدَةِ ١٤٣٨ هــ
    التعديل الأخير تم بواسطة ضيف; الساعة 2017-08-05, 12:48 PM.

  • #2
    جزاك الله خيرا على الكلام الطيب المنظوم نظما محكما وبارك الله فيكم
    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الباسط لهويمل; الساعة 2017-08-05, 12:57 PM.

    تعليق


    • #3
      وَفِيكَ بَارَكَ اللهُ أَخِي عَبْدَ البَاسط..

      وَتَوْضِيحًا لِمَا اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ إِخْوَانِنَا:

      أَوَّلًا:
      مَضْمُونُ المَقَالِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ السَّلَفِيِّ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ البِدَعِ دَخْلٌ فِي هَذَا المَوْضُوعِ.

      ثَانِيًا:
      أَنَا عِنْدَمَا ذَكَرْتُ مَسْأَلَةَ التَّثَبُّتِ فَإِنَّنِي قَيَّدْتُهَا بِمِثَالٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ أَنَّ العَالِمَ يُفْتِي بِنَاءً عَلَى خَبَرِ الثِّقَةِ، وَلَكِنْ إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ ( ثِقَةَ ) النَّاقِلِ مَطْعُونٌ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَحْتَجَّ بِقَوْلِ العَالَمِ بَعْدَمَا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ النَّاقِلِ..

      وَأَمَّا إِنْ ثَبَتَ خَبَرُ نَاقِلِ الخَطَأ فِي حَقِّ مَنِ اِشْتَهَرَ بِسَلَفِيَّتِهِ وَصَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَثَبَتَتْ فِي العِلْمِ أَمَانَتَهُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى سَامِعِ الخَبَرِ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ الخَطَأ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ هَذَا السَّلَفِيُّ، ثُمَّ يَعْتَذِرَ لَهُ بِعُذْرٍ مَقْبُولٍ، وَيَسْتَفْصِلَ مِنْهُ إِنِ اِسْتَطَاعَ ذَلِكَ..

      مَدَارُ المَوْضُوعِ عَلَى هَذَا لِمَنِ اِسْتَبَانَ لَهُ الكَلَامُ، وَلَوْ تَفَطَّنَ القَارِئُ لَأَدْرَكَ أَنِّي أَوْرَدْتُ أَفْعَالَ مَنْ وَصَفْتُهُمْ بِـ ( إِخْوَانِنَا ) عَلَى أَنَّهَا أَخْطَاءُ..

      وَعَلَى القَارِئِ أَلَّا يَنْظُرَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ، حَتَّى لَا يَخْرُجَ بِحُكْمٍ مُسَبَّقٍ عَلَى مَا يَقْرَأُ..

      وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الإِخْوَةُ -حَفِظَهُم الله- قَدْ قَرَأُوا رُدُودَ شَيْخِنَا العَلَّامَةِ رَبِيع المَدْخَلِي عَلَى المأربي فِي مَسْأَلَةِ المُجْمَلِ وَالمُفَصَّل، فَقَدْ فَرَّقَ شَيْخُنَا - حَفِظَهُ الله - بَيْنَ بِدْعَةِ المأربي وَبَين حُسْنِ الظَّنِّ بِأَهْلِ السُّنَّة..

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا أخي رضوان.
        وبارك الله فيك على هذا التذكيرة وهذه النصيحة.

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أبو معاذ محمد مرابط مشاهدة المشاركة
          جزاك الله خيرا أخي رضوان.
          وبارك الله فيك على هذا التذكيرة وهذه النصيحة.
          آمِين وَإِيَّاكَ أَبَا مُعَاذ..

          تعليق


          • #6
            أحسنتم، جزاكم الله خيرا وبارك فيكم.

            تعليق

            الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
            يعمل...
            X