وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِن أَهلِها: عَبد المَالك رَمَضَاني: لَستُ مَعَ الحَلَبِيِّ فِي تَسَاهُلِهِ مَع بَعض المُخَالِفين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد:فقد كان الشيخ عبد المالك رمضاني جنديًّا مناضلًا عن السُّنة، وكان له جهادٌ مشكورٌ في نصرته السُّنةَ وأهلها، لكن مع الأسف لم يُفاجأ أهل السُّنة به إلا وهو في الضِّفة الأخرى ؛ ضفِّة أنصار البدع وحماتـها و الذَّابِّين عن زعمائها ومناهجهم وأفكارهم [قال نحوه الشيخ ربيع عن بكر أبو زيد ].
ثمَّ هو بين الفَينةِ و الأخرى يُفجِّر على أهل السنة قنبلةً من قَنابلِه المُدوِّية، و كان من آخر قنابِله، تلك الصَّوتية المشؤومة التي سجَّلها مع جماعةٍ من المميِّعة، و على رأسهم: المسعودي الجلفاوي الجزائري، و الذي بدورِه تولَّى نشرها عنه و الدِّعاية لها في منتدى الحلبي، المُسمَّى « كل السلفيين » .
و كنتُ قد عزمتُ على تتبُّعه في تلك الصوتية التي لا يسع المرء عند سماعها إلَّا أن يحمد الله الذي عافاه مما ابتلى به أولئك، و فضَّله بالسُّنَّة على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، فهي مِمَّا يُضافُ إلى مهازله التي تدلُّ على المستوى الذي وصل إليه، و الدَّرك الذي نزل إليه، كما أنَّها تكشِفُ على النَّهج الجديد الذي بات ينتهجه عبد المالك .
و الحقيقة أنَّ كلَّ من سَمِعها هاجَت نفسه غيرةً على علماء السُّنة الذين صيَّرهم عبد المالك فاكهةً لمجلسه ذاك، بما كالَه لهم من تُهمٍ باطلةٍ، و سيولٍ من الطعونات، ناهيك عن السُّخرية و التَّهكُّم و الاستهزاء و الاستخفاف و الهمز و اللمز في السَّلفيين عمومًا و في هؤلاء المشايخ و العلماء خصوصًا، الذين يصفُهم بهتانًا و ظُلمًا و زورًا بغلاة التَّجريح، و زَعمِه و ادِّعائه بأنَّهم مخالفون للعلماء، و بأن جميع العلماء الكبار ضدهم بلا استثناء، و هي دعوى خطيرة أكثرَ من ترديدها في تلك الصوتيَّة بل و في غيرها، تضليلًا للأمَّة، و إرهابًا للسلفيين، و سيرى قارئ هذا المقال زيف هذه الدعوى العريضة، و عُريها عن الحقيقة و بُعدَها عن الواقع، و الله المستعان .
هذا؛ و من خرَجات عبد المالك التي تدلُّ على خروجه عن الجادَّة التي كان عليها سابقًا، بيانُه الأخير الذي كتبه بخطِّ يده و نُشر عنه في منتدى الحلبي المسمى « كل السلفيين »، تحت عنوان " عاجل بيان من الشيخ عبد الملك الرمضاني حول موقفه من الشيخ أبي الحسن المأربي و الشيخ علي الحلبي ".
و الذي قال فيه: « هذه نصيحةٌ قدَّمتها ﻷحد اﻹخوة العراقيين لما راسلني متأثرًا بما يشيعه عني من ﻻ يذكر حساب الله أنني أنصر المأربي و يهمه اﻹسقاط و اﻹقصاء ولو بأن يسقط في قيل وقال، فقلت له:
جزاك الله خيرًا على نصحك و حرصِك، لكن من قال لك إنني مع المأربي؟ فمن زعم هذا فاعلم أنه يكذب، وأما الحلبي فلست معه في أخطائه كتساهله مع بعض المخالفين لكنني معه في سلفيته العامة، وأنا في ذلك مع العلماء السلفيين جميعًا سوى العلماء الذين سميت أنت؛ ﻷن أدلتهم غير مقنعة، وما دام علقتني هنا بالعلماء فلا أعلم أحدًا من هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة مع هذا التوجه، بل كلمت بعضهم وسمعت البعض اﻵخر فوجدتهم بلا استثناء ينددون بالطريقة اﻹلزامية في التجريح، وليس من شرط السلفية أن تكون مع صنف من أهل العلم ﻷن الدليل هو المرجح ﻻ اﻻسم مع احترام جميع علماء السنة، وأنا كنت وﻻ أزال أرد على من تيقنت حزبيته، وأما أن أتحول إلى السلفيين فأنشغل بأخطائهم وأحاول إبراز أخطائهم في حجم أكبر مما هي عليه فأعوذ بالله أن يجعلني مفرقا ﻹخواني، ولذا أنصحك من كل قلبي أن ﻻ تهتم بهذه الخصومات الموجودة اليوم فأكثرها حظوظ نفس و ﻻ علاقة لها بالتمسك بهدي السلف، واشغل نفسك بالعلم، و ﻻ تشغل نفسك بهجر إخوانك من أجل هذه الموضوعات واحذر فإن أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، جمع الله القلوب على التوحيد والسنة
كتبه عبد الملك الرمضاني .
25 | شوال 10| 1438هـ/
19 |يوليو 07| 2017م »انتهى .
فها هُو عبد المالك رمضاني بعد كرٍّ و فرٍّ يشهَد على الحلبيِّ بأنَّه مُتساهِلٌ مع بعض المُخالفين، و الحقُّ و الفضل ما شهِدت به الأعداء و الخصوم كما يُقال، سِيما في مثلِ هذه الظُّروف التي اشتدَّ فيها وطيسُ الحربِ بين السَّلفيين و المميِّعة .
قال عبد المالك: « لكن من قال لك إنني مع المأربي؟ فمن زعم هذا فاعلم أنه يكذب، وأما الحلبي فلست معه في أخطائه كتساهله مع بعض المخالفين لكنني معه في سلفيته العامة » .
و في كلامه هذا شهادةٌ منه على انحراف الحلبيِّ في هذا الجانِب، و شهادةٌ ضِمنيَّةٌ للعلماء السلفيين الذين انتقدوا الحلبيَّ في هذا الأمر، و تصديقٌ لهم بأنهم لم يظلموه، و لم يفتروا عليه، كما لم يفتروا على غيره، بل أدانوه بما هو فيه، فالحمد لله .
ثم إنَّ ذِكرَ عبد المالك لخطأ الحلبيِّ هذا إنما هو على سبيل المثال لا الحصر، حيث استعمل كاف التمثيل، بعد ذكره لأخطاء الحلبي بصيغة الجمع، و هذا يُفيد كما هو ظاهرٌ أن ثمة أخطاء أخرى ينتقدها عبد المالك على الحلبي زيادة على الخطأ الذي مثَّل به، و لعلَّها أسوء من الخطأ الذي ذكره و أشدُّ قُبحًا منه!.
و إذا كان عبد المالك - على تساهله و صداقته الحميمية مع الحلبي و تنصيبه لنفسه مُدافعًا عنه و تحمُّلِه الأذى في سبيل ذلك كما صرَّح بذلك من نشر بيانَه-، قد انتقدَ عليه هذه الجملة من الأخطاء، فهي من بابٍ أولى محلُّ نقدٍ عند علماء السنة! و هو كذلك، فصار عبد المالك موافقًا لعلماء السنة الذين انتقدوا على الحلبي ما انتقدَه هو عليه من الأخطاء، فكيف يُسلِّم بعد ذلك للحلبي وصفَه لمن انتقده من العلماء السلفيين في هذه الأخطاء و غيرها بغلاة التجريح! و يُتابعه هو على وصفِهم بذلك! بل و يشنُّ عليهم الحرب باسم غلاة التجريح! و الحال أنه يُوافِقهم في كثيرٍ مما انتقدوه على الحلبي، و من ذلك تساهله مع المخالفين!؟ أليس هذا من العجب العُجاب! أفما علِمتَ يا عبد المالك أنَّك بوصفِك للحلبي بما وصَفتَهُ به من التَّساهُل مع المُخالفين و غيرِ ذلك مما تَنتقِده عليه من الأمور التي أجملتها و لم تُفصِح عنها، من غلاة التجريح عند الحلبي!؟ أين العقول!.
* و قولك يا عبد المالك: « و أما الحلبي فلست معه في أخطائه كتساهله مع بعض المخالفين »، هل هذا يكفي!، و هل تبرأ به ذمَّتك أمام الله! أليس السُّكوت عن هذه الأخطاء و عدم بيانها و إنكارها تغريرٌ بالمسلمين و غشٌّ لهم، و كتمانٌ للحق، و خذيلةٌ لأهله! و مُداهنةٌ للمبطلين!؟ أين أنت من الميثاق الذي أخذه الله تعالى على حملة العلم في قوله: { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ }.
و كلامُ العلماء في حكم هذا السُّكوت عن الباطل، و كتمان الحق و عدم الصَّدعِ به واضحٌ و معلوم، و كلُّهم مُتَّفقون على أنَّ عدم بيان الأخطاء و المُخالفات و السكوت عنها و كتمانها غِشٌّ للمسلمين، و خيانةٌ للأمانة، و نقضٌ للميثاق .
سُئل العلامة الفوزان حفظه الله هل عدم الرَّد على أهل البدع وكتمان باطلهم والدِّفاع عنهم يعتبر من الغشِّ للمسلمين؟
فأجاب حفظه الله: هذا من أكبر الغشِّ للمسلمين، السُّكوت على أهل البدع وعدم بيان بدعهم هذا من الغش للمسلمين، فإذا انضاف إلى هذا أنه يمدحهم ويثني عليهم فهذا أشد وأنكر والعياذ بالله، فالواجب على من عنده علم أن يُبَيِّن البدع والمحدثات وأن ينهى عنها ويُحذِّر منها ولا يسكت، السُّكوت هذا من الكتمان ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلَّا الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، لا يجوز للمسلم الذي عنده علم أن يسكت على البدع والمخالفات ولا يُبَيِّنُها للناس لأنه إذا سكت احتجَّ الناس به وقالوا: لو كان هذا محرَّمًا أو ممنوعًا ما سكت العالم الفلاني وهو يراه » [من صوتية منشورةٍ و مُفرَّغةٍ في شبكة سحاب السلفية] .
فأين أنت يا عبد المالك من طريقة العلماء؟، و أين أنت من نصائحهم و توجيهاتهم!؟ ألم تكن قد ملأتَ الدُّنيا ضجيجًا باتِّهام من تصِفهم بغلاة التجريح ظلمًا و عدوانًا: بمخالفة العلماء، و مخالفةِ العلماءِ لهم! و شنَّعت عليهم بذلك أيَّما تشنيع؟ فما بالك نراك واقعًا فيما رميت به غيرك، فهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على أنَّك أولى بهذا الوصف و أحقُّ به و أهله!؟
يا عبد المالك! لقد شهِدتَ بلسانك و بنانِك في بيانِك على الحلبي بأنه مُتساهِلٌ مع بعض المُخالفين، و هذا التَّساهُل منه-أي: من الحلبي-، مُخالفٌ لمنهج السَّلف و لا شك، كما لا يخفى على مِثلِك، فالحلبي إذن، في هذه المسألة من المُخالِفين! فعدمُ هجرِك له و براءتك منه كما فعل السَّلفيُّون، و حالتُه هذه، يدلُّ على أنك كذلك مٌتساهِلٌ مع المُخالِفين! و منهم الحلبي! فلا تنزَعِج بعد هذا ممن رماك بالتَّساهُل مع المُخالِفين و هجَرَك بسبب ذلك و تكلَّم فيك!
فإن قلتَ بأنَّ التساهُل مع المُخالفين لا يوجب الهجر و البراءة من المتساهِل، و إنما يكفي عدم موافقتك له في ذلك، مع بقاء الأخوة و الألفة و الاجتماع معه على السلفية العامة! .
قلنا لك: هذا هو مربطُ الفرَس، و هي الوقفة التي أردتُ في هذه السُّطور .
اعلم يا عبد المالك أنَّ مُجرَّد التَّساهُلِ مع المُخالِفين المبتدعين أصحاب الأصول الفاسدة و القواعد الكاسدة و المناهج المحدثة، عند أئمة الإسلام و في منهج السلف الصالح، ضلالٌ أيَّما ضلال، يُوجب البراءة من صاحبه بعد إعذارِه و إنذارِه، فكيف إذا انضاف إلى ذلك تلميعُه للمُخالِفين، و المُحاماة عنهم، و تأصيله للأصول الباطلة للدفاع عنهم، و الطعن فيمن بيَّن حالَهم و كشَفَ عوارَهم من علماء السنة و مشايِخها، كما فَعَله و يفعلُه الحلبي!؟
يا عبد المالك! إن هجر المُخالفين و التعنيف عليهم و عدم الجلوس إليهم أو التَّساهُل معهم ليُعتبَر من السُّنَّة اللازِمةِ المعلومةِ من منهج السلف بالضرورة، فمن خالف فيها سقط ثمَّ أُسقِط على أمِّ رأسه، و هذا ما لا يخفى حتى على السَّلفيِّ البادئ في الطلب، فإنك تجد تقريرَه في متون العقيدة المُقرَّرة للبادئين!.
فهذا الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله يقول في " لمعة الاعتقاد ":« و من السُّنة هجران أهل البدع و مُبايَنتهم وتركِ الجدال والخصومات في الدِّين، وترك النظر في كتب المبتدعة ، والإصغاء إلى كلامهم ، وكل محدثة في الدين بدعة »انتهى .
فمن السُّنة هجران أهل البدع و مُبايَنتهم، فالتساهل معهم تساهلٌ في السُّنَّة!
و قال الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن بطة العكبري – رحمه الله -: كما في " الشرح و الإبانة " ( ص 282 ):« و من السُّنة: مجانبة كل من اعتقد شيئًا مما ذكرناه ( أي: من البدع)، وهجرانه، والمقت له، وهجران من والاه، ونصره، وذبَّ عنه، وصاحبَه، وإن كان الفاعل لذلك يُظهر السنَّة »انتهى .
و هذا تأكيدٌ من هذا الإمام الكبير أنَّ مُجانبة المبتدعة و هجرانهم و المقت لهم و عدم التسَّاهل معهم من السُّنة اللَّازمة .
و ليس المراد بالسُّنَّة هنا ما يُقابِل الواجبَ من المستحبَّات و المندوبات التي لا جُناح على من تركها أو تساهل فيها! فإنَّ ذلك اصطلاحٌ حادثٌ كما نبَّه عليه غيرُ واحدٍ من أهل العلم، منهم العلامة ابن القيم رحمه الله كما في " تحفة المودود " (ص176)، فقال: « و تخصيص السُّنة بما يجوز تركه اصطلاح حادثٌ، و إلا فالسُّنة ما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من واجب ومستحب، فالسُّنة هي الطريقة وهي الشريعة والمنهاج والسبيل »انتهى.
و هي عند السَّلف و في عُرفهم تُطلق و يُراد بها ما يُقَابِلُ البدعة، فيقال هذه سُنَّة و هذه بدعة، و هذا سُنِّيٌّ و هذا مُبتدِع .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " مجموع الفتاوى" (28/178): « و َلَفْظُ « السُّنَّةِ » فِي كَلَامِ السَّلَفِ، يَتَنَاوَلُ السُّنَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ وَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ، يَقْصِدُونَ الْكَلَامَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ »انتهى .
و قال الشَّاطبيُّ رحمه الله في " الموافقات "(4/3):« يُطلق لفظُ السُّنة على ما جاء منقولًا عن النَّبي صلى الله عليه و سلم على الخصوص، مما لم ينصَّ عليه في الكتاب العزيز .. .
و يُطلقُ أيضًا، في مقابلةِ البدعة، فيُقال: فلانٌ على سُنَّة إذا عمِل على وِفقِ ما عمِل عليه النبي صلى الله عليه و سلم.. ، ويُقال: فلانٌ على بدعةٍ، إذا عمِل على خلاف ذلك »انتهى .
و قال الإمام البربهاري رحمه الله في " شرح السُّنَّة " (ص 463 شرح الفوزان): « كان ابن عون رحمه الله يقول عند موته: السُّنَّة، السُّنَّة، و إيَّاكم و البِدَع »انتهى.
قال العلامة الفوزان في " الشَّرح ": « قولُ ابن عون: « السُّنَّة، السُّنَّة » أي: الزموا السُّنة.
و قوله: « و إيَّاكم » تحذيرٌ، « و البِدع » ما خالَف السُّنة ».
فالسُّنَّة عند السَّلف تُقابِلُها البِدعة، فمن ترك السُّنة، و قع فيما يُخالِفها و هو البدعة، و من السُّنَّة هُجران أهل البدع و معاداتهم كما سبق من كلام الأئمة، فمن تساهل في هذه السُّنَّة و تركها بالتساهل مع أهل البدع و عدم هجرِهم و البراءة منهم، وقَع في البدعة و الضَّلالة، كما وقَع الحلبي، إذ ليس بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال! .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " مجموع الفتاوى "(7/173): « وَ هَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ لَا تَجِدُ أَحَدًا تَرَكَ بَعْضَ السُّنَّةِ الَّتِي يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْعَمَلُ إلَّا وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ وَلَا تَجِدُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ إلَّا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ السُّنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: « مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إلَّا تَرَكُوا مِنْ السُّنَّةِ مِثْلَهَا »انتهى .
فترك بعض السُّنَّة التي يجب التصديق و العمل بها يوقع في البدعة، و من السُّنَّة التي يجب العمل بها: هجر المُخالفين المبتدعة و عدم التساهل معهم كما سبق تقريرُه، فمن ترك فِعلَ ذلك وقع في البدعة، و من وقع في البدعة بعد إعذاره كما حصل مع الحلبي وجبت مُعاداته، و لزم هجره و التحذير منه، فأين أنتَ من ذلك يا عبد المالك .
* ثمَّ كيف إذا علِمنا بأنَّ معاداة أهل البدع و هُجرانهم و بغضهم و التحذير منهم و عدم التَّساهُل معهم ليس هو بِسُنَّةٍ فحسب! بل هو من أصول السنة! كما صرَّح به جماعةٌ من كبار الأئمة منهم الإمام اللالكائي في كتابه العظيم " أصول السنة " و كذا الإمام ابن أبي زمنين في كتابه " أصول السنة " كذلك، و منهم إمام أهل السنة المُبجَّل أحمد بن حنبل رحمه الله فقد قال في مُقدِّمة رسالته " أصول السنة "(ص1):« أصُول السُّنة عندنَا التَّمَسُّك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والاقتداء بهم وَترك الْبدع وكل بِدعَة فَهِيَ ضَلَالَة وَترك الْخُصُومَات و الجُلُوس مَعَ أَصحَاب الأَهوَاء »انتهى.
فترك الجُلُوس مَعَ أَصحَاب الأَهوَاء، و هجرهم، من أصول السُّنَّة التي لا يجوز التَّساهُل و لا التَّسامُحُ فيها بِحال، فمن تساهل فيها فقد تساهل في السُّنة بل في أصلٍ من أصولها!.
و إذا كان الأمر كما ذكر الأئمة، من أن مجانبة المبتدعة و معاداتهم و هجرانهم يُعتبر من السنَّة بل من أصولها، فما هو الواجِب على السَّلفيِّ تُجاه من يتساهل في هذه السُّنة بتساهله مع المُخالفين، و مجالستِهم و الذَّب عنهم كما هو حالُ الحلبيِّ فيما شهِد به عليه عبد المالك؟
لا أزيد في الجواب على هذا السُّؤال على كلامِ الإمام البغويِّ رحمه الله، حيث قال كما في " شرح السنة " (1/224): « فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلًا يتعاطى شيئًا من الأهواء والبدع معتقدًا، أو يتهاونُ بشيءٍ منَ السُّنن أن يهجره، و يتبرَّأ منه، و يتركه حيًّا وميِّتًا ، فلا يُسلِّم عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ، إلى أن يترك بدعته ، و يُراجع الحق »انتهى .
فهل فعل عبدُ المالك مع الحلبيِّ شيئًا من هذا؟ و قد علِم تهاونه ببعض السُّنن، بل مُخالفته لبعض الأصول؟ اللهم لا! بل رأيناه يرمي العلماء السَّلفيِّين الذين أعملوا قواعد أهل السُّنَّة و حكموا على الحلبي بالبدعة من منطلَقِها، و بمقتضى منهج السلف و أصولهم، غيرةً على الدِّين: بأنهم غلاة التَّجريح! فالله حسيبُه .
يا عبد المالك: اعلم بأنَّ كثيرًا من المخالِفين إنَّما و قعوا في البدعة و حكم عليهم السَّلف بها، و أمروا بهجرهم و حذَّروا منهم: بسبب تهاوُنِهم في بعض السنة التي منها تساهُلهُم مع المُخالفين، و لم يشترطوا مُخالفتهم للسنة من كلِّ وجهٍ أو من أكثر الوجوه، حتى يحكموا عليهم بالبدعة، كما هُو منهجُك الذي يُؤخذ من قولك السَّابِق: « وأما الحلبي فلست معه في أخطائه كتساهله مع بعض المخالفين لكنني معه في سلفيته العامة » .
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في " أدب الطلب " (ص72):« .. فَإِن أهل الْبدع لم ينكروا جَمِيع السُّنة وَلَا عَادوا كتبهَا الْمَوْضُوعَة لجمعها، بل حق عَلَيْهِم اسْم الْبِدْعَة عِنْد سَائِر الْمُسلمين بمخالفة بعض مسَائِل الشَّرْع »انتهى .
و من مسائل الشَّرع التي توقِع من خالفها في البدعة التساهُل مع المُخالفين، إذ هو تساهلٌ في السُّنَّة، بل في أصلٍ من أصولِها كما سبق من كلام الأئمة .
فإذا عرَفتَ هذا يا عبد المالك فلا يبقى من المنظور السَّلفيِّ محلٌّ من الإعراب لقولِك عن الحلبي: « لست معه في أخطائه ..، لكنني معه في سلفيته العامة »، لأنه لا قيمة لما سمَّيته بالسلفية العامة لمن وقع في أخطاء بدعيَّة، إذ أنهما لا يجتمعان أبدًا! فلا يكون الرَّجُل سُنِّيًّا مبتدِعًا!، بل لا يكون إلا مُبتدِعًا في مثل هذه الحال، و لا يعني هذا أن أهل السُّنَّة يمنعون اجتماع البدعة و السُّنَّة في شخصٍ واحدٍ! لا؛ و لكنهم يمنعون تجزئة السلفيَّة عند اجتماعها مع البدعة، فلا يقولون عمن هذا حاله مثلًا: سُنِّيٌّ مُبتدِعٌ، أو سلفيٌّ خَلَفيٌّ!
اللهم إلا في مجتهدٍ من أهل السنة وقع في بدعة عن تأويلٍ و اجتهاد سائغ، و لم يتبيَّن له الحق، و لم تُقَم عليه الحُجَّة، فقد يجتمع مع سلفيته بدعة طارئة غير مقصودة، فيُمكن أن يُقال عنه: سُنِّيٌّ وقع في بدعة، و هذا طبعًا إذا لم تُقم عليه الحجة .
لأنَّنا لو طرَّدنا قاعدتك يا عبد المالك في جميع المُخالفين، و التي مفادُها: أنَّنا لا نوافقهم على أخطائهم و مخالفاتهم و نكون معهم في سلفيَّتهم العامة، فلا يخرُج من السَّلفيَّة أحدٌ!، لأنه ما من واحدٍ منهم إلا و له موافقة للسنة و السَّلفيَّة من بعض الوجوه قليلة أو كثيرة، مهما عظمت أخطاؤه و كثرت!.
قال العلامة الفوزان حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى: « لا يجوز تعظيم المبتدعة، والثَّناء عليهم، ولو كان عندهم شيءٌ من الحق، لأنَّ مدحهم والثَّناء عليهم يُروِّج بدعتهم، ويجعل المبتدعة في صفوف المقتدى بهم من رجالات هذه الأمَّة، والسَّلف حذَّرونا من الثِّقة بالمبتدعة، ومن الثَّناء عليهم، ومن مجالستهم.. .
فالمبتدعة يجب التَّحذير منهم، ويجب الاِبتعاد عنهم، ولو كانَ عندهم شيءٌ من الحق، فإنَّ غالب الضُّلال لا يخلونَ من شيءٍ من الحق، ولكن ما دام عندهم ابتداع، وعندهم مخالفات، وعندهم أفكار سيئة؛ فلا يجوز الثَّناء عليهم، ولا يجوز مدحهم، ولا يجوز التَّغاضي عن بدعتهم، لأنَّ في هذا ترويجًا للبدعة، وتهوينًا من أمر السُّنَّة، وبهذه الطَّريقة يظهر المبتدعة، ويكونون قادة للأمَّة -لا قدَّر الله-.
فالواجب التَّحذير منهم، وفي أئمَّة السُّنَّة الَّذين ليس عندهم ابتداع في كلِّ عصر -ولله الحمد- فيهم الكفاية للأمَّة، وهم القُدوة، فالواجب اِتِّباع المستقيم على السُّنَّة، الَّذي ليس عنده بدعة.
• وأمَّا المبتدع فالواجب التَّحذير منه، والتَّشنيع عليه، حتَّى يحذره النَّاس، وحتَّى ينقمع هو وأتباعه، وأمَّا كون عنده شيءٌ من الحق؛ فهذا لا يُبرر الثَّناء عليه، لأنَّ المضرَّة الَّتي تحصل بالثَّناء عليه أكثر من المصلحة لما عنده من الحقِّ، ومعلومٌ أنَّ قاعدة الدِّين: «أنَّ درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح ».
وفي معاداة المبتدع درء مفسدة عن الأمَّة، ترجع على ما عنده من المصلحة المزعومة إن كانت، ولو أخذنا بهذا المبدأ لم يُضلل أحد، ولم يبدع أحد؛ لأنَّهُ ما من مبتدع إلاَّ وعنده شيء من الحق، وعنده شيءٌ من الالتزام، المبتدع ليس كافرًا محضًا، ولا مخالفًا للشَّريعة كلِّها، وإنَّما هو مبتدعٌ في بعض الأمُور، أو في غالب الأمور، وخصوصًا إذا كان الابتداع في « العقيدة »، و في « المنهج »، فإنَّ الأمر خطيرٌ؛ لأنَّ هذا يصبح قدوة، ومن حينئذٍ تنتشر البدع في الأمَّة، وينشط المبتدعة في ترويج بدعهم » [ من شريطٍ بعنوان " الإجابات العلميَّة والتَّوجيهات المنهجيَّة " ] .
فالحاصِل من هذا؛ أنَّ ترك بعض السُّنَّة التي يجب التصديق بها و العمل، كسُنَّة هجر المبتدعة و معاداتهم، و عم التَّساهُل معهم، يوقع في البدعة، و من وقع في البدعة بعد إعذاره كما حصل مع الحلبي وجبت مُعاداته، و لزِم هجرُه و التَّحذير منه، و على ذلك نقل غير واحدٍ من الأئمة الإجماع.
قال البغوي رحمه الله في " شرح السنة " (1/227):« وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة و مهاجرتهم »انتهى .
و قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في رسالته " عقيدة السلف وأصحاب الحديث " ( ص 123 ): « واتفقـوا مع ذلك، على القول بقهر أهل البدع، و إذلالهم، و إخزائهم، وإبعادهم، وإقصائهم، والتَّباعد منهم، ومن مصاحبتهم، ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم و مهاجرتهم »انتهى.
فهذا إجماع أهل السُّنَّة على معاداة أهل البِدع و بُغضهم و مُهاجرتهم و البراءة منهم، و عدم التساهل معهم بمصاحبتهم و مجالستهم .
و معلومٌ أنَّ المسائل التي هي محلُّ إجماعٍ عند السَّلف تُعتَبرُ من أصول دينهم و منهجهم، كما لا يخفى على من شمَّ رائحة السُّنة، فهي لا تتحمَّل الخلاف و لا يجوز فيها الخلاف أصلًا، و من خالف فيها خرج من السُّنة إلى البدعة، و سقط ثمَّ دُحرِجَ و أُسقِط، لأنها من الأصول، و من هنا حكم علماء السُّنَّة على الحلبي بالبدعة لمخالفته لهذا الأصل الأصيل، و تساهله مع المخالفين و المحاماة عنهم و الطعن فيمن كشفَ عوارهم .
فلماذا إذن تصفهم يا عبد المالك بغلاة التجريح تبعًا للحلبي، و الحال أنك توافقهم فيما انتقدوه عليه، و هم لم يزيدوا على سلوك منهج السلف و إعمال قواعِدهم!؟
و أما خلافُك لهم في الحكم عليه بعد موافقتِك لهم في أصل الانتقاد فلا قيمة له و لا عبرة به، لمخالفته لمنهج السلف و طريقتهم، و مناقضته لموازينهم التي يزنون بها الأقوال و الأفعال و المناهج، و قد سبق بيانُها .
و اسمع إلى إمام الأئمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: كما في " الفتاوى" (24/-172): « وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ... يَتَنَاظَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَةَ مُشَاوَرَةٍ وَمُنَاصَحَةٍ وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ وَالْعِصْمَةِ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ، نَعَمْ مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ خِلَافًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ فَهَذَا يُعَامَلُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ »انتهى .
فلا لوم إذن يا عبد المالك على علماءِ السُّنة الذين عاملوا الحلبيَّ مُعاملة أهل البدع و ألحقوه بهم، سالكين طريقة السلف و كبار الأئمة، لكونه خالف الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ و مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، من وجوب هجران أهل البدع و معاداتهم و عدم التَّساهل معهم .
قال العلامة النجمي رحمه الله كما في " الفتاوى الجلية"(ص209 -215) مُجيبًا على سؤالٍ لأبي الحسن المأربي هذا نصُّه: ما الذي حملكم أيها الشيخ الفاضل على تبديعي أولًا؟ ثم ما الذي حملكم على الثبات على ذلك و عدم التراجع؟
فكان مما أجاب به الشيخ النجمي رحمه الله أن قال: « .. و تواطئِك مع المبتدعة حيث تمدحهم، و تُثني عليهم، و تنسجم معهم، و لكنك تُعادي السلفيين، و تتكلم فيهم »انتهى .
و هذا هو حالُ الحلبيِّ، لا فرق، و هذا هو منهج السَّلفِ مع المُتهاونين بشيءٍ من السُّنة، و المتساهِلين مع المُخالِفين يا عبد المالك، و هذه موازين الأئمة الأعلام، فعليك بإعادَةِ النَّظر في موازينِك الخلفية فقد بدت هشاشتها، و ظهر هُزالها و مناقضتها لمنهج السلف، فاللهم أرنا الحقَّ حقَّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلًا و ارزقنا اجتنابه و لا تجعله مُلتَبِسًا علينا فنضل .
* ثم هل علِمت يا عبد المالك بأن التساهل مع المخالفين الذي شهِدتَ به على الحلبي، و قد عرفتَ بأنَّه تساهلٌ في السُّنَّة بل في بعض أصول السُّنَّة، يُناقِض أصلًا آخر من أصول السُّنَّة العِظام، جاء وصفه في السُّنَّة النَّبويَّة بأنه « أوثق عُرى الإيمان » ألا وهو أصل الولاء و البراء!؟ فإنَّ التساهُل مع المخالفين بعد معرفة حالِهم، يدلُّ على ضعف الولاء و البراء عند الرُّجل، بل هو منه تضييعٌ لهذا الأصل، و من ضيَّع هذا الأصل بعدم البراءة من المخالفين، و طرَّد الولاء للموافق و المُخالِف و ساوى بين الجميع في المُعاملة، و لم يُفرِّق بينهم، فهو من أهل البدع عند السلف، فكيف إذا عكس القضية و صار يوالي المخالفين و المبتدعة، و يُؤصِّل الأصول و القواعد للدِّفاع عنهم، و يُعادي من بيَّن حالهم و كشَف عوارَهم من علماءِ السُّنَّة! كما يفعله الحلبي، بل و تفعله أنت كذلك!؟ لا شكَّ أنَّ من كان هذا حاله، فإنَّ السَّلفية بريئةٌ منه، و أنه لا حظَّ له فيها، كما بيَّن ذلك علماؤنا، و إن ادَّعاها لنفسه فلا قيمة لدعواه، فإنَّ العبرة ليست بالدعاوى .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، في سياق بيانه لضلالات الإخوان المسلمين: « فما في الأصول العشرين من الضلال المتعمد يخرجهم عن أهل السنة بمقتضى منهج أهل السنة وأصولهم .
ومخالفتُهم في أصلِ الوَلاءِ والبَراءِ يُخرِجُهم عنِ أهلِ السُّنة »[ "مجموعة كُتب و رسائل الشيخ ربيع " ( 13/330) ].
وقال حفظه الله مبيِّنًا نظرة الإخوان المسلمين إلى العقيدة، ومنزلتها عندهم:« هذه العقائد ..تكون عنده مجرد نظرية ومجرد معرفة ولكنها أفكار لا قيمة لها عنده فلا يحبُّ أهلها ولا يواليهم، بل يُخاصِمهم و يُعاديهم و يتولَّى من انتظم في سلكِ الإخوان مهما فسدت عقيدَته، و مَهما حارَب أهلَ السُّنة و عقيدَتهم، فمثلُ هذا لا يكونُ إلَّا مُبتدعاً في ميزان أهلِ السُّنة، بل من شرِّ أهلِ البدع وأشدِّهم غدراً وخيانة للمنهج السلفي وأهله »[ "المرجع السابق "(13/333) ] .
و هذا هو حال الحلبي بمقتضى أصول أهل السنة، فلا لوم على السلفيين في الحكم عليه بما يستحقُّه، و لا جناح عليهم في تصنيفه مع المبتدعة، و قد رضيَ هو لنفسه سلوكَ هذا السبيل و انتهاجَ هذا الطَّريق، بعد أن نصحه العلماء، فهل يستقيم لك يا عبد المالك بعد هذا وصفَ من بدَّع الحلبيَّ من علماء السُّنَّة بغُلاة التجريح، و أنت تشهد عليه بما أنطق الله به لِسانك؟
نقول هذا؛ لأن بعض أهل الفتن من مُميِّعة و غيرهم، تراه يُشوِّش على أهل السنة بأنهم بدَّعوا فلانًا، أو حزَّبوا فلانًا، يُريد بذلك التَّشنيع عليهم عند العوام، لكنه يُخفي سبب تبديع أهل السُّنة له، كما يُخفي عنهم ضلالاتِه، و أباطيلِه، و يكتُم حُجَجَهم النَّاصعة و براهينهم الساطعة التي أوجبت الحكم عليه من قِبَلِهم بما حكموا عليه، الأمر الذي لو وقف عليه الناس لما وسعهم إلا التَّسليم التام بأحكام أهل السُّنة السَّلفيِّين، القائمة على العدل و الإنصاف، و على الرحمة و الشفقة بالمخالِف، و النُّصح المبين لعموم المسلمين .
* و قول عبد المالك: « و أما الحلبي فلست معه في أخطائه كتساهله مع بعض المخالفين لكنني معه في سلفيته العامة » .
فيه من المؤاخذات زيادةً على ما سبق، إعماله لقاعِدة الموازنات البدعيَّة، حيث صرَّح بإثبات الأخطاء في منهج الحلبي، و نصَّ على أحدها و هو التَّساهُل مع المخالفين، و قد عرفتَ حجم هذا الخطأ في ميزان السَّلف، و حُكمَ علماءِ السُّنة على صاحبه بمقتضى أصول السلف و منهجهم، لكنَّ عبد المالك مع ذلك كلِّه يقول بأنه مع الحلبي في سلفيته العامة! و هو عين الموازنة .
و أصحاب الموازنات كما هو معلومٌ لا ينفون عمن يُدافعون عنه ما وقعَ فيه من مُخالفاتٍ و أباطيل، و لكنَّهم أحدثوا هذه البدعة بعد عجزهم عن دفع ما أُقيم على أشياخِهم و كُبرائِهم، من حُججٍ و براهين، ليجعلوا مُخالفاتهم مغمورةً في حسناتهم، مائعةً في سلفيَّتهم، و سِيَرِهم الحسنة! تحييدًا لها عن النَّقد، و هذا ما فعله عبد المالك تجاه الحلبي .
و إذا كان عبد المالك يتبجَّح في كلِّ مرَّةٍ بكونه مع العلماء و يُحاوِل أن يُصادِم بذلك الحجج الساطعة و البراهين الناصعة، كما فعل في هذا البيان محل النَّقد، فما باله يُخالِف أساطين العلماء و كبارهم الذين أنكروا هذه البدعة و حذَّروا منها و بيَّنوا مصادمتها لمنهج السلف؟
و قد سمَّى العلامة ربيع المدخلي حفظه الله عددًا من هؤلاء الجهابذة الذي أنكروا بدعة الموازنات في مقدمة كتابه " النصر العزيز على الرد الوجيز "، فمنهم:
العلامة ابن باز، و العلامة الألباني، و العلامة ابن عثيمين، و هم أئمة هذا الزمان، و كذا العلامة النجمي و العلامة الوادعي رحم الله الجميع، و العلامة الفوزان، و العلامة اللحيدان، و العلامة العباد، و غيرهم كثير .
فما بالُك يا عبد المالك لا ترفعُ رأسًا بكلامهم، و تُعرِض عن تحذيراتهم و تَرمي بها عرض الحائط بعملِك بهذه القاعدة التي حذَّروا منها؟ فمن هو المُتنكِّب لطريقة الكبار، و المُخالف لما عليه العلماء؟ ألا ترى أنه ينطبق عليك المثل القائل: رمتني بدائها و انسلَّت؟ فأنت أحقُّ بهذه النقيصة ممن رميتهم بها بهتانًا وزورًا! .
قال شيخنا لزهر سنيقرة حفظه الله في تغريدةٍ له ردًّا على دعوى عبد المالك من كون العلماء قاطبة ضدَّ من يُسمِّيهم بغلاة التَّجريح، - و هم علماء السَّلفيَّة و دعاتُها-: ناقلًا عنه قوله: « هؤلاء كل علماء الهيئة من دون استثناء ردُّوا عليهم »، قال شيخنا مُعقِّبًا: « هكذا من غير استحياءٍ كعادتِه في الكَذب و الافتراء، و لم يتفطَّن المدلِّس أنَّ هؤلاء العلماء إنَّما ردُّوا وحذَّروا من صاحبيه، الرَّيس و الحلبي »انتهى .
و انقَلب السِّحرُ على السَّاحِر! و بان بهذا بأن عبد المالك لا هو مع العلماء الذين يتبجَّح بأنه معهم، و لا هو مع العلماء الذين بدَّعوا الحلبي، الذين يصفهم بغلاة التجريح، فلا هو في العير و لا في النَّفير! .
* و قول عبد المالك: بأنه مع الحلبي في سلفيَّته العامة، دون أخطائه؟ كأنه لا يرى للسلفية نواقض تنقُضها؟ أو أنه لا يرى الأخطاء مهما كثُرت و عظُمت قادحةً في السلفية، و لا مُؤثِّرةً فيها، فلسانُ حالِه أنَّه لا يضرُّ مع السَّلفيَّة خطأ و لا مُخالفة، كما لا يضرُّ عند غلاةِ المرجئة مع الإيمان ذنب! .
فيا عبد المالك! لقد عرفتَ مما مرَّ معك من كلام الأئمة و علماء السَّلف بأنَّ مجرَّد التَّساهل مع المخالفين الذي شَهِدتَ به على الحلبي على الوجه الذي ذُكر عنه يقدَح في سلفيَّته، و ينقُضُها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما اجتمع فيه من المخالفات الكبار و الصِّغار التي تفرَّقت في غيره!؟ ، و كثيرٌ منها هو محلُّ نقدٍ حتى عند أمثالِك على تساهلكم!؟
و أختم هذه المقالة بنصيحةٍ غاليةٍ نفيسةٍ من أحد أئمة السنة المشهود لهم بها، الإمام الآجرِّي رحمه الله فقد قال كما في كتابه " الشريعة "(5/255) :« ينبغي لكلِّ من تمسَّك بما رسمناه في كتابنا هذا، - وهو كتـاب الشريعة- ، أن يهجـُر جميعَ أهلِ الأهواءِ من الخوارج، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، و كل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمـة المسلمين أنه مبتـدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك،.....فلا ينبغي أن يُكلَّم ولا يُسلَّم عليه، ولا يُجالس...، و هذا الذي ذكرته لك، فقول من تقدم من أئمة المسلمين، و موافقٌ لسنَّة رسول الله صلى الله عليه و سلم »انتهى .
و هي نصيحةٌ غالية من إمام كبير، كيف لا! و الرُّكون إلى أهل البدع و حسن الظنِّ بهم و التَّساهل معهم هو أوَّل خُطوةٍ في طريق الضَّلال ، و الواقع و التاريخ أكبر شاهدٍ على ذلك .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « فالحذر من أهل البدع، و بغضهم وهجرانهم ومقاطعتهم هو السبيل الصحيح لحماية الأصِحَّاء من أهل السنة من الوقوع في فتنتهم، و التساهل معهم وحسن الظن بهم، والركون إليهم هو بداية في طريق الضلال »[ "مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع " (4/337)] .
و الله أعلى و أعلم وهو سبحانه من وراء القصد، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
و لعلي أن أتُبعها بحلقةٍ أُخرى أُناقِشُ فيها بعض ما ورد في هذا البيان من أغاليط و أباطيل .
تعليق