جُهُودُ العَلَّامَة رَبِيع المدخَلِي فِي نَشْرِ عَقِيدَةِ التَّوحِيدِ و تَعلِيمِها وَ دَحْضِ الشُّبُهَاتِ عَنهَا
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد : فقد منَّ الله تعالى عليَّ باستخراج بحثين نافعين بإذن الله تعالى من كُتُبِ العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، الأول: " أصول و مُميِّزَات أهل السنة والجماعة مستخرجة من كتب العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى "، و الثاني: " جهود العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في نقض شبهات الحزبيين عن منهج النقد عند أهل السنة السلفيين " و كلاهما قد طُبِع و نُشر بعد إذن الشيخ ربيع و مراجعته.و اليوم ، أضع بين أيدي إخواني هذه السلسلة الطَّيِبة، و فيها إبراز عناية الشيخ ربيع حفظه الله بالتوحيد تعليمًا و دعوةً، و الذَّب عن حياضه و تطهيره من العوالق و الشوائب، و قد عرضت هذا العمل على الشيخ ربيع حفظه الله فاطلع عليه و فرِح به كما فرِح بسابقيه و دعا لي بخير، و أذن لي جزاه الله خيرًا بنشره، و كان هذا بحضرة شيخنا المحقِّق الأصولي عبد المجيد جمعة حفظه الله .
و أسميت هذه السلسلة المباركة " جُهُودُ العَلَّامَة رَبِيع المدخَلِي فِي نَشْرِعَقِيدَةِ التَّوحِيدِ و تَعلِيمِها وَ دَحْضِ الشُّبُهَاتِ عَنهَا "، و قد جعلتها في عددٍ من المباحث المفيدة، كلُّ مبحثٍ منها مشتمل على جملةٍ من المطالب، أسأل الله تعالى أن ينفع بها .
و سأنشرها بتوفيق الله تعالى في حلقاتٍ مُختصرة على صفحات هذا المنتدى .
و نبدأ بالمبحث الأول منها، وفيه عددٌ من المطالب على النَّحوِ التالي :
المطلب الأول
في بيانِ أهمِّية التَّوحيدِ و عظيمِ مَنزِلته في الإسلام وأنَّه أَصلُ الأُصولِ و مَسألةُ المسائل
قال الشيخ ربيع حفظه الله:« يُسْعِدُني أن أتكلَّمَ في موضوعٍ مهمٍّ لا يبلغُه موضوعٌ آخر ولا يقاربُه في الأهمِّية، وهو موضوعُ التوحيد وأهميتُه الذي يقول فيه الإمامُ ابنُ تَيْمِيَة رحمه الله: « التوحيدُ سرُّ القُرآن، ولبُّ الإيمان » .ويقول الإمامُ ابنُ القيّم رحمه الله بعد أن تكلَّم عن عقائدِ أهلِ الضَلال، من أهلِ الاتحاد ـ دعاةِ وَحْدَةِ الوجود ـ والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرقِ الضالة قال: « إنَّ التوحيدَ الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فشيءٌ وراءَ ذلك كلِّه ». ثم قال: « التوحيدُ نوعان: توحيدٌ في المعرفةِ والإثبات، وتوحيدٌ في الطلبِ والقصد .
فالنوعُ الأوَّل: توحيدُ المعرفةِ والإثبات.. .
وقد أفصحَ القرآنُ عن ذلك جِدَّ الإفصاح كما في أوَّلِ سُورةِ « الحديد » وأوَّلِ سورة « طه » وآخرِ سورة « الحشر » وأوَّلِ سُورة « آل عمران » وغيرِ ذلك من السُّور التي تضمّنت هذا النوعَ من التوحيد .
وأما النوعُ الثاني: فهو ما تضمنته سُورةُ « الإخلاص » و« قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ »..
بل غالبُ القرآنِ في التوحيد، بل القرآنُ كلُّه في التوحيد، وذلك أنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ عن اللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، فذلك هو التوحيدُ العلميُّ الخبري .
وإمَّا دعوةٌ إلى عبادتِه وحدَه ـ سبحانه وتعالى ـ، وخَلْعِ ما يُعْبَدُ من دُونِه، فهو توحيدُ الطلبِ والقصد، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في أمرِه ونهيِه، فذلك من مكمِّلاتِ التوحيد، وإمَّا خبرٌ عن أوليائه، وما كافأهم به في الحياة الدنيا وما يجزيهم به في الآخرة، فهذا جزاءٌ على التوحيد، وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما نَزَل بهم من النَكالِ في الحياة الدنيا، وما يَحِلُّ بهم من العقابِ في الأخرى، فذلك جزاءُ من خَرَج عن حُكمِ التوحيد .
فالقرآنُ كلُّه في التوحيد، وفي أهلِه وجزائِهم وفي من خالفَ التوحيدَ من أهل الشِّرك وجزائِهم، فأعاد القرآنَ كلَّه للتوحيد ».
وهذا يدلُّ دلالةً عظيمة جدًّا على أهمية التوحيد، ولا يَعرِف هذه الأهمية الكبيرة العظيمة إلَّا أئمةُ التوحيدِ من الرُّسُلِ الكرام أولي العدل وغيرهم، ولا يعرفه إلَّا من حذا حذوهم في الاهتمام بهذا التوحيد والدعوة إليه [ انظر: " مجموعة كتب ورسائل الشيخ " (1/19- 20) ] .
و قال الشيخ حفظه الله:« التوحيد.. هو أصل الأصول، وإذا كان للناس أصولٌ وأصول، الأصول يدورون حولها، فإن أصل الأصول عند الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعند سادة هذه الأمة من الصحابة الكرام ومن اتَّبعهم بإحسان، إن أصل الأصول عندهم: هو التوحيد..، الأصل عندنا، هو هذا الأصل الذي جاء به جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعليه تدور كل العبادات، فالعبادات إنما هي تأكيد لهذا الأصل »[ " المرجع السابق" (1/43) ].
المطلب الثاني
أقسامُ التَّوحيدِ، وتَعريفُ كلِّ قسمٍ منها
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله مُبيِّنًا اشتمال سورة الفاتحة، على هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد: « أعظمُ سورةٍ في التوحيد، وهي أمُّ الكتاب، والقرآنُ كلُّه يدور عليها { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } توحيد، { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } توحيد، { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } توحيدُ .
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } توحيد الربوبية،{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } توحيدُ الأسماءِ والصفات، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }كذلك، { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }توحيدُ العبادة »[ " المرجع السابق" (1/44) ] .
وقال حفظه الله:« فالشاهد أنَّ هذه السُّورة من سُوَرِ القرآنِ الكريم من أعظَمِ سُوَرِ التوحيد .
وفيها إثباتُ أنواعِ التوحيد: توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية »[ " المرجع السابق" (1/44) ] .
وقال حفظه الله مُبيِّنًا إجماع أهل السنة على أنواع التوحيد الثلاثة:« خصوم السنة يعترضون على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وأهل السنة في هذا العصر، يُصرُّون على أنه ثلاثة »[ " المرجع السابق" (11/256) ] .
تعريفُ كلِّ قسمٍ من أقسامِ التَّوحيد
المشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية ولا ينكرونه
بل حتى يَعبُدون اللهَ إلى حدٍّ بعيد، لكن جَعَلُوا مع اللهِ شُركاءَ في الألوهية، فيدعون غيرَ الله، ويذبحون لغيرِ الله، ويستغيثون بغيرِ الله، يفعلون هذه الأشياء لأصنامِهم، ويعتقدون أنَّها تُقَرِّبهم إلى الله زلفى، لا يقـولون: إنَّها هي التي خَلَقَت، وهي التي رَزَقَت.. ولا يعتقدون فيهم أنَّهم أرباب، ولا يعتقـدون فيهم أنَّهم يضرون وينفعون بأنفسِهم{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ما يكابرون، لكن إذا قيل لهم لا إله إلا اللهُ يستكبرون »[ " المرجع السابق" (1/55) ] .
القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: وفي تعريفه يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « أثبت لله العلمَ، والقدرةَ، والإرادةَ، والاستواءَ، والنُزُولَ، والمجيءَ، والغَضَبَ، وكُلَّ ما أثْبَتَهُ اللهُ لنَفْسِهِ، ووَصَفَ به نَفْسَهُ، وأثنى به على نَفْسِهِ، نُثْبِتُهُ على الوجهِ اللائقِ بالله تبارك وتعالى، ولا نأخُـذُ من ديننا ما نشاء وننفي منه ما نشاء، فنقع في التناقضِ؛ بعد هذا الجُحُود وبعد هذا النُّكْرَان لا مَحِيصَ لنا ولا مَخْرَجَ من التناقض.
فاللهُ له إرادة، والمخلوق له إرادة، فالواجب أن تَطرد البابَ على وتيرة واحدة وتُثْبِت كلَّ الصِّفات؛ فإذا آمَنْتَ بالإرادةِ والعلمِ والقدرةِ على أساسِ أنَّها لا تُشبِهُ صِفاتِ المخلوقين فتُؤمِنُ بالغضبِ والرِّضا والرحمةِ والنُّزولِ والمجيءِ والاستواء على أنَّها صفاتٌ لائقةٌ بِجلالِ اللهِ تبارك وتعالى لا يشابهُهُ فيها شيءٌ من المخلوقات، فلا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، وإنَّما هو إيمانٌ صادق، مؤمنٌ باللهِ ـ تبارك وتعالى ـ مُقَدِّسٌ لجلالِه وعظمته، مُنَزِّهٌ له عن النَّقص وهو الخُلُوُّ من هذا الكمال الذي وَصَفَ به نَفْسَه، فخلُوُّه من الرحمة نقص، وخُلوُّه من الغضبِ نقص، وخُلوُّه من الاستواءِ على عرشِه هذا نقصٌ، يتعالى ويَتَنَزَّهُ عنه ربُّنَا جلَّ وعلاَ » [" المرجع السابق" (1/49-50) ] .
طريقة أهل السنة و الجماعة في إثبات أسماء الله تعالى وصفاته
وإنما مدارهم على نصوص الكتاب والسنة؛ فما أثبته الله ورسوله لنفسه أثبتوه وما نفاه الله ورسوله عن ربّ العالمين نفوه، فمدارهم على الوحي؛ لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ومن الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا ، فما أنزله الله في كتابه من أوصافه وأسمائه سبحانه وتعالى يثبتونها لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى .
من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلم يسلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة والخوارج ومن شاركهم في تعطيل الصفات » [" المرجع السابق" (2/25) ] .
وقال حفظه الله:« القرآن لم يكيِّف فلا نكيِّف، ولم يمثِّل فلا نمثِّل، ونزَّه الله نفسه عن المثال والأمثلة فقال: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}؛ فلا نشبِّه ذاته بذوات المخلوقين ولا صفاته بصفات المخلوقين ولا يديه بأيدي المخلوقين، ولا نكيِّفها ونقول على كيفية كذا؛ لأننا نعتصم بالوحي من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلا نغلو في الإثبات غلوَّ المشبِّهة الذين يُشبِّهون الله بخلقه؛ فيقولون: له يد كأيدينا، وله سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، واستواء كاستوائنا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى ينفيه عن نفسه في آيات كثيرة؛ كقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}[مريم: 65] يعني: نظيرًا أو ندًّا أو شبيهًا؛ فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .
وقوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون}[البقرة: 22] أي: نظراء ومشابهين.
فهذا عمدة أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة في نفي التشبيه والمماثلة بالمخلوقات عن صفات الله سبحانه وتعالى، وعمدتهم في عدم التحريف والتعطيل؛ وهو كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
فمثلًا: قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فيه ردٌّ على المشبِّهة، وقوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فيه ردٌّ على المعطِّلة .
فهذه الآية جمعت أصلين: التنزيه والإثبات، فالإثبات في قوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}والتنزيه في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، فنثبت سائر الأسماء والصفات بقوله تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وننفي عنها المشابهة بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، فعلى هذا الأساس نثبت أسماء الله وصفاته اللائقة بجلاله على الوجه الذي يليق بعزَّته وجلاله وعظمته »[ " المرجع السابق" (2/29) ] .
من قواعد أهل السنة العامة المُبيِّنة لطريقتهم في إثبات الصفات
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« هنا قاعدة - وهي تنطبق على كلِّ الصفات – وهي قولهم: « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ »، قالها مالك وغيره؛ قالها قبله شيخه ربيعة، واشتهرت عن مالك؛ وذلك لما سئل عن الاستواء؛ كيف الاستواء؟ أطرق حتى عَلَته الرحضاء ثم قال: « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أُرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا» وأمر بإخراجه من حلقته رضي الله عنه ؛ فـ « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ »؛ لأننا نعرفه من لغة العرب، ومن لغة القرآن وفهم الصحابة، « وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أُرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا» وأمر بإخراجه من حلقته رضي الله عنه.فهذه قاعدة لكل الصفات؛ إذا قيل لك: السمع، البصر، القدرة، اليد، الضحك، الغضب، كيف هذه؟ تقول: السمع معلوم، والبصر معلوم، والقدرة معلومة، واليد معلومة، والضحك معلوم، والغضب معلوم؛ كل هذه الصفات معانيها معروفة لكن الكيفية لا نعرفها، فكما أنَّ «الاستواء معلوم والكيف مجهول »؛ كذلك « السمع معلوم والكيف مجهول »، و« الرضا معلوم والكيف مجهول »، و « القدرة معلومة والكيف مجهول »، و« النزول معلوم والكيف مجهول»، وهكذا..».
فهذه قاعدة تنطبق على كل الصفات ويُرَدُّ بها على كل صاحب هوى .
يُردُّ بها على المعطلة بـ « الاِسْتَوَاء مَعْلُومٌ »؛ لأنهم يعطلون الصفات عن معانيها، وعلى المشبهة الممثلة بـ « الْكَيْف مَجْهُولٌ »؛ لأنهم يكيفون الصفات ويحددونها!» [ " المرجع السابق" (2/32-33) ] .
القسم الثالث : توحيد الألوهية والعبادة: وفي تعريفه يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « التوحيد .. إفراد الله وحده بالعبادة والابتعاد عن الشرك صغيره و كبيره.. . و المقصود.. أن العبادات بكل أنواعها حق ثابت لله وحده لا يستحق سواه منها شيئاً، لا ملك مقربٌ ولا نبي مرسلٌ ولا رجل صالحٌ ولا حجرٌ ولا شجرٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ .
فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف ويرجى إلا هو »[ " المرجع السابق" (1/182) ] .
وقال حفظه الله نقلًا عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله قوله: « التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا اللـه لا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالى إلا له ولا يعادى إلا فيه ، ولا يعمل إلا لأجله» [ " المرجع السابق" (10/285) ] .
بيان أهمية توحيد الألوهية وأنه الجانب الأهم من دعوات الرسل، كما أنه محلُّ الصراع بين الأنبياء وخصومهم
فإن أهمها وأولاها بالعناية وتكريس الجهود من الدعاة إلى الله جميعاً أفراداً وجماعات لذلك : التوحيد الذي يحاربه الشيطان أشد الحرب في كل الأحقاب و الأجيال من عهد نوح عليه السلام إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة .
ذلكم التوحيد العظيم الذي يبذل الشيطان، وجنوده كل جهودهم ومكايدهم لصرف بني آدم عنه .
عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته:« إِن رَبِّي أمَرَنِي أنْ أعَلِّمَكمْ ما جهَلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هذا كلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلالٌ وإِنّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُمْ وإنهُمْ أتَتْهُمُ الشّياطِينُ فاجْتالَتْهُمْ عَنْ دِينِهمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لهُمْ وأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْركوا بِي ما لمْ أُنْزِلْ بهِ سُلْطاناً »[ أخرجه مسلم ] .
إن الدعوة إلى هذا التوحيد وإلى هدم ضده وهو الشرك بالله الذي لا يغفره الله، لهما موضع الصراع بين الأنبياء وأممهم وبين خاتم الرسل عليه الصلاة و السلام، وأعداء الله المشركين وبين المصلحين من أئمة الإسلام وأهل البدع من القبوريين من شتى الطوائف الرافضية والصوفية، الذين امتلأ كثير من بقاع العالم الإسلامي بمظاهر شركهم »[ " المرجع السابق" (1/380-381) ] .
وقال الشيخ حفظه الله تحت عنوان :« " توحيد الألوهيَّة وأهميَّته "
وسوف أتناول توحيد الألوهيَّة لسببين:
أولاً: أنَّه الجانب الأهم من دعوات الرسل الذي عرضه علينا القرآن، ولأنَّه موضوع الصِّراع الدائر بينهم وبين خصومهم من المستكبرين والمعاندين من كلّ الأمم.
ولا يزال موضوع الصراع إلى اليوم، ولعلَّه يستمر إلى يوم القيامة ابتلاءً واختباراً لورثة الرسل ورفعاً لمنزلتهم.
ثانياً: أنَّ أخطر وأشدَّ وأصعب انحراف مُنيَ به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الجانب في أكثر جهَّال المسلمين وفي كثير من مثقفيهم والمنتسبين إلى العلم منهم.. » [" المرجع السابق" (1/266) ] .
المطلب الثالث
في الرَّدِّ على من خلط بين أقسام التوحيد
قال سيد قطب في تفسير سورة هود:
« فقضية الألوهية لم تكن محل خلاف، وإنما قضية الربوبية هي التي كانت تواجهها الرسالات، وهي التي تواجهها الرسالة الأخيرة، إنها قضية الدينونة لله وحده بلا شريك، والخضوع لله وحده بلا منازع، ورد أمر الناس كلهم إلى سلطانه وقضائه وشريعته وأمره؛ كما هو واضح من هذه المقتطفات من قطاعات السورة جميعاً » .
ويقول كذلك في نفس السورة:
« و ما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام، ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت، على ألوهية الله سبحانه للكون، وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية، إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه ويصرفهم بأمره، ويدينهم بطاعته؟ » .
قال الشيخ ربيع بعد نقله لكلام سيد قطب هذا : « و هذا واضح في أن سيداً يجهل الفرق بين الربوبية والألوهية، ويجهل كذلك أن توحيد الألوهية هو موضع الصراع والخصومة والجدال بين الأنبياء وأممهم ، ويجهل أن الأمم كلها تعرف وتعترف بتوحيد الربوبية!.
وكأنه لم يسمع قول الله تعالى في رسالات الله جميعاً إلى جميع الأمم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
فالله سبحانه وتعالى لا يقول إلا: { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} فهو واضح كل الوضوح في الدعوة إلى توحيد العبادة، ولم يقل: إنه لا ربَّ إلا أنا؛ لأن الأمم لا تكابر ولا تجادل في ذلك.
وكذلك يقول الله تعالى في تقرير الربوبية: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الَّله}[لقمان: 25] .
وفي توحيد الألوهية: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}[الصافات: 35]، فقد بين الله تعالى أنهم يأنفون ويستكبرون إذا دُعوا إلى توحيد الألوهية، ولا يفعلون ذلك إذا قُرِّروا بتوحيد الربوبية؛ لأنهم يعرفونه حق المعرفة، ولا يجادلون فيه ولا يكابرون » [ " المرجع السابق" (6/53 - 55 ) ].
وقال الشيخ حفظه الله:« سيد يعتقد أن توحيد الألوهية هو عين توحيد الربوبية
ويعتقد أن توحيد الربوبية هو توحيد الحاكمية؛ و بـهذا ينسف توحيد الألوهية .
ألا يكفي هذا للقول بأن سيد قطب يخالف العلماء في تفسير لا إله إلا الله؟! وأنه لا يفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية فهو يعتقد أن توحيد الألوهية هو عين توحيد الربوبية ويعتقد أن الربوبية هي الحاكمية، ويفسر آيات توحيد الألوهية ودعوات الرسل على هذا الأساس، ويفسر كلمة التوحيد على هذا الأساس فتكون النتيجة نسف توحيد الألوهية الذي هو محور الصراع بين الرسل جميعا وبين أممهم.
فأي جناية على التوحيد وأي تحريف أشد على القرآن والإسلام من هذا التحريف؟؟! وأي جهل لقضية القضايا أشد من هذا الجهل؟! »[ " المرجع السابق" (7/79 ) ] .
المطلب الرابع
في الرَّد على من خالف أهل السنة في تقسيم التوحيد وأضاف قسمًا رابعًا
فأجاب حفظه الله:« الذي نعرفه من منهج السلف- ولا سيما ابن تيمية ومن بعده، وابن عبد الوهاب وتلاميذه- أن أقسام التوحيد ثلاثة:
توحيد العبادة .
توحيد الأسماء والصفات .
توحيد الربوبية .
ولم يعدوا توحيد الحاكمية من أقسام التوحيد، ولم يجعلوا قسمًا يسمى: توحيد الحاكمية .
الحاكمية؛ حاكمية الله حقًا، ومن ينكرها و يكفر بها كافر- والعياذ بالله- .
لكن هل هو قسم مستقل من أقسام التوحيد وقسيم له، أو يدخل في واحد من الأنواع الثلاثة؟
الجواب: يتردد بين أن يلحق بتوحيد الربوبية، أو يلحق بتوحيد الألوهية .
والذي يترجح لي: أنه يلحق بتوحيد الربوبية؛ لأن الله المالك، الملك الحق المبين، هو الذي له الحق أن يحكم ويشرع، فيلحق- يعني لا يجعل قسمًا مستقلًا- وإنما يلحق بأحد القسمين، وأما يجعل قسيمًا لأنواع التوحيد التي سبرها السلف من كتاب الله سبرًا مستوعبًا فلم يجدوا إلا أنواعًا ثلاثة فاستقروا عليها، فهذا ليس منهم إلغاء لحاكمية الله، وإنما في نظرهم- والله أعلم- أنها جزء من توحيد الألوهية، أو جزء من توحيد الربوبية، والذي يترجح لي أنها جزء من توحيد الربوبية »[" المرجع السابق" (14/28-29 ) ] .
وسئل الشيخ حفظه الله: شخص يقسم التوحيد إلى أربعة أقسام ويضيف إليها توحيد الحاكمية، ويكثر من الكلام في الحاكمية، فهل يجوز رميه بالبدعة أم لا؟
فأجاب حفظه الله: « لا تتعجلوا بالأحكام، ولكن هذا التقسيم رفضه علماء التوحيد، وعلى رأسهم الشيخ بن باز، والشيخ الألباني، والشيخ العثيمين، والشيخ الفوزان، وغيرهم من أئمة السنة، رفضوا هذا التقسيم، ويرون أن توحيد الحاكمية إنما هو من حقوق ( لا إله إلا الله)، وبعضهم يدخله في توحيد الربوبية، وبعضهم يدخله في توحيد الألوهية، ولا يخرج من كونه هذا أو ذاك من حقوق ( لا إله إلا الله)، ومن حقوق التوحيد وليس قسمًا مستقلًّا »[ كتاب " اللباب من مجموع نصائح الشيخ ربيع للشباب" (ص44-45 ) ] .
المطلب الخامس
حُكمُ من خالف أهل الحقِّ و السُّنَّة في أحد أقسام التوحيد
من هذه الأصول: التوحيد بأنواعه: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فمن خالف في واحد من هذه الأنواع بدَّعوه، وقد خالفت الجهمية فعطلوا في باب الأسماء والصفات فعطلوا أسماء الله وصفاته فبدعهم السلف بل كفروهم، وتابعهم في نوع التعطيل في هذا الباب المعتزلة فعطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء دون معانيها .
وتابع الأشعرية والكلابية الجهمية في تعطيل الصفات الخبرية فجعلهم السلف من أصناف الجهمية وشاركت الصوفية هذه الفرق في تعطيل الصفات، وأوغلت في ذلك حتى وقعت في الحلول ووحدة الوجود من زمن الحلاج إلا أفراداً منهم، وانحرفت في توحيد الربوبية فاعتقدت في الأولياء بأنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون .
وانحرفت الصوفية في توحيد العبادة فجعلوا مع الله أنداداً في الدعاء، والاستغاثة في الشدة بالأموات والأحياء، وفي تقديم القرابين لغير الله من الذبائح والنذور وشد الرحال إلى القبور والطواف بها وتشييد البنيان عليها، وغير ذلك من الأفعال الشنيعة التي يأنف منها ويسخر منها اليهود والنصارى والهندوك، واذهب إلى ما شئت من البلدان غير هذه البلاد لترى فيها هذه الشنائع والمخازي مثل الهند وباكستان والسودان ومصر وتركيا وسوريا والعراق وبخارى، ثم احكم على الطرق الصوفية التي تفعل هذه الأفاعيل بما يستحقون، هل هم من أهل السنة أو من شرار الضلال وأهل البدع الواقعين في الشرك الأكبر والضلال البعيد .
نحن لا نكفرهم لجهلهم إلا بعد إقامة الحجة أما التبديع وإخراجهم عن دائرة أهل السنة فلا يتقاعس عنه إلا أجهل الناس بالإسلام وأبعدهم عن السنة » [ " المرجع السابق "(11/501-502) ] .
المطلب السادس
تحقيق التوحيد والعبودية لله تعالى هو الحكمة من خلق الخليقة
وخلق الجن والإنس وبيَّن الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات: 56-58] .
وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115-116] .
وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 36]، أي: لا يؤمر ولا ينهى!..
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22] .
فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها.. .
وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وأحلَّه هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خُلق من أجلها، ألا وهي عبادة الله وحده وتعظيمه وتنـزيهه عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..»[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ" (1/261-262) ] .
وقال حفظه الله معلقًا على كلام الإمام ابن القيم رحمه الله :« القرآنُ كلُّه في التوحيد.. ».
قال:« وهذا يدلُّ دلالةً عظيمة جدًّا على أهمية التوحيد، ولا يَعرِف هذه الأهمية الكبيرة العظيمة إلَّا أئمةُ التوحيدِ من الرُسُلِ الكرام أولي العدل وغيرهم، ولا يعرفه إلَّا من حذا حذوهم في الاهتمام بهذا التوحيد والدعوة إليه.
ذلكم أن اللهَ ـ تبارك وتعالى ـ ما خَلَقَ السَّموات والأرض والجنَّ والإنس والجنَّة والنار، وشرع الجهادَ، وكثيرًا من الأمور العظيمة، كلُّ ذلك من أجل هذا التوحيد، وعلى رأسِ التوحيد كلمةُ التوحيد ـ لا إله إلَّا الله ـ على لسان كلِّ رسول وعلى لسان كلِّ نبي، ويلهج به الملائكة الكرام، ويكفينا قولُ الله - تبارك وتعالى -{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات: 56-58] .
فبيَّن لنا أنَّه لم يخلقنا لغرضٍ من الأغراض ـ جلَّ وعزّ ـ وتَنَزَّه عن ذلك وإنَّما خَلَقَنَا لعبادته »[ " المرجع السابق" (1/20) ] .
المطلب السابع
تعريف العبادة التي من أجلها خُلق العباد
يقول العلامة المجاهد ربيع المدخلي حفظه الله:« العبادة التي تضمنتها « لا إله إلا الله »؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي: « اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة » .تعريف العبادة التي من أجلها خُلق العباد
فهذا تعريف جامع لكلِّ أصناف العبادات التي نتقرب بها إلى الله من الأقوال التي نَنطِقُ بها، والأفعال التي نتحرك بها، والعقائد الظاهرة والباطنة ما نُكنُّه وما نعلنه من خوف ورجاء ومحبة ورغبة ورهبة .
هذه العبادات القلبية، إلى جانب العبادات القولية، إلى جانب العبادات المتعلقة بالجوارح هذه هي العبادة كلُّها لله، وعلى المسلمين جميعًا أن يتعبَّدوا الله بأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وخلجات نفوسهم، أن يتجهوا بها إلى الله وحده ـ سبحانه وتعالى ـ ولا يصرفوا لغيره ذَرَّة من هذا التوحيد ومن هذه العبادة؛ لأنَّ المخلوقات كلُّها خُلِقَت لعبادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ والكون كلُّه خاضع لله، والأحياء التي فيه من الملائكة والبشر والجن والإنس كلُّهم خُلِقوا لعبادة الله »[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ " (1/110-111) ] .
وقال حفظه الله:« والعبادة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تجمع عبادة القلوب وعبادة اللِّسان وعبادة الجوارح .
فالتي تتعلَّق بالقلب: الخوف والرجاء والرَّغبة والرَّهبة والتوكل والمحبة وما شاكل ذلك من الأمور القلبية، هذه عبادات قلبية لا بدَّ منها ولا يجوز أن نصرف منها شيئًا لغير الله .
وعبادة اللِّسان: يأتي في مقدِّمتها النُطق بالشهادتين، ثم سائر الأذكار من تلاوة القرآن والواجبات والمستحبات؛ فيكون النطق باللسان في الصَّلاة واجباً بقراءة الفاتحة في كلِّ ركعة؛ كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:« لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتحَةِ الكِتَاب »[ متفق عليه]؛ فهذه من الأمور التي يجب على المسلم أن يطبِّقها ويتكلم بها .
ومنها أمور مستحبة مثل تلاوة القرآن، ومثل ذكر الله وتسبيحه وتهليله أعقاب الصَّلوات، وعند النوم وفي السَّفر وفي الحضر، وما شاكل ذلك، فالعبادات تنقسم إلى واجبات ومستحبات، فعلى المسلم أن يعرفها ويتقرَّب بها إلى الله .
والجوارح: يأتي في طليعة أعمالها القيام في الصَّلاة والرُّكوع والسُّجود، وأعمال الحج من الطواف وسائر المناسك والشعائر، وغير ذلك من عبادات الجوارح ، تُصلي لله بجوارحك مع قلبك ولسانك تركع وتسجد وترفع من الركوع وتجلس بين السجدتين، والحج ترحل ببدنك لتؤدي هذا الرُّكن، تطوف بالبيت وتسعى بين الصَّفا والمروة وتؤدي المناسك في عرفات وغيرها، هذه عبادات تُمَارَس بالبدن بالإضافة إلى أنَّك تحتاج إلى مالٍ تحقق به هذه العبادات .
و العبادات بهذا الاعتبار كثيرة؛ عبادات القلب، وعبادات اللِّسان، وعبادات الجوارح، يجب أن نؤديَّها لله بإخلاص.. »[ " المرجع السابق " (1/129) ] .
المطلب الثامن
تصحيحُ مفهومٍ خاطئٍ للعبَادَة
« و يقول سيد: « والإسلام عدو التبطل باسم العبادة والتدين ، فالعبادة ليست وظيفة حياة، وليس لها إلا وقتها المعلوم{ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة:11-12] .
وتمضية الوقت في التراتيل والدعوات بلا عمل منتج ينمي الحياة أمر لا يعرفه الإسلام ، ولا يقر عليه الألوف المؤلفة في مصر التي لا عمل لها إلا إقامة الصلوات في المساجد أو تلاوة الأدعية والأذكار في الموالد » .
قال الشيخ ربيع:« أقول:
أولًا: العبادة هي وظيفة الحياة، قال تعالى: -{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }.
وقال تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 41-42] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} [الفرقان: 64] .
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15-19] .
ففي هذه الآيات بيان أن العبادة هي وظيفة الحياة، وثناء عاطر على من يذكرون الله قيامًا وقعودًا وفي جميع أحوالهم، وعلى العباد الذين يبيتون لربهم سجدًا وقياما، ولا يهجعون من الليل إلا قليلًا لتعلق قلوبهم الطاهرة بالله .
فهم عباد أتقياء، وفي الوقت نفسه أغنياء أسخياء يؤدون الحقوق في أموالهم، وسمَّاهم محسنين لا متبطلين، ولم يحرض الدولة على أخذ أموالهم ولا على سوقهم بالعصي إلى المعامل والعمل المنتج .
والإسلام يحث على الرباط في المساجد وعلى انتظار الصلاة بعد الصلاة، وسيِّد يزهد في ذلك ، لا سيما في هذا العصر الذي يندر فيه المتعبدون ، لا سيما في وقته...
والآيات والأحاديث في الحث على كثرة الصلاة والذِّكر كثيرة جدًّا، وهذا يعرفه ويعتني به علماء المسلمين من مفسرين ومحدثين وفقهاء، ويعرفه حتى عوام المسلمين »[ " المرجع السابق" (7/231- 232) ] .
المطلب التاسع
نظرةٌ إلى التَّوحيد في القرآن
يقول الله ـ سبحانه و تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 23 ـ 24] .
سبق في ما نقلت لكم من كلامِ ابنِ القيم أنَّه لا تخلو آية إلا وهي متضمِّنَةٌ للتوحيد، انظر إلى هذه الآيات في آخر سورة الحشر، تضمنت توحيدَ الألوهية في قوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }، توحيد الأسماء والصفات في قوله: { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }، توحيد الربوبية في قوله: { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ }، فهذه الآيات القليلة في آخر سورة الحشر تضمنت كلَّ أنواعِ التوحيد، توحيد العبادة، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الربوبية .
ويقول الله ـ تبارك وتعالى ـ في أول سورة الحديد التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 1 ـ 3]، تضمنت أنواعَ التوحيد الثلاثة، فقوله سبحانه وتعالى: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: خضع لله وعبد الله، وهذا توحيد العبادة، وقوله تعالى: { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } هذا توحيد الربوبية .
و قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } هذا توحيد الأسماء والصفات، فالقرآن يحتاج إلى تدبُّر، و إلى عقولٍ واعية تعيه.. .
وقال الله تعالى في آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] .
هذه الآية التي تعتبر أعظمُ آيةٍ في القرآن الكريم تضمَّنت كذلك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .
تضمنت التوحيدَ العلمي الخبري، هذه السُّورة على وَجَازَتِها، قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيها:« إنَّها تعدلُ ثُلُثَ القرآن»[ متفق عليه]،هذا يقوله رسولُ الله إمامُ أهل التوحيد، وأَعْرَفُ الناسِ بربِّه وأعلَمُهُمْ به، وأَعلمُ الناسِ بهذا القرآن الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ .. .
وأمَّا التوحيدُ الثاني الذي يُفيدُ العبادة، القرآنُ مليءٌ به وما بُعِثَتْ الرُّسل من أوَّلهم إلى آخرهم إلَّا من أجله، وما شُرِعَ الجهادُ إلَّا من أجله، و لا الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر إلا من أجله؛ لأنَّ توحيدَ الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فَطَرَ اللهُ الناسَ عليه، فلا يُكَاِبرُون فيه ولا يُجَاِدلُون فيه.. .
فالضلال ـ كما قدَّمنا ـ يقع في هذا التوحيد الذي يمثل قسمًا كبيرًا من القرآن.
ومنها سورة « قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ » التي أشار إليها الإمام ابنُ القيم رحمه الله، هذه تسمَّى سورة الإخلاص الثانية، تلك -الأولى- تسمى سورة الإخلاص؛ لأنّه أُخلص فيها التوحيد، أي: توحيد الأسماء والصفات وهو التوحيد العلمي الخبري، وهذه أخلصت فيها العبادة لله: { قُلْ يَا أيُّها الكَافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[سورة الكافرون:1 ـ 6] .
فيه إثبات العبادة لله ـ تبارك وتعالى ـ والبراءة من عبادة غير الله ومن العابدين لغير الله، فهي سورة البراءة، وهي سورة الإخلاص، وهي سورة عظيمةٌ يجب أن نفهمها ونتدبَّرها لعظم شأنها، وعظم شأن ما شاكلها من السُّور والآيات في وجوب إفراد الله ـ جلَّ وعلا ـ في العبادة، والبراءة من عبادة الطاغوت، وأشار ابنُ القيم رحمه الله إلى بعض الآيات وإلى بعض السُّور نذكر منها الذي يخطر بالبال الآن .
فمنها سورة الزمر؛ قال الله ـ تبارك وتعالى ـ في أولها: { تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزمر: 1 ـ 3]، إلى هذا أشار الإمامُ ابنُ القيِّم، وإلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي }[الزمر: 14]، وأشار إلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى تهديدًا للأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} يعني الأنبياء، وأشار إلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى تهديدًا للأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} .
ثم أخبر عن حال المشركين به سبحانه وتعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}[الزمر: 65 ـ 67]، هذا في توحيد العبادة » [" المرجع السابق" (1/22- 25) ] .
المطلب العاشر
كيفَ كانت سُورةُ الإخلَاصِ تَعدِلُ ثُلثَ القُرآن
و في بيان ذلك يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« هذه السُّورة على وَجَازَتِها، قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيها: « إنَّها تعدلُ ثُلُثَ القرآن »، هذا يقوله رسولُ الله إمامُ أهل التوحيد، وأَعْرَفُ الناسِ بربِّه وأعلَمُهُمْ به، وأَعلمُ الناسِ بهذا القرآن الكريم صلى الله عليه وسلم .كيفَ كانت سُورةُ الإخلَاصِ تَعدِلُ ثُلثَ القُرآن
ونحن ليس عندنا تأمُّل ولا تدبُّر ولا تفَّهم، كيف تعدل ثلث القرآن؟! .
قال بعضُ العلماء ومنهم ابنُ تيمية: « إنَّ القرآن ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الأحكام .
والقسم الثاني: في الأخبار والقَصَص وما شاكل ذلك .
والقسم الثالث: في التوحيد، وهذه ـ سورة الإخلاص ـ تضمَّنت كلَّ أنواعِ التوحيد: توحيد الإثبات؛ إثباتُ الكمال بكلِّ أنواعه لله ـ تبارك وتعالى ـ .
وتوحيدُ التَّنْزيه؛ تَنْزيه الله عن كلِّ عيبٍ ونقص ـ تعالى الله وتبارك وتقدس وتَنَزَّه عن كلِّ نقص، و له الأسماء الحسنى والصفات العلا » [ " المرجع السابق" (1/23- 24) ] .
المطلب الحادي عشر
ذكرُ بعضِ السُّبل المعينَة عَلى تَرسيخِ عَقيدَة التَّوحيد في القُلوب
وقال حفظه الله:« مما يرسخ عقيدة التوحيد أن نعرف أسماء الله وصفاته، قال تعالى: { وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف: 180]، وقال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 23 ـ 24]، هذه الأمور من الأسماء والصفات..»[ " المرجع السابق" (1/73) ] .
وقال حفظه الله:« إن الله.. لم يعط عيسى ولا غيره القدرة على الخلق فالله هو الخالق وحده فعيسى يصور من الطين كهيئة الطير وينفخ فيها، والله بقدرته هو الذي يخلق هذا الطير .
إنما عيسى متسبب بدعائه لله، والله يخلق الروح والحياة في هذه الصورة من الطين، فعيسى ليس بخالق وهو مخلوق، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
وكذلك كل الأنبياء والرسل فضلاً عن غيرهم قال الله لأفضل رسله: { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّواءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف: 188] .
فيعلِّم الله نبيه والأمة بهذا ليُرسِّخ عقيدة التوحيد في نفوسهم فكان الأمر كذلك حتى جاء أهل الضلال بهذه الترهات المضادة لعقيدة التوحيد »[" المرجع السابق" (8/629) ] .
المطلب الثاني عشر
ثِمارُ تَحقيقِ التَّوحيد
وإن أبينا إلا المضي في طريق رسمه لنا منجرفون قبوريون خرافيون ؛ فو الله ما ننتظر من الله إلا الهوان والذل: { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }[الحج: 18] »[ " المرجع السابق" (1/77) ] .
وقال حفظه الله:« لا ينتظر الإسلام من المسلمين إلاَّ رجالاً يفهمون هذه الرِّسالة فيعيدون الكَرَّة في فهم هذا التوحيد، وتربية المسلمين عليه، وفهم هذا المنهج الذي جاء به الأنبياء وتربية الأُمَّة عليه، وغسل عقول الأُمَّة من أدران وأوضار الخرافات والشِّركيات والبدع حتى تكون أُمَّة توحيد بحق وجدارة .
وحينئذٍ يستحقون من الله الكرامة في الدُّنيا والآخرة ويَصدُق عليهم أنهم أُمَّة التوحيد؛ فيستحقون منه النَّصر والتأييد، ويستحقون منه الإكرام و الإعزاز .
ولكن الأماني لا تنفعكم يا معشر المسلمين، والاتكال والتواكل لن يغني عنكم شيئًا أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده، تؤمنون بتوحيد الله الخالص، وتجمعون الأُمَّة عليه، فإذا قلنا: " لا إله إلا الله " قلناها بوعي ومن قلوب مؤمنة، ومن شفاه وألسنة طاهرة لم تتلوث بأدناس الشِّرك والبدع والخرافات.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يُهَيِّىءَ الأُمَّة لهذا اليوم الذي يتطلع إليه كلُّ مسلم، فتجتمع كلمة المسلمين على لا إله إلا الله، نسأل الله أن يأتي به؛ لتعلو هذه الأُمَّة إلى الصعيد والمستوى الذي ارتقى إليه أسلافهم »[ " المرجع السابق"(1/117)] .
وقال حفظه الله:« المسلمون يعبدون هذا الرَّب العظيم الجليل، والنصارى واليهود والمشركون والقبوريون يَعْبُدون الأموات ويَعْبُدون البشر والأحجار، أيُّ عِزَّةٍ وأيُّ رفعةٍ تحصل للمسلم الذي لا يعبدُ إلا هذا الإلهَ العظيم! ولهذا يقول ـ تبارك و تعالى: {وَ لله العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَ لِلمُؤمِنِينَ وَ لَكِنَّ المنَافِقِينَ لَا يَعلَمُون} [المنافقون: 8] .
العزةُ لله ولأهل التوحيد؛ لأنهم لا يخضعون ولا يحنون رؤوسـهم إلَّا لله، ولا يخـافون ولا يرجُون ولا يَرْغَبُون ولا يَطْمَعُون إلاّ فيما عند هذا الإله العظيم الجبَّار الذي بيده كلُّ شيء »[" المرجع السابق" (1/117) ] .
و العلم عند الله تعالى، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
....... يتبع بحلقاتٍ و مباحِثَ أخرى بإذن الله .
تعليق