إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نُبوَّةُ «ذي الكِفل» بينَ المثبِتينَ والنَّافِين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نُبوَّةُ «ذي الكِفل» بينَ المثبِتينَ والنَّافِين

    نُبُوَّةُ « ذي الكِفل » بينَ المثبِتينَ و النَّافِين

    ذكر الله تعالى في القرآن الكريم، في جملة من ذكر من الأنبياء والمرسلين: بعض الأخيار، من غير تنصيصٍ صريحٍ على نبوتهم، ومن هنا اختلف فيهم أهل العلم، هل هم أنبياء، فيجب و يثبت لهم من الحقوق و المكانة و المنزلة ما للأنبياء؟، أم أنهم ليسوا بأنبياء، فلا يثبت لهم شيءٌ من ذلك، و لا يخفى أنه لا يجوز لنا أن نُدخل في جماعة الأنبياء من ليس منهم، كما لا يجوز لنا إنكار نبوة من نبَّأه الله و نفيها أو اعتقاد عدم ثبوتها في نفس الأمر .
    قال ابن حزم رحمه الله في كتابه « الفصل في الملل و الأهواء النحل» (4 /9 -10): « ولا يحلُّ لمسلم أن يُدخل في الأنبياء من لم يأت نص، ولا إجماع، أو نقل كافة بصحة نبوته، ولا فرق بين التصديق بنبوة من ليس نبيًّا، وبين التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم » انتهى .
    و لخطورة هذا الأمر على ما أفاده ابن حزم رحمه الله، لزِم تحقيق القول فيمن اختُلِف في نبوتهم، لما يتبع ذلك من الآثار، التي منها تحقيق الاعتقاد الصحيح في نبوتهم نفيًا أو إثباتًا .
    و من هؤلاء الذين حصل الخلاف في نبوتهم بين مُثبتٍ و نافٍ: إخوة يوسف، و ذو القرنين، و الخضر، و عزير، و لقمان، و مريم، و ذو الكفل، و غيرهم .
    أمَّا ذو القرنين، و الخضر، فقد كتبت بفضل الله تعالى مقالين في مجلَّة الإصلاح الغرَّاء، بيَّنتُ فيهما القول الصحيح الذي تعضده الأدلة وعليه جماعة المحققين من العلماء، في أمر نبوتهم، وبعض المسائل المتعلِّقة بهم .
    و سأحاول في هذا المقال تحرير القول في نبوة ذي الكفل، و لعلَّ الدور يأتي على بقيتهم إن شاء الله تعالى، فأقول مستعينًا بالله متوكِّلًا عليه .
    ذكر الله تعالى ذا الكفل في القرآن الكريم في موضعين اثنين:
    الأول: في سورة " الأنبياء " ذكره مع عدد من الأنبياء والمرسلين، بعد قصة أيوب عليه السلام: وذلك في قوله تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ }[الأنبياء: 85/86] .
    الثاني: في سورة " ص" مقرونًا ذكره بذكر جملة من الأنبياء أيضًا، وذلك في قوله تعالى: { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ } [ص: 48] .
    و لم يَذكُرِ اللهُ في القرآن إلا اسمه؛ و من هنا لم تذكر كتب التاريخ و السير في شأنه كبير شيء، و أكثر ما ذُكر في شأنه في تلك المصادر مما يتعلَّق بدعوته وما جرى له مع قومه، إما موضوع أو ضعيف لا تقوم بمثله حجة، و لا يستقيم به خبر .
    و اختلفوا في لفظ « ذي الكفل » هل هو اسمٌ له أم لقب؟
    قال الرَّازي في " مفاتيح الغيب" (8/94): « ذو الكفل، يحتمل أن يكون لقبًا وأن يكون اسمًا » .
    و اختلف الذين جعلوا « ذا الكفل » لقبًا، في اسمِه، فقال بعضهم: هو زكريا، و قيل: يوشع بن نون، وقيل: إلياس، وقيل غير ذلك [ " تفسير البغوي " (5/348)، " زاد المسير" (5/279) ] .
    كما اختلفوا في سبب تلقيبه بذي الكفل، على أقوالٍ سيأتي ذكرها .
    و زعم قومٌ بأنه ابن أيُّوب عليه السلام، كما ذكر ذلك الإمام ابن كثير رحمه الله في ترجمته من " البداية و النهاية "(1/272)، محتجين على ذلك بذكره في الموضعين اللذين ذكر فيهما في القرآن بعد نبيِّ الله أيُّوب! و لا دليل على ذلك يصح من جهة النقل .
    و الذي نبتغيه من هذا المبحث، تحقيق القول في نبوته .
    فقد اختلف في شأنه أهل التفسير و التاريخ و السير هل كان نبيًّا أم لا ؟ على قولين: ذكرهما ابن الجوزي في " زاد المسير" (5/278ـ 279)، و غيره .
    وزاد ابن كثير قولًا ثالثًا و هو التَّوقُّف في أمره حكاه عن ابن جرير رحمه الله، كما في كتابه " البداية و النهاية " (1/272) فقال: « فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثَّناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السَّادة الأنبياء أنَّه نبيٌّ عليه من ربه الصلاة والسلام، وهذا هو المشهور، وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيًّا وإنَّما كان رجلًا صالًحا وحكمًا مقسطًا عادلًا، وتوقف ابن جرير في ذلك »انتهى .
    و قد حكى غير واحدٍ من المفسرين اختلاف العلماء في نبوة ذي الكفل و لم يرجح واحدًا منها، منهم: الشوكاني في " فتح القدير"، و ابن عطية في " المحرر الوجيز"، و البقاعي في " نظم الدرر "، و القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن "، و الماوردي في " النكت و العيون ".
    و إليك أقوال العلماء في شأن نبوته، على ما ذكره المفسِّرون .
    القول الأول: أنه ليس بنبيٍّ، ونسبَ القرطبيُّ القول بذلك إلى الجمهور كما في " تفسيره " (14/266)، على أن بعضهم قال عكس ذلك، حيث جعل مذهب الأكثر هو إثبات نبوته، كما سيأتي بيانه عند إيراد القول الثاني .
    و رُويَ القول بعد نبوته عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و كذا عن مجاهد بن جبر، كما تناقل ذلك المفسرون .
    أما أثر أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه فرواه ابن جرير في " تفسيره " (16/373) بإسنادين من طريق قتادة عنه، منقطعًا:
    الأول: قال: حدثنا بْشرٌ، قال :ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال وهو يخطب الناس: إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيًّا ولكن كان عبدًا صالحًا.. ».
    الإسناد الثاني: قال حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر، عن قتادة في قوله: [ وَذَا الْكِفْلِ ]، قال: قال أبو موسى الأشعري: لم يكن ذو الكفل نبيَّا ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة، فتُوفيَ، فكَفَل بصلاته، فلذلك سمي ذا الكفل » .
    و الأثر كما ترى ظاهر الانقطاع: قتادة لم يسمع من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فقد نصَّ جمعٌ من الأئمة على عدم سماعه من أحدٍ من الصحابة سوى أنس بن مالك رضي الله عنه، وزاد بعضهم، عبد الله بن سرجس، و أبي الطفيل، كما في " المراسيل " لابن أبي حاتم (1/29) .
    ولذا؛ قال ابن كثير رحمه الله في « تفسيره » (9/433) : « و قد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : قال أبو موسى الأشعري ... فذكره منقطعًا » .
    و رواه ابن أبي حاتم موصولًا، كما في « تفسير » ابن كثير (9/433) قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن أبي كنانة الأخنس، قال: سمعت الأشعري و هو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبيٍّ؛ و لكن كان يعني: في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسُمِّي ذا الكفل » .
    و رواه من طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(17/375) بنفس الإسناد.
    و سعيد بن بشير الذي في إسناد ابن أبي حاتم ضعيف لاسيما في قتادة .
    قال عنه محمد بن عبد الله بن نمير كما في "التهذيب" (2/9): منكر الحديث ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات، و قال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه » .
    و قد خالفه ثقـتان كما في الإسنادين السابقين فرويا الحديث منقطعًا بدون ذكر الواسطة بين قتادة و أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه .
    أحدهما: سعيد ابن أبي عروبة و هو ثقة حافظ من أثبت الناس في قتادة، قاله إبراهيم بن الجنيد، و يحي بن معين، كما في " شرح علل الترمذي " لابن رجب (2/694) .
    و الثاني: معمر بن راشد و هو ثقة ثبت؛ فالقول قولهما، و على هذا فزيادة أبي كنانة بين قتادة و أبي موسى رضي الله عنه غير محفوظة و الله أعلم .
    على أن هذه الواسطة التي زيدت في السند الأول و هو: أبو كنانة الأخنس: مجهول لا يعرف، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير"(8/376) و ابن أبي حاتم في "الجرح و التعديل" (9/471) و لم يذكرا فيه جرحًا و لا تعديلاً .
    و لذا؛ قال الذهبي في " الميزان "(7/416): لا يعرف، و قال الحافظ في "اللسان" (7/480): « مجهول» .
    وعلى هذا: فالقول بعدم نبوة ذي الكفل لا يثبت إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و الله أعلم.

    و أما أثر مجاهد، فرواه ابن جرير في " تفسيره " (16/371) من طريقين:
    الأولى: عن ابن جريج عنه: قال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ( وَذَا الْكِفْلِ ) قال: رجلٌ صالحٌ غير نبيٍّ، تكفل لنبيِّ قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمه لهم، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسُمِّي ذا الكفل ».
    الثانية: عن ابن أبي نجيحٍ عنه :
    قال: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، و حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: « و يقضي بينهم بالحق » .
    و الإسناد إلى مجاهدٍ ثابتٌ إن شاء الله تعالى .
    ابن أبي نجيح هو: عبد الله بن يسار أبو يسار، ثقة، و ابن جريج كذلك على تدليس فيه، كلاهما لم يسمع التفسير من مجاهد مباشرة؛ و إنما أخذاه عن: القاسم بن أبي بزَّة و هو ثقة .
    قال ابن حبان كما في " تهذيب الكمال" (23/339): « ابن أبي نجيح نظير ابن جريج في كتاب القاسم ابن أبي بزَّة عن مجاهد في التفسير رويا عن مجاهد من غير سماع » .
    و قد اعتمد الأئمة هذه النسخة من التفسير كما في" سؤلات الجنيد لابن معين" (343/344)، و كان سفيان الثوري و غيره يصححون تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، كما في " الجرح والتعديل " (5/203)، وذلك لعلمهم بالواسطة بينه وبين مجاهد، وهو ثقة كما تقدم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " الفتاوى " (17/408-409):«ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير أصحُّ من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلَّا أن يكون نظيره في الصحة »انتهى .
    و ثبوت القول بعدم نبوَّة ذي الكفل إلى مجاهد مما تقوَّى به من نفى نبوته، وذلك لإمامة مجاهد و أخذه التفسيرَ عن حبر هذه الأمة و ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " الفتاوى " (13/332): « و من التابعين من تلقَّى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها؛ ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم »انتهى .
    و لم يُبعد من اعتمدَ قولَ مجاهدٍ في عدمِ إثباته لنبوة ذي الكفل، لا سيما مع عدم صراحة الأدلة التي احتجَّ بها من أثبت نبوته، إلَّا أنَّها و بمجموعها تفيد ذلك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
    هذا؛ وقد اختلف الذين قالوا بعدم نبوة ذي الكفل في علة تسميته بهذا الاسم، على ثلاثة أقوال:
    أحدها: أن رجلاً كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته فسُمي: ذا الكفل و جاء التصريح بذلك في أثر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه السابق، وقد بيَّنَّا حاله .
    و جاء نحوه عن عمرو بن شعيب، أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (16/372)، قال: « حدثنا ابن حميد، قال حدثنا الحكم، قال: ثنا عمرو، قال: أما ذو الكفل فإنه كان على بني إسرائيل ملك، فلمَّا حضره الموت قال: من يكفل لي أن يكفيني بني إسرائيل، ولا يغضب، و يصلي كل يوم مائة صلاة ؟ فقال ذو الكفل: أنا، فجعل ذو الكفل يقضي بين الناس فإذا فرغ صلى مائة صلاة ....» و ذكر أثرًا طويلًا منكرًا فيه شيخ ابن جرير: ابن حميد، قال فيه البخاري: فيه نظر، و قال النسائي: ليس بثقة، و كذَّبه إسحاق بن منصور، و صالح جزرة كما في " تهذيب الكمال " ( 52 / 102 ـ 106 )، و " الضعفاء و المتروكين " ( 3 / 54 )].
    الثاني: أنه سُمِّي بذي الكفل لأنه تكفل لنبيٍّ بقومه أن يكفيه أمرهم و يقيمه، و يقضي بينهم بالعدل، ففعل، فسمِّي، ذا الكفل كما في أثر مجاهد السابق .
    و جاء نحوه عن محمد بن قيس، أخرجه ابن جرير في " تفسيره "( 16/372) فقال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن أبي معشر عن محمد بن قيس، قال: كان في بني إسرائيل ملك صالح فكبر فجمع قومه فقال: أيكم يتكفل لي بملكي هذا على أن يصوم النهار، و يقوم الليل، و يحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله، و لا يغضب؟ قال فلم يقدر أحدٌ إلا فتى شاب، فازدراه لحداثة سنه، فلما كان في الثالثة، قال مثل ذلك: فلم يقم إلا ذلك الفتى، فقال: تعال، فخلَّى بينه و بين ملكه، فقام الفتى ليله، فلما أصبح جعل يحكم بين بني إسرائيل، فلما انتصف النهار دخل ليقيل فأتاه الشيطان في سورة رجل من بني آدم، فجذب ثوبه، فقال: أتنام و الخصوم بباك ... ،ثم ذكر قصة طويلة، ثم قال: « فقضى بين بني إسرائيل بما أنزل الله زمناً طويلاً، و هو ذو الكفل، سُمِّي ذا الكفل لأنه تكفل بالملك ».
    و هذا الأثر لا يصح فيه الحسين بن داود مختلف فيه و الراجح ضعفه كما في " التقريب" .
    و أبو معشر نجيح ضعيف مختلط، و فيه عنعنة ابن جريج، و شيخ ابن جرير القاسم بن الحسن لا يعرف، و محمد بن قيس هو نفسه ضعيف لكن الأثر هنا من قوله .
    الثالث: أنه سمِّي بذي الكفل لأنَّ ملكاً قتل في يوم ثلاثمائة نبي، و فرَّ منه مائة نبي، فكفلهم ذو الكفل يطعمهم و يسقيهم حتى أفلتوا، فسُمِّي ذا الكفل، قاله عطاء ابن السائب كما في "زاد المسير"(5/395)، و لا يخلو قولٌ من هذه الأقوال من كلام .
    ولذا؛ قال أبو حيان في " البحر المحيط "(6/244): « وقيل في تسميته ذا الكفل، أقوالٌ مضطربةٌ لا تصح ».
    وقد ورد حديث مرفوعٌ عند الترمذي في " السنن " ( 2496)، و أحمد في " المسند " (4747)، عن ابن عمر رضي الله عنه، لو صحَّ لكان حجَّةً لمن قال بعدم نبوة ذي الكفل، إلَّا أنَّه لم يصح، زيادةً على خلاف أهل العلم في كون المراد به ذا الكفل، ولفظه: « سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عدَّ سبع مرات - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: « كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا، على أن يطأها، فلما أراد أن يفعل، أرعدت، وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا، ولم تفعليه قط؟ فتركها، وقال لها: اذهبي فالدنانير لك. ثم قال: « والله لا يعصي الله الكفل أبدًا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل » .
    و وجه الشاهد من هذا الحديث على عدم نبوة ذي الكفل: أن الأنبياء معصومون من الكبائر و الفواحش، و من كلِّ ما يشينهم و يزري بمنصب النبوة، وهذه الحال المذكورة في الحديث مع وصف صاحبها بأنه « لا يتورَّع من ذنبٍ » من هذا الباب، فهي إذن دليلٌ واضحٌ على عدم نبوته .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " الفتاوى "(4/319) « فإن القول بأنَّ الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصَّغائر هو قول أكثر علماء الاسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء .
    بل هو لم ينقل عن السَّلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يواقف هذا القول » انتهى .
    على أنَّ الحديث لم يثبت كما قدمنا بيانه .
    قال فيه الإمام ابن كثيرٍ في " البداية و النهاية "(1/226/227):« حديث غريب جدًّا وفي إسناده نظر، فإنَّ سعدًا هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلَّا بحديث واحد، و وثقه ابن حبان، و لم يرو عنه سوى عبدالله بن عبدالله الرازي هذا فالله أعلم » .
    و قال ابن الجوزي في " زاد المسير" (5/279):«وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفل: « أنه كان رجلًا لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأةٍ ليفجُر بها، فبكَت، وقالت: ما فعلتُ هذا قطُّ، فقام عنها تائبًا، ومات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل »؛ والحديث معروف، وقد ذكرته في « الحدائق »، فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، والمذكور في القرآن يقال له: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا، وإذا قلنا: إنه نبيذٌ، فإنَّ الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال .
    وذكرتُ هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله تعالى، فوافقني، وقال: ليس هذا بذاك »انتهى .
    و الحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في " الضعيفة " (4083) .
    القول الثاني: في شأن ذي الكفل: أنه كان نبيًّا، قاله جماعة، منهم ابن وهب، وهو المشهور، و إليه مال أكثر المفسِّرين، كما صرَّح به الألوسي في " روح المعاني " (12/449)، و أبي حيان الأندلسي في " البحر المحيط " (6/244) .
    أما أثر ابن وهب فرواه الحاكم في " المستدرك" (3/490)، قال: أخبرنا الحسن بن محمد الإسفراييني، ثنا محمد بن أحمد بن البراء، ثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال : كان عمرُ أيوب ثلاثًا و تسعين سنة، و أوصى عند موته إلى ابنه حومل و قد بعث الله بعده ابنه بشر بن أيوب نبيًّا و سمَّاه ذا الكفل، و أمره بالدعاء إلى توحيده و أنَّه كان مقيمًا بالَّشام عُمرَه حتى مات، و كان عمره خمسًا و سبعين سنة، و أن بشرًا أوصى إلى ابنه عبدان ثم بعث بعدهم شعيبًا » .
    و الظاهر أن هذا الأثر منقول عن الإسرائيليات، وذلك أنَّ ابن وهب أخباري .
    على أنَّ السند إليه لا يصح، فيه عبدالمنعم بن إدريس، وقد كُذِّب، كما أفاده الذَّهبي في " التَّلخيص".
    و استدلَّ من قال بنبوَّة ذي الكفل: بأن الله تعالى ذكره في جملة من ذكر من الأنبياء مقرونًا ذكره بذكرهم، كما في قوله تعالى في سورة " الأنبياء ": { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ}[الأنبياء: 85/86]، و كما في قوله تعالى في سورة " ص": { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ } [ص: 48] .
    قال الإمام ابن كثير رحمه الله:« فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه، مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة و السلام، و هذا هو المشهور »انتهى .
    قالوا: و يدلُّ على نبوته أيضًا كونه ذُكر في سورةٍ مسماة: بسورة: " الأنبياء "!.
    و الذي يظهر أن هذه الحجج لا تكفي بمجرَّدها لإثبات نبوته! و إلَّا لزمنا إثبات نبوة مريم! حيث ذُكرت في سورة الأنبياء مع من ذُكر منهم فيها، كما اقترن ذكرها بذكر الأنبياء في مواضع كثيرة في القرآن كما في سورة مريم و ذلك في قوله تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا }[مريم: 16]، بعد ذكر زكريا و يحي، ثم ذُكر بعدها عيسى و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و موسى و إسماعيل و إدريس، ثم قال تعالى بعد ذكرهم: { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}[مريم: 58]، فوصف الجميع بالنبوة، وبمثل هذا أثبت نبوة مريم من أثبتها كابن حزم و غيره، و لم يكن هذا دليلًا كافيًا على ذلك عند من نفى نبوتها وهو الصحيح، الذي عليه الجمهور، فكيف نستدلُّ به في هذا الموضع على نبوة ذي الكفل، وقد أنكرنا الاستدلال به على نبوة مريم!، على أن الاستدلال به على نبوتها أظهر و أوضح و أقرب من الاستدلال به على نبوة ذي الكفل، و الله أعلم .
    و مما استدل به من قال بنبوة ذي الكفل قوله تعالى في سورة " الأنبياء " بعد أن ذكره مقرونًا بإسماعيل و إدريس: { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ } قالوا: المراد بالرحمة هنا: النبوة و الجنة .
    قال الواحدي في " تفسيره " (3/248): « { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ }: يعني: ما أنعم الله به عليهم من النبوة و ما صيرهم إليه في الجنة من الثواب »انتهى .
    و قد ورد إطلاق الرحمة على النبوة في القرآن في مواضع كثيرة، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في تفسيره العظيم " أضواء البيان " (7/258-259) عند قول الله تعالى من سورة « الزخرف »:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ }:« والظاهر المتبادر أن المراد بـ: { رَحْمَةَ رَبِّكَ } النبوة وإنزال الوحي، وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن كقوله تعالى في « الدخان »: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الدخان:5-6]، وقوله في آخر « القصص »: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص:86]، وقوله في آخر « الأنبياء »: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].
    وقد قدمنا الآيات الدالة، على إطلاق الرحمة: والعلم على النبوة في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الكهف:65] »انتهى .
    و لعلَّ هذه الحجة، من أحسن ما استدلَّ به المثبتون لنبوة ذي الكفل، و إن كان فيها ما فيها أيضًا، و لذا؛ قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في تتمة كلامه السابق من " المصدر المذكور ":« و معلوم أن الرحمة و إيتاء العلم اللَّدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة.. »انتهى .
    و يُؤيِّد القول بنُبُوَّة ذي الكفل عليه السلام قوله تعالى في آية سورة "ص" السابق ذكرها : { وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ } [ص: 48]، أي: وكلُّ من ذكرناه هاهنا كإسماعيل و اليسع و ذا الكفل و غيرهم، من الأخيار الذين اخترناهم للنبوة، واصطفيناهم للرسالة .
    قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " عند هذه الآية: { وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ }، « أي ممن اختِير للنُّبوة » .
    و مما يٌؤيِّد هذا المعنى عطف هذه الآية على التي قبلها و هي قوله سبحانه: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ }، أي: من الذين اصطفاهم الله بالنبوة، و اختارهم للرسالة، ومنهم إسماعيل و اليسع و ذا الكفل و هؤلاء أيضًا من الأخيار الذين اخترناهم و اصطفيناهم بالنبوة، و الله أعلم .
    و يُقوِّيه ما أفاد به الرازي في " تفسيره" (8/94) حيث قال: « الكفل هو النصيب، والظاهر أن الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو كفل الثواب، فهو إنَّما سمي بذلك لأنَّ عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، ولقد كان في زمنه أنبياء على ما روي ومن ليس بنبي لا يكون أفضل من الأنبياء »انتهى .
    و الله أعلم، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

  • #2
    مقالة ماتعة ، و فوائد حديثية نافعة ، و لما تفرق في بطون الكتب جامعة
    جزاك الله خيرا يا شيخ ابراهيم و نفع بك و زادك علما و فضلا

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا شيخ إبراهيم
      جمع موفق و مرتب و مسدد
      وفقك الله لمرضاته - أحسنتم -

      تعليق


      • #4
        اللهم بارك
        نفع الله بكم

        تعليق


        • #5
          بارك الله في الشيخ إبراهيم على هذا الجمع الطيب زادك الله خيرا وتوفيقا.

          تعليق


          • #6
            بارك الله فيك و جزاك خيرًا شيخ إبراهيم على هذه المقالة النافعة.

            تعليق


            • #7
              جزاكم الله خيرا شيخ إبراهيم على البحث الموفق باارك الله فيك ننتضر كتابتك بفارغ الصبر
              الملفات المرفقة
              التعديل الأخير تم بواسطة ابومارية عباس البسكري; الساعة 2016-10-20, 11:37 AM.

              تعليق


              • #8
                بورك فيكم إخواني الأفاضل جميعا على مروركم الطيب، فقد سعدت بذلك، وفقنا الله و إياكم لما يحبه و يرضاه .

                تعليق


                • #9
                  مقال ماتع نافع وفقك الله.

                  تعليق

                  الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                  يعمل...
                  X