«تحذيرُ السُّفهاء من خطورة الاستخفاف والطَّعن في العلماء»
لفضيلة الشيخ:
لزهر سنيقرة -حفظه الله-
خطبة ألقاها فضيلته يوم الجمعة الموافق 17 شوَّال 1437هـ
لتحميل المادّة الصّوتية: من هُنا
الخُطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد:
فإنّ خير الحديث كتاب الله تعالى، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
عباد الله، إن من أعظم نِعَم الله تبارك وتعالى علينا أن هدانا صراطَهُ المستقيم، ووفّقنا لاتّباع هديِ سيّد الأوَّلين والآخِرين، أكرمنا ربّنا تبارك وتعالى بمنهجٍ قويم، هذا المنهج الذي سار عليه ودعا إليه نبيُّنا –صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم-، والتزَمَهُ الخِيَرةُ البررَةُ من أصحابه الصّادقين الموفّقين وعلى رأسهم الخُلفاء الرّاشدون، أنعم الله تبارك وتعالى علينا باتّباعهم والسّير على طريقتهم، أكرمنا بمحبّتهم ومحبّة أفعالهم وأقوالهم، أكرمنا بأن لا نُقدّم على هديهم هديًا، ولا على قولهم قولا، هُم الذين أُمرنا باتّباعهم (عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الرّاشدين المهديِّين من بعدي، عضُّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
هذه واللهِ إخواتِي الكرام أعظمُ نِعَم الله تبارك وتعالى علينا، خاصَّةً في هذا الزّمان زمنُ الفِتَن الكثيرة، والصّوارف العديدة، زمن البدع والضلالات، زمنٌ ظهرت فيه الرؤوس كلّها والرّايات جميعها من أولئك الذي يُعادون السُّنّة وأهلَها كما كان من قبلهم يُعادون أنبياء الله تبارك وتعالى ورُسلَه، الأنبياء الذين بعثهم ربّ العالمين جلّ في علاه وأيّدهم بالوحي وكانوا خيرَ الناس في الناس، وهذه عقيدةُ أهل الحقّ؛ عقيدة أهل السنة فيهم.
ومن رحمة الله عزّ وجلّ بهذه الأمة أنّ هذا الخير مَا انقطعَ عنها، وهو باقٍ فيها إلى قيام السَّاعة، ولم يكن هذا في أمةٍ من الأمم أبدًا إلا في هذه الأمة المعصومة، عصَمها الله تبارك وتعالى بحفظِ الكتاب فيها وبحفظِ هدي النبي –عليه الصلاة والسلام- الذي انبرى له أئمة أعلام وعلماء أفذاذ ضحَّوْا بما عندهم، ضحَّوا بأَنْفَسِ ما يملكون تعلّمًا لهذا العلم وتعليمًا لهُ، تحصيلاً لهذا العلم عن شيوخهم وعلمائهم وبثًّا له في أمَّة النّبيّ المصطفى حُبًّا فيهِ وحُبًّا في سُنّته.
هذه السُّنّة المباركة التي علماؤها مُؤيَّدون بتأييد الله جلّ وعلا رغم المخالفين ورغم كيد الكائدين وطعن الطّاعنين، فإن الله عز وجل -واللهِ الذي رفعَ السَّماء بغيرِ عمدٍ- لَيَزِيدُهم رِفْعَةً وعُلوَّ منزلةٍ كلما طعن فيهم الطاعنون أو انتقصهم الجاهلون، ورحم الله القحطانيّ في قصيدته النونية التي دافع فيها عن السُّنّة وأهلها ودحضَ فيها البدعة وأصحابها، يقول في بيتٍ من أبياتها وهي قصيدةٌ رائعةٌ أسأل الله تبارك وتعالى أن يُوفِّق أبناءنا لحفظها وأن يُوفِّق مشايخنا لتدريسها ومدارستها، يقول؛ وهذا البيتُ إن قالَهُ القحطانيّ بلسانِهِ فهو قولُ كلّ عالمٍ من علمائنا وإمامٍ من أئمّتنا من أولئك الأخيار الذينَ شعارهم ودعوتُهم نصرُ السّنّة وقمع البدعة، الذين شعارهم نصرُ سُنّة النّبيّ –عليه الصلاة والسلام- وموالاة أصحابها، وقمعُ البدعة ومعاداة أربابها، نسأل الله جلّ وعلا أن يُقلّلهم في أمتنا وأن يُبعد شرّهم عن أبنائنا، يقول –عليه رحمة الله-:
أنا ثمرَةُ الأحبابِ حنظلةُ العِدا *** أنا غُصّةٌ في حَلْقِ من عادانِي
هِيَ واللهِ كذلك، أيُّ عالمٍ من علمائنا وإمامٍ من أئمّتنا هُوَ ثمرة الأحباب، لأنّ نفعه فيهم عظيم، ولأنّ خيرَهُ عميم، كيف لا! واللهُ تبارك وتعالى أحيا بهم القلوب، كيف لا! والله جلّ وعلا حفِظَ بهم دينَهُ ونصَرَ بهم سُنّة حبيبه -عليه الصلوات والسلام-.
وعليكُم أن تتصوَّروا إخوتي أنْ لو لَمْ يكن هذا في أئمتنا لم تُقمَع بدعةٌ أبدًا، ولم تُنصَر سُنّة أبدًا، لضاع دينُ الله جلّ وعلا، ولتبدَّل كما تبدَّلت الأديانُ الأخرى، ولقامَ فينا أولئك الذينَ وصفهم نبيُّ الهدى –عليه الصَّلاة والسّلام- حبيبُنا فداهُ أبي وأمي: (اتّخذَ الناس رؤوسًا جُهّالاً فأفتوا بغيرِ علمٍ فضَلُّوا وأضلُّوا)، (إنَّ الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الناس، ولكن يرفع العلم بقبض العلماء) إذا قُبِضَ عالمٌ من علماء هذه الأمة حدثَ فيها ثُلْمَة لا تُسدُّ إلى قيام السَّاعة.
ولهذا جاءت النُّصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسول الله –صلّى الله عليه وسلم- في بيان فضلهم وعظيمِ قدرهم ونفعهم في هذه الأمة، حتّى قال الله تبارك وتعالى في هذا الفضل، وسأقتصر على شيءٍ يسير من هذه النصوص، قال الله عزّ وجلّ في فضل علماء هذه الأمة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الذين يعرفون هذه الحقائق، الذين يُميِّزونَ بينَ العلماء الرّبانيِّين الصادقين العاملين وبينَ غيرهم من المتعالمين أو من الجاهلين من علماء السوء وما أكثرهم! لا يُميِّز بين هذا إلا من وصفهم الله تبارك وتعالى بقولِه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال ربُّ العزّة والجلال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
هذه شهادةُ ربِّنا جلّ في علاه، الذي رفعهم هو الله تبارك وتعالى، والذي زكّاهم هو الله تبارك وتعالى.
ما أقبَحَ الخلق وما أسوأهُم وما أكثرَ شرّهم وعداءهم للخيرِ وأهلِه، قومٌ يقول الله عز وجلّ فيهم هذا المقال ويُزكِّيهم هذه التزكية ويشهدُ لهم بهذه الشَّهادة يأتي بعد ذلكَ الحقيرُ الهزيل؛ الحقيرُ في عقلِهِ والهزيلُ في دينِهِ لِيطعنَ فيهم! ويتَّهمَ أعراضهم! ويتكلّمَ في نيَّاتهم! قبَّحَ اللهُ الأشرارَ.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ رغمَ أنوفكم يرفعهم الله، قال العلماء: (رِفْعةٌ في الدُّنيا ورِفْعةٌ في الآخرة)، أمَّا الرِّفعةُ في الدُّنيا فهيَ عُلوُّ المنزلة وحُسنُ الصَّيت عند أهل الخيرِ الذين إذا ذكروهم ذكروهم بخيرٍ، الذين إذا ذكروهم ترحَّموا عليهم، واللهِ الذي لا إله غيرُه إنَّنا لنذكُر بعضًا من علمائنا وأئمَّتنا ويكونُ حنينُنَا وحُبّنا وما نجده في قلوبنا أشدّ إلينا من ذكرنا لوالدينا وهُم أحبُّ الناس إلينا.
أسألُ الله تبارك وتعالى أن يرحم موتاهُم، وأن يحفظَ أحياءهم، وأن يُسدِّدهم، وأن ينصرهم، وأن ينصُرَ الحق بهم، إنه سميعٌ مُجيب.
يرفعهم الله جلَّ وعلا في الدُّنيا إِي واللهِ، ويرفعهم في الآخرة، قال أهلُ العلم: (يرفعهم رِفعةً حسّيّة بأن يُعليَ منزلتهم في الجنة، وأن يحشرهم مع النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين وهُم منهم، بل هُم من ساداتهم).
وهذا؛ لا يعرف الفضْلَ لأهلهِ إلاّ أهلُ الفضلِ، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث نافع ابن عبد الحارث الخزاعي -عليه رحمة الله- وكان عاملاً لعُمَر على مكة وما أدراك ما مكَّة؛ خيرُ البِقاع وأمّ الدُّنيا؛ فجاءه يومًا إلى المدينة والمدينةُ كانت عاصمة الخلافة؛ فسأله عمر –رضي الله تعالى عنه-: (من تركتَ على أهل الوادي؟) أي: من استخلفتَ خلْفَك أو وراءك على أهل مكَّة؟ (قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟) لا يعرفه عُمَر، فقال نافع: مولى من موالينا، فتعجَّب عُمَر –رضي الله تعالى عنه: استخلفتَ على القُرشيّين مولى من الموالي، قال: (يا أمير المؤمنين إنَّهُ قارئٌ لكتابِ اللهِ عالمٌ بالفرائض)، وفي رواية قال: (إنَّهُ عالمٌ بكتابِ اللهِ)، قال –رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه-؛ هذا عُمَر هذا عُمَرُنا هذا عُمَر هذه الأمة هذا عُمَر الجبَل -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وألحقنا به وبسائر صالحِي هذه الأمة وصحابة رسول الله –صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم-؛ قال –رضي الله تعالى عنه-: (إن الله يرفع بهذا الكتابِ أقوامًا ويضعُ به آخرين)، (إن الله يرفع بهذا الكتاب..) يرفعُ بالعلمِ أقوامًا، (ويضعُ بهِ آخرينَ) الذين أعرضوا عنهُ والذينَ أعرضوا عن أهلِهِ، ليس هذا فحسب، بَلْ جمعوا الشَّرَّ كُلّه؛ الإعراض والطَّعن، ولهذا يقول العلماء: (أسوأُ الناس من ساء عملُهُ، وأسوأ هؤلاء من ساء عمله ثم طعنَ في الصالحين وانتقصهم وتكلّم في أعراضهم).
نسأل الله جلّ وعلا أن يُجيرنا.
رفع الله تبارك وتعالى قدْرَهُم، وشهِدَ لهم بذلك، ولهذا قال زيدُ بن أسلم –عليه رحمة الله- عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ قال: (بالعلم)، بالعِلْمِ رفعهم الله تبارك وتعالى، وبالعِلْم رُفِعُوا، وشهِدَ لهم الله تبارك وتعالى الشّهادة العظيمةَ العطِرَة فقال ربُّ العِزَّة والجلال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وهذه شهادةٌ عظيمةٌ؛ أشهدهم الله على أعظمِ مشهودٍ، أعظمُ مشهودٍ هوُ: كلمةُ التَّوحيد؛ هيَ: لا إله إلا الله، قال ابن القيِّم –عليه رحمة الله-: (وهذا يدلّ على عظيم فضلهم، وهذا من وجوه:
الوجه الأول؛ -قال عليه رحمةُ الله-: استشهادهم دون غيرهم من البشر..)
ما استشهد الله جلّ وعلا غيرَهُم، ما استشهد الله تبارك وتعالى الأمراء ولا استشهد السّلاطين ولا استشهد الأغنياء ولا استشهد الأقوياء، إنما استشهد بهؤلاء فحسب ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.
وجهٌ ثانٍ: (..اقترانُ شهادتهم بِشهادتِهِ..)، أي: قرَن الله جل وعلا شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وهذا فيه أعظم دليل على الفضل العظيم.
وجه آخر: قال عليه رحمة الله: (..اقترانُها بشهادة ملائكته)، أي: شهادتهم قرنها الله عزّ وجلّ بشهادة ملائكته.
ووجه آخر؛ قال: (..أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العُدول).
لما جعلهم الله تبارك وتعالى شهودًا هذا فيه دليلٌ على أعظم التزكية والتعديل لهؤلاء لأن الله جل وعلا لا يستشهد إلا العدول من خلقه.
وقال الحافظ ابن رجب عند هذه الآية الكريمة؛ وهذه فائدةٌ عزيزةٌ قالها عليه رحمةُ الله جل وعلا؛ قال: (إن الله تبارك وتعالى لما أطلق لفظَ العلماء في هذه الآية أرادَ به إدخالَ الأنبياء، فالأنبياء دخلوا في عموم العلماء الذين قصدهم الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة) قال: (وكفى بهذا شرفًا أن الله عز وجل جمعهم مع خيرة خلقه وأصفيائه وهم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-).
هؤلاء الذين شرّفهم الله تبارك وتعالى هذا التشريف، وأعلى من قدرهم، ولهذا كانوا ورثة الأنبياء بحق، وكانوا هم الأولياء حقّا، كما قال الإمام الشافعي –عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: (إن لم يكن العلماء والفقهاء هم الأولياء فليس لله تبارك وتعالى وليّ).
الخطبة الثانية:
ومما جاء في سنة نبيّنا –عليه الصَّلاة والسَّلام- في فضل العلماء وعظيمِ قدرهم ومنزلتهم عند الله تبارك وتعالى ما صحَّ عن نبيّنا -عليه الصَّلاة والسَّلام- بقوله: (وإنَّ العلماء هُم ورثة الأنبياء) هم ورثة الأنبياء بحقٍّ.
الله جلّ وعلا ورّثهم تَرِكَتَهُم، تَرِكَتُهُم هيَ العلمُ الذي تركوه من بعدهم –عليهم الصلاة والسلام-.
فانظر إلى علمائنا في حرصهم على هدي نبيّهم –عليه الصَّلاة والسَّلام-؛ في حرصهم على تعلّم وتعليم كتاب الله الذي قال النّبيّ –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في بيانِ فضل من تعلّمه وعلَّمه: (خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمَهُ)، فهُم خيرُنا فينا، وحرصهم كذلك على تعلّم سُنّة النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وتعليمها وبثِّها ونشرها في الناس، وهذه علامةٌ من علاماتهم وميزَةٌ من أخصِّ ميزاتهم.
قال الإمام أحمد –عليهِ رحمةُ اللهِ- إمامُ أهلِ السُّنة في بيانِ فضل هؤلاء وعظيم قدرهم في مُقدّمة كتابه: (الحمدُ لله الذي بعث في كلِّ فترة من الرُّسل بقايَا من أهل العلم يدعُون من ضلَّ إلى الهُدى، ويُبصِّرون بكتاب الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أَحْيَوْهُ، وكم من ضالٍّ قد هَدَوْهُ، فما أحسنَ أثَرَهُم على النّاس، وما أسوأ أثر الناس عليهم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وتأويل المبطلين، ونزعات الجاهلين).
بل إنَّ الإمام الطَّحاويّ –عليه رحمةُ اللهِ- جعلَ هذا الأمر أصلاً من أصول هذه الملَّة؛ أصلاً من أصول عقيدة سلفِ هذه الأمة في عقيدته العظيمة بعد أن ذكر الصحابة وفضلهم وأهل البيت ومنزلتهم وعظيم حقِّهم على هذه الأمه ثنَّى بعد ذلك بالعلماء فقال: (والعُلَماء السّلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنَّظر لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن يذكرهم بسوء فهو على غيرِ سبيل).
ولهذا؛ لا يذكرهم بسوء إلا من كان مُنحرفًا، لأن العلماء فضحوا المنحرفين، لا يذكرهم بسوء إلا من كان من أهل الباطل، لأنَّ العلماء فضحوهم وهتكوا أستارهم، وهذا في كلِّ زمنٍ وفي كلِّ وقتٍ وحينٍ.
وكما قال الحافظ ابن عساكر –عليه رحمة الله- حتَّى أصبحَ قولُه يُضرَب في كلِّ مناسبةٍ من مثل هذه المناسبات ويُذكَر في كُلِّ مثلِ هذه المجالس؛ قال –عليه رحمة الله-: (اعلَمْ أخي –وفّقنا الله وإيَّاك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتّقيه حقّ تُقاته- أنَّ لحوم العلماء مسمومة، وعادةُ اللهِ في هتكِ أستارِ مُنتقِصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم فيه براء أمرٌ عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتعٌ وخيم..) إلى أن قال: (..ومن أطلقَ لسانَهُ في العلماء بالثَّلبِ ابتلاهُ الله تبارك وتعالى قبلَ موتِهِ بموتِ القلبِ).
إي واللهِ، إنّ هذا هو حالهم، وهذه حقيقتهم، ويقول ابن المبارك -عليه رحمة الله-: (من استخفَّ بالعلماء ذهبت آخرتُهُ، ومن استخفَّ بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخفَّ بالإخوان ذهبت مروءتُه) وأهل الشّرّ قد يجمعون بين هذه الشّرور كلّها، فهُمْ يستخفّون ويطعنون في العلماء وأنَّهُم علماء بلاط! وأنَّهُم علماء قصور! وأنّهم علماء صحون! أما علماؤهم المزعومون؛ أما ضُلاّلهم الفاتنون المفتونون فهُمْ علماء سجون لا علماء صحون! نعوذ بالله تبارك وتعالى من الخذلان.
يستخفّون بالعلماء ويستخفّون بالأمراء؛ بل رُبّما يُكفِّرونهم! ويَسْتَعْدُونَ الناس عليهم، فجمعوا بين الشرور كلها، استخفافًا بأهل الفضل هؤلاء، واستخفافًا بأهل الأمر الذينَ أُمرنا بطاعتهم، فمن أينَ يأتي الخيرُ لهؤلاء؟! وأنَّى يكون هؤلاء أهل خير! نعوذ بالله تبارك وتعالى من الشّرّ وأهله.
ولا أجدُ ما أختمُ بهِ إلاّ قولاً لإمامٍ من أئمَّتنا وشيخٍ من شيوخنا وعالمٍ من علماء هذه الأمَّة المتأخّرين –رحمةُ الله تبارك وتعالى عليه- ألا وهُوَ شيخنا الشيخ العثيمين –عليه رحمة اللهِ- حيثُ قال في دعوةٍ له: (أسألُ الله أن يُعينَ العلماء على ما ينالُهُم من ألسنةِ السّفهاء) لأنَّ العلماء ينالُهُم أشياء كثيرة، وأنتُم تَلْحَظُونَ وتسمعون وتقرؤون شراسة هؤلاء وتكالُب هؤلاء في وسائل الإعلام المسعورة التي لا تنشُر إلا الشّرّ ولا تدعُو إلاَّ إليهِ، نسأل الله تبارك وتعالى أن يهديَهُم سواء السبيل، وأن يكفيَ المسلمين شرّهم، وأن يُوفّق أئمّتنا وعلماءنا لما يُحبّه ويرضاه، ونقصدُ بذلكَ علماء أهل السُّنّة والجماعة الذينَ رفعوا راية السنة وأحْيَوْهَا في قلوب العباد وفي البلاد، ولا نقصد علماء السوء الذين يدعون إلى الشّرّ وإلى الفتنة وإلى التَّحريض وإلى الثَّورات، قاتلَهُمُ اللهُ تبارك وتعالى، أنَّى لهؤلاء أن يكونوا أئمَّةً في أُمَّةِ الخير! في أمة النّبيّ –عليه الصلاة والسلام-.
ووالله الذي لا إله غيرهُ لَهُم أجبنُ خلقِ اللهِ، يُحرِّضون أبناءنا ويدعونهم إلى الثورات وإلى التَّقتيل الذي يُسمّونه: الجهاد! وإلى مثلِ هذه القبائح العظيمَة ثُمَّ تجدهم في المنتزهات وفي القصور يُداعبونَ أبناءهم ونساءهم، وهؤلاء هُم طائفةُ القَعديَّة القعود الذين لا يقومون ولكنّهم يتكلَّمون.
وما أكثرهم؛ أولئك الذينَ يختفون وراء الأسماء المستعارة أو وراء الكنى على صفحات التواصل وغيرها!
أما أولئك الذينَ يظنّون في أنفسهم أنَّهُم أئمة في هذه الأمة أو أنّهم علماء أو أنّهم أولياء فإنِّي أتحدَّاهُم جميعًا أن يقِفَ أحدهم ويدعو لدرسٍ من دروسِهِ أو كلمةٍ من كلماتِهِ حتّى في حيِّه بَلْ حتّى عندَ عتبةِ بيتِهِ إذا كان اجتمع حولَهُ خمسةٌ من النَّاسِ! إذا كان اجتمعَ حولَهُ طائفة قليلة من الناس!
الحمدُ لله ربّ العالمين، الله تبارك وتعالى قد بصَّر إخواننا وبصَّر أبناءنا وهدانا وإيَّاهم إلى منهج الحقّ منهج أهل السنة والجماعة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُثبّتنا جميعًا عليهِ، وأن لا يُميتنا إلا عليه، إنه سمعٌ مجيب، وأن يحفظ أئمتنا وعلماءنا من كل سوء.
وفي مقابل هذا: انظُر إلى علمائنا، الشَّيخ الألبانيّ –عليه رحمة الله- أكثر من أربعين سنة محروم من أن يُلْقِيَ درسًا في مسجد أو في تجمّع في البلد الذي مات فيهِ، إلاّ أنَّهُ يتكلَّمُ بالكلمة في بيتِهِ وفي مكتبته فتنتشرُ في الآفاق ويسمعها الملايين ربما بعد بضع دقائق ولم يكن آنذاك لا الأنترنت ولا غيره.
هذا من فضلِ اللهِ تبارك وتعالى على أئمتنا وعلمائنا.
وانظُر إلى الشَّيخ ربيع حفظه الله تبارك وتعالى وسدَّدَ على الحقِّ خُطاهُ أنَّهُ عاجِزٌ عن التَّدريسِ لِكِبَرِ سِنِّهِ ولمرضِهِ ولكنَّهُ في بيتِهِ يتكلَّمُ بالكلمةِ تطيرُ في الآفاق ويتبادلُها طلبةُ العلمِ ويُشْغَفُونَ بِهَا ويدرسونَها ويتدارسونها، هذا فضلُ الله تبارك وتعالى.
وانظُر إلى ما ماتَ عليه الشيخ الفقيهُ المُفسِّر الإمام الشَّيخ العثيمين –عليه رحمة الله- من فراشِ الدَّرسِ ولا أقول من كرسيّ الدَّرس! لأنَّهُ لمَّا اشتدَّ به المرض وكان في مكَّة معتمرًا معتكفًا في غرفةٍ من الغرف خُصِّصت له في المسجد الحرام يُدرِّسُ على فراشِ مرضه وهو راقدٌ على فراش المرض وما توقّف درسُهُ حتّى اشتدّ به المرض ونُقِلَ من فراشِ مرضه مباشرة إلى المستفشى بجدّة ولقيَ فيها ربّه تبارك وتعالى وتوفّاه الله عزّ وجلّ عالمًا مُعلِّمًا مُدرِّسًا مُربِّيًا مُجاهدًا، أسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمَّدَهُ بواسع رحمتِهِ،وأن يحشره مع النبيِّين والصّدّيقين والشّهداء والصَّالحين.
كما أسأله تبارك وتعالى أن يحفظَ سائر علمائنا وأئمّتنا وأن يحفظنا وإخواننا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ بلدنا هذا من كيد الفُجّار، وعبث الأشرار، إنه سميع مجيب.
أقول قولي هذا، وأسأل الله العليّ العظيم بمنِّه وكرمه أن يختمَ لنا بالصَّالحات وأن يتوفَّانا غير مُبدّلين ولا مُغيِّرين، وأن يُلحقنا بالصَّالحين بنبيِّنا الكريم –عليه الصلاة والسلام- وبالصّدّيقين والشهداء والصالحين، إنه سمع مجيب.
وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
فرّغه:/ أبو عبد الرحمن أسامة
18 / شوَّال / 1437هـ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين
تعليق