السُّؤَالِ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وذكر بعض أقوال العلماء في المسألة
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هَجْرًا»
قال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي في كتاب: شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى».
باب (مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز السؤال بوجه اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-.
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ -لأَصَابِعِ يَدَيْهِ- أَلاَّ آتِيَكَ, وَلاَ آتِيَ دِينَكَ, وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً, لاَ أَعْقِلُ شَيْئًا, إِلاَّ مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ , قَالَ: «بِالإِسْلاَمِ» , قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلاَمِ؟ , قَالَ: «أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, وَتَخَلَّيْتُ, وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ, وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ, كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ, أَخَوَانِ, نَصِيرَانِ, لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ مُشْرِكٍ, بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلاً, أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون قبل باب، والحديث تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "باب وجوب الزكاة" برقم-1/ 2436 - سندًا، ومتنًا، أورده هناك استدلالًا على وجوب الزكاة، وتقدّم هناك شرحه، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق.
ومحلّ الاستدلال على الترجمة هنا قوله: "أسألك بوجه اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-"، فإن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - أقرّه عليه، فدلّ على أنّ السؤال بوجه اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- مشروع. واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين حديث الباب، وحديث: "ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ من يُسأل بوجه اللَّه، ثم منع سائله ما لم يسأله هُجْرًا". رواه الطبرانيّ، قال المنذريّ: رجاله رجال الصحيح، إلا شيخه، يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة انتهى؟.
[قلت]: الذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن يُجمَعُ بينهما يحمل حديث الطبرانيّ على من يسأل بوجه اللَّه تعالى بلا حاجة تدعوه لذلك، وإنما لمجرّد عدم مبالاته بعظمة اسم اللَّه تعالى.
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق سليمان بن معاذ التميمي، حدثنا ابن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: "لا يسأل بوجه اللَّه، إلا الجنة". فإنه حديث ضعيف؛ لأن في سنده سليمان بن معاذ، وهو سليمان بن أرقم بن معاذ، نُسب لجدّه، وهو ضعيف. واللَّه تعالى أعلم.
باب (منْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَا يُعْطِي)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل بناء الفعل الأول للفاعل، وللمفعول، فيكون المعنى على الأوّل: هذا باب ذكر ذمّ من يَسأل شيئًا باللَّه تعالى لنفسه، ولا يعطي إذا سأله به سائل، حيث جمع بين قبيحين، سؤاله باللَّه تعالى لنفسه، ومنعه من سأله به، فاستخفّ باسم اللَّه تعالى في الحالتين.
ويكون المعنى على الثاني: ذمّ من يسأله الناس شيئًا باللَّه تعالى، فلا يُعطيهم ما سألوه، أي مِع القدرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. اه
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتاب تحقيق مشكاة المصابيح (1/ 605):
عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ يصلى الله عليه وسلم: " لا يُسْألُ بوجِهِ اللهِ إلا الجَنةُ" رواه أبو داود.
إِسناده ضعيف وفي الاستدلال بهذا الحديث على عدم الجواز نظر من وجوه: الأول: أنه ضعيف لا يصح إسناده, فإن فيه سليمان بن قرم بن معاذ, وقد تفرد به كما قال ابن عدي في «الكامل» , (ق 155/ 1) ثم الذهبي, وهو ضعيف لسوء حفظه, فلا يحتج به, ولذلك لما أورد السيوطي هذا الحديث من رواية أبي داود والضياء في «المختارة» تعقبه المحقق عبد الرؤوف المناوي بقوله: «قال في «المهذب»: فيه سليمان بن معاذ, قال ابن معين: ليس بشيء. اهـ. وقال عبد الحق وابن القطان: ضعيف» قلت: وقال الحافظ في «التقريب»: سيء الحفظ.
الثاني: لو صح الحديث لم يدل على ما ذهب إليه من رأى عدم الجواز, لأن المتبادر منه النهي عن السؤال به تعالى شيئاً من حطام الدنيا, أما أن يسأل به الهداية إلى الحق الذي يوصل به إلى الجنة, فلا يبدوا لي أن الحديث يتناوله بالنهي, ويؤيدني في هذا ما قاله الحافظ العراقي: «وذكر الجنة إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص؛ فلا يسأل الله بوجهه في الأمور الدنيئة, بخلاف الأمور العظام تحصيلاً أو دفعاً كما يشير إليه استعاذة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - به» نقله المناوي وأقره.
الثالث: إنما بوّب النووي للحديث بالكراهة لا بعدم الجواز فقال: «باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله غير الجنة» والكراهة عند الشافعية للتنزيه».
وجاء عن فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في رده على سؤال: ما المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) ؟.
قال ما نصه
الحمد لله
اختلف في المراد به على القولين :
القول الأول : أن المراد لا تسأل أحداً من المخلوقين بوجه الله فإذا أردت أن تسأل أحداً من المخلوقين لا تسأله بوجه الله , لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة , والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة , فإذاً لا يسألون بوجه الله مطلقاً .
القول الثاني : أنك إذا سألت الله فإن كان الجنة وما يستلزم دخولها فاسأل بوجه الله , وإن كان من أمور الدنيا فلا تسأل بوجه الله, فأمور الآخرة تسأل بوجه الله كقولك مثلاً : أسألك بوجهك أن تنجيني من النار. والنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) الأنعام/65 . قال : أعوذ بوجهك (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) الأنعام/65 . قال :أعوذ بوجهك (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) الأنعام/65 . قال هذه أهون أو أيسر. ولو قيل إنه يحتمل المعنيين جميعاً لكان له وجه.
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/1 ص 92.
وقال الشيخ رحمه الله في برنامج فتاوى نور على الدرب
السؤال
هل يجوز السؤال بوجه الله تعالى غير الجنة حيث قد ورد في حديث صححه الألباني جاء فيه (ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ولم يعط) فهل هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يحضرني الآن الحكم بصحته والذي أرى أنه ينبغي لطالب العلم إذا صحح أحد من أهل العلم الحديث وليس في الكتب المشهورة بالصحة والتي تلقاها أهل العلم بالقبول أرى أن يبحث هو بنفسه عن هذا الحديث وعن سنده حتى يتبين له صحته فإن الإنسان بشر ربما يخطئ كما أنه يصيب ولكن هذا الحديث لا يحضرني الآن الحكم عليه بالصحة أو بغيرها فإن صح هذا الحديث فمعناه أنه لما كان وجه الله تعالى موصوفاً بالجلال والإكرام كان لا ينبغي أن يسأل فيه إلا أعظم الأشياء وهو الجنة أما الأشياء التي دونها فإنه لا ينبغي أن يسأل كما أن المسئول إذا سئل بوجه الله وهو الوجه العظيم الموصوف بالجلال والإكرام فإنه لا ينبغي له أن يرد من سأل به بل له عليه أن يجيبه وكل هذا الذي أقوله إذا كان الحديث صحيحاً والله أعلم ولعلنا إن شاء الله تعالى نبحث عنه ويتسنى لنا الكلام عليه في موضع آخر.
وقال صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى في كتاب: الملخص في شرح كتاب التوحيد
باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" . رواه أبو داود.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه يجب احترام أسماء الله وصفاته؛ فلا يُسأل عن شيء من المطالب الدنيوية بوجهه الكريم؛ بل يُسأل به أهمّ المطالب وأعظم المقاصد وهو الجنة، فهذا من حقوق التوحيد.
لا يُسأل: رُوي بالنفي ورُوي بالنهي.
بوجه الله: هو صفة من صفاته الذاتية يليق بجلاله وعظمته.
إلا الجنة: أو ما هو وسيلةٌ إليها من المقاصد العظام.
المعنى الإجمالي للحديث: ينهى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يُسأل بوجه الله الكريم الأمور الحقيرة وحوائج الدنيا؛ إجلالاً لله وتعظيماً له، ويقصر -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- السؤال بوجه الله على الجنة التي هي غاية المطالب.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُسأل بوجه الله غير الجنة.
ما يستفاد من الحديث:
1- إثبات الوجه لله سبحانه على ما يليق بجلاله كسائر صفاته.
2- وجوب تعظيم الله واحترام أسمائه وصفاته.
1- جواز سؤال الجنة -والأمور الموصِّلة إليها- بوجه الله والمنع من أن يُسأل به شيءٌ من حوائج الدنيا.
وجاء عن الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى أيضا
السؤال.
ما الحكمة في أن السؤال بوجه الله لا يكون إلا للجنة ؟ وهل من سأل بوجه الله غير الجنة في أمور الدنيا يعتبر عاصيًا مذنبًا ؟
الجواب .
روى أبو داود عن جابر رضي الله عنه؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يُسْألُ بِوَجْهِ الله إلا الجَنَّة ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 2/131 ) من حديث جابر رضي الله عنه ] .
والحديث فيه مقال، وهو نهي أو نفي عن سؤال شيء بوجه الله إلا الجنة؛ تعظيمًا لوجه الله، واحترامًا أن تسأل به الأشياء الحقيرة من مطالب الدنيا .
قال بعض العلماء : لا يسأل بوجه الله إلا الجنة التي هي غاية المطالب، أو ما هو وسيلة إلى الجنة؛ كما في الحديث الصحيح : ( اللَّهمَّ ! إنِّي أسْأَلُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قَوْلٍ أو عَمَلٍ ) [ رواه الحاكم في " المستدرك " ( 1/521، 522 ) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو جزء من الحديث ] .
ولا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل بوجه الله حوائج الدنيا؛ إعظامًا لوجه الله وإجلالاً له؛ فمن سأل بوجه الله أمرًا من أمور الدنيا؛ كان عاصيًا مخالفًا لهذا النهي، وهذا يدل على نقصان توحيده وعدم تعظيمه لوجه الله تعالى .
وقال الشيخ بكر بن أبو زيد رحمه الله في كتاب: معجم المناهي اللفظية وفوائد في الألفاظ
عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) . رواه أبو داود، وابن منده في: ((الرد على الجهمية)) ، والبيهقي في ((سننه)) ، وفي ((الأسماء والصفات)) ، والخطيب في ((الموضح)) . وفي إسناده: سليمان بن قرم بن معاذ، ضعيف.
لكن يشهد لعموم النهي حديث أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً)) رواه الطبراني، قال العراقي: إسناده حسن.
ومضى بحثه في هذا في حرف الخاء: خليفة الله. وفي حرف الألف بلفظ: اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، وحاصل السؤال بوجه الله يتلخص في أربعة أوجه:
1. سؤال الله بوجهه أمراً دينياً أو أُخروياً، وهذا صحيح.
2. سؤال الله بوجهه أمراً دنيوياً وهذا غير جائز.
3. سؤال غير الله بوجه الله أمراً دنيوياً وهو غير جائز.
4. سؤال غير الله بوجه الله أمراً دينياً.
والموضوع يحتاج إلى زيادة تحرير؟؟. اه