[ النُكُوص مَردُّهُ إلى أسبابٍ كثِيرة مُتعدِّد ، منها ]ا
1_ النهم بشهوات الغي ، والتعرض للشبه الخطافة ؛ فيتشربها مثل السفنجة فلا ينضحُ إلا بها (1) ِ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه اللّه-:" يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم "(2).
2_ الاغترار بزخرفة الأقاويل المغطاة بلحاء الشريعة .
قال مقاتل بن حيان - رحمه اللّه تعالى - :" أهل الأهواء آفة أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إنهم يذكرون النبي صلى اللّه عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس ،فيقذفون بهم في المهالك ، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل ، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق ، فأبصرهم ، فإنك إن لم تكن أصبحت في بحر الماء ، فقد أصبحت في بحر الأهواء الّذي هو أعمق غورًا وأشد اضطرابًا ، وأكثر صواعق ، وأبعد مذهبًا من البحر وما فيه ، فتلك مطيتك الّتي تقطع بها سفر الضلال : اتباع السنة ، فإنهم هم السيارة الذين إلى اللّه يعمدون " (3) .
وهذا الاغترار إنما يقع فيه من كان ضعيف العلم ، أو الصبر ، أو ناقص العقل ، أو قليل الديانة ، أو الرزانة ، أو البصيرة ، أو من عدم مباشرة القلب لحقيقة العلم النافع ، القائم على القرآن والسنة وفهم معانيها ، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث ...(4)،وهذا هو العلم المزكي للقلوب والأرواح ، والهادي لطريق الخير ، والمحذر من طريق الشر ، المثمر لسعادة الدارين .
3_ عدم الوعي بخطط ومؤامرات الأعداء ، وحيل ومكائد المندسين .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه تعالى -:" الخبير بالشر وأسبابه ، إذا كان حسن القصد ، عنده من الاحتراز عنه ، ومنع أهله ، والجهاد لهم ، ما ليس عند غيره "(5) .
وهذا ما عليه حال سادات الصحابة رضي اللّه عنهم من التحلي بالاحتراز واليقظة .
قال العلامة ابن القيم - رحمه اللّه تعالى -:" فإنهم كانوا أبر الناس قلوبًا ، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع ، وأتقى للّه من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لست بخب ولا يخدعني الخب.
وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن ، وكان الناس يسألون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الخير ، وكان هو يسأله عن الشر (6) ، والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الّذي لا يعرفه ، بل الّذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر ..."(7) .
4_ التعلق بالأشخاص الأحياء ، فإن فتن الشيطان هؤلاء الأحياء بالشُّبه ، ومال بهم عن الصراط المستقيم ، فما يكون من الغمر الجاهل إلا الانجراف معهم في متاهات الضلالة ، والتتابع لهم في الخطل من نصرة باطلهم بقوة ، لاعتقاده بأن الحق وقف مؤبد عليهم ، فيصبح حال هذا السادر في غيه كما قال الشاعر :
وهل أنا إلا من غَزية إن غوت °° غويتُ وإن ترشد غَزيةُ أرشدِ
وإنّ ممّا يترتب على النكوب والتردي في الغي هو معارضة الإخلاص للّه تعالى في الأوبة إلى الحق ، والتجرد للدليل ، وسلوك منهج الاتباع ، وخلق الشجاعة والصدق .
عن المقداد بن الأسود رضي اللّه عنه قال :"لاأقول في رجل خيرًا ولا شرًّا ، حتى أنظر ما يختم له _ يعني : بعد شيء سمعته من النبي صلى اللّه عليه وسلم _ قيل : وما سمعت ؟ قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت عليانًا (8) .
وقال الصحابي الجليل عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه :" من كان منكم مستنًّا فاليستن بمن قد مات ؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولائك أصحاب محمد ، كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، قوم اختارهم اللّه لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم "(9) .
ومن جميل الحكم قول : " أحب الحق وأحب فلانًا ما اجتمعا، فإذا افترقا كان الحق أحب إليَّ من فلان ".
قال العلامة حمود التويجري - رحمه اللّه تعالى - :" فإنَّ العلماء لاتعظم أقدراهم ويعتد بأقوالهم بمجرد التفخيم لهم والتنويه بذكرهم ، وإنّما يعتبرون باتباع الحق واجتناب الباطل ، فمن قال منهم بما يوافق الكتاب والسنة فقوله مقبول ، ولو كان خامل الذكر عند الناس ، ومن قال بما يخالف الكتاب والسنة فقوله مردود ، ولو كان مشهورًا عند الناس "(10).
5_ عدم التميِّيز بين العالم الراسخ في العلم ، وبين أشباه العلماء ؛ مرسى دعائم الفتن العمياء ،عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم :" كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعة ً وتسعين نفسًا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب ،فأتاه فقال : إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا ،فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمل به مائة ، ثمَّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدُِل على رجلٍ عالم ..."(11).
والشاهد من هذا الحديث الجليل هو تسمية النبي صلى اللّه عليه وسلم الرجل الثاني بالعالم ،والأول بالراهب ؛ أي : هو ليس بعالم ، وهذا الراهب إنما دل عليه الجهال من الناس ، لاعتقادهم بأنه من العلماء.
يقول العلامة الفقيه ابن عثمين- رحمه اللّه تعالى -:" فلابد من معرفة من هم العلماء حقًا ، همُ الربانيون الّذين يربون الناس على شريعة ربهم حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم ، يتشبه بهمن في المظهر والمنظر والمقال والفعال لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق ، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ،ويصوغه بعبارات مزخرفة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ، بل هو البدع والضلالات الّذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون " (12) .
كتاب: "البراهين المُرصَّعة في كشفِ حالِ الحدَّادية والمُمَيعة "
إعداد: أبو عبد الرحمن خميسي العنَّابِّي- وفقه اللّه -
تقديم: فضيلة الشيخ محمد بن رمزان الهاجري- حفظه اللّه-
(1) :" مفتاح دار السعادة "(443/1)
(2) " الإيمان " (367/2)
(3) " الاعتصام " (142/1) ، و" تاريخ دمشق " (108/60)
(4) ينظر :" فضل علم السلف على الخلف "(ص6)
(5) " الفتاوى الكبرى " (264/5)
(6) أخرجه البخاري في " صحيحه " ( رقم 3606) ، ومسلم في " صحيحه " ( رقم 1847).
(7) " إعلام الموقعين " (189/2_190 ) وينظر منه كذلك 113/6_ 114) ، فإنه مهم .
(8) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " (238/39)، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة "(رقم 1771).
(9) أورده البغوي في " تفسيره " (×48/1) ، وابن القيم في "إغاثة اللهفان" ( 159/1) ، وبنحوه أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "(947/2).
(10) " فصل الخطاب في الرد على أبي تراب " (ص264).
(11) أخرجه البخاري في " صحيحه"( رقم 3283)، ومسلم في "صحيحه "( رقم 2766) واللفظ له .
(12) " الأصول الستة ومعه شرح كشف الشبهات "( ص167_ 168).
نقله أخوكم يعقوب بن مسعود الجزائري
1_ النهم بشهوات الغي ، والتعرض للشبه الخطافة ؛ فيتشربها مثل السفنجة فلا ينضحُ إلا بها (1) ِ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه اللّه-:" يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم "(2).
2_ الاغترار بزخرفة الأقاويل المغطاة بلحاء الشريعة .
قال مقاتل بن حيان - رحمه اللّه تعالى - :" أهل الأهواء آفة أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إنهم يذكرون النبي صلى اللّه عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس ،فيقذفون بهم في المهالك ، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل ، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق ، فأبصرهم ، فإنك إن لم تكن أصبحت في بحر الماء ، فقد أصبحت في بحر الأهواء الّذي هو أعمق غورًا وأشد اضطرابًا ، وأكثر صواعق ، وأبعد مذهبًا من البحر وما فيه ، فتلك مطيتك الّتي تقطع بها سفر الضلال : اتباع السنة ، فإنهم هم السيارة الذين إلى اللّه يعمدون " (3) .
وهذا الاغترار إنما يقع فيه من كان ضعيف العلم ، أو الصبر ، أو ناقص العقل ، أو قليل الديانة ، أو الرزانة ، أو البصيرة ، أو من عدم مباشرة القلب لحقيقة العلم النافع ، القائم على القرآن والسنة وفهم معانيها ، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث ...(4)،وهذا هو العلم المزكي للقلوب والأرواح ، والهادي لطريق الخير ، والمحذر من طريق الشر ، المثمر لسعادة الدارين .
3_ عدم الوعي بخطط ومؤامرات الأعداء ، وحيل ومكائد المندسين .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه تعالى -:" الخبير بالشر وأسبابه ، إذا كان حسن القصد ، عنده من الاحتراز عنه ، ومنع أهله ، والجهاد لهم ، ما ليس عند غيره "(5) .
وهذا ما عليه حال سادات الصحابة رضي اللّه عنهم من التحلي بالاحتراز واليقظة .
قال العلامة ابن القيم - رحمه اللّه تعالى -:" فإنهم كانوا أبر الناس قلوبًا ، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع ، وأتقى للّه من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لست بخب ولا يخدعني الخب.
وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن ، وكان الناس يسألون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الخير ، وكان هو يسأله عن الشر (6) ، والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الّذي لا يعرفه ، بل الّذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر ..."(7) .
4_ التعلق بالأشخاص الأحياء ، فإن فتن الشيطان هؤلاء الأحياء بالشُّبه ، ومال بهم عن الصراط المستقيم ، فما يكون من الغمر الجاهل إلا الانجراف معهم في متاهات الضلالة ، والتتابع لهم في الخطل من نصرة باطلهم بقوة ، لاعتقاده بأن الحق وقف مؤبد عليهم ، فيصبح حال هذا السادر في غيه كما قال الشاعر :
وهل أنا إلا من غَزية إن غوت °° غويتُ وإن ترشد غَزيةُ أرشدِ
وإنّ ممّا يترتب على النكوب والتردي في الغي هو معارضة الإخلاص للّه تعالى في الأوبة إلى الحق ، والتجرد للدليل ، وسلوك منهج الاتباع ، وخلق الشجاعة والصدق .
عن المقداد بن الأسود رضي اللّه عنه قال :"لاأقول في رجل خيرًا ولا شرًّا ، حتى أنظر ما يختم له _ يعني : بعد شيء سمعته من النبي صلى اللّه عليه وسلم _ قيل : وما سمعت ؟ قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت عليانًا (8) .
وقال الصحابي الجليل عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه :" من كان منكم مستنًّا فاليستن بمن قد مات ؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولائك أصحاب محمد ، كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، قوم اختارهم اللّه لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم "(9) .
ومن جميل الحكم قول : " أحب الحق وأحب فلانًا ما اجتمعا، فإذا افترقا كان الحق أحب إليَّ من فلان ".
قال العلامة حمود التويجري - رحمه اللّه تعالى - :" فإنَّ العلماء لاتعظم أقدراهم ويعتد بأقوالهم بمجرد التفخيم لهم والتنويه بذكرهم ، وإنّما يعتبرون باتباع الحق واجتناب الباطل ، فمن قال منهم بما يوافق الكتاب والسنة فقوله مقبول ، ولو كان خامل الذكر عند الناس ، ومن قال بما يخالف الكتاب والسنة فقوله مردود ، ولو كان مشهورًا عند الناس "(10).
5_ عدم التميِّيز بين العالم الراسخ في العلم ، وبين أشباه العلماء ؛ مرسى دعائم الفتن العمياء ،عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم :" كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعة ً وتسعين نفسًا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب ،فأتاه فقال : إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا ،فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمل به مائة ، ثمَّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدُِل على رجلٍ عالم ..."(11).
والشاهد من هذا الحديث الجليل هو تسمية النبي صلى اللّه عليه وسلم الرجل الثاني بالعالم ،والأول بالراهب ؛ أي : هو ليس بعالم ، وهذا الراهب إنما دل عليه الجهال من الناس ، لاعتقادهم بأنه من العلماء.
يقول العلامة الفقيه ابن عثمين- رحمه اللّه تعالى -:" فلابد من معرفة من هم العلماء حقًا ، همُ الربانيون الّذين يربون الناس على شريعة ربهم حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم ، يتشبه بهمن في المظهر والمنظر والمقال والفعال لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق ، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ،ويصوغه بعبارات مزخرفة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ، بل هو البدع والضلالات الّذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون " (12) .
كتاب: "البراهين المُرصَّعة في كشفِ حالِ الحدَّادية والمُمَيعة "
إعداد: أبو عبد الرحمن خميسي العنَّابِّي- وفقه اللّه -
تقديم: فضيلة الشيخ محمد بن رمزان الهاجري- حفظه اللّه-
(1) :" مفتاح دار السعادة "(443/1)
(2) " الإيمان " (367/2)
(3) " الاعتصام " (142/1) ، و" تاريخ دمشق " (108/60)
(4) ينظر :" فضل علم السلف على الخلف "(ص6)
(5) " الفتاوى الكبرى " (264/5)
(6) أخرجه البخاري في " صحيحه " ( رقم 3606) ، ومسلم في " صحيحه " ( رقم 1847).
(7) " إعلام الموقعين " (189/2_190 ) وينظر منه كذلك 113/6_ 114) ، فإنه مهم .
(8) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " (238/39)، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة "(رقم 1771).
(9) أورده البغوي في " تفسيره " (×48/1) ، وابن القيم في "إغاثة اللهفان" ( 159/1) ، وبنحوه أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "(947/2).
(10) " فصل الخطاب في الرد على أبي تراب " (ص264).
(11) أخرجه البخاري في " صحيحه"( رقم 3283)، ومسلم في "صحيحه "( رقم 2766) واللفظ له .
(12) " الأصول الستة ومعه شرح كشف الشبهات "( ص167_ 168).
نقله أخوكم يعقوب بن مسعود الجزائري
تعليق