إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

انقضاض الاعتراض (الرد على الشيخ فركوس في بيانه الأخير) للشيخ أ.د عبد المجيد جمعة حفظه الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [جديد] انقضاض الاعتراض (الرد على الشيخ فركوس في بيانه الأخير) للشيخ أ.د عبد المجيد جمعة حفظه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    انْقضاضُ الاعْتراض
    الردّ على الشيخ فركوس في بيانه الأخير

    بقلم: الشيخ أ.د عبد المجيد جمعة
    ــــ . ــــ



    الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
    وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
    أمّا بعد؛ فهذا جواب عمّا أثاره الشيخ فركوس في فتواه الأخيرة برقم: 1292؛ من اعتراضات، ومغالطات.
    فأقول -وبالله التوفيق-:

    . قوله في العنوان: «في الاعتراض على جهةِ دلالةِ حديثِ وابصةَ وعليِّ بنِ شَيْبان رضي الله عنهما».
    وجوابه مِن وجهَين:
    أولهما: أنّ الاعتراضَ، لم يكُن على جهةِ دَلالةِ حديثِ وابصةَ، وعليِّ بنِ شَيْبان رضي الله عنهما؛ إذْ دلالتُهما ظاهرةٌ في بطلانِ صلاةِ المنفرد خلْفَ الصف؛ كما هو مذهب أحمد، وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَهْ؛ كما في «مسائل الكوسج» (262)، «ومسائل حرب» (548)، وابن حزم كما في «المحلى» (372/2)، واختاره شيخ الإسلام ابنُ تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (393/23)، وابنُ القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (203)، والصنعاني في «سبل السلام» (378/1)، وغيرُهم؛ وَحكاه ابن المنذر في «الأوسط» (183/4) عن النخعي، والحكم، والحَسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وأبي بكر بن أبي شيبة.
    الثاني: أنَّ محلَّ النِّزاع في وجْه إلحَاقِ بطلان الصلاةِ بالتَّباعدِ في الصفِّ، بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه؛ الذي يدلّ على بطلانِ صلاةِ المُنفرد خلْفَ الصفِّ؛ وهذا لا يكون إلا على جهة القياس.
    كمَا هو مصرَّحٌ به في السؤال: «الاستدلال بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه على التَّباعُد استدلالٌ بالقياس، وهذا قياسٌ مع الفارق، فحديثُ وابصةَ رضي الله عنه يتكلَّم على المُنفرِد خَلف الصَّفِّ، فكيف يُستدَلُّ به على التَّباعُد؟».
    أمّا حديثُ عليِّ بنِ شَيبان، فسيأتي الكلامُ عليه في موضعه.

    . وقوله: «ذلك لأنَّ حديثَ وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ الأسديِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ».فيه نصٌّ على تعليلِ الأمر بالإعادة بوصف الانفراد خلف الصفِّ في صلاة الجماعة».
    وجوابه من وجُوه:
    أولها: أنّه نَصَّ على أنّ علةَ الحديث منصوصٌ عليها؛ وهي: «الانفراد»، و«خلف الصف»؛ وهما وصفَان مجتمعَان؛ لا يفصل أحدهما عن الآخر. ويعني: بطلان صلاة المنفرد حال كونه خلف الصف.
    الثاني: ويشهد له ما أشار إليه في الفتوى رقم: ١٢٨٠. حيث ترجم لها: «في وجه إلحاق التَّباعدِ بحديث وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه».
    الثالث: أنّ القياس عند الأصوليّين، هو: «إلحاقُ فرعٍ مجهُولٍ بأصلٍ معلومٍ لحكمٍ مطلُوب بعلّةٍ جَامعة». «قواطع الأدلة» (134/2).
    وبهذا يتبيَّن: أنّ الاستدلالَ على بطلان الصلاة بالتباعد بحديث وابصة رضي الله عنه، هو استدلالٌ بالقياس.
    الرابع: أنّ قوله:«معرى عن الدليل وغاية في السقوط».
    أجاب عن نفسه بقوله: «فيه نصٌّ على تعليلِ الأمر بالإعادة بوصف الانفراد خلف الصفِّ في صلاة الجماعة». وقوله: «وجه إلحاق التَّباعدِ بحديث وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه».

    . قولهوهذا عملٌ بالنصِّ لا بالقياس».
    وجوابه من وجوه:
    أولها: أنّ بطلانَ صلاة المُنفرد خلْف الصفِّ ثابتةٌ نصًّا بحديثِ وابصة، وحديث علي بن شيبان؛ وهذَا لا نزاع فيه. ولم يقلْ أحدٌ: إنه ثابت بالقياس.
    الثاني:أنّ هذا خروجٌ عن محلِّ النزاع؛ إذ محلُّه في وجْه إلحاقِ بطلانِ الصلاة بالتَّباعدِ في الصفّ، بحديث وابصة رضي الله عنه، الذي يدلّ على بطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ كما تقدم.

    . وقولهوقد جاء ما يُبيِّنُه ويؤيِّدُ تعميمَه مِنْ حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ اليماميِّ الحنفيِّ السُّحَيْميِّ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ؛ فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». وفي روايةٍ: «.. لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». وهي صيغةُ عُمومٍ، وهي النَّكرةُ في سياق النَّفي، وهي تفيد العمومَ بالإجماع؛ والمعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفهمون العموم من صيغه وألفاظه، ويجرون صيغ العموم -حال ورودها في الكتاب والسنة- على العموم، ويأخذون بها ولا يطلبون دليل العموم، بل كانوا -في اجتهاداتهم- يطلبون دليل الخصوص، وجرى ذلك بينهم من غير نكير».
    وجوابه مِن وجُوه:
    أولها: أنَّ النكرةَ في حديثِ عليِّ بنِ شيبان، هي:
    1- لفظ «الصلاة». وهي: نكرة منفية؛ فتعم جميع الصلوات، التي تصلّى جماعة.
    2- لفظ: «فرد»؛ فيعم الفردَيْن، والأَفراد.
    فوصف الفرد، هو النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم؛ وليست جملة: «خلف الصف»؛ كما هو ظاهر من القاعدة.
    الثاني: أنه سَبق قولُه عن حديث وابصة رضي الله عنه: «فيه نصٌّ على تعليلِ الأمر بالإعادة بوصف الانفراد، خلف الصفِّ في صلاة الجماعة».
    وكذلك في حديث علي بنِ شَيبان؛ فإنّ العلةَ منْصوص عليها؛ وَهي: «الانْفراد»، و«خلفَ الصف».
    فجملة: «خلف الصف» متعلّقة بلفظ: «فرد»؛ لا يمكن فصلهما؛ لأنه رتَّب الحكم عليهما معًا.
    قال الشيخ العثيمين في «فتح ذي الجلال والإكرام» (289/2) في إعراب الحديث: «لا» نافية للجنس، و«صلاة» اسمها، و«منفرد» خبرها، و«خلف الصف» متعلّق بمنفرد».
    الثالث:أنه يؤيّد عمومَ «فرد» لفظُ ابن ماجة (1003): «لا صلاة للَّذِي خلْف الصفِّ». و«الذي» من الأسماء الموصولة التي تفيد العموم.
    الرابع: أنّ لفظ «فرد»؛ إنما يعمُّ خلفَ الصفِّ؛ لأن «خلف الصف» متعلق به. أي: حال كونه خلف الصف؛ فيشمل فردَيْن خلف الصف؛ وأفرادًا خلف الصف؛ على غير نَسَقٍ، وسِلْك واحدٍ. يعني: فردًا خلف الصف، بعده فردٌ خلفه، بعده فردٌ خلف الفرد الثاني؛ وهكذا كلّ واحدٍ على حِدَة، غير مُنتظمِين في صفٍّ واحِد.
    وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الصورة؛ فسُئل -رحمه الله-: عمّن صلّى خلف الصف منفردا؛ هل تصح صلاته، أم لا؟ فأجاب في «مجموع الفتاوى» (393/23-394):
    «الحمد لله؛ مِن قوْلِ العلماء: إنه لا تصحّ صلاةُ المنفرد خلْفَ الصفِّ؛ لأنّ في ذلك حديثَيْن عن النبي ﷺ: «أنه أَمر المصلّي خلفَ الصفِّ بالإعادة، وقال: لا صلاة لفذٍّ خلف الصفِّ». وقد صحّح الحديثَيْن غيرُ واحدٍ منْ أئمّةِ الحديث؛ وأسانيدُهما مما تَقوم بهما الحجّة؛ بل المخالفُون لهما، يَعتمدون في كثير منَ المسائل على ما هو أضعف إسنادًا منهما. وليس فيهما ما يخالف الأصول، بل ما فيهما هو مُقتضى النصُوص المشهورة، والأصول المقرّرة؛ فإنَّ صلاة الجماعة، سُمّيت جماعةً؛ لاجتماع المصلّين في الفعل؛ مكانًا، وزمانًا؛ فإذا أخَلُّوا بالاجتماع المكاني، أو الزماني؛ مثل: أن يتقدَّمُوا -أو بعضُهم- على الإمام، أو يَتخلَّفُوا عنه تخلّفًا كثيرًا لغير عذرٍ؛ كان ذلك منهيًا عنه؛ باتّفاق الأئمّة.
    وكذلك لو كانوا مُتفرِّقِين غير منتظمِين؛ مثل: أن يكون هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا؛ كان هذا مِن أعظم الأمور المنكرة؛ بل قد أُمروا بالاصطفاف، بل أمرهم النبيُّ ﷺ بتقويمِ الصفُوف، وتعديلِها، وتراصِّ الصُّفوف، وسدِّ الخلَل، وسدِّ الأول فالأول؛ كلُّ ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعِهم على أحسن وجْهٍ؛ بحسب الإمكان؛ وَلوْ لم يكنْ الاصْطفافُ واجبًا، لجاز أن يقفَ واحدٌ خلْفَ واحدٍ، وهَلمَّ جرَّا».
    ومعنى قولِه: «منتظمين»: أي: متّسقِين، ومستقِيمِين في سلْكٍ وَاحِد. مِن قوله: «نظمت الخرز نظمًا -مِن باب: ضرب- جعلته في سلك. وهو النِّظام -بالكسر- ونظمت الأمر، فانتظم. أي: أقمته، فاستقام. وهو على نظامٍ واحدٍ. أي: نهجٍ غير مختلف». كما في «المصباح المنير» (612/2).
    فأوضح صلاةَ المنفردِين خلفَ الصفِّ: بأن يكونوا متفرّقِين غيرَ مُنتظمِين. أي غير منتظمين في سلْك واحدٍ، في صفٍّ واحد.
    ثم مثَّل صورةَ المنفردين، فقال: «مثل أن يكون هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا».
    أي: كأنْ يكونَ منفردٌ خلفَ منفردٍ؛ والمنفرد الثاني، خلفه منفرد... وهلمّ جرّا؛ فكلُّهم منفردُون خلف الصفّ، ليسُوا منتظمِين في سلكٍ واحد.
    ثم زادها تأكيدًا، وتقريرًا، فقال بعده: «ولوْ لم يكن الاصطفاف واجبًا، لجازَ أن يقفَ واحدٌ خلْفَ واحدٍ، وهَلمَّ جرَّا».
    ويلاحَظ: أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية، فَهِم العموم في الانفراد، مقيّدًا بخلف الصف؛ ولهذا استعمل لفظ: «خلف»؛ ولم يَقل: «مع»، وَلا قال: منفرد في الصفّ؛ أوْ عَن جنبِه، أوْ عَن يمِينه، أو يسارِه؛ منفردِين، متباعدِين بعضَهم عن بعضٍ، في صفٍّ واحد؛ كما فُهِم؛ بل نصّ على أنَّ صورةَ الانفراد: «أن يقفَ واحدٌ خلْفَ واحدٍ، وهَلُمَّ جرَّا».
    الخامس: ويؤيّده، ويقوّيه؛ أن ابنَ قدامة، ذَكر سَببَ بطلان صلاةِ المنْفرد خلفَ الصف، فقال في «المغني» (50/3): «ولأنه خالف الموقف؛ فلم تصحَّ صلاتُه؛ كما لوْ وَقَف أمام الإمام».
    يعني: أنه خالف موقف المصلِّين؛ وهو الاصطفاف.
    فقد روى أنس بن مالك: «أنه قدِم المدينة، فقِيل له: ما أنكرتَ منَّا منذ يومِ عهدتَ رسولَ الله ﷺ؟ قال: ما أنكرتُ شيئًا إلّا أنّكم لا تقِيمُون الصُّفوف». أخرجه البخاري (724).
    قال الشيخُ العثيمين في «شرح صحيح البخاري» (193/6): «وإتمام الصفوفِ: يعني إكمالَها، والإتيانَ بها على أكمل وجْهٍ؛ فيدخلُ في ذلك التسوية، ويدخل في ذلك سدّ الفُرج، ويدخل في ذلك إكمال الأول فالأول، ويدخل في ذلك أيضا ألا يصلي الإنسان منفردًا؛ فكلّ ما خالف المصافة، فإنه مخالفٌ لإتمام الصفوف».
    وقد بيّن حقيقة تسوية الصف، فقال في «الشرح الممتع» (10/3-12): «وتسوية الصفّ، تكون بالتساوي؛ بحيث لا يتقدّم أحدٌ على أحَد».
    وفرّق بين تسوية الصف المتوعّد على مخالفتها، وتسوية الكمال؛ فقال: «ثم إن تسوية الصف المتوعد على مخالفتها هي تسويته بالمحاذاة، ولا فرق بين أن يكون الصف خلف الإمام أو مع الإمام، وعلى هذا؛ فإذا وقف إمام ومأموم فإنه يكون محاذيا للمأموم، ولا يتقدم عليه».
    والمحاذاة لغة: قال في «المصباح» (126/1): «حذوته، أحذوه، حذوًا؛ وحَاذيْته محاذاةً، وحِذَاءَ -من باب قاتل- وهي: الموازاة. يقال: رفع يديه حذْوَ أذنيْه؛ وحِذاء أذنيه أيضا».
    قال الشيخ ابن العثيمين: «وهناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني: الاستواء بمعنى الكمال؛ كما قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}[القصص: 14] أي: كمل، فإذا قلنا: استواء الصف بمعنى كماله؛ لم يكن ذلك مقتصرا على تسوية المحاذاة، بل يشمل عدة أشياء:
    1- تسوية المحاذاة. وهذه على القول الراجح واجبة، وقد سبقت.
    2- التراص في الصف. فإّن هذا مِن كماله.
    3- إكمال الأول فالأول، فإن هذا من استواء الصفوف، فلا يشرع في الصف الثاني حتى يكمل الصف الأول، ولا يشرع في الثالث حتى يكمل الثاني وهكذا».
    ويدلّ عليه، ويقرّره: أنَّ الصفّ في اللغة: قال في «اللسان» (194/9): «السطر المستوي من كلّ شيء. معروف. وجمعه: صفوف. وصَففتُ القومَ، فاصطفُّوا: إذا أقمتهم في الحرب صفًّا وفي حديث صلاة الخوف: «أن النبي ، كان مصافَّ العدوِّ بِعسفانَ». أي مقابلهم. يقال: صفّ الجيش، يصُفُّه صفًّا، وصَافَّه؛ فهو مُصافٌّ: إذا رتبَ صفُوفه في مقابل صفوف العدوّ». ولا يختلف هذا المعنى اللغوي عن المدلول الشرعي.
    قال تعالى: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}، وقال سبحانه: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}، وقال عز وجل: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}، ونظائرها.
    قال الهروي في «الغريبين» (1084/4): «قوله تعالى جدُّه: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}. أي: مصطفين؛ لِيكون أنظمَ لكم، وأشدَّ لهيْبتِكم. وقال ابنُ عرفة في قوله تعالى: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}: يجوز أن يكونُوا كلُهم صفًّا واحدًا، ويجوز أن يقال في مثل هذا: صفًّا. يريد: الصفوف. فيؤدي الواحد عن الجميع.
    قوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} هي الملائكة، مصطفّون في السماء، يسبّحون.
    ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّون}. وذلك أنّ لهم مراتبَ، يقومون عليها صفوفًا؛ كما يصطف المصلون».
    وروى أنس بنُ مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «سَوُّوا صفُوفَكم، فإنّ تسويةَ الصفِّ، مِن إقامة الصلاةِ» رواه البخاري (723)، ومسلم (433)، ولفظه: «تمام» بدل «إقامة».
    قال ابنُ رسلان في «شرح أبي داود» (158/4): «(سووا صفوفكم): فيه الأمر بتسوية الصفوف؛ الأول، فالأول؛ وهو اعتدال القائمين للصلاة على سمْتٍ واحد. والأمر في تسويتِها موافقة للملائكة. (فإنَّ) هذا؛ كالتعليل لما قبله (تسوية الصف)».
    وقال الحافظ في «الفتح» (207/2): «والمراد بتسوية الصفوف: اعتدالُ القائمِين بها على سمتٍ واحدٍ؛ أو يراد بها: سدُّ الخلَل الذي في الصّف».
    وقد نقل ابن دقيق العيد الاتفاق على أنّ المراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين في سلكٍ واحد، فقال في «الإحكام» (217/1):
    «تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها، على سمْتٍ واحدٍ. وقد تدلّ تسويتها أيضا على سدِّ الفرج فيها؛ بناء على التسوية المعنوية. وَالاتفاق على أنّ تسويتها بالمعنى الأول؛ والثاني أمرٌ مطلوب».

    . السادس:وقوله:«وهي النَّكرةُ في سياق النَّفي، وهي تفيد العمومَ بالإجماع».
    والجواب عنه من وجهين:
    أولهما:أنه ذكر هنا أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم بالإجماع.
    لكن الفتوى التي أحال إليها في الهامش؛ يشير إلى وجود الخلاف في صيغ العموم.
    قال في فتوى، رقم: 1102، ترجم لها: «في العمل بدلالة العموم قبل البحث عن المخصص». جاء فيها: «العموم في اللغة: له صيغة خاصة، موضوعة له، تدل على العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة. وهو مذهب الجمهور».
    ثم ذكر بعض الأمثلة، ثم قال بعدها: «وأثر هذه المسألة، يظهر في أن هذه الألفاظ، تفيد العموم من غير حاجة إلى قرائن؛ على مذهب الجمهور؛ وتفتقر إلى قرينة عند غيرهم».
    فنَسب القول إلى الجمهور؛ وهذا يقتضى: أن صيغة: النكرة في سياق النفي؛ فيها خلاف في إفادتها للعموم؛ فحكاية الخلاف ينقض الإجماع.
    الثاني:أنه لم يعز الإجماع إلى قائله، ولا إلى مصدره؛ كما يقتضيه البحث العلمي.
    الثالث:أنّ الإجماع، ذكره ابنُ قدامة في «روضة الناظر» (16/2)، نقله في مسألة: هل للعموم صيغة؟ فحكى الخلاف في ذلك.
    حكاه دليلًا على أنّ للعموم صيغة، بعدما ذكر الخلاف في صيغ العموم، فقال -بعدما قسم صيغ العموم إلى خمسة أقسام- (14/2):
    «واختلف الناس في هذه الأقسام الخمسة: فقالت الواقفية: لا صيغة للعموم ...».
    ثم قال: «ولنا دليلان؛ أحدهما: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنهم مع أهل اللغة بأجمعهم، أجْرَوا ألفاظَ الكتاب والسنة على العمُوم، إلا ما دلّ على تخصِيصه دليلٌ؛ فإنهم كانُوا يطلبون دليلَ الخصوص، لا دليلَ العموم...».
    فابنُ قدامة، لم يذكر الإجماع على أنّ النكرة في سِياق النفْي تُفيد العموم؛ بل ذكر الدليل على أنّ لِلعموم صيغةً: إجماع الصحابة على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على العموم. وهو ما جرى عليه عمل الصحابة. وفرْق بين العبارتين.
    ويؤيّده أنه قد حَكى الخلاف أيضا، في موضعٍ آخر، فعَقَد فصلًا في الخلاف في عموم بعضِ الصِّيَغ؟ فذكر منها: النكرة في سياق النهي، فقال (26/2): «وقال بعضُ النحويِّين المتأخّرين في النكرة في سياق النفي، لا تعمّ؛ إلا أن تكون فيه «مِنْ» مظهرة؛ كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ}؛ أو مقدّرة؛ كقوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه}».
    والشنقيطي كان دقيقًا في عبارته، فقد أقرّ بالخلاف، لكن نصّ على ضعفه؛ فقال في «مذكّرته» (248):
    «وَالنكرةُ في سِياق النفي، تفِيد العموم؛ وخلافُ مَن خَالف في كلِّها، أو بعضِها: كلُّه ضعيفٌ، لا يُعوَّل عليه. والدليل على إفادتها العموم إجماعُ الصحابة على ذلك؛ لأنهم كانُوا يأخذُون بعموماتِ الكتاب والسنة، وَلا يَطلبون دليلَ العموم، بلْ دليلَ الخصوص».
    على أنّ القرافي ذكر أقسامًا، في «العقد المنظوم» (477/1)، يستثنى منها النكرة في سياق النفي؛ فلا تكون للعموم.

    . وقوله: «وإذا كانتِ النَّكرةُ في سياقِ النَّفي تفيدُ العمومَ، فإنَّ دلالته على أفرادِهِ دلالةٌ لفظيَّةٌ، وليست قياسيَّةً».
    وجوابه من وجوه:
    أولها: أن هذه مغالطة؛ فلمْ أقلْ: إنّ دلالة العام على أفراده دلالة قياسية؛ كما تقدم التنبيه عليه. ولا قال أحدٌ بذلك. فهذا تقوُّل.
    الثاني: أنَّ هذا خروجٌ عن محلِّ النزاع؛ إذ تعليقي كان على حديث وابصة -كما ورد في السؤال-، وليس حديثَ عليِّ بنِ شَيبان رضي الله عنهما.
    الثالث: يؤكّده؛ أنّ قاعدة: النكرة في سياق النفي، تفيد العموم. وردت في حديث عليّ بن شيبان، وليس في حديث وابصة رضي الله عنهما.

    . وقوله: «وفي مسألَتِنا هذه يُنظَرُ في الصلاةِ بالتَّباعد مِنْ حيثُ هيئتُها مِنْ تحقُّقِ صفةِ الانفراد المَنهيِّ عنه في الحديث فيه».
    وجوابه من وجوه:
    أولها:أنه ذَكَر سابقًا: أنّ العلّة منصُوصٌ عليها؛ وهي: الانفراد، و«خلف الصّف». فهي مشتركة بينهما، مجتمعتَان.
    الثاني:أنّ التّحقّق؛ إنّما يكون في هذين الوصفين مجتمعَين معًا؛ وهما: «فرد»، و«خلف الصّفّ»؛ لأنَّ لهما تأثيرًا في الحكم؛ وليس الانفراد وحده؛ ولهذا؛ لا ينبغي التحقّق من وصف، وإهمال الوصف الآخر.
    ولأنّ العلّة المنصوص عليها في كِلا الحديثين؛ هي: «فرد»، و«خلف الصف»؛ ولفظ العام هو: «فرد» فقط.
    والعلّة المنصوصة، توجب الأخذ بها، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها إلى غيرها.
    فتحقيق اللفظ العام الذي هو «فرد» على أفراده، هو: فردَان، وأفراد؛ لكن مقيّد بلفظ: «خلف الصف». لأنه متعلق به؛ لا يمكن فصله عنه؛ كما تقدم.
    وتوضيحه:
    لا صلاة لفرد خلف الصف؛ ولا صلاة لفرد خلف الفرد السابق، ولا صلاة لفرد خلف الفرد الثاني...؛ وهكذا غير منتظمين؛ كما تقدم توضيح شيخ الاسلام ابن تيمية لصلاة المنفردين خلف الصف.
    الثالث:أن لفظ «خلف الصف» شبه جملة، متكوّن من «خلف»، وهو ظرف مكان، وهو مضاف؛ و«الصفّ» بالإفراد؛ والمراد به الجنس. مضاف إليه؛ وشبه الجملة متعلّق بـ«الفرد»؛ كما تقدم.
    والظرف؛ لا بد له من متعلّق؛ لأنه يدلُّ على معنًى: يتعلّق، ويرتبط بمعنى الفعل الذي يدلّ على حدث؛ في الزمان، أو المكان.
    قال ابن هشام في «مغني اللبيب» (566): «لا بد من تعلقهما (يعني: الظرف، والجار والمجرور) بالفعل، أو ما يشبهه، أو ما أُوِّل بما يشبهه، أو ما يشير إلى معناه؛ فإنْ لم يكن شيءٌ مِن هذه الأربعة موجودًا قُدِّر».
    فـ«خلف الصف» متعلّق بـ«فرْد»؛ فلا يمكن فصله عنه؛ لأن ارتباط شبه الجملة «خلف الصف» به.
    فإذا قلنا: «لا صلاة لفرد». دلّت هذه الجملة على معنى تامٍّ مسْتقل.
    وإذا قلنا: «لا صلاة لفرد خلف الصف». دلّ الظرف هنا على معنىً، متعلّق بصلاة الفرد؛ وأضاف معنى جديدًا؛ وهو: لا صلاة لمنفرد حال كونه خلف الصف؛ لهذا لا يجوز إهماله، ولا إلغاؤه.
    كما لو قلنا: «صلَّى زيدٌ خلفَ السارية». فإذا قلنا: «صلَّى زيدٌ». كانت الجملة تامة مستقلة. لكن إذا قلنا: «صلى زيدٌ خلف السارية». دلّ الظرف على معنًى جديد، متعلّق بالفعل: «صلَّى».
    وأيضا فلفظ: «فرد» عام، عقبه بذكر صفة خاصة، وهي: «خلف الصف»؛ فلا بد من النظر في الوصفين عند بناء الحكم؛ وإلا كان الوصف الثاني هذرًا، بلا فائدة؛ وهو منزّه عنه ﷺ؛ وإذا لزم النظر في الوصف الثاني، لزم التقيّد به.
    وهذا كقوله: «في الغنم السائمة زكاة». فلفظ «الغنم» عام؛ في «السائمة»، وفي غيرها؛ لكن تعقيبه بذكر صفة خاصة، وهي «السائمة»، يفيد عدم وجوب الزكاة في المعلوفة؛ فتقييده بالسائمة، قصد به نفيَ الحكم عن المعلوفة؛ وإلا لكان التقييد هذْرا.
    وهذا واضح جدًّا؛ لهذا ينبغي لمن يريد الاستدلال بحديثٍ، واستنباط أحكامه: أن يعرف إعرابه، حتى يتمَّ فهمه فهمًا سليمًا.
    قال الأوزاعي: «أعربُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانُوا عرَبًا». أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (522) والخطيب في «الكفاية» (195) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (454 – 455).
    وقوله: «أعربوا». يقال: أعرب عنه لسانُه، وعرب؛ إذا بيَّن ما في ضميره. وإنما سُمّي الإعرابُ إعرابًا لتبيِينه، وإيضاحه. المعنى: بيّنوا ما في الحديث من غرائب اللغة، وبدائع الإعراب. انظر: «شرح المشكاة» (1672/5) للطيبي، في شرح كلمة: «أعربوا القرآن».

    . وقوله: «ولا يُساوِرنا أدنى شكٍّ أنَّ الانفرادَ في الواقعِ العملي، مُتحقِّقٌ في التَّباعد، سواءٌ كان المُنفرِدُ خلفَ الإمامِ أو خلفَ الصَّفِّ -إِنْ وُجِدَتْ حقيقةُ الصَّفِّ في الصَّلاة بالتَّباعد- أو مع الصَّفِّ إذا تَفرَّد المُصلِّي عنه منحازًا عنه يمينًا أو شِمالًا، فكُلُّها يَشْمَلُها عمومُ حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ الحنفيِّ السُّحَيْميِّ رضي الله عنهما: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ؛ كما يعمُّ الحكمُ المنفردَ الواحدَ، والمنفردَيْن، وأكثرَ مِنْ ذلك؛ فهُم مُنفرِدون وحكمُ الحديثِ يَشْمَلُهم».
    وجوابه من وجوه:
    أولها:أن هذا غلط؛ ووجهه: أنه لما أراد التّحقّق من الوصف، حقَّق من وصفٍ واحد فقط؛ وهو «فرد»؛ وألغى الوصف الآخر: «خلف الصف». ولمّا أراد تطبيق العموم، جمع الوصفيْن معا: «فرد»، و«خلف الصّف».
    لكن العموم في لفظ: «فرد» فقط، وليس في: «خلف الصّفّ»؛ فـ«خلف» ظرف مكان، يفيد اتّجاها معيّنا؛ وهو متعلّق باللّفظ العامّ: «فرد». يعني: منفردًا حال كونه خلف الصّف؛ كما تقدّم. فكيف يصبح اللفظ العام «فرد» وحده، يفيد اتّجاها، لم يتعلّق به؛ والحال أنّ «خلف الصف» تعلّق به، لا يمكن فصله عنه؟!
    وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية صورة عموم صلاة المنفرد خلف الصّف، في قوله ﷺ: «لا صلاة لفرد خلف الصف»؛ كما تقدم قبل قليل؛ فليراجع كلامه.
    وقال في تتمة كلامه السابق في «مجموع الفتاوى» (394/23): «وهذا ممّا يعلم كلُّ أحدٍ علمًا عامًّا: أنَّ هذه، ليست صلاة المسلمين؛ ولو كان هذا مما يجوز، لفعله المسلمون، ولو مرة؛ بل؛ وكذلك إذا جعلوا الصّفَّ غيرَ منتظمٍ؛ مثل: أن يتقدَّمَ هذا على هذا، ويتأخَّرَ هذا عنْ هذَا».
    فتأمّل -أخي القارئ- قوله: «يتقدّم هذا على هذا، ويتأخّر هذا عن هذا». كيف بيّن صفة صلاة المنفردين خلف الصّفّ بيانًا شافيًا: يتقدّم منفرد على منفرد، ويتأخّر منفرد على منفرد؛ ولم يقل: عن جنبه، أو عن يمينه، أو عن يساره.
    الثاني: أنّ «فردًا»، وإن كان لفظًا عامّا؛ فجملة: «خلف الصّفّ» متعلّقة به-كما تقدم-؛ وما كان كذلك؛ لا يجوز إثبات الوصف، وإلغاء آخر؛ لأنّ «تقييد العلة بوصفين؛ لكلِّ واحد منهما، تأثيرٌ في الأحكام». «الفصول» (194/4). كما هو مقرّر في علم أصول الفقه.
    قال الشيرازي في «التبصرة» (226): «متى تعلّقَ الحكم بوصفين، كان كلُّ واحدٍ منهما بعضَ العلّة؛ فلا يجوز تعلّقُ الحكمِ على أحدِهما على الانفراد».
    وقال ابن قدامة في «الروضة» (291/2): «يجوز تعليل الحكم بعلّتين؛ لأنّ العلّة الشّرعيّة أمارة، فلا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد.
    ولذلك من لمس، وبال في وقت واحد: انتقض وضوؤه بهما. من أرضعتها أختك، وزوجة أخيك، فجمع لبنهما وانتهى على حلقها دفعة واحدة: حرمت عليك؛ لأنك خالها وعمُّها. ولا يحال على أحدهما دون الآخر».
    وقال الشنقيطي في «مذكّرته» (335) في توضيح كلامه: «أن يكونَ الحكمُ معلَّلًا بمجموع العلتين، لا إحداهما بعيْنِها؛ كمَن لَمَسَ، وبَالَ في وقتٍ واحدٍ؛ فعلّة نقْضِ وُضوئِه بمجمُوعِهِما، لا أحدِهما بعيْنِه. وكذلك إذا اجتمع لبان أختك ولبان زوجة أخيك ووصل المجموع دفعة واحدة إلى حلق المرأة فإنك تكون عماً لها وخالا في وقت واحد. والمجموع هو علة التحريم».
    الثالث:أن لفظ الحديث: «خلف الصف»، وليس «مع الصف»؛ ولا يجوز إهمال ألفاظ الحديث، أو تغييرها، واستبدالها بألفاظ أخرى؛ كما لا يمكن تعليله بغير ما عُلِّل به.
    الرابع:أنّه لا يساور أدنى شكّ؛ أن لفظ «خلف»، وإن كان لا يختلف مع لفظ «مع» في إفادته الظّرفية؛ لكنّه يختلف معه في المَعْنى.
    فالخلف: ضدّ قُدّام. كما في «اللسان» (82/9)، وغيره. ويعني وراء. تَقول: خَلفك ظهرك، وأمامك صدرك.
    وهو ظرف مكان؛ كما تقدم. تقول: خَلفك زيد، وأمامك عبد الله.
    فيعني: لا صلاة لمنفرد حال كونه وراء الصف.
    و«مع»: اسم لمكان الاجتماع. «أوضح المسالك» (126/3).
    ويعني: لا صلاة لمنفرد حال كونه في صحبة جماعة.
    وليس هذا هو المقصود من الحديث؛ بل معناه لا يستقيم؛ فكيف يطلق عليه لفظ «منفرد»؛ والحال: أنه في صحبة جماعة.
    ولتوضيح هذا أكثر؛ قال الشيخ العثيمين في «فتح ذي الجلال والإكرام» «274/2» -تعليقًا على حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه-، قال: «صلَّيت مع رسول الله ﷺ ذات ليلٍة، فقمت عن يساره ...» الحديث. قال: «قوله: «صليت مع الرسول» المعيّة هنا معناها: المصاحبة، أي: في صحبته جماعة؛ لأن هذا هو ظاهر اللفظ، وليس المعنى: أنّي صليت معه، أي: صليت مثل صلاته؛ لأن من المعروف المجامعة في الصلاة أن يكون ذلك في الجماعة».
    يعني: أنَّ ابنَ عباس صلَّى في صحبة النبي ﷺ، ولم يصلِّ معه منفردًا.
    الخامس:يوضّحه أن الاتجاهات أربعة: أمام، وخلف؛ يمين، وشمال.
    وكل موضع منها يقابل جهته: فالأمام يقابله الخلف؛ واليمين يقابله الشمال.
    ولا تكون جهة بمعنى الجهة الأخرى، ولا تلحق بها. فلا يلحق الخلف باليمين، ولا الشمال؛ كما لا يلحق الأمام باليمين، ولا الشمال؛ وهكذا.
    السادس:أنّ الانفراد خلف الصّف، مخالفٌ لموقف الجماعة؛ فلا يمكن إلحاق الانفراد مع الصّف به؛ لأنه موافق لموقف الجماعة؛ فلا يدخل في العموم؛ لاختلاف اللّفظين في الجهة.
    وقد تقدّم قول ابن قدامة: «ولأنّه خالف الموقف؛ فلم تصحَّ صلاتُه؛ كما لوْ وَقَف أمام الإمام».
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (394/23): «فإذا كان الجمهور؛ لا يصحّحون الصلاة قدَّامَ الإمام؛ إما مطلقًا، وإمّا لغير عذر؛ فكيف تصحّ الصلاة بدون الاصطفاف؟! فقياس الأصول؛ يقتضي وجوبَ الاصطفاف، وأنّ صلاة المنفرد لا تصحّ؛ كما جاء به هذان الحديثان».
    يعني: أنها مخالفة للفعل المكاني للجماعة.
    السابع:أنّه وردت أحاديث كثيرة في الأمر بتسويةِ الصفوف، وسدِّ الفرج؛ منها ما رواه ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ، قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وَصَلَ صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله». رواه أبو داود (666)؛ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود»، وفي «الصحيحة» (2533/77/8).
    وقد أطلق عليها الفقهاء عبارة: «سدّ الفرج»، أو «سدّ الخلل» بين الصفوف. ولم يطلق عليها أحد منهم عبارة: الانفراد.
    ويظهر من هذا؛ أنّ التحقق من صفة الانفراد مع الصف تحقّقٌ غيرُ سَليم.
    الثامن: ويشهد لهذا، ويقرّره؛ أنّ أهلَ العلم، الذين احتجّوا بالحديث على بطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ لم يبطلوها بالانفراد في الصف؛ فلو فهموا منه العموم في الصف؛ لقالوا ببطلانها.
    فروى أبو داود في «مسائله» (109)، قال: «قلت لأحمد: القوم في الغزو، يصلّون، فتشغب الدواب، فتَثِب بعضُها على بعضٍ؛ فيقوم الرجل، بينه وبين صاحبه: ذراعان، أو ثلاثة؟ فلم يَرَ به بأسًا.
    قلت: هكذا أحبّ إليك يصلُّون، أو فُرادَى؟ قال: هكذا، أليس صلاة الخوف؛ يذهبون، ويجيئون؟!».
    وقوله: «تشغب». قال في «مقاييس اللغة» (196/3): «الشين، والغين، والباء؛ أصل صحيح، يدل على تهييج الشر. لا يكون في خير. قال الخليل: الشّغْب: تهييج الشر. يقال للأَتَان؛ إذا وَحِمَت، وَاستعصت على الجَأْب: إنها لذَاتُ شَغْب، وضِغْن».
    فتأمّل -أخي القارئ- أن الإمام أحمد، أجاز هذه الصلاة؛ مع تباعد رجلين في الصف قدر ذراعين، أو ثلاثة.
    وترجم البخاري في «صحيحه» (724/146/1): «باب إثم من لم يتمَّ الصفوف». فجزم أن من لم يتمَّ الصفوف؛ فإنه آثم. ولم يقل ببطلان صلاته.
    ثم ساق بإسناده إلى أنس بن مالك: «أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منَّا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلّا أنكم لا تقِيمون الصُّفوف».
    قال الحافظ في «الفتح» (210/2): «ومع القول بأنّ التسوية واجبة، فصلاة مَن خالف، ولم يُسَوِّ: صحيحةٌ؛ لاختلاف الجهتين. ويؤيد ذلك؛ أنَّ أنسًا -مع إنكاره عليهم- لم يأمرهم بإعادة الصلاة».
    وقال الشيخ العثيمين في «شرح صحيح البخاري» (193/6): «وإتمام الصفوف. يعني: إكمالها، والإتيان بها على أكمل وجه. فيدخل في ذلك التسوية، ويدخل في ذلك سدّ الفرج، ويدخل في ذلك إكمال الأول فالأول، ويدخل في ذلك أيضا ألا يصلِّي الإنسان منفردا؛ فكلّ ما خالف المصافة، فإنه مخالف لإتمام الصفوف».
    وشيخ الإسلام ابن تيمية، اختار بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، واختار صحة الصلاة بترك تسوية الصفوف للعذر.
    قال رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (397/23): «وإذا كان القيامُ، وَالقراءة، وإتمامُ الركوع، والسُّجود، والطهارةُ بالماء، وغيرُ ذلك؛ يَسقط بالعجز؛ فكذلك الاصْطِفَافُ، وتركُ التقدُّمِ. وطرْدُ هذَا بقيةُ مسائلِ الصفُوف؛ كمسألة: من صلى، ولم يَر الإمام، ولا من وراءه مع سماعه للتكبير، وغير ذلك».
    وبه قال الشيخ الألباني؛ كما جاء في أشرطة: «سلسلة الهدى والنور» (137): «السؤال: يَلِّي صفّ لوحده على نفس السرب يلي بدأ يتعبأ يعني: بدأ من طرف الصف وترك مسافة طويلة بينه وبين الآخرين.
    الشيخ: يعني: هل نقدر أن نقول: إنه صلى لوحده؟ لأنه في فرق بين يكون وحده وبين يكون اثنين أو ثلاثة.
    السائل: أحيانا يكون لوحده، وأحيانا يكون في غيره.
    الشيخ: أنا رايح أجاوبك: إذا كان وحده فصلاته باطلة، وعليه إعادة الصلاة.
    أما إذا كان فيه اثنين أو ثلاثة هنا، والجماعة وراء الإمام كما قلت. يعني من هناك يبدأ الصف؛ فهؤلاء صلاتهم صحيحة، ولكن آثمون من حيث ما وصلوا الصف. واضح الفرق؟!». فهذا نصٌّ صريح من الشيخ الألباني في عدم بطلان الصلاة بالتباعد.
    والشيخ العثيمين، اخْتار بطلانَ صلاة المنفرد خلف الصف؛ وذَهب إلى وجوبِ تسوية الصفِّ؛ ولم يرَ بطلان الصلاة بتركه.
    قال في «الشرح الممتع» (10/3): «ولهذا كان القولُ الراجح في هذه المسألة: وجوبَ تسويةِ الصفّ؛ وأنّ الجماعة؛ إذا لم يسوّوا الصفَّ فهم آثمُون. وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابنِ تيمية رحمه الله. لكن إذا خالفُوا، فلم يسوّوا الصف؛ فهل تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا أمرًا واجبًا؟
    الجواب: فيه احتمال؛ قد يُقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركُوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقْوى؛ لأنّ التسويةَ واجبةٌ للصلاة، لا واجبة فيها. يعني: أنها خارج عن هيْئتِها؛ والواجبُ للصلاة، يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به؛ كالأذان مثلا؛ فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه».

    . وقوله: «وأمَّا قوله: «خَلْفَ الصَّفِّ» فإمَّا أَنْ يكون قد خرَجَ مَخْرَجَ الغالِب الأعمِّ فلا مفهومَ له».
    وجوابه من وجوه:
    أولها: أنّ هذا غلط، واحتمال بعيد؛ فلم يكن غالب أحوالِ الصحابة، يصلُّون منْفردين خلف الصف؛ لا سيما بعدما أمرهم النبي ﷺ بتسوية الصفوف؛ فروى جابر بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا تصُفُّون كمَا تصُفُّ الملائكة عند ربها؟! فقلنا يا رسول الله، وكيف تصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّون الصفوف الأُوَّل، وَيتراصُّون في الصفِّ» رواه مسلم (430).
    وروى أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: «أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري. وكان أحدنا يُلْزِق منكبَه بمنْكبِ صاحبِه، وَقدمَه بقدَمِه» رواه البخاري (725).
    فقوله: «وكان أحدنا يُلْزِق منكبَه بمنْكبِ صاحبِه ...». دليل على أنّ إلزاق المنكب بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه؛ كان ديمةً، مستمرًّا.
    الثاني:أنّ سِياق الحديث يردُّه، ويبطله؛ فقد قال علي بن شيبان: «صليتُ خلف رسولِ الله ﷺ، فانْصرف، فرأَى رجلًا يصلّي فردًا خلف الصفِّ، فوقف نبيُّ الله ﷺ حتى انْصرف الرجلُ من صلاته، فقال له: اسْتقبل صلاتَك، فلَا صلاةَ لفرْدٍ خلف الصف».
    فهذا يؤّكد أنه رأى فردًا واحدًا؛ وكذا ورد في حديث وابصة؛ فالمخرج واحد؛ وهذه القصة، وقعت مرّةً واحدة، ولم تتكرّر؛ ولم يروِها إلا هذان الصحابيان. فانْتفى كونُه خَرج مخْرج الغالب.
    الثالث: أنّ الأقرب إلى الاحتمال، أنه قضية عَيْن، وليس خرجَ مخْرج الغَالب؛ ومع ذلك فهو ضعيف؛ لأنّ النبيَّ ﷺ، شَرع تشريعًا عامًّا؛ له، ولغيره من أمّته. يؤكده: أن لفظ «فرد» نكرة في سياق النفي، تفيد العموم؛ فتعيّن حملُ الحدِيث على ظاهرِه؛ وهو بطلان صلاة كلّ منفرد خلف الصفّ.
    وهذا ما نبّه عليه الشيخ العلّامة العثيمين على الاحتمال الوارد على أنها قضية عين، فقال في «فتح ذي الجلال والإكرام» (287/2-288): «الرسولُ -عليه الصلاة والسلام- أَمر الرجلَ أنْ يعيدَ الصلاة، لا لكونه صلَّى وحده، ولكن لسببٍ آخر؛ لأنّ القضية عين، وليست كلامًا عامًا؛ قضية: «أنه رأى رجلًا، يصلّي خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة». يحتمل «أَمَره»؛ لأنه رآه أخلَّ بشيء آخر؛ فأمره أن يعيدَ لأجله.
    هذا الاحْتمال واردٌ؛ لكنّه ضعيف، يضعّفه: أنَّ الفاء في قوله: «فأمره» تجيئ للسّببية؛ ولو أَحلنا سببَ الأمْر على أمرٍ غيرِ موجُود، لكُنَّا ألغَيْنا سببًا موجودًا، وادَّعَينَا سببًا غيرَ موجود. -انتبهوا لهذه؛ لأننا سننتقل إلى حديثٍ آخرَ أعظمَ منه خطورة- منِ ادَّعى أنّ قوله: «فأمره أن يعيد الصلاة» إنما هو لسبب آخر غير كونه صلى خلف الصف، نقول: هذا ضعيف. لا يصحّ. لماذا؟ لأنّه ألغى السبب الموجود، وادّعى سببًا غير موجود؛ مفقود.
    نظيرُ هذا ما ثَبت في الصحيحين: «أنّ امرأة مخزومية، كانت تستعير المتاع، فتجحده؛ فأمر النبي ﷺ بقطع يدها». هذا لفظ الحديث. الحنابلة، يقولون: في هذا دليل على أن جاحد العارية يقطع. منِ استعار شيئًا، ثم جحده، وثبتت عنده؛ قُطعت يدُه. حجّتُهم: أنّ السببَ الذي جاء مرتَّبًا عليه الأمر بالقطع، هو جحد العارية.
    ومَن لا يَرى ذلك -وهُم الأئمة الثلاثة- يقولون: إنها قُطِعت بغير هذا؛ كانت تستعير المتاع، فتجحده، فسرقت؛ فأمر النبي ﷺ بقطع يَدِها. وهذا ضعيف؛ لأنّ فيه إلغاء للسبب الموجود المذكور، وادّعاء لسببٍ مفقودٍ غير موجود؛ ولو كانت العلةُ: السرقة؛ لما كَان لقوله: «كانت تستعير المتاع فتجحده». فائدة إطلاقًا».
    وانظر: «الشرح الممتع» (269/4، 271-272).

    . وقوله: «وإمَّا أَنْ يكون الوصفُ طَرديًّا، ليس في إناطةِ الحكم به مصلحةٌ».
    وجوابه من وجوه:
    أولها: أن هذا غلط أيضا، واحتمالٌ بعيدٌ؛ لأنّ التعليل به، يقتضي إلغاء علّة الحديث؛ وقد سبق أنه أثبت علّيتَه. فلا ينبغي إلغاء ما هو موجود؛ وهو جملة «خلف الصف»، وادّعاء سببٍ غير موجود؛ وهو «الوصف الطردي»؛ كما تقدم قول الشيخ العثيمين: «ولو أَحلنا سببَ الأمْر على أمرٍ غيرِ موجُود، لكُنَّا ألغَيْنا سببًا موجودًا، وادَّعَينَا سببًا غيرَ موجود».
    الثاني:أنّ الوصف الطردي، من مباحث العلة في القياس؛ وقد سبق أنه أنكر أن يكون سلك في حديث وابصة مسلك القياس؛ مع أنّ علته هي نفسها الموجودة في حديث علي بن شيبان رضي الله عنهما؛ فكيف يستدلّ بما أنكره؟!
    الثالث:أنّ أهل العلم، عملُوا بالحديث في بطلان الصّلاة خلف الصّفّ؛ ولم يعلَّه أحدٌ منهم بالوصف الطّردي.
    الرابع:أنّ التّعليل بالوصف الطّردي مردودٌ؛ لأنّ المناسب ظاهر؛ وهو إتمام الصّفوف، الذي هو من إقامة الصّلاة، وحسْنِها؛ كما قال النبي ﷺ: «سَوُّوا صفُوفكم، فإنّ تسوية الصفوفِ مِن إقامةِ الصلاة» رواه البخاري (723).
    قال ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (278/6-279): «والمراد: أنّ الصفَّ؛ إذا أقيم في الصلاة، كانَ ذَلِكَ من حسنها؛ فإذا لم يُقَمْ نَقُص مِن حسْنها بحسب ما نقصَ مِن إقامة الصفِّ. وفي حديث أنس: «أنّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». والمراد بإقامتها: الإتيان بها على وجه الكمال. ولم يذكر في القرآن سوى إقامة الصلاة. والمراد: الإتيان بها قائمة على وجهها الكامل. وقد صرَّح في هذا الحديث بأن تسوية الصفوف من جملة إقامتها؛ فإذا لم تُسَوَّ الصفوفُ في الصلاة، نَقص من إقامتها بحسب ذَلِكَ -أيضا- والله أعلم».
    وأيضا من حِكم إتمام الصفوف؛ المحافظة على جماعة المسلمين في الاصطفاف في الصلاة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (393/23): «ليس فيهما (يعني: حديث وابصة، وحديث علي بن شيبان) ما يخالف الأصول؛ بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة، والأصول المقرّرة؛ فإنَّ صلاة الجماعة؛ سُمّيت جماعةً، لاجتماع المصلّين في الفعل؛ مكَانًا، وزمانًا؛ فإذا أخلُّوا بالاجتماع المكاني، أو الزّماني؛ مثل: أن يتقدّموا، أو بعضُهم على الإمام، أو يَتخلَّفوا عنه تخلّفًا كثيرًا لغير عذرٍ؛ كان ذلك منهيًّا عنه؛ باتّفاق الأئمّة.
    وكذلك لو كانوا مفترّقِين غير منتظمِين؛ مثل: أن يكون هذا خلْفَ هذَا، وَهذا خلف هذا؛ كان هذا مِن أعظم الأمور المنكرة؛ بل قد أُمروا بالاصطفاف، بل أمرهم النبي ﷺ بتقويمِ الصفُوف، وتعديلِها وتراصِّ الصُّفوف، وسدِّ الخلَل، وسدِّ الأول فالأول؛ كلُّ ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه؛ بحسب الإمكان ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد وهلم جرا».
    وقال الشيخ العثيمين في «فتح ذي الجلال والإكرام» (289/2) في بيان فوائد حديث وابصة: «ومن فوائده أيضًا: الإشارة إلى الحكمة من إيجاب صلاة الجماعة؛ وهي: أنَّ الناسَ يكُونون متصافِّين بعضهم إلى جنْب بعضٍ؛ حتى يشعرُوا بالوحدة والأُلفة».
    وقال القاضي عياض في «إكمال المعلم» (344/2): «في الأمر بالصفوف، وتسويتها، وإقامتها، والوعيد على ترك ذلك؛ مما قد ذكره مسلم، وغيره؛ مما لا يختلف فيه: أنه من سُننِ، وجماعات الصلاة، وهديها، وحسن هيأتهم، وإكمال الصّفّ الأوّل فالأول، والتراص فيه؛ ليتمَّ استقامتُه، واعتداله، ولئلّا يتخلّله الشياطِين؛ كما جاء في الحديث، وتشبهًا بالملائكة في صفُوفها، ولما في ذلك من جمال هيئة الجماعة للصلاة، وحسنها، وتأتي صلاتهم في صفوفهم دون أن يضيّق بعضهم على بعض، ولا يتمكّن بعضهم من تمام صلاته، وسجوده إذا كانُوا غير صفوف؛ ولأنّ في ذلك -مع مراعاة تمكّنهم من صلاتهم- مِن تكثير جَمعِهم أكثر ممّا يكون مع الاختلاط؛ ولئلَّا يشغل بعضُهم بعضًا النظر إلى ما يشغله منه، إذا كانوا مختلطِين؛ وفي الصّفوف غابت وجوه بعضِهم عن بعض، وكثير من حركاتهم؛ وإنمّا يلِي بعضُهم مِن بعضٍ صفحاتُ ظهُورِهم».
    وقد أنكر ابن حزم على من زعم: أنه لا تعرف حكمته، -مع إنكاره الشديد للقياس، وتعليل الأحكام- فقال في «المحلى بالآثار» (373/2):
    «قال قوم بآرائهم: لعله أمره بالإعادة؛ لأمر غيرِ ذلك، لا نعرفه. قال عليّ: وهذا باطل؛ لأنه -عليه السلام- لم يكن ليَدعَ بيانَ ذلك، لوْ كان كَما ادَّعَوا. وإذا جَوَّزُوا مثْلَ هذا، لم يعجز أحدٌ -لا يتّقي الله عز وجل- أن يقول -إذا ذُكِر له حديث-: لعلّه نَقُصَ منه شيءٌ، يُبطل هذَا الحكمَ، الواردَ فيه».
    السادس:أنّ التعليل بهذا الوصف الطّردي؛ يقتضي نقصَ جزءٍ مِن لفظ الحديث، وإهماله. وهذا لا ينبغي على من ينتسب إلى العلم أن يسلك مسلك من يردّ الأحاديث، ويؤوّلها، ويهمل ألفاظها؛ بل ينبغي أن يعظّم أحاديث النبي ﷺ، ويقف عند ظواهرها.
    قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (234/2): «وقد أحكم اللِّسان كلَّ اسمٍ على مسمّاه، لا على غيره؛ وإنما بعث اللهُ سبحانه محمدًا ﷺ بالعربية، التي يفهمها العرب من لسانها؛ فإذا نصَّ سبحانه في كتابه، أو نصَّ رسولُه ﷺ على اسمٍ منَ الأسماء، وعلَّق عليه حكمًا منَ الأحكام؛ وجب ألّا يُوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدَّى به الوضع، الذي وضعه اللهُ ورسولُه فيه؛ ولا يُخرج عَن ذلك الحكم شيْءٌ مما يقتضِيه الاسم؛ فالزيادة على ذلك، زيادةٌ في الدين؛ والنقص منه نقصٌ في الدين؛ فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل؛ وكلاهما ليس من الدين.
    ومن لم يقف مع النصوص؛ فإنّه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول: هذا قياس. ومرة ينقص منه بعضَ ما يقتضِيه، ويخرجه عَن حُكْمِه، يقول: هذا تخصيص؛ ومرة يترك النصَّ جملة، ويقول: ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول».
    والحاصل: أن احتمال التعليلين بعيد؛ فلا يلتفت إليه؛ ويتعيّن الأخذ بظاهر الحديث.

    . قوله: «لأنَّ العلماءَ لا يختلِفون في صورةِ الانفراد بين أَنْ تكون خلفَ الإمامِ أو خلفَ الصَّفِّ أو مع الصَّفِّ وَحْدَه».
    وجوابه من وجوه:
    أولها:أن الصور التي ذكرها؛ هو أخذ بالوصف الأول؛ الذي هو «الانفراد»؛ دون الوصف الثاني: «خلف الصف». لأنّ الظرف «خلف» تعلق بها، وليست مطلقة.
    الثاني:أن العلماء؛ حافظوا على ألفاظ الشارع في صور الانفراد المذكورة؛ فجرى على ألسنتهم إطلاق عبارة: خلفَ الإمامِ، أو خلفَ الصَّفِّ، أو «صفٌّ منْقطِع»، أو «انْقطاعٌ في الصفّ»، أو «الفُرَج في الصّف».
    الثالث: أنهم لم يختلفوا أيضا على أنّ الإمام يقف وحده منفردًا؛ وأنّ المرأة تصلّي خلف صفِّ الرجال منفردة. فسموا ذلك: انفرادًا.
    وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الصور، فقال في «مجموع الفتاوى» (558/20): «ومن ذلك قول بعضهم: إنّ أمره للمصلّي خلف الصف وحده بالإعادة على خلاف القياس؛ فإنّ الإمام يقف وحده، والمرأة تقف خلف الرجال وحدها؛ كما جاءت به السنة. وليس الأمر كذلك؛ فإنّ الإمام يُسنّ في حقِّه التقدّم؛ بالاتفاق؛ والمؤتمُّون يُسنّ في حقِهم الاصطفاف بالاتفاق؛ فكيف يشبه هذا بهذا؟!».
    وقال أيضا في موضع آخر (246/23): «ونقول: إنّ الإمام لا يشبه المأموم؛ فإنّ سنّته التقدّم، لا المصافة؛ وسنّةُ المؤتمِّين الاصطفافُ».
    فالعبرة بالحقائق، والأحكام؛ وليس بالصور المجرّدة؛ فالأحكام لا تُبنى عليها؛ فالشارع أعطى لكلّ صورة من تلك الصور حكمًا خاصًّا:
    - ألزم من كان منفردا خلف الإمام أن يصلي عن يمينه؛ لأنّ يمين الإمام موقف للمأموم الواحد؛ لما روى ابن عباس، قال: «بِتُّ عند خالتي، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه» رواه البخاري (699) ومسلم (763).
    - من صلَّى خلف الإمام منفردًا؛ فعلى قول من يقول ببطلان صلاته؛ -كما هو مذهب أحمد. «الشرح الكبير» (63/2)فلأنه خالف الموقف؛ فلم تصحَّ صلاتُه؛ كما لوْ وَقف قدَّامَ الإمام.
    - أَبطل صلاةَ المنفرد خلف الصفّ، وألزمه بإعادة صلاته.
    - أَلزم مَن تَرَك فرجةً في الصف، بسدِّها، وإتمامِ الصفّ، والتراصِّ فيه.
    - شَرع للإمام الوقوف منفردًا؛ لأنهموقف الإمام، وحقه التقدّم.
    - أجاز للمرأة الوقوف منفردةً خلف صفِّ الرجال، ولم يبطل صلاتها؛ لأنه موقفٌ لها، وهي وحدها صفّ.

    .قوله: «ألَا تَرَى أنَّ الاثنين إِنْ صلَّيَا جماعةً لم يكن الإمامُ منهما متقدِّمًا؟ وإنما يُؤمَرُ المأمومُ الواحدُ أَنْ يُصافَّه حتَّى لا يكونَ مُنفرِدًا، وإلَّا فإنَّه لو كان خَلْفَه لم يكن خلف صفٍّ؛ فإنَّه لا صَفَّ، فإِنْ لَحِقَ بهما بعد ذلك ثالثٌ رجَعَ الذي كان عن يمين الإمامِ القهقرى على أصل الائتمام، فكان المأمومان خلف إمامِهما؛ وإنَّما يختلف العلماءُ في حكمِ صلاة المُنفرِد».
    وجوابه من وجهين:
    أولهما: أنه إنما أُمر المأموم المنفرد أن يصافَّ عن يمين الإمام؛ لموافقته الموقف؛ فلو صلّى منفردا؛ يعتبر قد خالف الموقف؛ فلم تصحّ صلاته؛ كما لو وقف أمام الامام؛ ولهذا احتج أحمد على بطلان صلاة الفذّ خلف الإمام، بحديث وابصة؛ كما تقدم.
    بينما شرع للمرأة أن تصلي منفردة خلف الرجال؛ كما تقدم.
    فروى أنس بن مالك، قال: «صلَّيتُ أنا ويتيمٌ، في بيتنا خلف النبي ﷺ، وأمِّي أمّ سليم خلْفَنا» رواه البخاري (727).
    وترجم له: «باب المرأة وحدها تكون صفًّا».
    قال الحافظ في «الفتح» (212/2): «أي: في حكم الصف؛ وبهذا يندفع اعتراض الإسماعيلي، حيث قال: الشخص الواحد لا يسمّى صفًّا، وأقل ما يقوم الصف: باثنين».
    الثاني: أنّ قوله: «وإنَّما يختلف العلماءُ في حكمِ صلاة المُنفرِد».
    العلماء لم يختلفوا في مطلق الانفراد، بل إنما اختلفوا في حكم صلاة المُنفرِد خلف الصف؛ بقيد «بخلف الصف»؛ فينبغي ضبط محل النزاع بين أهل العلم بدقّة.

    . وقوله:«هذا، وإِنْ كان بعضُ أهلِ العلم يُسمِّي هذا النَّوعَ مِنَ الاجتهاد بتحقيقِ المَناطِ -تجوُّزًا في اللفظ- على غيرِ معناه الاصطلاحيِّ، فإنَّما عُدَّ ذلك مُسامَحةً ليس إلَّا، ويُؤكِّدُ ذلك ما بيَّنه الشَّنقيطيُّ -رحمه الله- بقوله في نحوِ الذي نحن فيه: «والمَناطُ هنا ليس بمعناهُ الاصطلاحيِّ؛ لأنَّه ليس المُرادُ به العِلَّةَ، وإنَّما المُرادُ به: النَّصُّ العامُّ، وتطبيقُ النَّصِّ في أفراده هو هذا النَّوعُ مِنْ تحقيق المَناط؛ ولا يخفى أنَّ في عَدِّهِ مِنْ تحقيق المَناطِ مسامحةً، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح».
    وجوابه من وجوه:
    أولها: أنه لا بد مِن نقل كلام الشنقيطي كاملًا؛ إذ لا يمكن فهم كلامه، دون الرجوع إلى أوّله؛ لأنّ هناك ارتباطًا بين أوّل الكلام، وبين آخره؛ كما لا يخفى.
    فهذه عبارة الشنقيطي في «المذكرة في أصول الفقه» (291-293)، بلفظه، وَحرفه:
    «والاجتهاد في العلّة على ثلاثة أضرب: تحقيقُ المناط، وتنقِيحُه، وتخريجُه. وقد علمتَ أنّ المناط هو العلّة؛ فمعْنى تحقيقِ المناط: تحقيقُ العلّة في الفرع؛ وهو نوعان:
    الأول: مجمعٌ عليه في كلِّ الشرائع. وَهو: أن تكون القاعدة الكلّيَّة منصُوصةً، أوْ متّفقًا عليها؛ فيجتهد في تحقيقِها في الفرع؛ كوجوب المِثْلِ منَ النَّعَم في جزاءِ الصيْد؛ وكوجوبِ نفقَة الزوجةِ؛ فيجتهد في البقرة -مثلًا- بأنها مثلُ الحِمار الوحْشي؛ ويجتهد في القدرِ الكافي في نفقة الزوجة.
    فوجُوب المثْل، والنفقة؛ معلومٌ منَ النصوص؛ وكون البقرة مثْلًا، وكوْنُ القدرِ المعيَّنِ كافيًا في النفقة؛ عُلِمَ بنوعٍ منَ الاجتهاد؛ وهو: هذا القسم مِن تحقيق المناط؛ وَالمناط هُنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأنه ليس المراد به العلّة، وَإنما المراد به النصُّ العام. وتطبيقُ النص في أفرادِه هو هذا النوعُ مِن تحقيقِ المناط. وَلا يخفى أنَّ في عدِّه من تحقيق المناط مُسامحة؛ ولا مُشاحة في الاصطلاح».
    فتبيّن من خلال قراءة كلام الشنقيطي من أوله؛ أن الذي ذكره؛ هو النوع الأول من تحقيق المناط؛ وهو: أن تكون القاعدة الكلّيَّة منصُوصةً، أوْ متّفقًا عليها. وذكر الشنقيطي: أنّ هذا مجمعٌ عليه في كلِّ الشرائع.
    فأين نحْو الذي نحن فيه؟! وهل مسألة بطلان الصلاة خلف الصف؛ تعتبر مجمعًا عليه في كلِّ الشرائع؟! وهل هي: قاعدة كلّيَّة منصوصة، أوْ متّفق عليها؟!
    - مسألة بطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ ليست مجمعًا عليها في جميع الشرائع؛ بل كانت الشرائع السابقة، يصلّون منفردين. قال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (112/2-113): «وأمّا جعل صفوف أمّتِه كصفُوفِ الملائكة؛ فالمراد به: إتمامُ الصفوف الأوّلِ في الصلاة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمُّون الصّف الأوّل، ويتراصّون في الصّفّ». وهذا أيضا من خصائص هذه الأمّة؛ وكانت الأمم المتقدّمة، يصلُّون منفردِين، كلُّ واحدٍ على حِدة؛ ولما أراد الله تعالى حصول هذه الفضيلة للأنبياء المتقدّمين، جمعهم، «فتقدم النبي ﷺ فصلّى بهم ليلة الإسراء». كما رواه النسائي من حديث أنس في قصة الإسراء، وفيه «ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدّمني جبريل حتى أممتهم» الحديث».
    - مسألة بطلان الصلاة خلف الصف، مسألة جزئية، متعلقة بصلاة الجماعة؛ وليست قاعدة كلّيّة.
    - مسألة بطلان الصلاة خلف الصف، ليست متفقًا عليها؛ بل اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الجمهور إلى صحة الصلاة مع الكراهة.
    وقد ظهر: أنّ كلام الشنقيطي هذا، ليس نحو الذي نحن فيه.
    الثاني: أنّ الشنقيطي، ذكر النوع الثاني من نوعيِّ تحقيق المناط، فقال: «النوع الثاني منه: هو ما عُرف فيه علّةُ الحكم بنصٍّ، أو إجماع، فيحقّق المجتهد وجودَ تلك العلة في الفرع؛ كالعلم بأنّ السرقة هي مناطُ القطْع. فيحقِّق المجتهدُ وُجودَها في النبَّاشِ؛ لأخذه الكفْنَ من حِرْز مثلِه».
    وهذا ينطبق على صلاة المنفرد خلف الصف؛ فقد عُرِفت علّتها بنصٍّ؛ وقد سبق أنه أثبت: أن علّة الحديث منصوصٌ عليها.
    وهذا هو القياس، الذي يريد أن ينفيه في إلحاق حديث وابصة بالصلاة بالتباعد.
    الثالث: أنّ سبب الاعتراض، هو نفيه الاستدلال بالقياس على بطلان الصلاة بالتباعد. وقد تكلّف في الردّ؛ ثم في نهاية المطاف، يقرّ أنه اجتهاد؛ لأن تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه؛ من أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة.
    قال الشنقيطي: «والاجتهاد في العلّة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه».
    وهل القياس إلا اجتهاد؛ وهو اجتهاد القائس في إلحاق فرع لم يرد فيه نص، بأصل ورد في حكمه نصٌّ؛ بجامع العلّة بينهما. وقد كان الشافعي يسمّي القياس اجتهادًا.
    قال في «الرسالة» (476): «قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد، أم هما مفترقان؟
    قلت: هما اسمان لمعنىً واحد. قال: فما جِماعهما؟
    قلت: كلّ ما نزل بمسلمٍ فَقِيه حكمٌ لَازم، أو على سبيلِ الحقِّ فيه دلالةٌ موجودة؛ وعليه؛ إذا كان فيه بعينه حكمٌ: اتباعُه؛ وإذا لم يكن فيه بعينه، طُلِب الدلالة على سبيل الحقّ فيه بالاجتهاد. والاجتهادُ القياسُ».
    الرابع: أنه نَصَّ سابقا: أنّ العلّةَ منصُوصة؛ والعلةُ المنصوص عليها، تُوجب الإلحاق بطريق القياس؛ وإلحاقها بطريق اللفظ والعموم؛ هو قول النظَّام المعتزلي. قال ابن قدامة في «روضة الناظر» (184/2-185): «فصل: قال النّظّام: العلّة المنصوص عليها، توجب الإلحاق بطريق اللفظ والعموم، لا بطريق القياس؛ إذ لا فرق في اللغة بين قوله: «حرّمت الخمر لشدتها»، وبين: «حرّمتُ كلَّ مشتدٍّ». وهذا خطأ؛ إذ لا يتناول قوله: «حرمت الخمر لشدتها» من حيث الوضع إلا تحريمها خاصة.
    ولو لم يرد التعبّد بالقياس: لاقتصرنا عليه؛ كما لو قال: «أعتقت غانمًا لسواده».
    وكيف يصحّ هذا؟! ولله تعالى أن ينصب شدّةَ الخمر -خاصة- علةً، ويكون فائدة التعليل: زوال التحريم عند زوال الشدّة. ويتّجه عليه: ما ذكره نفاة القياس؛ والله أعلم».
    الخامس: أنّ الشنقيطي، ذكر من أضرب الاجتهاد في العلّة: تنقيح المناط، فقال: «الضرب الثاني: تنقيح المناط. والتنقيح في اللّغة: التهذيب، والتصفية. فمعنى تنقيح المناط: تهذيب العلة، وتصفيتها؛ بإلغاء ما لا يصلح للتعليل، واعتبار الصالح له.
    ومثاله: قصة الأعرابي، المجامع في نهار رمضان؛ ففي بعض رواياتها: «أنّه جاء يضرب صدْره، وينتفُ شعرَه، ويقول: هَلَكتُ، واقعتُ أهْلي في نهار رمضان. فقال له النبي ﷺ: أعتقْ رقبة». فكونه أعرابيًّا، وكونه «يضرب صدره، وينتف شعره»، وكون الموطوءة زوجته مثلًا؛ كلُّها أوصاف، لا تصلح للعلّيّة؛ فتُلغَى تنقيحًا للعلّة. أي تصفية لها عند الاختلاط بما ليس بصالح.
    واعلم: أنّ تنقيح المناط؛ تارة يكون بحذف بعض الأوصاف؛ لأنها لا تصلح؛ وتارة بزيادة بعض الأوصاف؛ لأنها صالحة للتّعليل. وقد اجتمع مثالهما في قصّة الأعرابي المذكورة».
    وقد ظهر من هذا الكلام: أنّ الذي عمد إليه في قوله ﷺ: «خَلْفَ الصَّفِّ»، هو تنقيح المناط؛ لأنه أراد أن يحذف وصف «خلف الصف» باحتماليْن:
    أولهما: أَنْ يكون قد خرَجَ مَخْرَجَ الغالِب الأعمِّ. فلا مفهومَ له.
    الاحتمال الثاني: أَنْ يكون الوصفُ طَرديًّا؛ ليس في إناطةِ الحكم به مصلحةٌ.
    وقد تقدم إبطال هذين الاحتمالين؛ وإثبات: أنّ الحديث على ظاهره.

    والخلاصة:
    أولا:أنّ ما ذهب إليه مِن بطلان الصلاة بالتباعد، بنَاه على حمل الطرف الأول من حديثِ عليِّ بنِ شيبان رضي الله عنه؛ وهو قوله ﷺ: «لا صلاة لفرد». على العموم في غير موضعه، بخلاف ما بيّنه أهل العلم؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث قال: «هذا خلف هذا وهذا خلف هذا»، «أن يقفَ واحدٌ خلْفَ واحدٍ، وهَلمَّ جرَّا»، «وكذلك إذا جعلوا الصفَّ غيرَ منتظمٍ؛ مثل: أن يتقدَّمَ هذا على هذا، ويتأخَّرَ هذا عنْ هذَا»؛ وأهمل الطرف الثاني؛ وهو قوله ﷺ: «خلف الصف». وألغى حكمته؛ وزعم أنه وصف طردي؛ وهذا الطرف وصفٌ مهم، متعلّق بقوله ﷺ: «لا صلاة لفرد»؛ فلا يمكن تركه، ولا إلغاؤه، ولا تجاوزه.
    والواجب حمل الحديث على ظاهره، ولا ينبغي وضع احتمالات ضعيفة؛ منْ أجلِ تأويله، ونقْص منه بعض ما يقتضيه، حتى يوافق فتوى في نازلة، انبنت عليها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ وهي: الصلاة؛ اقتضت بطلان صلاةِ مليار مسلم، أو يزيدون؛ ناهيك عمّا وقع بسببها من الفتن، والمفاسد في كثير من المساجد؛ كما يأتي ذكره في موضعه.
    ثانيا:أنّ استدلاله بحديثِ وابصةَ، وعليِّ بنِ شيبانَ على بطْلانِ الصَّلاة بِالتباعدِ؛ لم يَسبق إليه أحدٌ منْ أهلِ العلْم؛ حَتى ابنُ حزم، الذي ذهب إلى بطلانِ الصلاة، بترك تسوية الصفِّ؛ لم يستدلّ بالحديث؛ بل استدل بحديث: «لتَسوُّن صفُوفكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بين وجُوهكم». قال في «المحلى» (2/374): «هذا وعِيدٌ شدِيد؛ والوعيدُ لا يكون إلا في كبيرةٍ من الكبائر».
    بل نصّ على أنه: إنْ كان معذورا، صلَّى خلْف الصفّ، وصلاته صحيحة، فقال في «المحلى» (372/2):
    «وَلا يصلِّ وحده خلفَ الصفِّ إلا أن يكونَ ممنوعًا؛ فيصلِّي، وَتجزِئه».
    وقد قال الميموني: «قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحَسَن، إياك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام». رواه ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» (245).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (291): «وكلُّ قولٍ، ينْفردُ به المتأخِّرُ عنِ المتقدِّمين، ولم يسبقه إليه أحدٌ منهم؛ فإنه يكون خطأ؛ كما قال الإمام أحمد: ...» وذكره.
    وقال في «الإخنائية» (458): «فإنْ كان قد يخطر له، ويتوجّه له؛ فلا يقوله، وينصره إلا إذا عَرف أنه قد قاله بعضُ العلماء؛ كما قال الإمام أحمد: ...» وذكره.
    وقال أيضا في «مجموع الفتاوى» (321/10): «وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضًا أولى من حمله على التناقض؛ لا سيما إذا كان القول الآخر مُبتدَعًا، لم يعرف عن أحد من السلف، وأحمد يقول: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان في المحنة يقول: كيف أقول ما لم يُقَلْ؟!».
    وزعمه: أنّ سلفه في ذلك، ما ذكره في فتوى تحت رقم: 1280. في وجه إلحاق التَّباعدِ بحديث وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه، قال: «وسَلَفِي في ذلك: كُلُّ مَنْ قال بعدمِ صحَّةِ صلاة الفذِّ خلفَ الصَّفِّ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، ومنهم: أحمدُ وإسحاقُ ووكيعٌ ويحيى بنُ مَعينٍ وابنُ المُنذِر والحسنُ بنُ صالحٍ والأوزاعيُّ -فيما حكاه ابنُ عبد البرِّ- وروايةٌ عن الثَّوريِّ وأكثرُ أهلِ الظَّاهرِ، ورُوِيَ عن النَّخَعيِّ وحمَّادٍ والحكمِ وابنِ أبي ليلى وغيرِهم».
    فهذا غلط؛ وبيانه من وجهين:
    أولهما:أنّ هذا لازم مذهب؛ وَلازمُ مذهبٍ ليس بمذهب؛ ولَا يكون مذهبًا للرجل؛ إذْ قد يقول قولًا، ويكونُ مِن لوازم قولِه معنىً، لا يخطر بِباله، ولَا يعتقده؛ بل قد يعتقد خلافه.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (461/16): «ولَازمُ المذهبِ، لا يجب أن يكونَ مذهبًا؛ بل أكثرُ الناس، يقولُون أقوالًا، ولَا يلتزمون لوازمَها. فلا يلزم إذا قال القائل، ما يستلزم التعطِيل؛ أن يكون معتقدًا للتعْطيل؛ بل يكون معتقدًا للإثبات، ولكن لا يعرف ذلك اللزوم».
    وقال ابنُ القيم في «أعلام الموقعين» (240/5): «فلازم المذهب ليس بمذهب، وإن كان لازمَ النصِّ حقًّا؛ لأنّ الشارع، لا يَجوز عليه التناقضُ؛ فلازم قوله حقٌّ. وأمَّا مَن عداه، فلا يمتنع عليه أن يقول الشيْءَ، ويَخفى عليه لازمه؛ ولو عَلِم: أنَّ هذا لازمُه، لما قاله. فلَا يجوز أن يقال: هذا مذهبُه. ويُقَوَّل ما لم يقلْه».
    الثاني:أنَّ كثيرًا منْ أهلِ العلم، ممن ذهبُوا إلى بطلان صلاة المنفرد خلف الصفِّ؛ لم يقولُوا ببطلان صلاةٍ: هي أشبه بصلاة التباعد؛ كما تقدّم عنِ الإمام أحمد، والشيخ الألباني، والشيخ العثيمين، وغيرِهم كثير؛ بل منهم مَن نصَّ على عدم بطلان الصلاة بالتباعد؛ مثل الشيخ الفوزان، وغيرِهم.
    بل إنّ ابن حزم، الذي ذهب إلى بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، وبطلان الصلاة بترك تسوية الصفوف، أجاز صلاة المنفرد خلف الصف، إذا كان ممنوعًا؛ كما تقدم قبل قليل.
    وعليه؛ فقد عُلم: أنّ قوله: «وسلفي في ذلك». ليس له سلفٌ في ذلك؛ حتى ابن حزم الظاهري، الذي انفرد بقول ببطلان الصلاة بترك تسوية الصفوف -حتى قال فيه الحافظ في «الفتح» (210/2): «وأفرط ابنُ حزم؛ فجزم بالبطلان، ونازع من ادَّعى الإجماع على عدم الوجوب...»- أجاز صلاة المنفرد خلف الصف لعذْرٍ.
    وقال الشيخ ابن آدم الإتيوبي، في «البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج» (246/10): «وخلاصة القول: إنّ الأدلّة التي استدلّ بها ابنُ حزم واضحة في إفادة الوجوب؛ وَأما إفادتها البطلان فغير واضحة؛ ولذَا قال الصنعاني -رحمه الله- بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ -رحمه الله- ما نصّه: قلت: الوعيد بقوله صلى الله عليه وسلم: «لتسونّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» يقتضي الوجوب؛ كما قاله ابن رسلان في «شرح الترمذي». ويؤيّده حديث أبي أمامة رضي الله عنه عند أحمد: «لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه». ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: {من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} الآية [النساء: 47].
    نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر، وبلال؛ أدلة على الوجوب ناهضة، وأمّا على بطلان الصلاة، فلا بد من الدليل عليه. انتهى كلام الصنعاني -رحمه الله-. وهو بحث نفيس جدا.
    فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل».
    وانظر كلام الصنعاني في «العدة شرح حاشية على إحكام الأحكام» (217/2-218).
    ثالثا: بما أنه لا يمكن إهمالُ الطرف الثاني من الحديث؛ وهو «خلف الصف» -كما تقدم تقريره- لأنه متعلّق بالطرف الأول؛ وهو قوله ﷺ: «لا صلاة لفرْدٍ»؛ وعليه؛ لا يمكن تطبِيقُ عمومِ الطرفِ الأول من الحديث إلا مقيّدًا بالطرف الثاني؛ فلا يبقَى وجهُ إلحاق الصلاة بالتباعدِ بحديث وابصة إلا عَن طريق القياس؛ وهو قياس مع الفارق؛ وفرق بين «خلف الصف»، وبين «مع الصف»؛ كما تقدّم.
    وأيضا فصلاة المنفرد خلف الصف، ورد فيها نهي؛ والصلاة مع الصف، وردت فيها أحاديث الأمر بتسوية الصفوف، والتراص، وسد الفرج؛ فلا يقاس المأمور على المحظور؛ ولا يقاس المنصوص على المنصوص.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (396/396) في الرد على من قال بصحة صلاة المنفرد خلف الصف؛ قياسًا على صحة صلاة المرأة منفردة، وبوقوف الإمام منفردا: «وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف، فمكروه، وترك للسنة؛ باتّفاقهم. فكيف يقاس المنهي بالمأمور به؟! وكذلك وقوف الإمام أمام الصف، هو السُّنة. فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه؟! والقياس الصحيح؛ إنما هو قياس المسكوت على المنصوص؛ أمّا قياس المنصوص على منصوص، يخالفه؛ فهو باطل؛ باتّفاق العلماء؛ كقياس الربا على البيع؛ وقد أحلّ الله البيع، وحرم الربا».
    رابعا: أنَّ ما يشبه الصلاة بالتباعد؛ كان معروفًا عند أهل العلم.
    فعن أنس بن مالك: «أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منَّا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلّا أنكم لا تقِيمون الصُّفوف». أخرجه البخاري (723) وقد تقدم.
    قال الحافظ في «الفتح» (210/2): «ومع القول بأنّ التسوية واجبة، فصلاة مَن خالف، ولم يُسَوِّ: صحيحةٌ؛ لاختلاف الجهتين. ويؤيد ذلك؛ أنَّ أنسًا -مع إنكاره عليهم- لم يأمرهم بإعادة الصلاة».
    وقال ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر» (295/1): «ولَا بأْس على أهْلِ الخيْل: أَنْ يُصلُّوا بإمامٍ متباعِدِين؛ لحِصَانَةِ خيلهم. قال عنه عليٌّ في المَجْمُوعَة: وهو أَحَبُّ إليَّ من صلاتهم أفذاذًا».
    وقال ابنُ رشد في «البيان والتحصيل» (268/1): «مسألة: وسُئل (يعني مالكًا) عنِ الخيْل الحصن، ينزل أهلُها للصلاة، فلا يستطِيعون أن ينضمُّوا لموضع تحصُّنِ خيْلِهم، فيصلُّون أفرادًا، وإمامُهم أمامَهم. قال: لا بأس بذلك. فقيل له: فإنَّ الرجلَ ربما فَزع إلى فرَسِه، ونَسِي رَسَنه (الرسن: الحبل)، فلا يجد بدًّا مِن أن يمسكَ عَنانَ فرسِه، ولا يستطيع أن يضعَ يدَه على الأرض. قال: أرجوه أن يكون خفيفًا.
    قال محمد بنُ رشد: أمّا إجازتُه لصلاتهم متفرِّقين، مأتمِّين بإمامهم من أجل تحصن خيلهم؛ فصحِيح».
    وقال في موضع آخر (264/1-265): «مسألة: وُسئل مالكٌ عن صلاةِ أهْلِ مكَّةَ، ووُقوفِهم في السّقائف للظلِّ لموضع الحرِ، قال: أرجُو أن يكون خفيفًا. فقيل له: فأهل المدينة، ووقُوفهم في الشقِّ الأيمَنِ مِن مسجدِهم، وَتنقطع صفوفُهم في الشقِّ الأيْسر. قال: أرجو أن يكونَ واسعًا لموضع الشَّمس. ثم قال: كان رجل يحملُ بطحَاءَ ليسجدَ عليها، فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم. ويسجد على ثوبه أحب إلي من أن يحمل بطحاء، يضعها يسجد عليها.
    قال محمد بن رشد: خَفَّف انقطاعَ الصفوفِ لضرورة الشمْس؛ لأنّ التراصَ في صفوفَ الصلاة مستحبٌ. وهذا نحو قولِه في «المدونة»: إنه لا بأس بالصفوف بيْن الأسَاطِين، إذا ضَاقَ المسجد. وهو بيّن أنَّ قولَه فيها: لا بأس أن تقف طائفةٌ عن يسَار الإمام في الصف، ولا تلصق بالطائفة التي عن يمين الإمام. معناه: لا بأس بالفعل، إذا وَقع؛ لا أنّ ذلك يجوز ابتداءً من غير كراهة؛ والله أعلم».
    وقال النووي في «المجموع» (304/4-306): «ولوْ وَقف عن يمِين الإمام، أو يساره، ولم يتقدّم عليه رجلٌ، أو صفّ؛ صَحَّ إنْ لم يزد ما بينه، وبين الامام على ثلاثمائة ذراع؛ فإنْ وقف آخر عن يمين الواقف، عن يمين الامام على ثلاثمائة ذراع من المأموم الأول، ثم ثالث على يمين الثاني على ثلاثمائة ذراع، وهكذا رابع، وخامس، وأكثر؛ صحّت صلاةُ الجميع؛ كما إذا كانوا خلفه؛ وهذا متفق عليه».
    قال: «وعلى هذا؛ وَلو وَقَف واحدٌ عَن يمِين الامام، على ثلاثمائة ذراع، وآخر عن يساره كذلك؛ وآخر وراءه كذلك؛ ثم وراء كلّ واحد، أو عَن جَنبه آخر أو صف على هذه المسافة، ثم آخر، ثم آخر، وكثروا؛ صحّت صلاة الجميع، إذا علموا صلاة الإمام».
    وقوله: «ثلاثمائة ذراع».
    قال الشيخ العثيمين في «الشرح الممتع» (302/4) في تحديد الذراع: «هل المعتبر في قوله: «ذراع فأكثر» ذراع الحديد، أو ذراع اليد؟ الجواب: المعتبر، ذراع اليد؛ وهو: ما بين المرفق، ورؤوس الأصابع؛ لأنّ هذا هو المعروف في عهد الرسول ﷺ. والمراد باليد: اليد المتوسّطة؛ لأنّ بعض الناس، تكون ذراعه طويلة؛ وبعضهم تكون قصيرة».
    وتقدّم قولُ أحمد في مسألة: القوم في الغزو يصلّون، فتشغبُ الدوابُ، فتثب بعضُها على بعض، فيقوم الرجلُ بينه وبين صاحبه ذراعان، أو ثلاثة.
    وقال المارداوي في «الإنصاف» (424/4-425): «قال ابن تميم: لو انقطع الصف عن يمينه، أو خلفه؛ لا بأس. وإن كان الانقطاع عن يساره، فقال ابن حامد: إن كان بعده مقام ثلاثة رجال؛ بطلت صلاته. وجزم به في «الرعاية الكبرى». وقال في «الفروع»: ولا بأس بقطع الصف عن يمينه، أو خلفه. وكذا إنْ بعُد الصف منه. نصَّ عليه. انتهى».
    ويلاحظ أنه قيَّد بمقام ثلاثة رجال؛ فلو كان رجلان؛ لم تبطل.
    وقال الشيخ العثيمين في «فتاوى نور على الدرب» (111 /161): «أهمل كثيرٌ من الأئمة، وكثيرٌ من المأمومين: مسألة التراص؛ فتجد الصف تكون فيه الفرج الكثيرة، لا يسدُّها أحد؛ وهذا غلط؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتراص، وأخبر أنّ الملائكة عند الله عز وجل يتراصون».
    خامسا: أنّ الصلاة؛ إنما تبطل بترك ركن، أو تفويت شرط؛ ولا تبطل بترك واجب؛ لأنه خارج عن ماهيتها؛ وهذا حال الصلاة بالتباعد؛ فقد تُرك فيها وجوبُ تسوية الصف، والتراصّ.
    قال القِنَّوجي في «الروضة الندية -ومعها: التعليقاتُ الرَّضية» (310/1): «وَأما ترك ما لم يكن شرطًا، ولَا ركنًا من الواجبات؛ فلا تبطل به الصلاة؛ لأنه لا يؤثّر عدمه في عدمها؛ بل حقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة».
    وقال في موضع آخر (263/1-264): «وحقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، والمدح على الفعل، والذم على الترك: لا يستلزمان البطلان؛ بخلاف الشرط، فإنّ حقيقته ما يستلزم عدمه عدم المشروط -كما عرفت-. فاحفظ هذا التحقيق؛ تنتفع به في مواطن، وقع التفريع فيها مخالفًا للتأصيل؛ وهو كثيرُ الوجود في مؤلّفات الفقهاءِ، مِن جمِيع المَذاهب. وكثيرًا ما تجد العارف بالأصول، إذا تكلَّم في الفروع؛ ضاقت عليه المسالك، وطاحت عنه المعارف، وصار كأحد الجامدين على علم الفروع؛ إلا جماعة منهم.{وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور}».
    وقال الشيخ العثيمين في «الشرح الممتع» (10/3): «ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: وجوب تسوية الصف؛ وأنّ الجماعة إذا لم يسوّوا الصف، فهم آثمون؛ وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكن إذا خالفوا، فلم يسوّوا الصفَّ؛ فهل تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا أمرًا واجبًا؟
    الجواب: فيه احتمال، قد يقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى؛ لأنّ التسوية واجبة للصلاة، لا واجبة فيها. يعني أنها خارج عن هيئتها؛ والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به؛ كالأذان مثلا؛ فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه».
    سادسا: أنّ قاعدة الشريعة: لا واجب مع عجز؛ ولا حرام مع ضرورة؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. ولقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» رواه البخاري (7288) ومسلم (1337) عن أبي هريرة.
    فكلّ أركان العبادات، وشروطها، وواجباتها؛ تسقط بالعجز عنها. والصلاة بالتباعد؛ ألزمها ولاة الأمور على المصلين؛ بسبب الوباء؛ فاجتمع عذران: الوباء، وسلطة ولي الأمر. فالتباعد بين الصفوف، ينزّل منزلة المعجوز عنه؛ للحاجة؛ وهذا المأخذ الفقهي للنازلة.
    فإذا كان مَن صلّى منفردًا خلف الصف، ولم يجد فرجة فيه؛ لا تبطل صلاته لعذر -مع ورود النص- فلأن لا تبطل مع التباعد أولى وأحرى؛ وهذا هو القياس الصحيح؛ فليس من وقف في الصف منفردا؛ كمن وَقَف في الصفِّ مع جماعة بالتباعد.
    قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (397/23): «وإذا كان القيام، والقراءة، وإتمام الركوع، والسجود، والطهارة بالماء، وغير ذلك؛ يسقط بالعجز؛ فكذلك الاصْطفاف، وتركُ التقدّم. وطَرْد هذا بقيةُ مسائلِ الصُّفوف؛ كمسألة من صلَّى، ولم يَرَ الإمام، وَلا من وراءه مع سماعه للتكبير، وغير ذلك».
    وقال أيضا في موضع آخر (558/20-560): «ومن ذلك قول بعضهم: إنّ أمره للمصلِّي خلف الصف وحده بالإعادة على خلاف القياس؛ فإنَّ الإمام يقف وحده، والمرأة تقف خلف الرجال وحدها؛ كما جاءت به السنة. وليس الأمر كذلك؛ فإنّ الإمام يسنّ في حقّه التقدم؛ بالاتّفاق؛ والمؤتمون يسنّ في حقّهم الاصطفاف؛ بالاتفاق. فكيف يشبه هذا بهذا؟! وذلك لأنّ الإمام يُؤتمّ به؛ فإذا كان إمامهم رأوه، وكان اقتداؤهم به أكمل. وأما المرأة فإنها تقف وحدها، إذا لم يكن هناك امرأة غيرها؛ فالسُّنة في حقّها الاصطفاف؛ لكن قضية المرأة تدلّ على شيئيْن. تدلّ على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذّر الدخول في الصف؛ صلّى وحده للحاجة؛ وهذا هو القياس؛ فإنّ الواجبات تسقط للحاجة؛ وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات؛ فإذا تعذّر ذلك سقط للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة.
    وطرد ذلك: إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدّام الإمام؛ فإنّه يصلي هُنَا -لأجل الحاجة- أمامه؛ وهو قوْل طوائف من أهل العلم، وهو أحد الوجهَين في مذهب أحمد؛ وإن كانوا لا يجوزون التقدّم على الإمام، إذا أمكن ترك التقدم عليه.
    وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها؛ فإذا سقط غيرُها للعذر في الجماعة، فهي أولى بالسقوط.
    ومن الأصول الكلية: أنّ المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور؛ فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد، ولم يحرم ما يضطر إليه العبد».
    وقال أيضا في موضع آخر: (246/23 وما بعدها): «ونقول: إنّ الإمام لا يشبه المأموم؛ فإنّ سنّته التقدّم، لا المصافة؛ وسنّةُ المؤتمِّين الاصطفافُ. نعم يدلّ انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم لحاجة؛ وهو ما إذا لم يحصل له مكان، يصلِّي فيه إلا منفردًا؛ فهذا قياس قول أحمد، وغيرِه.
    ولأنّ واجبات الصلاة، وغيرها، تسقط بالأعذار؛ فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها؛ فسقط بالعجز في الجماعة؛ كما يسقط غيرُه فيها، وفي متن الصلاة.
    ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف، والمرض، ونحوهما، مع استدبار القبلة والعمل الكثير، ومفارقة الإمام، ومع ترك المريض القيام: أولى من أن يصلُّوا وحدانا.
    ولهذا ذهب بعضُ أصْحاب أحمدَ إلى أنه يجُوز تقديمُ المؤْتمِّ على الإمام عند الحاجة؛ كحَالِ الزِّحام، ونحوِه؛ وإنْ كان لا يجوز لغيْر حاجةٍ؛ وقد رُوي في بعضِ صفاتِ صلاةِ الخوْف؛ ولهذا سَقط عنده؛ وَعند غيره، مِن أئمّة السُّنة ما يُعتبر للجماعة: مِن عدْل الإمام، وحلِّ البيْعة، ونحوِ ذلك للحاجة؛ فجوزوا؛ بل أوجبوا فعْلَ صلواتِ الجُمعة، والعيدَيْن، والخوفِ، وَالمناسكِ، ونحوِ ذلك: خلْفَ الأئمّةِ الفَاجرِين، وَفي الأمكنة المغصُوبة؛ إذا أفْضَى ترك ذلك إلى تركِ الجمعة، وَالجماعة، أوْ إلى فتنةٍ في الأُمّة، ونحوِ ذلك. كما جاء في حديثِ جابر: «لا يؤمن فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه». لأنّ غاية ذلك، أن يكون عدلُ الإمام واجبًا، فيَسقط بالعذْر؛ كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف، بالعذر. ومن اهتدى لهذا الأصل، وهو: أنّ نفسَ واجباتِ الصلاة، تسقط بالعذر؛ فكذلك الواجبات في الجماعات، ونحوِها؛ فقد هُدِي لما جاءت به السنة، من التوسّط بين إهمال بعضِ واجبات الشريعة رأسًا؛ كما قد يبتلى به بعضهم؛ وبين الإسراف في ذلك الواجب، حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات، التي هي أوكد منه عند العجز عنه؛ وإن كان ذلك الأوكد مقدورًا عليه؛ كما قد يبتلى به آخرون. فإنَّ فعْل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه؛ هو الوسط بين الأمرين...».
    ثم ذكر مسائلَ كثيرة، قال: «وإنما الغرضُ التنبِيهُ على قواعدِ الشَّريعة، التي تعرفُها القلوبُ الصحِيحة، التي دلَّ عليها قولُه تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}. وقوله :«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وأنه إذا تعذَّر جمعُ الواجبَيْن قُدِّم أرجحُهُما، وسَقَط الآخر بالوجْهِ الشرعي، والتنبيهُ على ضوابطَ مِن مآخذِ العلماءِ رضي الله عنهم».
    سابعا:أنه ينبغي على من ينظر في النوازل المستجدة، أن يراعي المصالح، والمفاسد؛ لا سيما عند تزاحمها، والنظر في مآلات الأفعال؛ فيقدّم ما ينبغي تقديمه، وترجيحه؛ كما قال الشيخ السعدي في منظومته في القواعد:
    الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح
    فإن تزاحم عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح
    وضده تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى من المفاسد
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (57/20 وما بعدها): «فإذا ازدحم واجبان، لا يمكن جمعهما؛ فقُدّم أوْكدُهما؛ لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوْكدِ تاركَ واجبٍ في الحقيقة.
    وكذلك إذا اجتمع محرّمَانِ، لا يمكن ترك أعظمِهما إلا بفعلِ أدنَاهُما؛ لم يكن فعلُ الأدْنَى في هذه الحال محرَّمًا في الحقيقة؛ وإنْ سُمِّي ذلك، تركَ واجبٍ؛ وَسمي هذا، فعْلَ محرّمٍ؛ باعتبار الإطلاق، لم يضرَّ.
    ويقال في مثل هذا: تركُ الواجب لعذْرٍ، وَفعلُ المحرّم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم.
    وهذَا كَما يُقال لمن نَام عَن صلاةٍ، أو نسيها: إنّه صلَّاها في غير الوقت المطلق قضاءً. هذا، وقد قال النبي ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك».
    وهذا بابُ التعارض بابٌ واسعٌ جدًّا؛ لا سيما في الأزْمنة وَالأمْكنة، التي نَقصت فيها آثارُ النبوة، وخلافةُ النُّبوة؛ فإنّ هذه المسائلَ، تكثُر فيها؛ وكلَّما ازْداد النقْصُ، ازدادتْ هذه المسائل؛ ووجُود ذلك مِن أسباب الفتنة بين الأمَّة؛ فإنّه إذا اختلطت الحسناتُ بالسيّئاتِ، وقع الاشْتباهُ، وَالتلازمُ؛ فأقوامٌ قد ينظرُون إلى الحسنات، فيرجِّحون هذا الجانب، وإنْ تضمَّن سيّئاتٍ عظِيمة؛ وأقوامٌ قد ينظرون إلى السيّئاتِ، فيرجّحون الجانب الآخر، وإن ترك حسنات عظيمة؛ والمتوسِّطون الذين ينظرون الأمريْن؛ قد لا يتبيّن لهم ،أو لأكثرهم مقدارُ المنفعة، والمضرّة؛ أو يتبيّن لهم، فلا يجدون مَن يُعِينهم العمل بالحسنات، وترك السيئات؛ لكون الأهواء قارنت الآراء؛ ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات».
    فينبغي للعالمِ أن يتدبَّرَ أنْواعَ هذه المسائل: وقد يكون الواجب في بعضها -كما بيّنته فيما تقدم-: العفو عند الأمر، والنهي في بعض الأشياء؛ لا التحليل والإسقاط. مثل: أن يكون في أمره بطاعة، فعلًا لمعصية أكبر منها؛ فيترك الأمر بها، دفعًا لوقوع تلك المعصية؛ مثل: أن ترفع مذنبًا إلى ذِي سلطان ظالمٍ، فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظمَ ضررًا من ذنبه.
    ومثل: أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات، تركًا لمعروفٍ هو أعظم منفعة مِن ترك المنكراتِ؛ فيسكت عن النهي خوفًا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسولُه مما هو عنده أعظم من مجرّد تركِ ذلك المنكر.
    فالعالمُ تارةً يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر، أو النهي، أو الإباحة؛ كالأمر بالصلاح الخالص، أو الراجح؛ أوِ النهي عن الفساد الخالص، أو الراجح؛ وعند التعارض يرجّح الراجح -كما تقدم- بحسب الإمكان.
    فأمّا إذا كان المأمورُ، والمنهي؛ لا يتقيّد بالممكن: إمّا لجهلِه، وإما لظلمِه؛ ولا يمكن إزالةُ جهلهِ، وظلمِه؛ فربما كان الأصلحُ الكفَّ، وَالإمساك عن أمْره، ونهيِه؛ كما قيل: إنّ منَ المسائل مسائلَ، جوابها السكوت. كَما سَكت الشارعُ في أول الأمر عنِ الأمر بأشياء، والنهيِ عنْ أشياء؛ حتى علَا الإسلامُ، وظَهَر.
    فالعالمُ في البيَانِ، والبلاغِ كذلك؛ قد يؤخِّر البيانَ والبلاغَ لأشياء إلى وقت التمكّنِ؛ كما أخَّر اللهُ سبحانه إنزالَ آياتٍ، وبيانَ أحكامٍ إلى وقتِ تمكُّن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى بيانها» انتهى كلام شيخ الإسلام.
    فمن قواعد الشريعة: إذا اجتمعت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما. ويختار أهون الشرين، و أخف الضررين.
    وإذا تأمّلنا هذه النازلة؛ ورأينا أنّ الحاكم، أو من ينوب عنه؛ قد ألزم الصلاة بالتباعد، وقرّر غلق كلّ مسجد لمن لم يلتزم بهذا القرار.
    فلا يشك عاقل: أن مفسدة إغلاق المساجد، وترك الجُمَع، والجماعات؛ أعظم من الصلاة بالتراص؛ لا سيما وقد أفتى أكثر أهل العلم بصحة الصلاة بالتباعد.
    وقد تقدّم قبل قليل قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة، والعيدين، والخوف، والمناسك، ونحو ذلك: خلف الأئمّة الفاجرين، وفي الأمكنة المغصوبة؛ إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة، والجماعة، أو إلى فتنة في الأمة، ونحو ذلك».

    قال الشيخ العثيمين في «الشرح الممتع» (274/4) في حكم صلاة المنفرد خلف الصف:
    «فإن قال قائل: لماذا لا تأمرونه أن يبقى، فإنْ جاء معه أحد، وإلا صلى وحده منفردا، قلنا: في هذا محذوران:
    المحذور الأول: أنه ربما ينتظر فتفوته الركعة، وربما تكون هذه الركعة هي الأخيرة فتفوته الجماعة.
    المحذور الثاني: أنه إذا بقي وفاتته الجماعة فإنه حرم الجماعة في المكان وفي العمل، وإذا دخل مع الإمام وصلى وحده منفردا، فإننا نقول على أقل تقدير: حرم المكان فقط، أما العمل فقد أدرك الجماعة، فأيهما خير أن نحرمه الجماعة في العمل والمكان، أو في المكان فقط؟
    الجواب: في المكانِ فقط. هذا لوْ قلنا: إنّه في هذه الحالِ، يكُون مرتكبًا لمحذُورٍ، مع أنّ الراجحَ عندي: أنّه إذا تعذَّر الوقوفُ في الصّف؛ فإنّه إذا صفَّ وحدَه، لم يرتكب محظورًا».
    وتنبني هذه المسألة أيضا قاعدة: مراعاة الخلاف؛ أو الخروج من الخلاف أولى، وأحرى.
    فإذا اختلف أهل العلم في مسألة اجتهادية، يستحب الخروج من الخلاف؛ بإتيان ما هو الأحوط، والأفضل، ودرء ما قد يفضي إلى مفاسد.

    مساء يوم الجمعة
    26 من شوال سنة 1443
    من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
    وسلم تسليما كثيرا.

    ... يتبع
    الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة إدارة الإبانة السلفية; الساعة 2022-05-29, 04:03 PM.

  • #2
    بارك الله فيك شيخنا عندما تتكلم القوة العلمية وتفند الحجة بالحجة .

    تعليق


    • #3
      ردُّ طيب، وفيه فوائد مباركة.
      جزاك اللهُ عنا خير الجزاء.

      تعليق


      • #4
        جزى الله خير الجزاء الشيخ أبا عبد الرحمن عبد المجيد .

        تعليق


        • #5
          أراد الله أن يظهر أمرا لم يكن يعلمه الكثير وهو :
          مكانة وقوة العلامة الفقيه جمعة الخير العلمية، وأنه لا يقل منزلة عن الشيخ فركوس ..... !! ولا اريد أن أقول غير هذا .. (!).
          حفظكم الله ابا عبد الرحمن ومتع السلفيين الصادقين ببقاءكم،حقا وجود أمثالكم بيننا يا صاحب الفضيلة لمن أعظم النعم علينا وعلى أهل هذه البلاد ...

          يأبى الله إلا أن يرفع قدركم يا صاحب الفضيلة ....

          تعليق


          • #6
            أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل
            زادكم الله علماً ونفعنا بكم

            تعليق


            • #7
              تعليق على "انتقاض الاعتراض" للشيخ عبدالمجيد جمعة حفظه الله

              الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

              فقد قرأت ما كتبه الشيخ الدكتور الفاضل العلامة عبد المجيد جمعة من رد على ما كتبه الشيخ الدكتور الفاضل العلامة محمد علي فركوس حفظهما الله ورعاهما، فألفيت رد الشيخ عبدالمجيد ردا علميا مؤصلا، بين مواضع الخلل في فتوى الشيخ محمد علي فركوس في اعتراضه على كلام الشيخ عبدالمجيد حول صلاة التباعد والاستدلال بحديث وابصة رضي الله عنه.

              وقد كنت بينت عدة مرات أن فضيلة الشيخ فركوس حفظه الله أخطأ في فتواه من الناحية اللغوية، والناحية الأصولية، والناحية الفقهية.

              وأن علماء السنة الأكابر الذين أفتوا بصحة صلاة التباعد للضرورة زمن كورونا كانت مؤصلة وموافقة للنصوص وأصول الشريعة.

              وأن الاعتراض عليها بما كتبه محب العلم(لحسن منصوري) وغيره اعتراض واهٍ، مشتمل على أخطاء عديدة دالة على عدم المعرفة الصحيحة بنازلة كورونا، وأن عندهم تصورا غريبا مخالفا للواقع.

              وكتبت عدة أسئلة لمحب العلم وغيره عجزوا عن الجواب عنها حتى هذه اللحظة.

              فقد جاء رد الشيخ الفاضل عبدالمجيد جمعة حفظه الله مؤصلا، وموافقا للغة، ويدل على فقه دقيق عند الشيخ جمعة رعاه الله وسدده.

              وهذا الرد، وما وقع فيه الشيخ العلامة محمد علي فركوس حفظه الله من خطأ في المسألة لا ينقص من فضله، ولا من منزلته العلمية، بل جرت العادة أن العلماء يرد بعضهم على بعض، وأن الخطأ وارد، وأن العالم قد ينتصر لقضية ويبدئ فيها ويعيد فلا يوفق للصواب فيها، ويوفق غيره من العلماء للصواب فيها.

              وقد اشتمل رد الشيخ العلامة عبدالمجيد جمعة على مسائل وقضايا دقيقة أجزم أن جميع الصعافقة الجدد لا يفهمونها حق فهمها، بل ربما استعصى عليهم فهم بعض الكلام مع كونه مكتوبا باللغة العربية.

              بل قد تضمن رد الشيخ جمعة وقبله اعتراض الشيخ فركوس على مسائل دقيقة لا يفهمها العامة، وإنما يفهمها الخاصة من طلاب العلم، ويفهمها العلماء.

              لذلك تدخل كثير من العوام في هذه القضية مرجحين ومصححين ومناظرين فهو تدخل منهم دال على ضلالهم وجهلهم وتعالمهم وسوء مسلكهم ومخالفتهم للمنهج السلفي.

              فحسب العامي في مثل هذه المسائل الدقيقة جدا أن يقلد من يثق بدينه دون مناظرة ولا شوشرة ولا فلسفة ولا ترجيح ولا تجريح ولا تعديل!

              بل إن بعض طلبة العلم قد يعسر عليهم فهم هذه المسألة أصوليا وفقهيا، ولذلك تجد في بعض ما كتبه بعض الطلبة جهلا وتعالما فكيف بالعوام!

              فهذه الردود العلمية بين العلماء هي ردود زاجرة للطلبة، وأن يشتغلوا بما ينفعهم، وأن لا يتدخلوا فيما لا تبلغه مداركهم، بل هي وسيلة لهم لتوسيع مداركهم، وتربيتهم على فهم بعض دقائق الفقه والأصول، مع ما فيها من عسر وصعوبة.

              لذلك لعلي أعقد لها مجلسا أو مجالس لبيان بعض هذه القضايا عل الله أن ينفع بها.

              والله الموفق

              كتبه:

              د. أسامة بن عطايا العتيبي
              28/ 10/ 1443هـ

              http://m-noor.com/showthread.php?t=18343


              https://t.me/osama_al_outaybi

              تعليق


              • #8
                أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل وبارك الله فيكم وجزاكم خيرا وأعظم لكم المثوبة ويسر لكم الخير ونفع بكم الأمة ونسأل الله تعالى أن يصلح ذات بين مشايخنا ويكفيهم شر كل ذي شر إنه سميع مجيب

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا شيخنا الكريم وبارك الله فيك وحفظك الله ونفعنا الله بك.

                  تعليق


                  • #10
                    الحمد لله الذي منَّ علينا بأئمة الهدي الذين يبينون لنا سبيل الإهتداء ويبعدوننا عن ذرائع الردى ففضلهم الله جل وعلا بحفظ الشريعة والذب عن أهلها
                    بينوا لنا أن العصمة لا تكون إلا في كلام الله جل وعلا وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم خير من اصصطفى فكلهم كما قال الإمام مالك كل يؤخذ من قوله ويرد وكل راد ومردود عليه
                    فقد تعلمنا من صبر شيخنا أبي عبد الرحمن وحلمه وطريقة رده الأدب الذي لا يمنع قول الحق والعلم الذي لايقبل الجمود ،والحجة لا يوصف بها إلا أهلها فهنيئا لنا علماء بلدنا نقبل منهم الحق ونرد عليهم الخطأ ونحفظ لهم مكانتهم نذب عنهم وندعو لهم ولا نعتقد فيهم العصمة فهم كلهم على الهدى وأعلام السنة في بلدنا.
                    فجزى الله خيرا شيخنا الفاضل عبد المجيد حفظه الله فإن رده يسيل علما ويتدفق حجة وهو مشبع بكلام الأئمة الاكابر والاعلام فقد أصاب المطلوب وجاء بالمأثور
                    فلا عزاء للطاعنين المفرقين والصعافقة المحرشين
                    جلد جميل المحيا كامل ورع
                    وللحروب غداة الروع مصعار
                    حمال ألوية هباط أودية
                    شهاد أندية للجيش جرار

                    حفظ الله جميع مشايخنا الأكابر
                    ومشايخ بلدنا وعلى رأسهم الشيخ أبي عبد المعز والشيخ أزهر والشيخ عبد المجيد

                    تعليق


                    • #11
                      كلام بديع وتفصيل ماتع من شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن جمعة ، في رده على أخيه العلامة محمد علي فركوس - حفظهما الله تعالى -. جمع فيه فوائد علمية غزيرة . قد لا نجدها في كتب التأصيل مجتمعة. فهنيئا لطلاب العلم أين ما كانوا بعلمائنا .

                      ولمثل هذه الردود العلمية التي لا شخصنة فيها ، المعظمة للعلم المعلية له فقط نريدها . وهي من نستزيد بها علما. كيف لا والراد والمردود عليه من خيرة علمائنا ومشايخنا نحسبهما على خير والله حسيبهما.

                      قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن}
                      قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال؛ فليكن بالوجه الحسَن؛ برفقٍ ولين وحُسن خطاب". وهذا ما صنعه الشيخ أبو عبد الرحمن مع أخيه العَلَم أبي عبد المعز في رده عليه.

                      كما أقول لهؤلاء الصغار الأغمار والناشئة الأغرار : أربعوا على أنفسكم ؛ و الزموا الجادة واستقيموا على منهاج ربكم ، وكفاكم من إغار الصدور وبث السموم لأجل تمزيق الصف ، وهذا بتأويل ما لم تسعه أفهامكم ولن تدركه عقولكم بما قد جاد به علماؤنا .

                      بل أمثالكم يحتاجون إلى شارح يفسر لهم مراد العالمين وجوابهما. فعِلمهُما أكبر من فهمكم. وإلا كنتم يا قومنا قد فرقتم بين المؤنث اللفضي والمعنوي في اسم الصحابي وابصة الذي جعلتموه حجة تحتجون به على من خالفكم في فهمه وتنزيل حكمه.

                      ها أنتم إذن أخطأتم حين قلتم عنه رضي الله تعالى عنها بدل عنه.

                      فعجبا لمن لا يُفرق بين المتشابه في المعاني والمجازات ، يخوض في مسائل العلم من غير دربة ولا تأهل ولا تمكن.

                      تعليق


                      • #12
                        جزاك الله خيراً شيخنا الوقور أبا عبد الرحمن على هذه الدرر، وأنا أقرأ هذا المقال الرزين؛ تذكرت تعليق الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله:
                        أمّا بعد، فهذا نفس من الغرب الإسلامي، يتضوّع مسكا أذفرا، وعلما جمّا، وبيانا عذبا، وأيّ عبد لك ما ألمّا، يجري عبر قلم حدا حادي الحيف إلى العلم الشرعي، على ميراث النبوة صافيا...
                        [تقريظ الشيخ العلامة بكر أبو زيد رحمه الله لكتاب "القواعد الفقهية" لشيخنا الفقيه عبد المجيد جمعة حفظه الله].

                        تعليق


                        • #13
                          بعد قراءة مقال شيخنا الشيخ الفقيه عبد المجيد قراءةً متأنيةً، أقول: ✓ لِيَهْنِكَ العلمُ شيخنا أبا عبد الرحمان!
                          ✓ لتفخرْ الجزائر بوجود أمثالك على ثراها، وقبلك وجود شيخك الأعزِّ أبي عبد المعزِّ.
                          ✓ ما كان لمقلد أن يكتب بلغتك العلمية الراقية التي لن يصل الصعافقة إلى عشر أعشارها ولو جمعوا مِن أشياعهم مَن بأقطارها.
                          ✓ العلم رحِمٌ بين أهله، ولن يستطيع الكتابة بلغته إلا من كان حقا وصدقا من أهله.
                          ✓ السجال العلميّ والردود العلمية زينة العلماء وما من شخص إلا راد ومردود عليه إلا نبي الله محمد بن عبد الله عليه الصلاة و السلام.
                          ✓ الموفق من أخلص النية واستفاد علما من هذه الردود العلمية أما المخذول المنكوس فيجعلها سلما للتحريش وإمعانا في التأويل وتحميلا للكلام ما لا يحتمل، فليبشر من كان هذا حاله بالخسار والبوار.
                          ✓ أن مكانة الشيخ الجليل فركوسٍ محفوظة مصونة -عند العقلاء- ولا ينقص منها رد راد ولا اعتراض معترض...
                          ✓ لو ترك المشغبون الملبسون الميدان لأهله وأعطوا القوس باريها لاصطاد العقلاء الجواهر والدرر من بحر العلماء ولكن قدّر الله أن يُجلبوا في ميدان العلم بخيلهم ورَجْلِهِم فكان ما كان ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
                          والله المستعان وعليه التكلان.
                          إسماعيل جابر
                          #الأخضري

                          تعليق


                          • #14
                            جزاكم الله خيرا وحفظ الله المشايخ فركوس و جمعة و أزهر

                            تعليق


                            • #15
                              بارك الله فيكم شيخنا الحبيب وزادكم من فضله

                              تعليق

                              الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                              يعمل...
                              X