إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مواقف من سيرة شيخنا أبي عبد المعز محمد علي فركوس

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مواقف من سيرة شيخنا أبي عبد المعز محمد علي فركوس

    بسم الله الرحمن الرحيم

    مواقف من سيرة شيخنا أبي عبد المعز محمد علي فركوس
    حفظه الله تعالى





    الحمد لله الذي جعل العلماء منارات يُهتَدَى بهم في السير إليه، وأعلاما تدلُّ السالكين عليه، وسلسبيلا يروي منه الجاهل غَلِيلَه، ويشفي ذا الهوى منه عَلِيلَه، والصلاة والسلام على مَن ورَّث العلم النافع للأئمة، ودعا بالنضارة لمن بلَّغه الأمَّة، وعلى آله وصحبه أهل الصلاح والتُّقى، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم اللقا، أما بعد:

    فإن من السنن الإلهية الصراع بين الحق والباطل، وأهل الهُدى وأصحاب الضلال، فأهل الهُدى يَصْدَعون بالحق ويدعون الناس إليه، وأهل الباطل يصرفون الناس عن اتِّباعه، ويَصُدُونهم عن أتْبَاعه، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وإن من العلماء الذين ابتلوا بهذه الصنف من الخلق، فكالوه السِّباب والشّتائم، وتفكّهوا بعرضه في المجالس والولائم، حتى عرَفَ سوءَ صنِيعِهم العوامّ، وكادت أن تشهد عليهم به الهوامّ: شيخنا الأعز أبو عبد المعز، محمد علي فركوس، ذو العلم المرصوص، جمع الله له بين المنقول والمعقول، وشهد له أهل الفضل بأنه من العلماء الفحول، صاحب (الفتح المأمول) الذي أشرقت به شمس (مبادئ الأصول)، ومبدِع (الإنارة) التي تنوّرت بها أفنية (الإشارة)، وراقم (التوجيهات السلفية)، الغنِيَّةِ بالوصايا الأثرية، والنصائح الربانية.

    له السبق في شرح (عقيدة) ابن باديس، فنوّر بالتأسيس، وروّح بالتنفيس، فأتحف الأنيس، وأمتع الجليس، بتعليقه النفيس، وختمها بـ (الومضات)، وما اشتملت عليه من التنبيهات والاستدراكات، فاتضحت للسالك الطرقات.

    وأما في مقام الفتوى فإنه يُبدي العجاب إذا أجاب، ويذكر القاصي والداني بالإمام الألباني، فالجواب حاضر، والتأصيل ظاهر، وعزْوُ الأقوال والمذاهب إلى أصحابها موفور، كأنه ينظر في قرطاس بين يديه مزبور.

    تحلَّى بالخلق الكريم، والسلوك القويم، فالتواضع شعاره، والزهد دِثاره، والعبادة شَمْلتُه، ونُصرة الحق لأْمَتُهُ، لا تحركه رياح الفتن، ولا يُهزُّه ما فيها من المحن، مُعرضٌ عن السُّفهاء، مُقبل على الحُلَماء، فحفظه الله من كيد الأعداء، ونصْبِ أهل الأهواء.

    وفي هذه الورقات بيانٌ لمواقِفَ من سيرة الشيخ وحياته تُبينُ عن صدقه وصلاحه - نحسبه والله حسيبه - وتُعربُ عن وفائنا له بنصيبٍ من واجبه علينا، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل:

    الموقف الأول: تذكيره للطُّلاب بالإخلاص والصِّدق

    إن مما يُؤسف له في تدريس العلوم الشرعية على الطريقة الأكاديمية - فضلا عن القصور والتقصير في توريث العِلْمِ الصحيح وتفهيمه للطُّلاب - أن أكثر مزاوليه يُغفِلون جانبا عظيما من جوانب التربية والتعليم، وهو تذكير الطُّلاب بحسن النية، وصدق الطويّة، وترسيخ عقيدة الإخلاص لله في نفوسهم، فتجد دارس علوم الشريعة يدخل فصْلاً يَتَلقَّى فيه برنامجا جافًّا يبتغي به نيل الشهادة، وتحصيل المنصب، وأما تذكيره بالله، وحسن النية في طلب العلم فشيء لا يكاد يُذكر. ([1])

    وإنَّ مما امتازت به مجالس شيخنا في الجامعة تذكيره للطلاب بهذا الجانب العظيم، فكان حفظه الله يحثُّنا على أن يكون تحصيلنا للعلم ابتغاء وجه الله، وأن نرفع به الجهل عن أنفسنا، ونصحِّح أعمالنا، وننفع الناس به إن احتاجوا إلينا، ومن ذلك أننا لما كنا في مرحلة (الماجستير) ذكّرنا بالله وبيّن لنا عِظم المسؤولية بتحمّل العلم، وحذّرنا مما يقع فيه طائفة من حملة الشهادات العليا من الغرور والتعالي على العامة، وتقصيرهم في الجلوس إليهم تعليما وتربيةً، وأن من أسباب بعدهم عن العامة أن في تحصيلهم قصورا ظاهرًا، فتجد الواحد منهم ألمَّ بتفاصيل بحثه الذي أعدَّ فيه رسالتَه، ولكنه غير ضابط لكثير من أمور الدين التي يحتاجها في يومه وليلته، فأمثال هؤلاء لا يستطيعون الجلوس للعوام خوفا على أنفسهم من أن يُفتضَحُوا، وتُعرَف حقيقة أمرهم، أنهم لم يحصلوا علما ينفع صاحبه عند الله ويُبصِّروا به الناس من حولهم، وإنما حصلوا شهادات يكون لهم بها حظوة عند الناس، وحظٌّ من الدنيا الدنيّة.

    الموقف الثاني: الملكة الفقهية وقوة الاستنباط

    تواتر عند العام والخاص أن الشيخ فقيه أصولي مُبرِّز، وأنَّ له منزلةً علِيَّة في مقام الاجتهاد والفتوى، وهذه فتاويه المدونة في موقعه - والتي يرقمها بيراعه وخطه الجميل، ثم يسلِّمها لموظفي الموقع كي ينشروها - خيرُ شاهد وأصدقُه، فلا تنظر في شيء منها إلا وقد ملئ فقها، وحُشِيَ علما وفهما، ودلَّ على تضلّع صاحبه، وأنه ريّان من علوم الشريعة ، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مُخْلِدِ إلى التقليد والتعصُّبِ المذهبي. ([2])

    وليس غريبا ولا عجيبا عندي أن تكون فتاوى الشيخ كذلك، ولكن أحببت أن أسجِّل في هذا الموضع واقعةً تدلُّ على سرعة بديهته، وقوّة قريحته في استحضار القواعد والتخريج عليها، وربط الفروع بأصولها، والجمع بين الأشباه والنظائر، وذلك أنِّي سألت الشيخ - في أيام الدراسات العليا - عن حكم التأمين على الدعاء المسجّل في الدروس والمحاضرات الصوتية أو المرئية، فقال لي: هذا سؤال لم يرِد عليَّ من قبلُ، ثم سكت هُنيَّةً، ثم قال: يمكن تخريجها على قاعدة ذكرها بعض الفقهاء، وهي قولهم: هل من شرط الشرط أن يتحقق حال وجود المشروط ؟ فإن قلنا هو من شرطه لم نؤمِّن، وإن قلنا ليس من شرطه صحَّ أن نؤمِّن عليه، ولم يُرجِّح حينها قولا منهما ([3])؛ إما لضيق المقام عن بسط الكلام، أو عن النظر في المسألة من جميع جوانبها. والله أعلم.

    الموقف الثالث: رجوعه إلى الحق الذي ظهر بدليله

    إن اتباع الحق والميلَ مع الدليل من أبرز سمات العلماء الربانيين، وأخصِّ صفات الصادقين من حملة الوحي المبين، واتصاف شيخنا بهذه الخصلة أشهر من أن يُذكر، وشواهده أكثر من أن تُحصر، ولكنَّ حقَّه علينا يُحتِّم إبرازَ هذا الجانب من سيرته العلمية، وسأكـتفي بمثـالين مما وقع لي مع الشيخ:

    الأول: وكان قبل حولٍ وبضعة أشهر يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر شعبان سنة أربعين وأربعمائة وألف الموافق للثالث من شهر مايو عام تسعة عشر وألفين إذْ أطلعني أخوَيَّ الكريمين عبد الصمد ورزق الله على فتوى للشيخ في الموقع ([4]) استِشْكالاً منهما لبعض ما ورد فيها، فلما قرأتها تبين لي صواب ما استشكلاه، وأن بكلام الشيخ نقصا لا يصح المعنى إلا باستدراكه، فقلت لهما أُراسِلُ الشيخ فهي زلة قلم لا نشكُّ فيها، فبعثْتُ برسالة للشيخ عن طريق شيخنا الفاضل أبي أيوب نجيب جلواح حفظهما الله، وبعد يومين راسلني الشيخ نجيب بأن شيخنا عدّل الفتوى وصوَّبها، وهو يشكرك على تنبيهك، فشكرتُ أخوَيَّ الكريمين على ما تنَبَّها إليه. جزاهما الله خيرا.

    والثاني: وكان بالتحديد في صيف عام (2007) في وليمة أحد إخواننا الطيبين في (بن شوبان) التابعة لمدينة (رويبة) بالجزائر العاصمة، فكان مما تكلمنا فيه - ونحن على مائدة الطعام ومعي أخي عبد الصمد ([5])- مسألةَ الاستئذان في الهاتف أيُعتبر كل اتصال بجميع دقّاته المتتابعة مرة واحدة، أو يكون بدقاته المتتابعة بمثابة الاستئذان ثلاثا ؟ فكان رأي الشيخ باختصار - إذِ المقام لا يليق فيه البسط - أن الدقات تستغرق عدد الاستئذان، فيكون اتصال واحد بمثابة ثلاث استئذانات.
    فراجعتُ الشيخ وقلتُ له مستفهما: إن الدقات ما هي إلا أجزاء يتحقق بها اتصال واحدٌ يُعادِل استئذانا، فمن كرر الاتصال ثلاثا يكون كمن استأذن ثلاثا، فاستحسن الشيخ ذلك. ([6])

    الموقف الرابع: سعة صدر الشيخ ورحابته

    إن من تمام حرص الشيخ على اتِّباع الحق والأخذ بالدليل الراجح، أنه يُقابل الاعتراضات والمناقشات التي تكون في مجالسه من طلاّبه بصدر رحب، ونفس منشرحة، يُبيِّن ما فيها مِن خلل، ويصوِّب ما هنالك من زلل، ويقبل ما يُبديه الطالب الشادي من الصواب، وهذا أمر يشهد به كل مَن جالس الشيخ من الطلاب الملازمين، أو الزائرين المستفتين.

    ومن المواقف التي حدَّثنا بها الشيخ: أنه في موسم الحج سنة خمس وعشرين وأربعمائة وألف كان معه بعض إخواننا، فتذاكروا ( مسألة: البقاء في الجزء الموجود بحدود عرفة من مسجد نمرة )، فقرر الشيخ أن مَن مكث بهذا الموضع ولم يدخل عرفة لا يعتبر ممن شهد عرفة، بناءً على قاعدة (التابع له حكم المتبوع)، فراجَعَه فيها بعض الحضور من إخواننا، وقال له: إن هذا القول لم يذهب إليه أحدٌ من العلماء المعاصرين !! يريد الاحتجاج بذلك على بُطلان ترجيح الشيخ.
    فأجابه الشيخ: بأن الشيخ ابن عثيمين يقول: إن مَن لم يجد مكانا بمنى فبات فيما يقرب منها، فإن له حكم من بات بمنى، ولا فرق بين المسألتين، وهذا تخريج فقهي بديع.
    وكان من ملاطفة الشيخ لهم أن قال وهو يبتسم: أنتم تريدون البقاء في هذا المكان المكيَّف، أعجبكم الجو البارد، أو كلامًا نحوه.

    الموقف الخامس: مداعبته لطُلاّبه وجُلسائه

    من أدب العلماء المُقتَبسِ مِن مشكاة النبوة أنهم يُدخِلون السرور على من جالسهم بالقول والفعل، ومن ذلك مداعبتُهم، وممازحتُهم بالحق؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ:« إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقّا. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا ». (رواه أحمد، ر: 8481، وهو في السلسلة الصحيحة، ر: 1726).
    ولشيخنا حظ وافر من هذا الأدب العالي، فهو يُتحِفُ جلساءه بالعلم، ويزيدهم طَرَفًا من الدُّعابة، فينصرفون ملأى وفاضُهم عُقَدًا ومُلَحًا، وسأكتفي بذكر واقعتين:

    إحداهما: أن رجلا مِن باعَةِ المجوهرات سأل الشيخ عن جُملةِ مسائلَ مما جرت به معاملاتهم في بيع الذهب والفضة وشرائهما بالدين، ومبادلة القديم بالجديد والجيد بالرديء مع بذلِ عِوَضٍ، وكان جواب الشيخ واضحا وصريحا في حرمة تلك المعاملات لاشتمالها على ربا البيوع بنوعيه، الفضلِ والنسيئةِ، وهذا أمر غالب على أهل هذه التجارة في بلادنا ولعله في أكثر البلدان، والله المستعان.
    ومن تمام حرص الشيخ على بلوغ رسالته إلى المستفتي أن سأله: هل فهمت الجواب جيدا؟ فقال مُتعتِعا: نعم، وهو يُحرِّك رأسه من غير شعور يمنة ويَسرة، فقال له الشيخ متبسما: إن الذي فهِم يقول هكذا - وحرّك رأسه قليلا يُشخِصه ويُصوِّبُه - وليس هكذا - وحرّك رأسه قليلا يمنة ويسرة - ثم ضحك ضحكا خفيفا كعادته.

    ثانيتهما: أننا خرجنا من وليمة العرس - التي مر ذكرها في الموقف الثاني - قاصدين المسجد لصلاة المغرب، فسأله أحد إخواننا عن حكم أكل لحم التِّمساح، فطأطأ الشيخ رأسه ينظرُ إليه - وكان في الأخ نوعُ قِصَرٍ والشيخ مربوع القامة - وقال له: إذا صِدتَّه فائت إليَّ لأفتيك، ثم ضحك حفظه الله تعالى.

    الموقف السادس: عبادة الشيخ وورعه

    إنَّ مِن سمات العلماء الربانيين حرصهم على لزوم التقوى، فهم أتبع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم وسلفِ هذه الأمَّة في أقوالهم وأفعالهم، وأشدُّهم امتثالا للمأمورات فرضِها ونفلِها، واجتناب المنهيات حرامِها ومكروهِها، مع الاجتهاد في ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس.
    ولقد رأيتُ - ورأى غيري - من ملازمة شيخنا للتقوى والمروءة، والاجتهاد في طلب المعالي ما رفع الله به قدره، نحسبه والله حسيبه ولا نُزكِّي على الله أحدا، وهو يوصي جلساءه دائما بسلوك هذا الطريق القويم والصراط المستقيم.

    وأما ورَعُ الشيخ فشيء متواتر عنه، تورَّع عن كثير من المناصب التي يجِدُّ بعض أدعياء العلم في طلبها، وتورَّع عن أموال الناس التي يلهث مُتمَشيِخة زماننا لنيلها، وهل يُفسد الدينَ إلا حرصُ المرء على الشرف والمال ؟!.

    إنَّ مِنَ المواقف التي بقيت في الذهن راسخة وهي علَم على ورع الشيخ أنه عوَّضنا مجلسا من المجالس في الجامعة كان قد غاب عنه لعذر، فدرّسنا الحصة المقرَّرة ثم أتْبَعَها بحصَّةٍ تعويضية، وأنهى الموضوع المقرَّر في الحصة التعويضية قبل تمام وقت المجلس (وهو ساعة ونصف)، فسمعته يحدِّث نفسه - وكنت أقرب الجُلساء إليه لا يفصلني عنه إلا مكتبُه - وهو يقول: أسجِّلها، أو لا ؟ ثم قال: لا.
    فقلت في نفسي: سبحان الله ! يدرِّسنا ويحقق المقصود من عقد المجلس بأداء رسالة التدريس، ومع ذلك يتورَّع عن تسجيل الحصة لئلا يأخذ عنها عوضا مالِيًّا، واستحضرت حينها موقفا آخرَ لي مع أحد الدكاترة الذين صدّعوا رؤوس العوام في برامج (الفتاوى على الهوا، وما فيها من الهوى)، وهو أنه شارف على الدخول إلى القسم فجاءه أحد خِلاّنه، فقال لنا: سجِّلوا أسماءكم في ورقة الحضور، ثم أخذها وانصرف على أنه قد درّس، فهذا هو الفرقان بين من تبوّأ مقاما يبتغي به وجه الله، ومَن تسلَّقه يطلب به حظوظ الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الموقف السابع: وفاء الشيخ بالوعد

    إنَّ مِن حرص العلماء على حفظ أوقاتهم التزامهم بالوعد ووفاءهم بالعهد، وهذا من تمام استقامتهم على أمر الله الذي قال في محكم التنزيل: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً[الإسراء: ٣٤].

    وقد كان الشيخ وما يزال مراعيا لهذا الأدب الإسلامي الرفيع، فإذا وعد وفّى، وإذا قال فعل، فكم مِن أخٍ حدّد له الشيخ موعدا، فإذا جاء وجد الشيخ ينتظره، أو اتَّصلَ عليه في الأجل الذي ضربه له، وكم مِن مستفت قال له الشيخ ائتني بعد الفجر أو العصر، فإذا استفتح المجلس، نادى عليه: أين فلان من منطقة كذا أو كذا.

    ومن تمام عنايته بهذا الأدب أنه يعتذر إذا عرض له عارض، ويذكرُ عذرَهُ لصاحبه، ومِن ذلك أني دعوت الشيخ لوليمة عرسي وكان عازما على المجيء هو والشيخ نجيب جلواح حفظهما الله، وإذا بالشيخ يتصل عليَّ قبل الوليمة بيوم، فقال لي: كانت عندي نية صادقة في المجيء، ولكنْ عندنا موعد مع الشيخ عبد الرزاق البدر ([7])، وقد ألحّوا عليّ لحضور المجلس فأعتذِرُ إليك، ومجيئي إليك دين عليَّ في العقيقة أو مناسبة أخرى، ثم دعا لي بالبركة جزاه الله خيرا.

    الموقف الثامن: إكرام الشيخ لطُلاّبه

    مِن حسن أدب العلماء إكرامهم لطلبة العلم بجميع أنواع الإحسان والإكرام الحسّيِّ والمعنوي، وهذا عملا منهم بوصية النبي في حفظ طلاب العلم والعناية بهم، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال:« مَرْحَبًا بوَصِيَّةِ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، كـانَ رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُوصِينَا بِكُمْ ». ( رواه الحـاكم، وهو في السلسلة الصحيحة، ر: 280).

    ولقد كان شيخنا حفظه الله يُكرم طلابه بما يتيسّر له من أوجه الإكرام، وأخصّ بالذكر منها ما لَه أثَرٌ في أخذ الأدب وتحمُّل العلم، وهو أن الشيخ كان يُقلُّ معه مَن يسبق إلى سيارته من الطلبة من الجامعة إلى حيِّه بالقبة القديمة، وكانت تلك الرحلة - التي تدوم ثُلثَ ساعة أو نصفَها وقد تزيد قليلا - مليئة بالأدب والعلم، فترى الشيخ فيها حريصا على وقته يُسدِي النُّصحَ تارة، ويُجيب على الأسئلة تارة أخرى، ويشتغل بسماع القرآن في أكثرها، وكان يُحِبُّ الاستماع إلى المنشاوي رحمه الله لما عُرِفَ عنه من التحقيق في التلاوة.

    ومن المواقف التي تركت في نفسي أثرا أنَّنِي كنت في يوم مع والدِي وبعضِ إخواننا مِن مدينتنا، وكـان يومَ جُمُعةٍ والشيخ إذ ذاك ليس له مجلس بعد العصر، فصلّينا العصر بـ ( مسجد الهداية) عـلى أنْ نُسلِّمَ على الشيخ وننصرف، فلما همَّ الشيخ بالخروج من المسجد همست في أذنه: أنَّ والدِي وبعضَ إخواننا يريدون لقاءه والسلامَ عليه، فقال لي: نعم، وظَنِّي أنْ يمكث الشيخ معنا دقائق معدودة عند طرف الشارع وفي ذلك كفاية حتى لا نحرج الشيخ ونأخذَ من وقته؛ ولكنَّه جزاه الله خيرا أكرمني بإكرامه لوالدي وإخواني، فقال للإخوة لما خرج من المسجد بعد أنِ اعتذر إليهم: إن لي موعدا، ثم أدخلنا حفظه الله إلى الموقع، ورحَّبَ بوالدي ومَن معي، وقال لنا: أتريدونه مجلس عِلم أو مجلس تزاور فحسب ؟ فأشار إليه بعض إخواننا أننا نريد الأمْرَينِ، فقال مُبتسِما: الجمع أولى من الترجيح وضحك ضحكا خفيفا، وأمر بإحضار الشاي والحلوى، ثم فسح المجال للأسئلة وعرَضَ عليه كلٌّ من إخواننا ما كان عنده من إشكالات مما لا يحتمل المقال ذكرَ ما بقي منها في الذهن، ودام المجلس نحو ساعة ثم انصرفنا وكلنا فرح وسرور بهذه الغنيمة، وذلكم الإكرام من شيخنا حفظه الله تعالى.

    الموقف التاسع: تربية الشيخ لطلابه على ضبطِ المسائل وحفظِ الدلائل والاستعدادِ لوِراثة العلم

    من علامات الصدق والإخلاص أن ترى العالم حريصا على توريث العلم للأجيال، فيذلِّل لهم الصِّعاب، ويرشدهم إلى الصواب، وينمي فيهم الملَكة العلمية، والدُّربة على التفقه بما يُؤهِّلهم ليكونوا خير خلف لخير سلف، فيفرح إذا نبغ من طُلابه ألمعي، ويتهلَّل إذا برّز منهم لوذَعي.
    ولشيخنا من هذا الخُلق القدح المعلّى، فهو شديد الاهتبال بطلاّبه لاسيما الذين يتفرّس فيهم النبوغ، دائم الوصية، ودائب التعهد، فإذا رأى منهم مُكنة حثَّهم على الرجوع إلى مناطقهم معلمين دعاة إلى الحق هداة للخلق.

    ومِن دلائل ذلك أن الشيخ كان - حفظه الله - يوجه إلى مَن وصفتُ مِن ُطلاَّبِهِ أسئلةً يمتحنهم بها تارة، ويعوِّدهم على ضبط المسائل وحفظ الدلائل تارة أخرى، وذلك في كثير من مجالسه، فإن أصاب الطالب أثنى عليه خيرا، وإن أخطأ صوّبه ووجّهه، وأفاد الحضور بما يليق
    بالمقام مِن مقالٍ.

    هذا؛ ومن تمام عناية الشيخ بالتربية أنّه يؤدِّب من يحتاج إلى التأديب من الطُّلاب أو من العامة كل بحسبه، وعلى قدر منزِلته، فتارة يزجر السائل الذي يقطع كلامه ويشوّش عليه، وتارة يُعرِض عن الجـواب، وكم حزَّ في نفوسنا فـواتُ جواب مفصّل، وسرد مؤصّل أعرَضَ الشيخ
    عن بسطـه لسوء أدب بدر من عجلان، والله المستعان.

    ومن درجات التأديب أن يهجُرَ ويأمُرَ بهجر الطالب، وقد رأينا ذلك من الشيخ مع بعض من تسلّقوا فُسطاط المشيخة من غير أبوابها ولا استئذان حُجّابها، وظنوا أنهم تزبّبوا ولمَّا يتحصرموا، وأرادوا أن يطيروا ولمّا يريِّشوا، فأدّبهم الشيخ بقطع العلائق، فمنهم من هدى الله، ومنهم من نكص على عقبيه، فعقَّ والدَه، وما ضرَّ المسكين إلا نفسه.

    ومما أدّبني به شيخنا - وكان ذلك في أولٍ عام لقيتُه - أنه كان أحيانا يجلس معنا في (مسجد الهداية) بعد صلاة الظُّهر لدقائق معدودة يُجيبُ عما عندنا من أسئلةٍ، فجلستُ متربِّعا وركبتيَّ قريبٌ مِن ركبتيه، فأجاب عن بعض الأسئلة، وكنت في كل مرّة أرفع يدي لأطرح سؤالي، والشيخ لا يأذن لي، ففكّرت في نفسي وقلت: لمَ هذا الإعراض مِنَ الشيخ ؟! ثم تنبهت أني كنت أعبثُ بطرَفِ قميصي والشيخ يُجيب، فعلِمتُ أني من نفسي أوتيت، فصِرت من ذلك اليوم في مجلس الشيخ كحَجَرٍ في زاوية، أو كأنما على رأسي الطير، فجزاه الله خيرا من مفيدٍ عِلما وأدَبًا.

    الموقف العاشر: ثبات الشيخ عند الفتن

    إن أعلمَ الناس بالفتن، وأعرفَهم بها قبل إقبالها، وأحلمَهم عند نزولها، وأحزمَهم في قطع دابرها هم العلماء الربانيون، الذين يَزِنون الأمور بميزان الشرع القويم والعقل السليم، لا بمكاييل العاطفة والهوى العقيم، فمن لزِم غرز هؤلاء الأئمة سلّمه الله من آثار الفتن وتبِعاتِها، ومَن تنكّب طريقهم ونكص على عقبيه، لفحته نارها وأحرقه أُورها، فإما مخدوش وإما مكدوس.

    ولقد كان شيخنا وما يزال - ثبّتنا الله وإياه - جبلا راسخا، وطودا شامخا، تنكسر على أرجائه وجنباتِه عواصف الفتن، وموجات المحن، غير مُبدِّل ولا مغيِّر.

    مرّت الدعوة السلفية في بلادنا بما تشيب له مفارِق الوِلدان، وشيخنا على النهج الأقوم، والطريق الأسلم في توقي الفتن، ولزوم جادة السلف، من فتنة الخوارج إلى فتنة الصعافقة، وما بينهما من صنوف الحدادية الغالية، أو المميِّعة الجافية، وهو في جميعها ينصح، ويُبيِّنُ الحق، ثم يُعرض عن كلام السفهاء، مردِّدا وصايا حُفظت عنه، هي لأهل الحق دواء نافع، ولأهل الباطل سمٌّ ناقع، كقوله لنا - حفظه الله - أيام فتنة فالحٍ الحربي غفر الله له: اشتغلوا بتحصيل العلم، ولا تلفتوا إلى كلام القوم فينا؛ فإنكم إذا ذهبت الفتنة ورَأوْكُم قد حصَّلتم عِلْمًا كثيرا، كان مثلُكم ومثلُهم كمَثَلِ بعض الجنود الذين قبعوا في الجبال ظَنًّا منهم أن المستدمِر لا يزال يتعقّبهم، حتى إذا مضت الأيام تفطّنوا لاستقلال بلادهم، ووجدوا أن الناس قد سبقتهم للممتلكات وكثير من الخيرات. ([8])

    فهذه عشرة مواقف استخلصتها من صُحبتي للشيخ سنين قليلة ([9])، ولم أُسجِّل منها شيئا بقلمي حينها؛ لأنَّ نحتها في الحافظة كان أبقى لها - عندي - من خطِّها بالقلم، والعملَ بما فيها من الدروس أدوم لبقائها من حفظها في الطُّروس.
    فاللهم اكتب لي بها الأجر وحُطَّ بها عني الوزر، واحشرني في زمرة المؤمنين مع النبيئين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
    كتبه أخوكم:
    أحمد بن محمد بوزيان

    بتاريخ: 23 المحرّم 1442
    الموافق لـ: 11 سبتمبر 2020



    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    ([1]) احذر أن تفهم من كلامي اتِّهام الناس في نياتهم، وسوءَ الظن بهم في مقاصدهم، ولكن هذا وصف للواقع، وبيان للحال. والله المستعان.
    ([2]) مقتبس من كلام الشاطبي في (الموافقات 1/ 124 - ط: دار ابن عفان).
    ([3]) جاء في (فتاوى اللجنة الدائمة 24/ 256) ما نصه:
    "س 5 : هل إذا سمعت شريطا صدر قبل سنة أو سنتين فيه شيخ يدعو ، هل أؤمن على دعائه ؟
    ج 5 : الدعاء والتأمين عليه عبادة، والمشروع هو التأمين على دعاء الداعي الحاضر، أما الدعاء المسجّل على الأشرطة فلا يُشرَع التأمين عليه؛ لأنه ليس هناك شخص يدعو له على الحقيقة ".
    ([4]) الفتوى رقم: 78 من فتاوى الصيام.
    ([5]) وكان معنا أحد (رجالات المجلة) الذي كان إذ ذاك لا يُسأل عن حكم مسألة عويصة - وأنا شهيد على ذلك - إلا قال بعظمة لسانه:(ارجعوا إلى الشيخ فركوس، حتى نوحد الكلمة، ونجمع الناس على فتوى الشيخ).
    ([6]) وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في (أدب الهاتف، ص: 10، 11) أن الاتصال بالهاتف لا يُحدُّ بعددٍ، وإنما يُلتزم فيه الاعتدال والوسط، بما يغلب على الظنِّ سماع مُنبِّه الهاتف.
    ([7]) وذلك في زيارة الشيخ عبد الرزاق الأولى إلى الجزائر، وكان الشيخ قد أتى إلينا بمدينتنا (مغنية) يوم الاثنين الثالث عشر من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وألف، الموافق للخامس والعشرين من شهر مارس عام ثلاثة عشر وألفين، فشرّفنا بزيارته، وأتحفنا بموعظتين خفيفتين جزاه الله خيرا.
    وكان مما قلته للشيخ عبد الرزاق قُبيل رحيله: وليمةُ عرسي بعد غدٍ، ويشرِّفني أن تحضر معنا، فقال لي: لولا أنّ لي موعدا وسفرا يوم الأربعاء لبقيت معكم، ولكنِ اعتبرْ غداءنا هذا بدءُ وليمتِك، ودعا لي بخير حفظه الله ورعاه.
    ([8]) التشبيه لحال مَن اشتغل بالفتن وكان مستشرفا لها، وما يفوته من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا فمن رَابَطَ في الثغور يحرس بلاد الإسلام من الخوَنة والأعداء، فهو في سبيل الله، وعلى خير عظيم لا تساويه الدنيا بحذافيرها.
    ([9]) كان أئمة السلف يلازمون شيوخهم عقودا من الزمن، ولا يعدّون أنفسهم شيئا، وأما في زماننا فيحضر الغِرُّ دورة علمية - إن حضرها بعقله وقلبه - أو يجلس عند شيخٍ أياما معدوداتٍ ثم يزعم - تزكية لنفسه - أنه من تلاميذ فلان، أو من الخاصة، بل من خاصة الخاصة على طريقة المتصوِّفة في ترقي الدرجات، نسأل الله السلامة والعافية.
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2020-09-15, 12:22 PM.

  • #2
    جزاك الله خيرا أخانا أحمد على هذا المقال الماتع، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل!
    وحفِظَ الله شيخَنا أبا عبدِ المُعِز وبارك فيه وزادَه توفيقا وثباتا على الحق وجميع المُخلِصين.

    تعليق


    • #3
      بارك الله فيك أخي أحمد على هذه الكلمات الطيبة والأسلوب الماتع في حق شيخنا الشيخ فركوس حفظه الله
      التعديل الأخير تم بواسطة أباعبدالواحد مهدي مستوري; الساعة 2020-09-15, 05:37 PM.

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا شيخ أحمد على ما خطه قلمك ، و أزيد شيئا و هو أن من ورع الشيخ حفظه الله في إحدى مجالسه الصباحية جاءه سائل يسأل عن بعض معاملاته و كانت مليئة بالمخالفات الشرعية ، و بعد تفصيل الشيخ في كل المخالفات قال ومع ذلك لا أستطيع أن أقول أن مالك حرام ، سبحان الله لو عُرضت تلك المخالفات على أحدنا لأفتى للسائل بحرمة ماله .

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيرا أخي أحمد على هذا المقال الطيب

          تعليق


          • #6
            متّع الله شيخنا وشيخ شيوخنا أبا عبد المعز ومتعنا به ونفعنا بعلمه وأدبه
            أحسن الله إليك أخانا المكرم

            تعليق


            • #7
              بارك الله فيك شيخ أحمد على ما أجدت به و أفدت
              ففضل شيخنا أبو عبد المعز حفظه الله و رسوخه في العلم معلوم عند العامة و الخاصة حتى الأعداء شهدوا له بذلك و لا ينكر ذلك إلا جاحد أو حاقد فأصبحنا مع الأسف نوضح الواضحات فنسأل الله السلامة والعافية و نعوذ به من الحور بعد الكور

              تعليق


              • #8
                وأنتم جميعا جزاكم الله خيرا، وجعلني وإياكم مفاتيح للخير مغاليق للشر.

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا

                  تعليق

                  الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
                  يعمل...
                  X