إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الأمانة العلمية المفقودة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الأمانة العلمية المفقودة

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأمانة العلمية المفقودة
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين و بعد:
    فإن من الأخلاقِ والخلالِ المحمودة التي رغَّب فيها الشرع الحنيف، وحثَّ المسلم على التَّحلي والتَّزيُّنِ بها: الأمانةُ والصدق، ويتأكَّدُ التجمُّل بهاتين الخصلتين في حق حملةِ العلمِ وناقِليه، من العلماء والدعاة وطلبة العلم، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله:« يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل والعمل والبلاغ، والأداء، فإن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة »([1]) .
    فالأمانة العلمية ينبغي أن تكون وصفًا لازمًا لحملةِ العلم وطُلَّابه، كيف و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:« يَحمِلُ هَذَا العِلمَ مِنْ كُلِّ خَلفٍ عُدولُه »([2]) .
    ومن لوازم العدالة الاتصاف بالأمانة العلمية، إذْ لا عدالة مع الخيانة والغش والتلبيس والسرقة .

    * من صور الأمانة العلمية *
    للأمانة العلمية صورٌ شتَّى، تجلَّت في منهج سلفنا الصالح، منها:
    * الأمانة في نقل المعلومات والفوائد العلمية، وذلك بإضافة الفائدة إلى مُفيدها، والقول إلى قائله، والعلم إلى صاحبه، وكانوا يَعُدُّون ذلك من بركة العلم، ومن أسباب الانتفاع به .
    كما قال ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الفذ " جامع بيان العلم وفضله " (2/ 89 ): « يقال: إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله » .
    و في " الجواهر والدرر " للسخاوي (1/ 120): قال: « صح عن سفيان الثوري أنه قال ما معناه: نسبة الفائدة إلى مُفيدها من الدقة في العلم وشكره، وأن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره ».
    وقال الإمام النووي رحمه الله في " بستان العارفين " ( ص 28 ): « ومن النصيحة: أن تضاف الفائدة التي تستغرب إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أوهم ذلك وأوهم فيما يأخذه من كلام غيره أنه له: فهو جدير أن لا ينتفع بعلمه، ولا يبارك له في حاله، و لم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائليها..» .
    * و تتجلَّى كذلك صُور الأمانة العلمية عند أئمتنا وعلمائنا، في جانب الردود العلمية ونقد المخالفين، حيث تجدهم يذكرون كلام المردود عليه بنصه ولفظه من غير نقصٍ ولا بترٍ، مع الإحالة إلى مصدره بالتدقيق، ثم بيان ما فيه من مخالفات بالأدلة الصحيحة الواضحة من غير تكلفٍ، ولا تحامل.
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« ومن أمانة العالم الناقد ومن الأدلة على صدق لهجته أن ينقل كلام من ينتقده بأمانة، ثم يناقشه بالأدلة والبراهين، ويدعم ذلك بأقوال الأئمة الجهابذة في إبطال كلام الشخص المنتقد ودحضه »([3]) .
    وقال العلامة ابن الوزير رحمه الله في كتابه " العواصم والقواصم " (1/236) « قاعدَة كبيرة؛ هي أساسُ المناظرة، وأصلُ المراسلة، وهي: إيرادُ كلام الخصْم بلفظه أوَّلاً، ثم التَّعَرُضُ لِنَقْضِه ثانياً، وهذا شيء لا يَغْفُلُ عنه أحدٌ من أهل الدِّرْيةِ بالعلوم، والخوض في الحقائق، والممارسة للدَّقائق، وإنما تختلِف مذاهبُ النُّقادِ في ذلك، ولهم فيه مذهبان:
    المذهب الأول: أن يُورِدَ كلامَ الخصْمِ بنَصِّه، ويتخلَّص من التُّهمة بتَغْييره وَنقصهِ، وهذا هو المذهبُ المرتضى عند أمراءِ الفنونِ النظريةِ، وأَئِمةِ الأساليبِ الجدَلية. ...
    المذهب الثاني: من مذاهب النُّقاد في نقضِ كلامِ الخُصُوم: أن يحكوا مذاهبَهم بالمعنى، وفي هذا المذهب شَوبٌ مِن الظلم، لأن الخصمَ قد اختار له لفظاً، وحرَّرَ لدَليلهِ عبارةً ارتضاها لبيان مقصدِهِ، وانتقاها لكيفيةِ استدلاله، وتراكيبُ الكلامِ متفاوتة، ومراتبُ الصِّيغ متباينة، والألفاظُ معاني المعاني، والتراكيبُ مراكيبُ المتناظرين، وما يرْضى المبارزُ لِلطِّرادِ بغير جواده، ولا يرضى الرافعُ للبناء بغيرِ أساسه، مع أن قطعَ الأعذارِ من أعظمِ مقاصدِ النُّظَار» .


    * تطبيقات عملية للأمانة العلمية عند العلماء *
    * لقد حرِص علماؤنا وسلفنا الصالح على التحلِّي بالأمانة العلمية عمليًّا وفي جميع الميادين، حتى حازوا بذلك قصب السبق، و كانوا في ذلك مضربًا للمثل، حيث تجلَّت الأمانة العلمية بكلِّ صُورها في علومهم وأعمالهم .
    فهذا السيوطي في كتابه " عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد " (1/11-12)، يقول في مقدمته: « قد أوردتُ جميع كلام أبي البقاء معزوًّا إليه، ليعُرف قدر ما زدتُه عليه، وتتبعتُ ما ذكره أئمةُ النحو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب للأحاديث، فأوردتُها بنصِّها معزُوَّة إلى قائلها، لأنَّ بركة العلم عزو الأقوال إلى قائلها، ولأنَّ ذلك من أداء الأمانة، وتجنُّب الخيانة، ومن أكبر أسباب الانتفاع بالتصنيف »انتهى .
    و قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " (ص40):« لا خفاء أن من المدارك المهمة في باب التصنيف، عزو الفوائد والمسائل والنكت إلى أربابها تبرُّؤًا من انتحال ما ليس له، وترفُّعًا عن أن يكون كلابس ثوبي زور؛ لهذا ترى جميع مسائل هذا الكتاب معزُوَّة إلى أصحابها بحروفها وهذه قاعدتنا فيما جمعناه ونجمعه.
    وقد اتفق أني رأيت في "المزهر" للسيوطي هذا الملحظ حيث قال في ترجمة "ذكر من سئل عن شيء فلم يعرفه فسأل من هو أعلم منه" ما نصه: ومن بركة العلم وشكره، عزوه إلى قائله؛ قاله الحافظ أو طاهر السلفي: « سمعت أبا الحسن الصيرفي، يقول: سمعت أبا عبد الله الصوري يقول: قال لي عبد الغني بن سعيد: « لما وصل كتابي إلى أبي عبد الله الحاكم، أجابني بالشكر عليه، وذكر أنه أملاه على الناس، وضمن كتابه إلى الاعتراف بالفائدة وأنه لا يذكرها إلا عني ».
    وأن أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم، قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد يقول: « من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علم، حتى أفادني فلان فيه كذا وكذا، فهذا شكر العلم.
    قال السيوطي: « ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفًا إلا معزوًّا إلى قائله من العلماء مُبيِّنًا كتابه الذي ذكره فيه »انتهى .
    * الإخلال بالأمانة العلمية *
    إن الإخلال بالأمانة العلمية لدى حملة العلم ونقَلتِه وعدم التَّحلِّي بها أمرٌ قبيحٌ، وخُلقٌ مُستهجنٌ مشين، و قد اشتهر به قديمًا جماعة من مُنتحلي علم الحديث، فكانوا يأخذون أحاديث غيرهم و يضعون لها أسانيد مختلقة من عند أنفسهم، لقصد الإغراب، ترغيبًا في حملها، فأنكر عليهم الأئمة هذا الصنيع المخزي المنافي للأمانة العلمية، وضعَّفوهم به و وسَمُوهم بِسَرَقَة الحديث، وألحقوهم بالوضَّاعين، والمتهمين بالكذب .
    وقد ابتلي عصرنا هذا بوُرَّاثٍ لهذا النمط من سُرَّاق الحديث، لكن مع شيء من التطوير لهذه الصناعة القديمة البالية، وبجرأةٍ أقوى، ووقاحةٍ أشد، حيث إنك تجد الواحد منهم بِلا حياءٍ من الله ولا من عباده، ينسبُ إلى نفسه علومَ غيره وأعمالهم، وجهودهم واجتهاداتهم، تعالمًا منه، وتشبُّعًا بما لم يُعط، و اتِّزارًا بثوب الزُّور .
    وقد تفشَّى هذا الصنيع جدًّا في أوساط المتعالمين المفلسين، الذين ماتت ضمائرهم، و قسم حبُّ الظهور ظهورهم، سواء في الجامعات، بسرقة البحوث والرسائل الجامعية، وتقديمها للمناقشة على أنها نتاجُ جهدِ السَّارق، أو في الشبكات و المنتديات و كذا المجلَّات، وذلك بسرقة المقالات منها، ونشرها بأسماء لصوص العلم في مواطن أخرى .
    * دافع الإخلال بالأمانة العلمية **
    للإخلال بالأمانة العلمية أو بالأحرى نقول: للسرقة العلمية عدد من الدَّوافع الباطلة لدى أصحابها، ويجمعُ هذه الدوافع كلَّها:
    التَّعالم وحبُّ الظهور، والبحث عن الرفعة والسؤدد .
    ومن هذا الوجه شابه هؤلاء السُّرَّاق إخوانهم مِمَّن طلب العلم لأجل الدنيا و نَيْلِ الْأَغْرَاضِ، وَأَخْذِ الْأَعْوَاضِ عَلَيْهِ، فيا خَيْبة هؤلاء .
    قال الخطيب البغدادي في كتابه" اقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ(1/64): « [ بَابُ ذَمِّ طَلَبِ الْعِلْمِ لِلْمُبَاهَاةِ بِهِ ، وَللْمُمَارَاةِ فِيهِ وَنَيْلِ الْأَغْرَاضِ ، وَأَخْذِ الْأَعْوَاضِ عَلَيْهِ ]، ثم ساق بإسناده إلى حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَلَهُ مِنْ عِلْمِهِ النَّارُ »([4]) .
    و قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« طالب العلم يجب أن يطلب العلم لله، ويقرأ القرآن لله، لا ليسود، ولا ليرتفع، ولا ليشار إليه بالبنان، وكذلك يقرأ سنة رسول الله وعلومها لا لأجل هذا، فإن طلبها لهذه الأغراض هو الهلاك والعياذ بالله، ولكن يطلبها لوجه الله تبارك وتعالى، أما السؤدد فيحصل ثمرةً من ثمار هذا الإقبال على العلم النبوي وعلى الوحيين »([5]).
    * وليعلم هؤلاء اللُّصوص اللَّاهِثين وراء السؤدد، المتشوِّفين للشهرة و الظهور بسرقاتهم العلمية، أن الرفعة بيد الله، يرفع من يشاء ويضع من يشاء، وأن العبد بلا إخلاصٍ لله لن يصل إلى شيء، ولن يحصل على شيء، قال تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26] .
    وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾، فالله عز وجل هو الذي يرفع المؤمنين بإيمانهم، والذين أوتوا العلم بعلمهم، وقد يُؤتَى الإنسان العلمَ الذي هو سببٌ للرفعة كما في هذه الآية، ولا يرفعه الله، فالأمر لله من قبلُ، ومن بعد، والسبب وحده لا يكفي، بل قد يُؤتى الإنسان العلمَ الذي هو من أعظم أسباب الرفعة، ثم يَضَعُه الله تعالى، إذا أراد به غير وجهه الكريم، فيعامله الله تعالى بنقيض قصده، كما قال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾[الأعراف: 176] .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية: « فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ وَقَصْدِ مَرْضَاةِ اللَّهِ.
    فَإِنَّ هَذَا كَانَ مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذَا شَاءَ بِمَا آتَاهُ مِنْ الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ بِهِ رَأْسًا، فَإِنَّ الْخَافِضَ الرَّافِعَ سُبْحَانَهُ خَفَضَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ »([6]) .
    و قديمًا قيل: « ما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل»، وقيل:« ما كان لله بَقِي »، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " الفتاوى " (3/124):« ما لا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم » .
    ومن تتبع أخبار سَرَقة العلم وما حصل لهم من الفضائح المخزية، وما آلت إليه أحوالهم تيقَّن صدق هذه الأخبار، وسأل الله تعالى السلامة، و حمد الله تعالى على العافية .
    * حكم الإخلال بالأمانة العلمية *
    لا يجوز للمسلم أن يُخِلَّ بالأمانة العلمية فينسب لنفسه من العلوم ما ليس من كدِّه ، فإن فعل ذلك في كتاباته استحق لقب « السَّرَّاق » بدَل لقب « المؤلف »، أو « الكاتب »، والسرقة في الإسلام محرَّمة و هي من كبائر الذنوب والآثام، ومن هنا قدح أئمة الإسلام في عدالة سَرَقة الحديث، ولم يقبلوا أحاديثهم، وقد جعل الإمام السخاوي في "فتح المغيث"(2/124) في ترتيب ألفاظ الجرح، سرقة الحديث في المرتبة الرابعة، وهي طبقة المتروكين و المتهمين بالكذب والوضع، ممن لا تقبل أحاديثهم حتى في الشواهد والمتابعات .
    قال الإمام الذهبي في " الميزان "(1/521):«لحسن بن محمد بن يحي العلوي روى بِقلَّة حياء عن الدَّبري عن عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ كالشمس:« عليٌّ خير البشر» .
    وقال عنه كما في " ذيل ديوان الضعفاء "(ص29): « اتهمته، لأنه روى بإسناد الصحيحين: « عليٌّ خَيرُ البَشَر ».
    فسارق الحديث متهمٌ بالكذب عند الأئمة، وهكذا يقال في سَرَقة العلم، أنهم متهمون بالكذب، كيف لا؟ وهم يتشبَّعون بما لم يُعطَوا؟ و ينسبون لأنفسهم ما ليس لهم؟
    سُئل العلامة الألباني رحمه الله: ما حكم من يسرق مؤلفات غيره ويضيفها لنفسه ؟
    فكان من ضمن جوابه أن قال: من السَّرقة المحرَّمة هو ما جاء في السؤال من أن يأخذ المسلم علم غيره ثم ينسبه لنفسه، وحسبه في ذلك وعيدًا قوله صلى الله عليه وسلم: « المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور »...من أجل هذا وذاك لا يجوز للمسلم أن يأخذ العلم من كتاب وأن ينسبه إليه ، هذا ولو كان بحثًا أو تحقيقًا ، فكيف بنا إذا كان كتابًا يأخذه برُمَّته ثم ينسبه لنفسه، ...لهذا يحرم أن يسرق المسلم كتابًا ليس له ثم يعزوه لنفسه »([7]) .
    * ما ينجرُّ عن الإخلال بالأمانة العلمية *
    الإخلال بالأمانة العلمية، يوقع سَرَقة العلم في عدد من الرَّزايا والبلايا والموبقات، منها:
    أوَّلًا: أنهم ممن لهم نصيبٌ من الوعيد الوارد في قول الله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188]. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: « يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله إلا قلة.. »([8]) .
    قال القرطبي في شرح هذا الحديث الذي أورده ابن كثير رحمه الله كما في " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم "(2/78): « وقوله : وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً ، يعنى - والله أعلم - : « أَنَّ مَنْ تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال، وتعاطاه، وادَّعَاهُ لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يَحْصُلْ له مِنْ ذلك إلاَّ نقيضُ مقصودِهِ، وهو النقص .
    فإنْ كان المُدَّعَى مالاً، لم يبارَكْ له فيه، أو علمًا، أظهَرَ اللهُ تعالى جَهْلَهُ، فاحتقَرَهُ الناس، وقَلَّ مقدارُهُ عندهم »انتهى .
    ولا شك أ ن سارق العلم من أوَّل من يصدق فيه معنى الآية الذي ذكره ابن كثير، وكذا مدلول الحديث الذي ذكره القرطبي .
    إذ هو مُدَّعٍ ومتعاطٍ لما ليس له كذبًا وزورًا، ومتشبِّعٌ بما لم يُعط، مع قصد التَّكثُّر و التعالم، ومحبة مدح الناس له بما ليس فيه، وبما لم يفعله، فيكون مصيره إلى القلَّة والفضيحة، والنقص، معاملةً له بنقيض قصده الفاسد، حيث فسدت وسيلته وغايته .
    ثانيًا: و مما ينجرُّ عن الإخلال بالأمانة العلمية، وقوع صاحبها في الكذب والغش والخداع، والرِّياء، والشهادة بالزُّور لنفسه، وكلُّ هذه الخصال تعدُّ من كبائر الذُّنوب والموبقات .
    قال صلى الله عليه وسلم: « المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور »([9]).
    قال النووي في " شرح مسلم "(7/245) :« قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ الْمُتَكَثِّر بِمَا لَيْسَ عِنْده بِأَنْ يَظْهَر أَنَّ عِنْده مَا لَيْسَ عِنْده ، يَتَكَثَّر بِذَلِكَ عِنْد النَّاس ، وَيَتَزَيَّن بِالْبَاطِلِ فَهُوَ مَذْمُوم كَمَا يُذَمّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْ زُور.
    قَالَ أَبُو عُبَيْد وَآخَرُونَ: هُوَ الَّذِي يَلْبَس ثِيَاب أَهْل الزُّهْد وَالْعِبَادَة وَالْوَرَع ، وَمَقْصُوده أَنْ يَظْهَر لِلنَّاسِ أَنَّهُ مُتَّصِف بِتِلْكَ الصِّفَة ، وَيَظْهَر مِنْ التَّخَشُّع وَالزُّهْد أَكْثَر مِمَّا فِي قَلْبه ، فَهَذِهِ ثِيَاب زُور وَرِيَاء »انتهى .
    ثالثًا: الإخلال بالأمانة العلمية من التحايل المحرَّم، قال الإمام ابن القيم في سياق ذكره للحيل المحرَّمة كما في " إعلام الموقعين"(3/25) : « وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ وَالسُّرَّاقِ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَهُمْ أَنْوَاعٌ لَا تُحْصَى؛ فَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَيْدِيهِمْ، وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَقْلَامِهِمْ، وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِأَمَانَتِهِمْ، وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الدِّينِ وَالْفَقْرِ وَالصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ، وَمِنْهُمْ السُّرَّاقُ بِمَكْرِهِمْ وَخِدَاعِهِمْ وَغِشِّهِمْ ».
    رابعًا: الإخلال بالأمانة العلمية فيه اعتداءٌ على حق المسلم و هضمٌ لحقِّه، والاعتداء على حقوق المسلمين بأيِّ نوعٍ كان؛ محرَّمٌ وممنوع..، إلى غير ذلك من المفاسد والقبائح التي تنجرُّ عن الإخلال بالأمانة العلمية .
    وأخيرًا أوصي نفسي وإخواني ممن يكتب وينقل المواد العلمية، أوصيهم جميعًا بالإخلاص لله، و التحلِّي بالأمانة العلمية، وذلك بعزو الفوائد والعلوم إلى أهلها، اعترافًا لأهل الفضل بفضلهم، كما أوصيهم ونفسي بالبعد عن التعالم، والتكثُّر بمجهودات الغير، و التشبع بما لم يُعط الإنسان، فإن طريق من كان هذا حاله قصيرة جدًّا، وقديمًا قيل:
    و كل من يدَّعي بما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان
    وقيل: سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار
    ويوم الامتحان يُكرم المرء أو يُهان، هذا آخر المُراد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


    ([1]) "حلية طالب العلم " (ص149) بشرح العلامة العثيمين رحمه الله .

    ([2]) أخرجه أحمد في "المسند" (2 / 159 و202) والترمذي (2669) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (2 / 40)، وغيرهم، و صححه العلامة الألباني في " المشكاة "برقم(249) .

    ([3]) "مجموعة كتب ورسائل الشيخ ربيع"(10/236) .

    ([4]) الحديث: حسنه العلامة الألباني رحمه الله في "صحيح الترهيب و الترغيب"(1/26)].

    ([5]) انظر: "المجموع الرائق من الوصايا و الزهديات والرقائق" (ص:307) .

    ([6]) " إعلام الموقعين " (1/129) .

    ([7]) مفرغ من شريط سمعي برقم (16) ضمن سلسلة الهدى والنور .

    ([8]) أخرجه البخاري (6047)، ومسلم(110) عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.

    ([9]) أخرجه البخاري (5219)، ومسلم (2130) عن أسماء رضي الله عنها .





    التعديل الأخير تم بواسطة ضيف; الساعة 2015-07-27, 10:16 AM.

  • #2
    بارك الله فيك أخي إبراهيم على هذا الجمع الطيب لهذه المسألة التي أهملها الكثير وفرطوا فيها، حتى وُجد من يعمد إلى رسالة علمية برمتها فينسبها إليه لينال بها الشهادة، أو يعمد إلى خطبة أو محاضرة ينقلها بكاملها بألفاظها وفواصلها من غير نسبتها إلى قائلها، والسُّكوت هنا إقرار وادِّعاء، ولافرق في هذا بين التأليف والوعظ والتدريس لأن الكل في حكم التشبع بما لم يُعط.
    والواجب على كل مسلم أن يكون كما هو من غير تكلُّف ولا تصنُّع، وذلك هو الأتقى والأزكى.

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا
      قال الأوزاعي: (مازال هذا العلم عزيزاً يتلقاه الرجال، حتى وقع في الصحف، فحمله أو دخل فيه غير أهله) أخرجه الدارمي برقم 467.
      التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله حيدوش; الساعة 2014-12-04, 11:42 AM.

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرًا أخي الفاضل إبراهيم على مقالك المنير درب طالب العلم، فلنعم ما كتبت، ولنعم ما أوصيت به، فنسأل الله أن يرزقنا العلم النَّافع ويوفقنا للعمل به.

        تعليق


        • #5
          بعض الناس ممن في قلبه مرض
          لا يحب موضوعا

          كهذا
          ............
          ما احوجنا الى هذه المواضيع القلبية
          جزاكم الله خيرا
          وبارك

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيرا فقد أجدت وأفدت

            تعليق


            • #7
              بارك الله فيك , و لعلّ من صور الأمانة العلمية المشرقة ما أورده السيوطي في كتابه "الفارق بين المصنف و السارق" عن الإمام المزني رحمه الله .
              قال السيوطي في كتابه (الفارق بين المصنف و السارق) ص (35) حاكيا ورع الإمام المزني -رحمه الله- قائلاً:حيث قال – يعني المزني- في أول "مختصره" : ...الّذي كساه الله لإجلاله نورا ,وزاده في الآفاق سموا و ظهوراً.
              كتاب الطاهرة : قال الشافعي : قال الله تعالى {وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
              قال السيوطي معلّقا : [أفما كان المزني رأى هذه الآية في المصحف فينقلها منه بدون عزوها إلى إمامه ؟
              قال العلماء : إنّما صنع ذلك لأنّ الافتتاح بها من نظام الشّافعي لا من نظامه.]انتهى

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا أخي إبراهيم
                صدقت والله بقولك : وليعلم هؤلاء اللُّصوص اللَّاهِثين وراء السؤدد، المتشوِّفين للشهرة و الظهور بسرقاتهم العلمية، أن الرفعة بيد الله، يرفع من يشاء ويضع من يشاء، وأن العبد بلا إخلاصٍ لله لن يصل إلى شيء، ولن يحصل على شيء

                تعليق


                • #9
                  أحسن الله اليك ياشيخ على مواضيعك الموفقة

                  تعليق


                  • #10
                    وأنتم جميعا جزاكم الله خيرًا إخواني الأفاضل على تفاعلكم،و أنت أخي عبد الحميد، جمَّلنا الله وإياكم بالأمانة والصدق و زادنا وإياكم هدًى وتوفيقًا، ، وأخص بالشكر شيخنا الكبير العزيز لزهر سنيقرة حفظه الله على مروره الطيب، وتعليقه الحسن، متعنا الله بعمره وجعله الله شوكة في حلوق الحزبيين المبتدعة، وأطال في عمره على العمل الصالح .

                    تعليق


                    • #11
                      جمَّلنا الله وإياكم بالأمانة والصدق و زادنا وإياكم هدًى وتوفيقًا
                      بارك الله فيك أخي و جزاك خيرا
                      صدقا استفدنا بموضوعك الذي أعتبره دواءا و كيا لمن أصيب بهذا المرض في قلبه
                      و وقاية للقلب الذي لم يمرض بهذا المرض
                      فغالبا ما يكون طعم الدواء النافع مرا
                      و فقك الله و أعانك على ان تقدم لنا المزيد من الفوائد
                      - الأدوية الشافية لمختف أمراض القلوب بإذن الله و الواقية منها -
                      مراعين في ذلك حب المريض لأخذه بالتلطف والرفق واللين
                      كما هو الحال في موضوعك الحالي
                      شكرا أخي

                      تعليق


                      • #12
                        جزاك الله خير على هذا المقال المفيد و التذكير السديد
                        بوركت أخي إبراهيم

                        تعليق


                        • #13
                          يرفع لمسيس الحاجة اليه

                          بارك الله في الشيخ ابي بسطام حفظه الله ورعاه وزاده من فضله وانعم الله علينا بالصدق والامانة وجنبنا طرق اهل الغواية والضلال

                          تعليق


                          • #14
                            بارك الله في شيخنا الفاضل ونفع به العباد والبلاد
                            حقيقة موضوع مهم وحساس لكثرته في زماننا هذا

                            تعليق


                            • #15
                              موضوع قيم في بابه بارك الله فيك وجزاك الله خيرا على ما تمد به إخوانك من فوائد جليلة

                              تعليق

                              الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                              يعمل...
                              X