105- قال ابن القيم رحمه الله في: "نقد المنقول والمحك المميز بين المقبول والمردود" رقم: 86 "وحديث يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر الحديث المفترى الطويل.
سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان.
وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء فقال: كيف يكون هذا وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. وسئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة فقالوا ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ))[الأنبياء: 34].
وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله فقال:لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يوم بدر: "اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهمفأين كان الخضر حينئذ.
106- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة": 304/1 "العامل بلا علم كالسَّائر بلا دليل، ومعلوم أنَّ عطب مثل هذا أقرب من سلامته وإن قدر سلامته اتفاقا نادرا فهو غير محمود بل مذموم عند العقلاء.
وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: من فارق الدَّليل ضَلَّ السَّبيل ولا دليل إلاَّ بما جاء به الرَّسول؛قال الحسن: العامل على غير علم كالسَّالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم، فإنَّ قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتَّى خرجوا بأسيافهم على أمَّة محمد صلى الله عليه و سلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا، والفرق بين هذا وبين ما قبله: أنَّ العلم مرتبته في الوجه الأول مرتبة المطاع المتبوع المقتدى به المتبع حكمه المطاع أمره ومرتبته فيه في هذا الوجه مرتبة الدَّليل المُرشد إلى المطلوب الموصل إلى الغاية".
107- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة": 233/2 "وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون زاد مسلم وحده ولا يرقون فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الزيادة وهم من الراوى لم يقل النبي صلى الله عليه و سلم ولا يرقونلأن الراقي محسن إلى أخيهوقد قال النبي صلى الله عليه و سلم وقد سئل عن الرقي فقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وقال لا بأس بالرقي مالم يكن شركا والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مسقط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع".
108- وقال ابن القيم رحمه الله في: " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" ص 283- 284-285 "في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال. قال تعالى:((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ))وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" ثم قرأ أبو هريرة:((فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))وفي لفظ آخر: "ما من مولود إلا يولد على هذه الملة" وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي في معنى الفطرة: "ها هنا روايتان عن أحمد أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ))فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول قال: وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى:((فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))أي مبتدئها وإذ كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلا لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم" قال وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ابن بطة في الإبانة قال وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين قال وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل وفي رواية الميموني فقال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها" قال والرواية الثانية: "الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله فقال هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل جبيل عنه قال الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمه".
قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية أحمد:"لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليهاوهي الدينوقال في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديث"وقوله في موضع آخر: "يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادةلأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه ولهذا قالوا لمالك بن أنس أن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره وهو قول الله أعلم بما كانوا عاملينفبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون أن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر باختياره ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح "أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" فقوله طبع يوم طبع أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد ولا في حال ولادته فإنه مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه احمد وغيره قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين قال أوليس خياركم أولاد المشركين ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه" فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين وقد ظن بعضهم أن معنى قوله أو ليس خياركم أولاد المشركين أنه قد يكون في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم أن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي".
109- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" 78/1: " ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء بإياك نعبد ودواء الكبر بإياك نستعين.
وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء وإياك نستعين تدفع الكبرياء.
فإذا عوفى من مرض الرياء بإياك نعبد ومن مرض الكبرياء والعجب بإياك نستعين ومن مرض الضلال والجهل باهدنا الصراط المستقيم عوفى من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.
وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض".
سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان.
وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء فقال: كيف يكون هذا وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. وسئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة فقالوا ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ))[الأنبياء: 34].
وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله فقال:لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يوم بدر: "اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهمفأين كان الخضر حينئذ.
106- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة": 304/1 "العامل بلا علم كالسَّائر بلا دليل، ومعلوم أنَّ عطب مثل هذا أقرب من سلامته وإن قدر سلامته اتفاقا نادرا فهو غير محمود بل مذموم عند العقلاء.
وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: من فارق الدَّليل ضَلَّ السَّبيل ولا دليل إلاَّ بما جاء به الرَّسول؛قال الحسن: العامل على غير علم كالسَّالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم، فإنَّ قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتَّى خرجوا بأسيافهم على أمَّة محمد صلى الله عليه و سلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا، والفرق بين هذا وبين ما قبله: أنَّ العلم مرتبته في الوجه الأول مرتبة المطاع المتبوع المقتدى به المتبع حكمه المطاع أمره ومرتبته فيه في هذا الوجه مرتبة الدَّليل المُرشد إلى المطلوب الموصل إلى الغاية".
107- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة": 233/2 "وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون زاد مسلم وحده ولا يرقون فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الزيادة وهم من الراوى لم يقل النبي صلى الله عليه و سلم ولا يرقونلأن الراقي محسن إلى أخيهوقد قال النبي صلى الله عليه و سلم وقد سئل عن الرقي فقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وقال لا بأس بالرقي مالم يكن شركا والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مسقط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع".
108- وقال ابن القيم رحمه الله في: " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" ص 283- 284-285 "في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال. قال تعالى:((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ))وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" ثم قرأ أبو هريرة:((فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))وفي لفظ آخر: "ما من مولود إلا يولد على هذه الملة" وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي في معنى الفطرة: "ها هنا روايتان عن أحمد أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ))فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول قال: وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى:((فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))أي مبتدئها وإذ كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلا لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم" قال وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ابن بطة في الإبانة قال وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين قال وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل وفي رواية الميموني فقال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها" قال والرواية الثانية: "الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله فقال هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل جبيل عنه قال الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمه".
قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية أحمد:"لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليهاوهي الدينوقال في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديث"وقوله في موضع آخر: "يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادةلأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه ولهذا قالوا لمالك بن أنس أن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره وهو قول الله أعلم بما كانوا عاملينفبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون أن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر باختياره ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح "أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" فقوله طبع يوم طبع أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد ولا في حال ولادته فإنه مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه احمد وغيره قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين قال أوليس خياركم أولاد المشركين ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه" فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين وقد ظن بعضهم أن معنى قوله أو ليس خياركم أولاد المشركين أنه قد يكون في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم أن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي".
109- وقال ابن القيم رحمه الله في: "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" 78/1: " ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء بإياك نعبد ودواء الكبر بإياك نستعين.
وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء وإياك نستعين تدفع الكبرياء.
فإذا عوفى من مرض الرياء بإياك نعبد ومن مرض الكبرياء والعجب بإياك نستعين ومن مرض الضلال والجهل باهدنا الصراط المستقيم عوفى من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.
وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض".
يتبع إن شاء الله تعالى...
تعليق