إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لا تكونوا أبواقا للفتن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لا تكونوا أبواقا للفتن

    لا تكونوا أبواقا للفتن



    الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:
    فإن الله تبارك و تعالى يبتلي عباده بما يشاء من الابتلاءات ليختبرهم و يمتحنهم ليبين من يفتتن عند الفتن و من ينجو منها ، و لو تأملت معناها اللغوي لأدركت ذلك ، قال الأزهري في ( تهذيب اللغة ) تحت مادة ( فتن) : ( جماع معنى الفتنة في كلام العرب الإبتلاء و الإمتحان ، و أصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة و الذهب إذا أذبتهما بالنار لتمييز الرديء من الجيد ، و من هذا قوله عز وجل : ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ )[ الذاريات :13] ، أي يحرقون بالنار )، قال سبحانه و تعالى في كتابه العزيز : (الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )[العنكبوت : 1- 2 - 3] ، قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره : ( يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن "وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
    ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
    والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها).
    وقد بيَّن سبحانه و تعالى في كتابه المبين أنَّ هذه الفتن في الحقيقة خير للمؤمنين لأنها تُظهر المؤمن الثابت على إيمانه من غير الثابت ، أي المتزعزع فيه ، و من منهم يتعامل مع الفتن معاملة شرعية ومن منهم يتعامل معها معاملة رأي و هوى ، و مصداقه في قوله : (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )[الأنفال :37] .
    إذا فشأن الفتنة عظيم و عاقبتها وخيمة فما عسانا إلا أن ندعو الله أن يثبتنا عند الفتن و أن يرزقنا الصبر و أن يجعلنا ممن لا يروجون لها كما يفعل اليوم السفهاء و الدهماء من الغوغاء ، فالإمساك عنها و عدم إشعالها واجب كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله : '' و الإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب احترامها فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك و لا تعن على الفتنة بيد و لا لسان ، و لكن اكفف لسانك و يدك و هواك و الله المعين ''[1].
    وإنه لمن المخزي جدا تتبع أخبار الفتن ، لأنها تعد أول طريق و أول ممهد للولوج في غيابات الفتن المظلمة ، و يعد الإعلام من أخطر الوسائل التي تؤثر على الناس ، و خاصة إذا كانت تبث الفتن و تزينها للمشاهد و تصورها له على أنها جهاد في سبيل الله ، و خاصة أن من يقوم ببث هذه الفتن لا يعرف حلالا و لا حراما و لا يُعرف بالعدالة أصلا مع أنهم من بني جلدتنا فكيف إذا كانوا كفارا من يهودٍ و نصارى؟ ! لهذا كان من الخطورة أن يقوم الناس كبارا و صغارا بتتبع الأخبار السياسية المبثوثة على قناة الخنزيرة الصهيونية التي جعلتهم يتخبطون في الفتن حتى ماجت بهم كما تموج أمواج البحر ، بل جعلتهم يصدقون الغرب الكافر و ينبهرون به أشد الإنبهار و لهذا أذكرهم بقول الله : (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [الحجرات:6]،و هذه الآية في شأن مسلم ، فكيف بخبر كافرٍ منافقٍ ؟ فهم لا يريدون إلا الفتنة لنا و صدق عزوجل حين قال فيهم : (يبغونكم الفتنة وفيكم سـَمَّاعون لهم )[التوبة:47].
    فليحذر الذين يخالفون أمر الله و ليكفوا عن تتبع السياسة ليلا نهارا و ليهتموا بأمر دينهم ذلكم خير لهم .
    و لا تهتم لمن قال من لم يهتم بأمر المسلمين فهو ليس منهم فهو حديث ضعيف و قد روجت له طائفة لا تخفى على ذي لب ، و قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة تحت رقم (310) و قال حديث ضعيف جدا و أخرجه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 29 / 1 / 466 / 2 ) من طريق يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي عثمان النهدي عن أبي ذر مرفوعا ، وقال : تفرد به يزيد بن ربيعة ، أورده السيوطي في " اللآليء " ( 2/ 317)وسكت عليه .
    وأما الهيثمي فقال في " مجمع الزوائد " ( 10 / 248 ) : رواه الطبراني ، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك ، وأشار المنذري ( 3 / 9)إلى تضعيفه .
    هذا و مع ضعف الحديث سندا فإنه مختل متنا إذ كيف يكون ليس من المسلمين من لم يتكلم في الفتن و الرسول عليه الصلاة و السلام أمرنا بلزوم بيوتنا فعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي – عليه السلام– قال :'' كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ؛ مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا فكانوا هكذا - ؟ ! وشبك بين أصابعه – قال : فبم تأمرني ؟ ! قال : عليك بما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، وإياك و عوامهم '' .[2]
    و قال صلى الله عليه و سلم : '' إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم ، و خفت أماناتهم ، و كانوا هكذا وشبك بين أصابعه فالزم بيتك ، و املك عليك لسانك ، و خذ بما تعرفه ، و دع ما تنكر ، و عليك بأمر خاصة نفسك ، و دع عنك أمر العامة''[3]
    قال صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث :''الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم، وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار''.
    و من أحسن ما جاء في الكف عن تتبع الأخبار و نشرها ما نقل عن علي رضي الله عنه حيث قال : '' لا تَكُونُوا عُجُلاً مَذاييعَ بُذُرَاً فَإن مِن وَرائِكُم بَلاءً مُبْرَحَاً مُكلحاً وأموراً متماحِلةً رُدُحاً[4].''
    و هذا أثر عظيم يدل على مدى فراسة علي رضي الله عنه و غيره من الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن المعروف أن كلام الصحابة داخل في الحديث فقد قال الزبيدي : '' قال شيخُنا : قد تقَرَّرَ أن ما يقولُه الصّحابيُّ ولا سِيَّما ممّا لا مَجالَ للرأيِ فيه من قَبيلِ الحديثِ المَرْفوع ، وكلامُ الصحابةِ رَضِيَ الله تَعالى عنهم داخلٌ في الحديثِ كما عُلِمَ في علومِ الاصْطِلاح.''[5]
    قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى :
    كأنه كلام أعجمي مع الأسف الشديد لبعدنا عن اللغة العربية ,والمقصود من هذا الكلام العربي الفصيح من علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه واله وسلم هو نهي المسلم أن يكون من دأبه المسارعة الى نقل عيوب الناس وإشاعتها بين الناس
    لا تَكُونُوا عُجُلاً :جمع عجل ,مستعجل
    مَذاييعَ: جمع مذياع والمذياع اليوم معروف ,اصطلاحا ما المراد به ؟لأنه عنده الوسيلة البالغة في إذاعة الأخبار في مختلف أقطار الدنيا ،فعلي رضي الله عنه ينصح المسلمين أن لا يكونوا عجلا في إذاعة الأخبار عن عيوب الناس
    بذرا : جمع بذور وهو الذي ينشر السر ولا يستطيع أن يكتمه
    لماذايقول علي هذه النصيحة ويوجهها للناس ,قال :
    فَإن مِن وَرائِكُم بَلاءً مُبْرَحَاً مُكلحاً[6] :
    هذه الكلمات كناية عن أنها كثيرة الضرر والإفساد والإهلاك ,هذا البلاء الذي سيأتي فيما بعد
    وأموراً متماحِلةً: وهي الفتن التي يأخذ بعضها برقاب بعض وتستمر
    رُدُحا: وهي فتن ثقيلة وثقيلة جدا[7]
    هذا و أنبه كل غافل و كل متساهل و كل متسرع أن الخطر يتربص به و يوشك أن ينقض عليه و الفتن لا تبقي و لا تذر و الولوج فيها خسارة و ندم و هلاك للأمم فكن مقتدٍ بصحابة رسولنا صلى الله عليه و سلم في اعتزالهم الفتن فهم خير من يقتدى بهم فعن مطرف بن عبد الله قال : "لبثت في فتنة ابن الزبير تسعا أو سبعا ما أخبرت فيها بخبر ولا استخبرت فيها عن خبر".[8] ، وعن شريح قال : "كانت الفتنة سبع سنين: ما خبرت فيها ولا استخبرت، وما سلمت ! قيل: كيف ذاك يا أبا أمية؟ قال: ما التقت فئتان إلا وهواي مع إحداهما ! ".[9]
    قلت هكذا كان السلف رحمهم الله فيا من دخل الفتن سيأتي يوم تندم فيه و تقول يا ليتني لم أبصر شيئا فقد كان من السلف من عمي بصره قبل أن يرى الفتنة ويعلم من أخبارها، فجعل يحمد الله على ذلك فعن سليمان بن يسار : "أن أبا أسيد كانت له صحبة فذهب بصره قبل قتل عثمان، فلما قتل عثمان قال : الحمد لله الذي منَّ عليَّ ببصري في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر بهما إليه، فلما قبض الله نبيه وأراد الفتنة بعباده كـفَّ بصــري".[10]
    و في الأخير أنصح نفسي و إياكم فعند وقوع الفتنة يجب ترك تتبع الإعلام و نقل الأخبار و نشرها فهذا هو عين الاهتمام بأمر المسلمين ، لأننا لو سكتنا عنها جميعا لم يجد أصحاب الفتن و زعيمهم الشيطان آذانا صاغية يسوقون من خلالها تحريضاتهم الباطلة ، فنسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها و ما بطن وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليما.




    ========

    [1]: حادي الأرواح (ص: 434)
    [2]: حسنه الألباني في تخريج المشكاة برقم (5325)
    [3]: صحيح الجامع (570)
    [4]: رواه البخاري في الأدب المفرد (327) وروى نحوه وكيع في الزهد (270) وابن وضَّاح في البدع (62) وغيرهم بسند صححه الشيخ الألباني – رحمه الله – في الأدب ، وفي غير رواية البخاري زيادة فيها أنه – رضي الله عنه – قال: ''لا ينجو فيه إلا كل نومة''، وزاد ابن وضاح (63) وغيره: قيل لعلي بن أبي طالب : ما النوَّمة؟ قال: '' الرجل يسكت بالفتنة فلا يبدو منه شيء''.
    [5]: تاج العروس (6/306).
    [6]:مكلحاً:أي يُكلِحُ الناسَ بشدته يقال: كَلَح الرجل وأكلَحَه الهَمُّ[غريب الحديث لإبن قتيبة( 2/100)] و زاد ابن الأثير في النهاية (4/196) : الكلوح العبوس
    [7]: التعليق على الأدب المفرد(صوتي)منقول من شبكة سحاب السلفية.
    [8]:رواه ابن سعد بسند جيد (7/143).
    [9]:مسائل الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق ابن راهويه (ص:395).
    [10]:رواه البخاري في التاريخ الصغير (1/107) والفسوي في المعرفة والتاريخ (1/442) وابن عساكر في تاريخ دمشق (39/472) بإسناد صحيح .
    التعديل الأخير تم بواسطة بلال بريغت; الساعة 2013-12-07, 12:40 AM.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
يعمل...
X