إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدا عبده، ورسوله.
﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102)﴾[آل عمران].
﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1)﴾[النساء].
﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71)﴾[الأحزاب].
أمَّا بعد:
فقد سأل الشيخُ محمَّدٌ الأمين بن الشيخ محمد الخضر فضيلةَ الشيخِ العلامة محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله- مسألتين، أولاهما ما سيأتي ذكره، والمسألة الثانية عن لفظ المشركين هل يشمل أهل الكتاب وهل يجوز للكافر دخول مساجد الله غير المسجد الحرام.
ورأيت الاقتصار على المسألة الأولى منهما لعدم تعلق المسألة الثانية بها حتى يكون الموضوع دائرا على أمر واحد، وحتى لا يطول النقل فيمل القارئ، والله ولي التوفيق.
والفتوى طبعت ضمن "آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي"(9-11)، الجزء العاشر منها الخاص بـ"الفتاوى" بتحقيق: سليمان بن عبد الله العميد، تحت إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، طبعة: دار عالم الفوائد، (ص21-31).
وهذا نص السؤال، وبعده جواب الشيخ -رحمهما الله-:
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المحترم.
بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من المفكرين والعقلاء.
1- تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب ﴿لهم قلوب يعقلون بها﴾ والحديث: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ، وكذلك الحكماء.
وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب.
فما هو المخرج من ذلك؟
ولكم من الله الأجر والثواب، ومني الشكر، مع جزيل التحية.
فأجاب –رحمه الله- بقوله:
حضرة صاحب المعالي أخي المكرم الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر حفظه الله ووفقه:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد وصلنا خطابكم الكريم بتاريخ 27/4/1389هـ وفهمنا ما سألتم عنه.
والجواب –حفظكم الله ووفقكم- عن المسألة الأولى التي هي: محل العقل؛ هو ما ستراه، ولا يخفى على معاليكم أن بحث العقل بحث فلسفي قديم، وللفلاسفة فيه مائة طريق باعتبارات كثيرة مختلفة، غالبها كله تخمين، وكذب، وتخبط في ظلام الجهل، وهم يسمون الملائكة عقولا، ويكثرون البحث في العقول العشرة المعروفة عندهم، ويزعمون أن المؤثر في العالم هو العقل الفياض، وإن نوره ينعكس على العالم كما تنعكس الشمس على المرآة، فتحصل تأثيراته بذلك الانعكاس، ويبحثون في العقل البسيط الذي يمثل به المنطقيون للنوع البسيط، إلى غير ذلك من بحوثهم الباطلة المتعلقة بالعقل من نواح شتى، ومن تلك البحوث قول عامتهم إلا القليل منهم: إن محل العقل الدماغ، وتبعهم في ذلك قليل من المسلمين، ويذكر عن الإمام أحمد أنه جاءت عنه رواية بذلك، وعامة علماء المسلمين على أن محل العقل القلب، وسنوضح –إن شاء الله تعالى- حجج الطرفين، ونبين ما هو الصواب في ذلك.
اعلم؛ وفقنا الله وإياك، أن العقل: نور روحاني، تدرك به النفس العلوم النظرية، والضرورية؛ وأن من خلقه، وأبرزه من العدم إلى الوجود، وزين به العقلاء، وأكرمهم به، أعلم بمكانه الذي جعله فيه من جملة الفلاسفة الكفرة الخالية قلوبهم من نور سماوي، وتعليم إلهي، وليس أحد بعد الله أعلم بمكان العقل من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه: ﴿وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)﴾[النجم]، وقال تعالى عن نفسه: ﴿ءأنتم أعلم أم الله﴾[البقرة: 140].
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل منهما التصريح بأن محل العقل القلب، وكثرة ذلك وتكراره في الوحيين لا يترك احتمالا ولا شكا في ذلك، وكل نظر عقلي صحيح يستحيل أن يخالف الوحي الصريح، وسنذكر طرفا من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك، وطرفا من الأحاديث النبوية، ثم نبين حجة من خالف الوحي من الفلاسفة ومن تبعهم، ونوضح الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم –أولا- أنه يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل، وذلك أسلوب عربي معروف؛ لأن من أساليب اللغة العربية إطلاق المحل وإرادة الحال فيه كعكسه، والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب العربي مجازا مرسلا، ومن علاقات المجاز المرسل عندهم المحلية والحالية، كإطلاق القلب وإرادة العقل؛ لأن القلب محل العقل، وكإطلاق النهر الذي هو الشق في الأرض على الماء الجاري فيه، كما هو معلوم في محله.
وهذه بعض نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ الآية [الأعراف: 179]، فعابهم الله بأنهم لا يفقهون بقلوبهم، والفقه الذي هو الفهم لا يكون إلا بالعقل، فدل ذلك على أن القلب محل العقل، ولو كان الأمر كما زعمت الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها.
وقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(46)﴾[الحج] ولم يقل: فتكون لهم أدمغة يعقلون بها، ولم يقل: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس كما ترى، فقد صرح في آية الحج هذه بأن القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلا لأنها محل العقل كما ترى، ثم أكد ذلك تأكيدا لا يترك شبهة ولا لبسا فقال تعالى: ﴿ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾[الحج: 46] فتأمل قوله: ﴿التي في الصدور﴾ تفهم ما فيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه: أن القلوب التي في الصدور هي التي تعمى إذا سلب الله منها نور العقل، فلا تميز بعد عماها بين الحق والباطل، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين النافع والضار، وهو صريح بأن الذي يميز به كل ذلك وهو العقل ومحله القلب.
وقال تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)﴾[الشعراء]، ولم يقل: بدماغ سليم، وقال تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ الآية [البقرة: 7] ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ الآية [الكهف: 57]، ومفهوم مخالفة الآية أنه لو لم يجعل الأكنة على قلوبهم لفقهوه بقلوبهم؛ وذلك لأن محل العقل القلب كما ترى، ولم يقل: إنا جعلنا على أدمغتهم أكنة أن يفقهوه.
وقال تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ الآية [ق: 37]، ولم يقل: لمن كان له دماغ.
وقال تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ الآية [البقرة: 74]، ولم يقل: ثم قست أدمغتكم، وكون القلب إذا قسا لم يطع صاحبه الله، وإذا لان أطاع الله، دليل على أن المميز الذي تراد له الطاعة والمعصية محله القلب كما ترى، وهو العقل.
وقال تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ الآية [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ الآية [الحديد: 16]، ولم يقل: فويل للقاسية أدمغتهم، ولم يقل: فطال عليهم الأمد فقست أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه﴾ الآية [الجاثية: 23]، ولم يقل: وختم على سمعه ودماغه.
وقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ الآية [الأنفال: 24]، ولم يقل: ودماغه.
وقال تعالى: ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ الآية [الفتح: 11]، ولم يقل: ما ليس في أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة﴾ الآية [النحل: 22]، ولم يقل: أدمغتهم منكرة.
وقال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ الآية [سبأ: 23]، ولم يقل: إذا فرع عن أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها (24)﴾ الآية [محمد]، ولم يقل: أم على أدمغة أقفالها.
وانظر ما أصرح آية القتال هذه في أن التدبر وإدراك المعاني به إنما هو للقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك، فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك كما ترى.
وقال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾[الصف: 5]، ولم يقل: أزاغ الله أدمغتهم.
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب(28)﴾ الآية [الرعد] ولم يقل: تطمئن الأدمغة.
وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾[الأنفال: 2] ولم يقل: وجلت أدمغتهم.
والطمأنينة والخوف عند ذكر الله كلاهما إنما يحصل بالفهم والإدراك، وقد صرحت الآيات المذكورة بأن محل ذلك القلب لا الدماغ.
وبين في آيات كثيرة أن الذي يدرك الخطر فيخاف منه هو القلب الذي هو محل العقل لا الدماغ، كقوله تعالى: ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ الآية [الأحزاب: 10]، وقوله تعالى: ﴿قلوب يومئذ واجفة(8)﴾ الآية [النازعات]، وإن كان الخوف تظهر آثاره على الإنسان. وقال تعالى: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم﴾[الأعراف: 100] ولم يقل: ونطبع على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا﴾ الآية [الكهف: 14]، وقال تعالى: ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾[القصص: 10] والآيتان المذكورتان فيهما الدلالة على أن محل إدراك الخطر المسبب للخوف هو القلب كما ترى لا الدماغ.
والآيات الواردة في الطبع على القلوب متعددة، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ الآية [المنافقون: 3]، ولم يقل: فطبع على أدمغتهم.
وكقوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم﴾ الآية [التوبة: 93]، ولم يقل: على أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ الآية [النحل: 106]، والطمـأنينة بالإيمان إنما تحصل بإدراك فضل الإيمان وحسن نتائجه وعواقبه، وقد صرح في هذه الآية بإسناد ذلك الاطمئنان إلى القلب الذي هو محل العقل الذي هو أداة النفس في الإدراك، ولم يقل: ودماغه مطمئن بالإيمان.
وقال تعالى: ﴿وقالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾[الحجرات: 14] ولم يقل: في أدمغتكم، وقال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾[المجادلة: 22]، فقوله: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، وقوله: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾، صريح في أن المحل الذي يدخله الإيمان في المؤمن وينتفي عنه دخلوه في الكافر هو القلب لا الدماغ، وأساس الإيمان إيمان القلب؛ لأن الجوارح كلها تبع له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فظهر لذلك دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى.
وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه﴾ الآية [البقرة: 283]، فأسند الإثم بكتم الشهادة للقلب ولم يسنده للدماغ، وذلك يدل على أن كتمه الشهادة الذي هو سبب الإثم واقع عن عمد، وأن محل ذلك العمد القلب؛ وذلك لأنه محل العقل الذي يحصل به الإدراك، وقصد الطاعة وقصد المعصية كما ترى.
وقال تعالى في حفصة وعائشة –رضي الله عنهما-: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾[التحريم: 4] أي: مالت قلوبكما إلى أمر تعلمان أنه صلى الله عليه وسلم يكرهه، سواء قلنا: إنه تحريم شرب العسل –الذي كانت تسقيه إياه إحدى نسائه-، أو قلنا: إنه تحريم جاريته مارية. فقوله: ﴿صغت قلوبكما﴾ أي: مالت. يدل على أن الإدراك وقصد الميل المذكور محله القلب، ولو كان الدماغ لقال: فقد صغت أدمغتكما كما ترى.
ولما ذكر كل من اليهود والمشركين أن محل عقولهم هو قلوبهم قررهم الله على ذلك؛ لأن كون القلب محل العقل حق، وأبطل دعواهم من جهة أخرى، وذلك يدل بإيضاح على أن محل العقل القلب.
أما اليهود لعنهم الله، فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ الآية [القرة: 88] فقال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾[النساء: 155].
فقولهم: ﴿قلوبنا غُلْفٌ﴾ بسكون اللام يعنون أن عليها غلافا، أي: غشاء يمنعها من فهم ما تقول، فقررهم الله على أن قلوبهم هي محل الفهم والإدراك، لأنها محل العقل، ولكن كذبهم في ادعائهم أن عليها غلافا مانعا من الفهم، فقال على سبيل الإضراب الإبطالي: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾ الآية، وأما على قراءة ابن عباس ﴿قلوبنا غُلُفٌ﴾ بضمتين، يعنون أن قلوبهم كأنها غلاف محشو بالعلوم والمعارف، فلا حاجة لنا إلى ما تدعونا إليه، وذلك يدل على علمهم بأن محل العلم والفهم القلوب لا الأدمغة.
وأما المشركون فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ الآية [فصلت: 5]، فكانوا عالمين بأن محل العقل القلب، ولذا قالوا: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾، ولم يقولوا: أدمغتنا في أكنة مما تدعونا إليه، والله لم يكذبهم في ذلك، ولكنه وبخهم على كفرهم بقوله: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ الآية [فصلت: 9].
وهذه الآيات التي أطلق فيها القلب مرادا به العقل لأن القلب هو محله، أوضح الله المراد منها بقوله: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾[الحج: 46] فصرح بأنهم يعقلون بالقلوب، وهو يدل على أن محل العقل القلب دلالة لا مطعن فيها كما ترى.
وقال تعالى: ﴿فإن يشإ الله يختم على قلبك﴾[الشورى: 24] ولم يقل: يختم على دماغك.
وقال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾ الآية [الأنعام: 46]، ولم يقل: وختم عبى أدمغتكم.
وقال تعالى في النحل: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108)﴾.
وقال تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ الآية [الحجرات: 3] ولم يقل: امتحن أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ الآية [الحجرات: 7].
والآيات بمثل هذا كثيرة، ولنكتف منها بما ذكرنا خشية الإطالة المملة.
وأما الأحاديث المطابقة للآيات التي ذكرنا على أن محل العقل القلب، فهي كثيرة جدا كالحديث الصحيح الذي ذكر والذي فيه: «ألا وهي القلب» ولم يقل: ألا وهي الدماغ، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ولم يقل: يا مقلب الأدمغة ثبت دماغي على دينك، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» وهو من أحاديث الصفات، ولم يقل: دماغ المؤمن إلخ.
والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا فلا نطيل بها الكلام، وقد تبين مما ذكرنا أن خالق العقل وواهبه للإنسان بيَّن في آيات قرآنية كثيرة أن محل العقل القلب، وخالقه أعلم بمكانه من كفرة الفلاسفة، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم كما رأيت.
أما عامة الفلاسفة إلا القليل النادر منهم فإنهم يقولون: إن محل العقل الدماغ، وشذت طائفة من متأخريهم فزعموا أن العقل ليس له مركز مكاني في الإنسان أصلا، وإنما هو زماني محض لا مكان له، وقول هؤلاء أظهر سقوطا من أن نشتغل بالكلام عليه.
ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها القائلون إن محل العقل الدماغ هو أن كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل، ونحن لا ننكر أن العقل قد بتأثر بالدماغ، ولكن نقول بموجبه، فنقول:
سلمنا أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولمكن لا نسلم أن ذلك يستلزم أن محله الدماغ، وكم من عضو من أعضاء الإنسان خارج عن الدماغ بلا نزاع، وهو يتأثر بتأثر الدماغ كما هو معلوم، وكم من شلل في بعض أعضاء الإنسان ناشئ عن اختلاف واقع في الدماغ، فالعقل خارج عن الدماغ، ولكن سلامته مشروطة بسلامة الدماغ، كالأعضاء التي تختل باختلال الدماغ فإنها خارجة عنه، مع أن سلامتها مشروطة فيها سلامة الدماغ كما هو معروف.
وإظهار حجة هؤلاء والرد عليها –على الوجه المعروف في آداب البحث والمناظرة-: أن حاصل دليلهم أنهم يستدلون بقياس منطقي من الشرطي المتصل المركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية يستثنون فيه نقيض التالي فينتج لهم في زعمهم دعواهم المذكورة التي هي نقيض المقدم.
وصورته أنهم يقولون: لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر على الدماغ، لكنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ، ينتج العقل في الدماغ.
وهذا الاستدلال مردود بالنقض التفصيلي الذي هو المنع، وذلك بمنع كبراه التي هي شرطيته، فنقول:
المانع منع قولك لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر في الدماغ، بل هو خارج عن الدماغ مع أنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ كغيره من الأعضاء التي تتأثر بتأثر الدماغ، فالربط بين التالي والمقدم غير صحيح، والمحل الذي يتوارد عليه الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الربط بين مقدمها وتاليها، فإن لم يكن الربط صحيحا كانت كاذبة، والربط في قضيتهم المذكورة كاذب، فظهر بطلان دعواهم.
وهناك طائفة ثالثة أرادت أن تجمع بين القولين، فقالت: إن ما دل عليه الوحي من كون محل العقل هو القلب صحيح، وما يقوله الفلاسفة ومن وافقهم من أن محله الدماغ صحيح أيضا، فلا منافاة بين القولين.
قالوا: ووجه الجمع أن العقل في القلب كما في القرآن والسنة ولكن نوره يتصاعد من القلب فيتصل بالدماغ بواسطة اتصاله بالدماغ يصدق عليه أنه في الدماغ من غير منافاة لكون محله القلب.
قالوا: وبهذا يندفع التعارض بين النظر العقلي الذي زعمه الفلاسفة وبين الوحي.
واستدل بعضهم لهذا الجمع بالاستقراء غير التام، وهو المعروف في الأصول بإلحاق الفرد الغالب، وهو حجة ظنية عند جماعة الأصوليين وإليه أشار صاحب مراقي السعود في كتاب الاستدلال في الكلام على أقسام الاستقراء بقوله:
ومعلوم أن الاستقراء هو تتبع الأفراد حتى يغلب على ظنه أن ذلك الحكم مطرد في جميع الأفراد، وإيضاح هذا أن القائلين بالجمع المذكور بين الوحي وأقوال أهل الفلسفة في محل العقل، قالت جماعة منهم: دليلنا على هذا الجمع الاستقراء غير التام، وذلك أنهم قالوا: تتبعنا أفراد الإنسان الطويل العنق طولا مفردا زائدا على المعهود زيادة بينة، فوجدنا كل طويل العنق طولا مفرطا ناقص العقل، وذلك لأن طول العنق طولا مفرطا يلزمه بعد المسافة بين طريق نور العقل الكائن في القلب وبين المتصاعد منه إلى الدماغ، وبعد المسافة بين طرفيه يؤدي إلى عدم تماسكه واجتماعه فيظهر فيه النقص.
وهذا الدليل كما ترى ليس فيه مقنع وإن كان يشاهد مثله في الخارج كثيرا، فتحصل من هذا أن الذي يقول إن العقل في الدماغ وحده وليس في القلب منه شيء أن قوله في غاية البطلان؛ لأنه مكذب لآيات وأحاديث كثيرة كما ذكرنا بعضه.
وهذا القول لا يتجرأ عليه مسلم إلا إن كان لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو إن كان كذلك ليس بمسلم.
ومن قال: إنه في القلب وحده، وليس في الدماغ منه شيء، فقوله هو ظاهر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقم دليل جازم قاطع من نقل ولا عقل على خلافه.
ومن جمع بين القولين، فقوله جائز عقلا، ولا تكذيب فيه للكتاب والسنة، لكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل، أو استقراء فمحتج به، فلا مانع من قبوله. والعلم عند الله. وهذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.
﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102)﴾[آل عمران].
﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1)﴾[النساء].
﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71)﴾[الأحزاب].
أمَّا بعد:
فقد سأل الشيخُ محمَّدٌ الأمين بن الشيخ محمد الخضر فضيلةَ الشيخِ العلامة محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله- مسألتين، أولاهما ما سيأتي ذكره، والمسألة الثانية عن لفظ المشركين هل يشمل أهل الكتاب وهل يجوز للكافر دخول مساجد الله غير المسجد الحرام.
ورأيت الاقتصار على المسألة الأولى منهما لعدم تعلق المسألة الثانية بها حتى يكون الموضوع دائرا على أمر واحد، وحتى لا يطول النقل فيمل القارئ، والله ولي التوفيق.
والفتوى طبعت ضمن "آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي"(9-11)، الجزء العاشر منها الخاص بـ"الفتاوى" بتحقيق: سليمان بن عبد الله العميد، تحت إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، طبعة: دار عالم الفوائد، (ص21-31).
وهذا نص السؤال، وبعده جواب الشيخ -رحمهما الله-:
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المحترم.
بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من المفكرين والعقلاء.
1- تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب ﴿لهم قلوب يعقلون بها﴾ والحديث: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ، وكذلك الحكماء.
وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب.
فما هو المخرج من ذلك؟
ولكم من الله الأجر والثواب، ومني الشكر، مع جزيل التحية.
فأجاب –رحمه الله- بقوله:
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب المعالي أخي المكرم الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر حفظه الله ووفقه:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد وصلنا خطابكم الكريم بتاريخ 27/4/1389هـ وفهمنا ما سألتم عنه.
والجواب –حفظكم الله ووفقكم- عن المسألة الأولى التي هي: محل العقل؛ هو ما ستراه، ولا يخفى على معاليكم أن بحث العقل بحث فلسفي قديم، وللفلاسفة فيه مائة طريق باعتبارات كثيرة مختلفة، غالبها كله تخمين، وكذب، وتخبط في ظلام الجهل، وهم يسمون الملائكة عقولا، ويكثرون البحث في العقول العشرة المعروفة عندهم، ويزعمون أن المؤثر في العالم هو العقل الفياض، وإن نوره ينعكس على العالم كما تنعكس الشمس على المرآة، فتحصل تأثيراته بذلك الانعكاس، ويبحثون في العقل البسيط الذي يمثل به المنطقيون للنوع البسيط، إلى غير ذلك من بحوثهم الباطلة المتعلقة بالعقل من نواح شتى، ومن تلك البحوث قول عامتهم إلا القليل منهم: إن محل العقل الدماغ، وتبعهم في ذلك قليل من المسلمين، ويذكر عن الإمام أحمد أنه جاءت عنه رواية بذلك، وعامة علماء المسلمين على أن محل العقل القلب، وسنوضح –إن شاء الله تعالى- حجج الطرفين، ونبين ما هو الصواب في ذلك.
اعلم؛ وفقنا الله وإياك، أن العقل: نور روحاني، تدرك به النفس العلوم النظرية، والضرورية؛ وأن من خلقه، وأبرزه من العدم إلى الوجود، وزين به العقلاء، وأكرمهم به، أعلم بمكانه الذي جعله فيه من جملة الفلاسفة الكفرة الخالية قلوبهم من نور سماوي، وتعليم إلهي، وليس أحد بعد الله أعلم بمكان العقل من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه: ﴿وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)﴾[النجم]، وقال تعالى عن نفسه: ﴿ءأنتم أعلم أم الله﴾[البقرة: 140].
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل منهما التصريح بأن محل العقل القلب، وكثرة ذلك وتكراره في الوحيين لا يترك احتمالا ولا شكا في ذلك، وكل نظر عقلي صحيح يستحيل أن يخالف الوحي الصريح، وسنذكر طرفا من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك، وطرفا من الأحاديث النبوية، ثم نبين حجة من خالف الوحي من الفلاسفة ومن تبعهم، ونوضح الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم –أولا- أنه يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل، وذلك أسلوب عربي معروف؛ لأن من أساليب اللغة العربية إطلاق المحل وإرادة الحال فيه كعكسه، والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب العربي مجازا مرسلا، ومن علاقات المجاز المرسل عندهم المحلية والحالية، كإطلاق القلب وإرادة العقل؛ لأن القلب محل العقل، وكإطلاق النهر الذي هو الشق في الأرض على الماء الجاري فيه، كما هو معلوم في محله.
وهذه بعض نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ الآية [الأعراف: 179]، فعابهم الله بأنهم لا يفقهون بقلوبهم، والفقه الذي هو الفهم لا يكون إلا بالعقل، فدل ذلك على أن القلب محل العقل، ولو كان الأمر كما زعمت الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها.
وقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(46)﴾[الحج] ولم يقل: فتكون لهم أدمغة يعقلون بها، ولم يقل: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس كما ترى، فقد صرح في آية الحج هذه بأن القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلا لأنها محل العقل كما ترى، ثم أكد ذلك تأكيدا لا يترك شبهة ولا لبسا فقال تعالى: ﴿ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾[الحج: 46] فتأمل قوله: ﴿التي في الصدور﴾ تفهم ما فيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه: أن القلوب التي في الصدور هي التي تعمى إذا سلب الله منها نور العقل، فلا تميز بعد عماها بين الحق والباطل، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين النافع والضار، وهو صريح بأن الذي يميز به كل ذلك وهو العقل ومحله القلب.
وقال تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)﴾[الشعراء]، ولم يقل: بدماغ سليم، وقال تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ الآية [البقرة: 7] ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ الآية [الكهف: 57]، ومفهوم مخالفة الآية أنه لو لم يجعل الأكنة على قلوبهم لفقهوه بقلوبهم؛ وذلك لأن محل العقل القلب كما ترى، ولم يقل: إنا جعلنا على أدمغتهم أكنة أن يفقهوه.
وقال تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ الآية [ق: 37]، ولم يقل: لمن كان له دماغ.
وقال تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ الآية [البقرة: 74]، ولم يقل: ثم قست أدمغتكم، وكون القلب إذا قسا لم يطع صاحبه الله، وإذا لان أطاع الله، دليل على أن المميز الذي تراد له الطاعة والمعصية محله القلب كما ترى، وهو العقل.
وقال تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ الآية [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ الآية [الحديد: 16]، ولم يقل: فويل للقاسية أدمغتهم، ولم يقل: فطال عليهم الأمد فقست أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه﴾ الآية [الجاثية: 23]، ولم يقل: وختم على سمعه ودماغه.
وقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ الآية [الأنفال: 24]، ولم يقل: ودماغه.
وقال تعالى: ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ الآية [الفتح: 11]، ولم يقل: ما ليس في أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة﴾ الآية [النحل: 22]، ولم يقل: أدمغتهم منكرة.
وقال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ الآية [سبأ: 23]، ولم يقل: إذا فرع عن أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها (24)﴾ الآية [محمد]، ولم يقل: أم على أدمغة أقفالها.
وانظر ما أصرح آية القتال هذه في أن التدبر وإدراك المعاني به إنما هو للقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك، فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك كما ترى.
وقال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾[الصف: 5]، ولم يقل: أزاغ الله أدمغتهم.
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب(28)﴾ الآية [الرعد] ولم يقل: تطمئن الأدمغة.
وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾[الأنفال: 2] ولم يقل: وجلت أدمغتهم.
والطمأنينة والخوف عند ذكر الله كلاهما إنما يحصل بالفهم والإدراك، وقد صرحت الآيات المذكورة بأن محل ذلك القلب لا الدماغ.
وبين في آيات كثيرة أن الذي يدرك الخطر فيخاف منه هو القلب الذي هو محل العقل لا الدماغ، كقوله تعالى: ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ الآية [الأحزاب: 10]، وقوله تعالى: ﴿قلوب يومئذ واجفة(8)﴾ الآية [النازعات]، وإن كان الخوف تظهر آثاره على الإنسان. وقال تعالى: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم﴾[الأعراف: 100] ولم يقل: ونطبع على أدمغتهم، وقال تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا﴾ الآية [الكهف: 14]، وقال تعالى: ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾[القصص: 10] والآيتان المذكورتان فيهما الدلالة على أن محل إدراك الخطر المسبب للخوف هو القلب كما ترى لا الدماغ.
والآيات الواردة في الطبع على القلوب متعددة، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ الآية [المنافقون: 3]، ولم يقل: فطبع على أدمغتهم.
وكقوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم﴾ الآية [التوبة: 93]، ولم يقل: على أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ الآية [النحل: 106]، والطمـأنينة بالإيمان إنما تحصل بإدراك فضل الإيمان وحسن نتائجه وعواقبه، وقد صرح في هذه الآية بإسناد ذلك الاطمئنان إلى القلب الذي هو محل العقل الذي هو أداة النفس في الإدراك، ولم يقل: ودماغه مطمئن بالإيمان.
وقال تعالى: ﴿وقالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾[الحجرات: 14] ولم يقل: في أدمغتكم، وقال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾[المجادلة: 22]، فقوله: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، وقوله: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾، صريح في أن المحل الذي يدخله الإيمان في المؤمن وينتفي عنه دخلوه في الكافر هو القلب لا الدماغ، وأساس الإيمان إيمان القلب؛ لأن الجوارح كلها تبع له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فظهر لذلك دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى.
وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه﴾ الآية [البقرة: 283]، فأسند الإثم بكتم الشهادة للقلب ولم يسنده للدماغ، وذلك يدل على أن كتمه الشهادة الذي هو سبب الإثم واقع عن عمد، وأن محل ذلك العمد القلب؛ وذلك لأنه محل العقل الذي يحصل به الإدراك، وقصد الطاعة وقصد المعصية كما ترى.
وقال تعالى في حفصة وعائشة –رضي الله عنهما-: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾[التحريم: 4] أي: مالت قلوبكما إلى أمر تعلمان أنه صلى الله عليه وسلم يكرهه، سواء قلنا: إنه تحريم شرب العسل –الذي كانت تسقيه إياه إحدى نسائه-، أو قلنا: إنه تحريم جاريته مارية. فقوله: ﴿صغت قلوبكما﴾ أي: مالت. يدل على أن الإدراك وقصد الميل المذكور محله القلب، ولو كان الدماغ لقال: فقد صغت أدمغتكما كما ترى.
ولما ذكر كل من اليهود والمشركين أن محل عقولهم هو قلوبهم قررهم الله على ذلك؛ لأن كون القلب محل العقل حق، وأبطل دعواهم من جهة أخرى، وذلك يدل بإيضاح على أن محل العقل القلب.
أما اليهود لعنهم الله، فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ الآية [القرة: 88] فقال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾[النساء: 155].
فقولهم: ﴿قلوبنا غُلْفٌ﴾ بسكون اللام يعنون أن عليها غلافا، أي: غشاء يمنعها من فهم ما تقول، فقررهم الله على أن قلوبهم هي محل الفهم والإدراك، لأنها محل العقل، ولكن كذبهم في ادعائهم أن عليها غلافا مانعا من الفهم، فقال على سبيل الإضراب الإبطالي: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾ الآية، وأما على قراءة ابن عباس ﴿قلوبنا غُلُفٌ﴾ بضمتين، يعنون أن قلوبهم كأنها غلاف محشو بالعلوم والمعارف، فلا حاجة لنا إلى ما تدعونا إليه، وذلك يدل على علمهم بأن محل العلم والفهم القلوب لا الأدمغة.
وأما المشركون فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ الآية [فصلت: 5]، فكانوا عالمين بأن محل العقل القلب، ولذا قالوا: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾، ولم يقولوا: أدمغتنا في أكنة مما تدعونا إليه، والله لم يكذبهم في ذلك، ولكنه وبخهم على كفرهم بقوله: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ الآية [فصلت: 9].
وهذه الآيات التي أطلق فيها القلب مرادا به العقل لأن القلب هو محله، أوضح الله المراد منها بقوله: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾[الحج: 46] فصرح بأنهم يعقلون بالقلوب، وهو يدل على أن محل العقل القلب دلالة لا مطعن فيها كما ترى.
وقال تعالى: ﴿فإن يشإ الله يختم على قلبك﴾[الشورى: 24] ولم يقل: يختم على دماغك.
وقال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾ الآية [الأنعام: 46]، ولم يقل: وختم عبى أدمغتكم.
وقال تعالى في النحل: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108)﴾.
وقال تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ الآية [الحجرات: 3] ولم يقل: امتحن أدمغتهم.
وقال تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ الآية [الحجرات: 7].
والآيات بمثل هذا كثيرة، ولنكتف منها بما ذكرنا خشية الإطالة المملة.
وأما الأحاديث المطابقة للآيات التي ذكرنا على أن محل العقل القلب، فهي كثيرة جدا كالحديث الصحيح الذي ذكر والذي فيه: «ألا وهي القلب» ولم يقل: ألا وهي الدماغ، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ولم يقل: يا مقلب الأدمغة ثبت دماغي على دينك، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» وهو من أحاديث الصفات، ولم يقل: دماغ المؤمن إلخ.
والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا فلا نطيل بها الكلام، وقد تبين مما ذكرنا أن خالق العقل وواهبه للإنسان بيَّن في آيات قرآنية كثيرة أن محل العقل القلب، وخالقه أعلم بمكانه من كفرة الفلاسفة، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم كما رأيت.
أما عامة الفلاسفة إلا القليل النادر منهم فإنهم يقولون: إن محل العقل الدماغ، وشذت طائفة من متأخريهم فزعموا أن العقل ليس له مركز مكاني في الإنسان أصلا، وإنما هو زماني محض لا مكان له، وقول هؤلاء أظهر سقوطا من أن نشتغل بالكلام عليه.
ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها القائلون إن محل العقل الدماغ هو أن كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل، ونحن لا ننكر أن العقل قد بتأثر بالدماغ، ولكن نقول بموجبه، فنقول:
سلمنا أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولمكن لا نسلم أن ذلك يستلزم أن محله الدماغ، وكم من عضو من أعضاء الإنسان خارج عن الدماغ بلا نزاع، وهو يتأثر بتأثر الدماغ كما هو معلوم، وكم من شلل في بعض أعضاء الإنسان ناشئ عن اختلاف واقع في الدماغ، فالعقل خارج عن الدماغ، ولكن سلامته مشروطة بسلامة الدماغ، كالأعضاء التي تختل باختلال الدماغ فإنها خارجة عنه، مع أن سلامتها مشروطة فيها سلامة الدماغ كما هو معروف.
وإظهار حجة هؤلاء والرد عليها –على الوجه المعروف في آداب البحث والمناظرة-: أن حاصل دليلهم أنهم يستدلون بقياس منطقي من الشرطي المتصل المركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية يستثنون فيه نقيض التالي فينتج لهم في زعمهم دعواهم المذكورة التي هي نقيض المقدم.
وصورته أنهم يقولون: لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر على الدماغ، لكنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ، ينتج العقل في الدماغ.
وهذا الاستدلال مردود بالنقض التفصيلي الذي هو المنع، وذلك بمنع كبراه التي هي شرطيته، فنقول:
المانع منع قولك لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر في الدماغ، بل هو خارج عن الدماغ مع أنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ كغيره من الأعضاء التي تتأثر بتأثر الدماغ، فالربط بين التالي والمقدم غير صحيح، والمحل الذي يتوارد عليه الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الربط بين مقدمها وتاليها، فإن لم يكن الربط صحيحا كانت كاذبة، والربط في قضيتهم المذكورة كاذب، فظهر بطلان دعواهم.
وهناك طائفة ثالثة أرادت أن تجمع بين القولين، فقالت: إن ما دل عليه الوحي من كون محل العقل هو القلب صحيح، وما يقوله الفلاسفة ومن وافقهم من أن محله الدماغ صحيح أيضا، فلا منافاة بين القولين.
قالوا: ووجه الجمع أن العقل في القلب كما في القرآن والسنة ولكن نوره يتصاعد من القلب فيتصل بالدماغ بواسطة اتصاله بالدماغ يصدق عليه أنه في الدماغ من غير منافاة لكون محله القلب.
قالوا: وبهذا يندفع التعارض بين النظر العقلي الذي زعمه الفلاسفة وبين الوحي.
واستدل بعضهم لهذا الجمع بالاستقراء غير التام، وهو المعروف في الأصول بإلحاق الفرد الغالب، وهو حجة ظنية عند جماعة الأصوليين وإليه أشار صاحب مراقي السعود في كتاب الاستدلال في الكلام على أقسام الاستقراء بقوله:
وهو لدى البعض إلى الظن انتسب//يسمى لحوق الفرد بالذي غلب
ومعلوم أن الاستقراء هو تتبع الأفراد حتى يغلب على ظنه أن ذلك الحكم مطرد في جميع الأفراد، وإيضاح هذا أن القائلين بالجمع المذكور بين الوحي وأقوال أهل الفلسفة في محل العقل، قالت جماعة منهم: دليلنا على هذا الجمع الاستقراء غير التام، وذلك أنهم قالوا: تتبعنا أفراد الإنسان الطويل العنق طولا مفردا زائدا على المعهود زيادة بينة، فوجدنا كل طويل العنق طولا مفرطا ناقص العقل، وذلك لأن طول العنق طولا مفرطا يلزمه بعد المسافة بين طريق نور العقل الكائن في القلب وبين المتصاعد منه إلى الدماغ، وبعد المسافة بين طرفيه يؤدي إلى عدم تماسكه واجتماعه فيظهر فيه النقص.
وهذا الدليل كما ترى ليس فيه مقنع وإن كان يشاهد مثله في الخارج كثيرا، فتحصل من هذا أن الذي يقول إن العقل في الدماغ وحده وليس في القلب منه شيء أن قوله في غاية البطلان؛ لأنه مكذب لآيات وأحاديث كثيرة كما ذكرنا بعضه.
وهذا القول لا يتجرأ عليه مسلم إلا إن كان لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو إن كان كذلك ليس بمسلم.
ومن قال: إنه في القلب وحده، وليس في الدماغ منه شيء، فقوله هو ظاهر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقم دليل جازم قاطع من نقل ولا عقل على خلافه.
ومن جمع بين القولين، فقوله جائز عقلا، ولا تكذيب فيه للكتاب والسنة، لكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل، أو استقراء فمحتج به، فلا مانع من قبوله. والعلم عند الله. وهذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.