إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سورة إبراهيم: بعض أسرار تنوُّع أدَوات الحَصر الشيخ /عبد المالك بن أحمد رمضاني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سورة إبراهيم: بعض أسرار تنوُّع أدَوات الحَصر الشيخ /عبد المالك بن أحمد رمضاني

    سورة إبراهيم: بعض أسرار تنوُّع أدَوات الحَصر



    قال الله تعالى: ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (إبراهيم 10-11).


    حَرف (إنَّما) يَجيءُ لقَصر الصِّفَة على الموصُوف، أو الموصُوف على الصِّفَة، وهو للحَصر عند جَماعةٍ كالنَّفي مع الاستثناء، كما هو في (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (18/266) و (البرهان في علوم القرآن) للزركشي (4/231) و(الاتقان) للسيوطي (2/64)، والمقصودُ بالنَّفي مع الاستثناء أن يكونا في سياقٍ واحدٍ، مثل استعمال أداة (لا) النَّافية، ثمَّ اتباعها بأداة الاستثناء (إلا)، وقد فرَّق البيانيُّونَ بين أداة (إنَّما) وغيرها من أدوات الحصر بقولهم: الأصلُ أن تُستعمَلَ (إنَّما) فيما يَعلمُه المُخاطَبُ ولا يُنكِرُه، ومنه قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ) (الملك 26)، وقوله: ( قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ) (هود 33)، وقوله: ( قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي) (الأعراف 187)، وقوله: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى 42)، وقوله: ( وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) ( آل عمران 20).


    وقد ذكر السيوطي في (الاتقان) (2/65) أنَّ أحسن ما تُستعمَلُ فيه (إنَّما) هو ما كان من مَواقِع التَّعريض، نحو قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد 19)، كأنَّه قيل لهم: التَّذكُّرُ مَحصورٌ في أولي الألباب، ولمَّا لم تكونوا منهم لم تَتذكَّروا، هذا اختصار الكلام في أداة (إنَّما)، وأمَّا ما يُستعملُ له النَّفي والاستثناء فالأصل فيه أن يكون فيما يجهلُه المُخاطَبُ أو يُنكِرُه، نحو قوله عز وجل: ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) (الفرقان 44)، وقوله حاكيا مقولة الكفَّار: ( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) (المؤمنون 37-38)؛ وذلك لأنَّ رَسولَهم جاء بإثباتِ البَعثِ والرِّسالة، فادَّعوا ضدَّه واستَعمَلوا لإنكارِه أداة النَّفي والاستثناء.


    وجاء في بعض السياقات القُرآنية استعمال الحصر في مَوضِع النَّفي والاستثناء، واستعمال النَّفي والاستثناء في موضع الحصر، ومنه قول الله عز وجل في المُنافقِين: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُۆا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة 11)، فقد استعملوا أداة (إنَّما) في ادِّعاءِ أنَّهم مُصلحون، كأنَّما يُخاطبون من يَدري في قرارةِ نفسِه أنَّهم مُصلحون، مع أنَّ العكس هو الصَّحيح؛ لأنَّ المُنافقين مُفسدون وليسوا من الإصلاح بِسبيلٍ، وقد أعرَضُوا عن الأسلوب الدَّال على واقعِهم لادِّعائِهم أنَّ إصلاحَهم مَعلومٌ ظُهورُه، فنسَبوا الإصلاح إلى أنفُسِهم واستعملوا له أداة (إنَّما) خدعةً لسانيَّةً، وانظر (البُرهان) للزركشي (4/312).


    ومنه ما جاء مجتمعاً من هذا ومن هذا، كقول الله تعالى في سورة الشعراء (153-154) عن قوم صالح عليه السلام: ( قَالُۆا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وقوله فيها (185-186) إخباراً عن ردِّ أصحاب الأيكة على نبيِّ الله شُعيب عليه السلام: ( قَالُۆا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)، فقد عبَّروا عمَّا يُنكِرُه كلُّ رسولٍ بأداة ما لا يُنكَر وهي (إنَّما) وذلك في وصفِهم للرُّسُل بالسِّحر؛ لأنَّهم ادَّعوا أنَّ هذا الوصف معلومٌ، فنزَّلوا المُنكر المجهول مَنزلَةَ المعروف المعلوم، وهذا من تعنُّتِهم، كما أنَّهم عبَّروا عمَّا هو معلومٌ ولا يُنكر باستعمال أسلوب ما يُجهل أو يُنكر ألا وهو بشريَّةُ الأنبياء، وهذا من تنزيل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مُناسبٍ فيُستعملُ له النَّفيُ والاستثناء.


    وقال ابنُ الجوزي في (زاد المَسير) (5/174): " ومن استعمال النَّفي والاستثناء بدل القَصر إخبارُ الله سبحانه عن عيسى عليه السلام أنَّه يَقولُ يومَ القيامة: ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة 117)، ولا ريب أنَّ المُخاطبَ هُنا هَو الله عز وجل ولا ريب أنَّه لا يَجهَلُ هذا المعنى الذي ذكَرَه عيسى عليه السلام ولا يُنكِرُه، ولكن رُوعيَ في هذا الاستعمال جِهة المتكَلِّم وهو عيسى عليه السلام، والمَقامُ مَقامُ يوم القيامة كما رُوعيَ فيه التُّهمَةُ المُلصقَةُ به من جِهة قومِهِ الذين عبَدوه، وادَّعوا أنَّ ذلك هو الدِّينُ الذي جاءهم به، ومعلومٌ أنَّ المتَّهَمَ يَستعمِل أقوى ما يُؤتاه لتَخليصِ نفسه.



    ومنه قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران 144)، فإنَّه خطابٌ للصحابه رضي الله عنهم، وهُم لم يكونوا يَجهَلونَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ليس إلاَّ رَسولاً ماتَ من قَبلِه رُسلٌ، لكن نُزِّل استِعظَامُهم مَوتَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم مَنزِلةَ من يَجهَل ذلك؛ ولأنَّ كلَّ رَسولٍ لا بدَّ من موتِه، فَمن استبعَدَ مَوتَه كأنَّه استَبعَدَ رِسالتَه، كما في (الاتقان) للسيوطي (2/65) و(مجموع الفتاوى) لابن تيمية (18/267).


    وهذا لأنَّ قوَّةَ حُبِّهم لرَسول الله صلى الله عليه وسلم أنسَتهم إمكانيَّةَ فِراقِه في ذلك الوقت، لا سيما وأنَّه غيرُ مُنتظَرٍ لعَدَم إنهائِه بَعضَ مُهمَّاتِه صلى الله عليه وسلم في ظنِّ بَعض الصَّحابةِ، كما وقَعَ لعُمر ولكثيرٍ من الصحابة، فعن أبي سَلمَة أن عائشة أخبرَتَه أنَّ أبا بكر رضي الله عنه أقبَلَ على فرَسٍ من مَسكَنِه بالسُّنح، حتى نزلَ فدَخَلَ المسجدَ، فَلم يُكلِّم النَّاس حتى دَخَلَ على عائشة، فتيمَّمَ (أي قصَدَه) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغشًّى بثوب حِبَرَة (أي هو ماكان مخطوطاً من الثياب)، فكَشَفَ عن وجهِه، ثمَّ أكبَّ عليه فقَبَّلَه وبَكى، ثمَّ قال: بأبي أنتَ وأُمِّي يا نبيَّ الله! والله! لا يجمَعُ الله علَيكَ مَوتَتين، أمَّا الموتةُ التي كُتِبَت علَيكَ فقد متَّها، قال الزُّهري: وحدَّثني أبو سلَمَة عن عبد الله بن عباس أنَّ أبا بكرٍ خرج وعُمرُ بنُ الخطاب يُكلِّمُ الناس، فقال: اجلس يا عُمر! فأبَى عمَرُ أن يجلس، فأقبَلَ الناس إليه وترَكوا عُمر، فقال أبو بكرٍ: أمَّا بعدُ، فمن كانَ مِنكُم يَعبدُ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم فإنَّ مُحمَّداً قد ماتَ، ومن كان يَعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يَموتُ؛ قال الله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)، وقال: والله! لكأنَّ النَّاس لم يَعلموا أنَّ الله أنزَلَ هذه الآية حتَّى تلاها أبو بكرٍ! فتلَقَّاها منه الناس كلُّهم، فما أسمَعُ بشراً من الناس إلاَّ يتلوها، فأخبرني سعيد بن المسيب أنَّ عُمَر قال: والله! ما هو إلاَّ أن سمعتُ أبا بكرٍ تلاها فعَقِرتُ حتَّى ما تُقِلُّني رِجلايَ(أي فدُهِشتُ حتى ما تحمِلُني رِجلايَ)، وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعتُه تلاها، عَلِطتُ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد مات".



    منقول بتصرف من كتاب "من كل سورة فائدة" إعداد: الشيخ /عبد المالك بن أحمد رمضاني
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X