تأثير الفتَن في الكلِّيَّات الخَمس (1)
بقلم :
فضيلة الشَّيخ
عبد المالك رمضاني الجزائري
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
والشَّريعةُ الإسلاَميَّةُ جاءَت بحَقنِ الدِّماءِ وحِفظِ الأَعراض والأَموالِ على أَهلِها ، بل جاءَت بحِفظِ الكلِّيَّات الخَمس :هَذه الثَّلاثَة المَذكورة والدِّين والعَقل ، والفِتنةُ إذَا جاءَت أتَت على هَذه كلِّها أو على بَعضِها بالنَّقض أو النَّقص ، وهاكَ أدلَّتَها :
أمَّا حِفظُ الدِّين عندَ الفتَن ، فلِكَون الفِتن تُفسدُه وتُشكِّكُ صاحبَه في أُصولِه حتَّى تَذرَه مُضطرِبَ الفِكْر غيرَ ثابتٍ على رَأي ، ودَليلُه مَا رواه مسلم (118) عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : " بَادِرُوا بالأَعْمَالِ فِتَناً كقِطَع اللَّيْل المُظْلِم ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً ويُمْسِي كَافِراً ، أو يُمْسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُ كَافِراً ، يَبِيعُ دِينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنْيا"
وبهَذا الاضطِراب في الأُصولِ تفرَّق النَّاسُ وظهرَت فيهم الفرَقُ ، فبَينَما هُم جَماعةٌ واحدةٌ فإذَا نزَلَت الفِتنُ تَفرَّقوا إلى جَماعاتٍ ، كلُّ جمَاعةٍ تتَحزَّب لمعنَى من مَعانِي الدِّين ، وتَتركُ بقيَّتَه ، والدَّارسُ لتَاريخ الفِرَق يَعْلم أنَّه ما مِن فِرقةٍ نَشأَت إلاَّ كانَت عَقبَ فتنةٍ .
وأمّا حِفظُ العَقْل عندَ الفِتن ، فلِكَون الفِتن تُفسدهُ أيضاً ، ودَليلُه مَا روَاه أحمد (4/406) وابنُ ماجه (3959) بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي مُوسَى الأشعَريِّ قالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ لَهرْجاً قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولُ الله ! مَا الهَرجُ ؟ قَالَ القَتْلُ:فَقَالَ بعض المُسْلمِينَ : يَا رَسُولَ الله ! إِنَّا نَقْتُلُ الآنَ فيِ العَامِ الوَاحِدِ مِنَ المُشركينَ كَذَا وكَذَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : لَيْسَ بقَتْلِ المُشْركينَ ، ولَكِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، حتَّى يَقْتُلَ الرَّجُل ُ جَارَه ُ وابنَ عمِّهِ وذَا قَرَابَتهِ ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ : يَا رَسُولَ الله ! ومَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ اليَوْم ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : لاَ! تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لاَ عُقُولَ لَهمْ ، ثُمَّ قَالَ الأَشْعَرِيُّ : وايْمُ الله ! إنِّي لأظُنُّهَا مُدْرِكَتي وإيَّاكُمْ ، وَايْمُ الله ! مَا ليِ ولَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ إنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِد َ إلَيْنَا نَبيُّنَا صلى الله عليه وسلم إلاَّ أَنْ نَخْرُجَ كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا " زادَ أحمد في آخِرِه :
"لم نُحْدِث فيها شَيئاً "
وأمَّا حِفظُ النَّفْس والعِرْض والمالِ فقَد مرَّت بنا آثارٌ كَثيرةٌ تدلُّ على أثرِ الفِتنةِ في هَذه الثَّلاثَةِ :ودَليلُه الصَّريحُ خُطبةُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في الحجِّ أخرجَها البخاري (67) ومسلم (1679) عن أبي بَكرةَ رضي الله عنه قالَ : لمَّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَعَدَ – أي رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم – عَلَى بَعيِرِهِ وأخَذَ إنْسَان ٌ بِخِطَامِهِ ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ، حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ! فَقَالَ: ألَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْر ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فأيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ! قاَلَ : ألَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فأيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قُلْنَا اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ : حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ! قالَ : ألَيْسَ بِالبَلْدَةِ ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فيِ شَهْرِكُمْ هَذَا ، في ِ بَلَدِكُمْ هَذَا ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ "
(1) : فصلٌ مِن كِتاب الفذّ :
تَميِيْزُ ذَوِي الْفَطن بَينَ شَرَفِ الجِهَادِ وَسَرَفِ الفِتَن
بقلم :
فضيلة الشَّيخ
عبد المالك رمضاني الجزائري
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
والشَّريعةُ الإسلاَميَّةُ جاءَت بحَقنِ الدِّماءِ وحِفظِ الأَعراض والأَموالِ على أَهلِها ، بل جاءَت بحِفظِ الكلِّيَّات الخَمس :هَذه الثَّلاثَة المَذكورة والدِّين والعَقل ، والفِتنةُ إذَا جاءَت أتَت على هَذه كلِّها أو على بَعضِها بالنَّقض أو النَّقص ، وهاكَ أدلَّتَها :
أمَّا حِفظُ الدِّين عندَ الفتَن ، فلِكَون الفِتن تُفسدُه وتُشكِّكُ صاحبَه في أُصولِه حتَّى تَذرَه مُضطرِبَ الفِكْر غيرَ ثابتٍ على رَأي ، ودَليلُه مَا رواه مسلم (118) عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : " بَادِرُوا بالأَعْمَالِ فِتَناً كقِطَع اللَّيْل المُظْلِم ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً ويُمْسِي كَافِراً ، أو يُمْسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُ كَافِراً ، يَبِيعُ دِينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنْيا"
وبهَذا الاضطِراب في الأُصولِ تفرَّق النَّاسُ وظهرَت فيهم الفرَقُ ، فبَينَما هُم جَماعةٌ واحدةٌ فإذَا نزَلَت الفِتنُ تَفرَّقوا إلى جَماعاتٍ ، كلُّ جمَاعةٍ تتَحزَّب لمعنَى من مَعانِي الدِّين ، وتَتركُ بقيَّتَه ، والدَّارسُ لتَاريخ الفِرَق يَعْلم أنَّه ما مِن فِرقةٍ نَشأَت إلاَّ كانَت عَقبَ فتنةٍ .
وأمّا حِفظُ العَقْل عندَ الفِتن ، فلِكَون الفِتن تُفسدهُ أيضاً ، ودَليلُه مَا روَاه أحمد (4/406) وابنُ ماجه (3959) بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي مُوسَى الأشعَريِّ قالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ لَهرْجاً قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولُ الله ! مَا الهَرجُ ؟ قَالَ القَتْلُ:فَقَالَ بعض المُسْلمِينَ : يَا رَسُولَ الله ! إِنَّا نَقْتُلُ الآنَ فيِ العَامِ الوَاحِدِ مِنَ المُشركينَ كَذَا وكَذَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : لَيْسَ بقَتْلِ المُشْركينَ ، ولَكِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، حتَّى يَقْتُلَ الرَّجُل ُ جَارَه ُ وابنَ عمِّهِ وذَا قَرَابَتهِ ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ : يَا رَسُولَ الله ! ومَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ اليَوْم ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : لاَ! تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لاَ عُقُولَ لَهمْ ، ثُمَّ قَالَ الأَشْعَرِيُّ : وايْمُ الله ! إنِّي لأظُنُّهَا مُدْرِكَتي وإيَّاكُمْ ، وَايْمُ الله ! مَا ليِ ولَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ إنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِد َ إلَيْنَا نَبيُّنَا صلى الله عليه وسلم إلاَّ أَنْ نَخْرُجَ كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا " زادَ أحمد في آخِرِه :
"لم نُحْدِث فيها شَيئاً "
وأمَّا حِفظُ النَّفْس والعِرْض والمالِ فقَد مرَّت بنا آثارٌ كَثيرةٌ تدلُّ على أثرِ الفِتنةِ في هَذه الثَّلاثَةِ :ودَليلُه الصَّريحُ خُطبةُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في الحجِّ أخرجَها البخاري (67) ومسلم (1679) عن أبي بَكرةَ رضي الله عنه قالَ : لمَّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَعَدَ – أي رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم – عَلَى بَعيِرِهِ وأخَذَ إنْسَان ٌ بِخِطَامِهِ ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ، حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ! فَقَالَ: ألَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْر ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فأيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ! قاَلَ : ألَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فأيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قُلْنَا اللُه ورَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ : حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ! قالَ : ألَيْسَ بِالبَلْدَةِ ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رسُولَ الله ! قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فيِ شَهْرِكُمْ هَذَا ، في ِ بَلَدِكُمْ هَذَا ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ "
(1) : فصلٌ مِن كِتاب الفذّ :
تَميِيْزُ ذَوِي الْفَطن بَينَ شَرَفِ الجِهَادِ وَسَرَفِ الفِتَن