إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

طرح التثريب في الرد على الصعافقة وأهل التشغيب (حول مسألة ترك جنس العمل)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • طرح التثريب في الرد على الصعافقة وأهل التشغيب (حول مسألة ترك جنس العمل)

    <بسملة1>


    طرح التثريب في الرد على الصعافقة وأهل التشغيب
    (حول مسألة ترك جنس العمل)


    (...ولهذا نظائر متعددة؛ يقول الإنسان قولا مخالفا للنص والإجماع القديم حقيقة،
    ويكون معتقدا أنه متمسك بالنص والإجماع، وهذا إذا كان مبلغ علمه واجتهاده
    فالله يثيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده، ويغفر له ما عجز عن معرفته من الصواب الباطن)
    -ابن تيمية /"الإيمان"-


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نيينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد:

    فقد رأينا في هذه الأيام محاولات الصعافقة الأشرار لإسقاط العلامة محمد بن هادي بالافتراء والكذب تارة وبالتشويه والتشغيب تارة أخرى؛ على طريقة الحدادية الغلاة، والسفهاء البغاة، ومما شغبوا به تقريره لمسألة الإيمان وأن تارك العمل بالكلية كافر، ولا يكون إيمان إلا بعمل، وهذا ما عليه السلف الأبرار والعلماء الأخيار، فما زاد الشيخ محمد بن هادي على ما قرره أهل السنة، فنسبوه بذلك إلى الحدادية كما فعلوا من قبل مع الشيخ عبد الرحمن محي الدين حيث أرادوا أن يوقعوا بينه وبين أحد المشايخ، ولكن الله سلم.
    وأضرب لك مثالا لترى تلاعب الصعافقة بمسائل الدين وتقديسهم للأشخاص وتعصبهم للأقوال ولو خالفت الأدلة، فقد سجل بعض الإخوة من ولاية سطيف مكالمة هاتفية مع الشيخ صالح اللحيدان في حدود سنة 2014 ضمن اللقاءات السلفية السطائفية، وفي آخر الجلسة تكلم الشيخ عن مسألة جنس العمل وبين مذهب أهل السنة فيها ورد على من صحح إيمان تارك العمل، وذكر الأدلة على ذلك، وبعد انتهاء المكالمة تردد الإخوة في نشر الصوتية واتصلوا بالصعفوق فواز المدخلي؛ فأشار عليهم أن يحذفوا المقطع الذي تكلم فيه الشيخ عن مسألة جنس العمل وينشروا الباقي، فانظر رحمك الله إلى صنيع الصعافقة كيف أنهم لا يقبلون توجيهات العلماء الكبار ويطالبون بعدم نشرها، وسيأتي نظير هذا حيث طالب أحدهم إسقاط توجيهات العلامة صالح الفوزان وعدم العمل بها ولا الرجوع إليه! ثم يتهمون السلفيين اليوم بأنهم يردون نصائح العلماء ولا يأخذون بتوجيهاتهم، وخذ لك مثالا آخر؛ حيث نشر الشيخ حسن عبد الوهاب البنا بيانا يرد فيه على عبد الواحد المدخلي ومجالسه الحزبية السرية البدعية التي ينسقها، والتي تسمى بمجالس الشورى، كما فضحه الله في الصوتية المسربة، وليس الكلام عن مجالس تشاور العلماء كما يريد أن يلبس كبير الصعافقة، وكما يردد الأذناب عديمي الفهم، وقد أيد الشيخ الرملي بيان الشيخ حسن، لكن الصعافقة لم يفرحوا بالبيان والتأييد ولم ينشروه لأنه فضيحة لمديرهم الذي يأخذون منه التعليمات! بل عرض بالشيخ حسن الهابط والعكرمي بكل وقاحة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
    وسأنقل جملة من الأقوال عن السلف وعلمائنا المعاصرين الأثبات من الأحياء والأموات؛ وبعض الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، حتى يتبين للقارئ المنصف المتجرد من عباءة الهوى ومغبة التقليد والتقديس أن الشيخ محمدا بن هادي يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة ولم يخالفها قدر أنملة، بل من خالفها وحكم بصحة إيمان تارك العمل فقد وقع في قول المرجئة، ووقوعه في الإرجاء لا يعني كونه مرجئا، وقد تقرر عند أهل السنة الفرق بين الأسماء والمسميات.
    وسيظهر لك جليا -بعد اطلاعك على هذا البحث- تشغيب الصعافقة وأنهم هم الذين وقعوا في الحدادية وحذوا حذوهم، إذ غلوا غلوا هو من جنس غلو الحدادية، فالحدادية يحكمون على من ترك تكفير تارك العمل بأنه مرجئ مخالف لسبيل السلف، كما أن الصعافقة يحكمون على من كفر تارك العمل بأنه حدادي مخالف لسبيل السلف، وأنه وقع في جريمة عظيمة! بينما أهل السنة يحكمون على السلفي الذي لم يكفر تارك العمل بأنه وقع في الإرجاء، من غير أن يكون مرجئا، وأنه أخطأ في اجتهاده ولا يخرج عن دائرة السنة {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون}؟!

    تنبيه:
    الصعافقة غلوا غلوا شديدا في تهويل شأن هذه المسألة وتحذير طلبة العلم من النظر فيها حتى يبقوا جاهلين بها وبمعرفتها فيشغبوا بها كما شاؤوا، ويمارسون عليهم إرهابا فكريا رهيبا، ويروجون أن هذه المسألة لا يتكلم فيها إلا الحدادية والتكفيريون، وأنها بوابة التكفير والطعن في العلماء، بينما تجدهم يكتبون الكتب والمقالات ويجتهدون في نشر القول المرجوح فيها والدعاية له مع أنه مخالف للأدلة وإجماع السلف وما عليه جل المعاصرين، وإذا سألت أكثر طلبة العلم عن هذه المسألة فإنهم لا يدرون عنها شيئا، بل يخافون سماع الحق فيها! ولا يعلمون أن أكثر المعاصرين قد أفتوا فيها وقرروا ما عليه الأدلة وإجماع السلف! أليس هذا هو الإرهاب بعينه؟!
    وفي حقيقة الأمر فإن هذه المسألة كغيرها من مسائل الاعتقاد التي يجب على المسلم أن يعرفها، ويتعبد الله تعالى بها وبمعرفة الحق فيها، وعلى طالب العلم أن يقرر اعتقاد أهل السنة فيها، وإنما المذموم هو ان يجعل الطالب هذه المسألة همه الوحيد ويكثر الخوض والتعمق فيها، ويتخذها معولا لإسقاط العلماء ورميهم بالإرجاء والحدادية، ثم التحزب وعقد الولاء والبراء عليها كما تفعل الصعافقة، بل يعادون كل من خالفهم ولو كان من الكبار!!

    سوء أدب الصعافقة وتطاولهم على العلماء
    ولا تعجب من سوء أدبهم مع الشيخ محمد بن هادي ورميه بالحدادية والغلو فهذه تصرفات الجهال ذوي العقول القصيرة والفهوم الضعيفة، وهذه نتيجة ضيق مداركهم وقلة معرفتهم وخبرتهم بمذهب السلف، وقد صنعوا ذلك مع من هو أعلم وأجل من الشيخ محمد بن هادي، فانظر مثلا إلى أحد أغلمة السوء ممن نشر مقالا في شبكة سحاب -للأسف الشديد- بعنوان: "الرد على الفوزان ومن معه في مسائل الإيمان" كيف يتطاول على الشيخ صالح الفوزان ويسيء معه الأدب بالطعن واللمز، ويحشره مع أهل الزيغ والتكفير، والعجيب أن الإدارة اكتفت بحذف المقال دون تأديب هذا السفيه ولا توقيفه ولا نشر اعتذار عن هذه الجريمة النكراء! بل لما نشر الأخ رائد مقالا يرد فيه على هاني بن بريك -صديق الصعافقة- أسرعوا إلى حذف المقال ومنع رائدا من الكتابة!
    ولم نر لصعافقة الخارج والداخل أي إنكار على هذا السفيه المتطاول، ولم نر غيرتهم المزعومة التي أظهروها ضد المشايخ والطلبة السلفيين!
    ومن ذلك أيضا اختفاء أدعياء السلفية وحاملي لواء الطعن والإفساد -بحجة الرد والدفاع عن العلماء- لما طعن السفيه علي الشرفي الملقب -زورا- بالحذيفي في العلامة عبد الرحمن محي الدين ووصفه بالحاقد! ولم نر أي دفاع من أي صعفوق دون استثناء، ولما طعن عرفات الشر في الشيخ عبد المحسن العباد ووصفه بأنه ساقط وأنه أسقط نفسه؛ لم نر منهم أي دفاع، ولما طعن كبيرهم في الشيخ مقبل بأنه على طريقة الخوارج لم نر منهم أي دفاع، والأمثلة على ذلك كثيرة فلا يخدعنكم الصعافقة بدعوى الدفاع عن السنة والعلماء، وإنما غرضهم إسقاط العلماء!
    فيقول ذلك السفيه الحاقد في مقاله السيء: (فقد كثر النقل في مسائل الإيمان والتكفير عن الفوزان وفقه الله)!! هكذا يجرد السفيه الشيخ العلامة من المشيخة -وهو عضو هيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للإفتاء، بل من شدة حقده على العلامة جرده من لقب الدكتور، فإن كنت لا تراه أهلا للمشيخة فهل لك أن تسحب منه شهادته؟! ولتعلم أن العلامة بقية السلف هو أول من تحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام سنة 1399، فمت كمدا وحقدا، وكأني بك لا ترضى أن يكثر النقل عن العلامة الفوزان! أتريدون أن نترك الكبار وننقل عن الصغار والأغمار الذين لم يضبطوا صغار المسائل في باب الاعتقاد حتى صدرت منهم الأخطاء العجيبة الغريبة!
    ويقول: (ويعلم الجميع أن الفوزان تأثر بالتكفيريين سفر وجماعته، وكذا نخبة من أهل العلم ومشايخ بالرياض خاصة والعالم عامة)، لعلك تريد العلامة اللحيدان والغديان والنجمي وزيد المدخلي وغيرهم من الأئمة الكبار وأعلام السنة الأبرار؟!
    ويقول: (وقد سكت الكثير عنهم وليس ذلك مما يحبه الله تعالى في مسائل الدين والحق)، هكذا يرمي السفيه العلامة ومن معه من العلماء الكبار بالتكفير ويحرش عليهم إخوانهم العلماء ليردوا عليهم! ويرمي العلماء بالتقصير والسكوت عن الباطل، وعدم القيام بواجب نصرة الحق!
    ويقول: (وقد عزمت على هذا البيان المجمل هنا ريثما أنتهي بإذن الله تعالى من الرد التفصيلي)، وكأن الناس في ضلال وأوهام ينتظرون هذا البطل الذي أتقن مسائل الإيمان وفهمها فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ألا يذكركم هذا بهابط ما؟
    ولذلك وعدهم بقوله: (ويبقى بإذن الله تعالى مزيد تفصيل وشرح وبيان حول موقف الفوزان الذي مكن به لأهل الجهل والبدعة من منهج أهل الهدى والسنة)، مع شدة ركاكة هذه العبارة وسوء تأليفها حيث جعل منهج أهل الهدى والسنة من البدعة! إلا أنها حوت طعنا فضيعا لا يجوز لإدارة سحاب السكوت عنه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكفانا شر الصعافقة وكيدهم.
    ويقول: (فالفوزان ومن معه يقولون بوجود طائفة خامسة وهم مرجئة العصر... وهذا هو عين قول سفر والتكفيريين... وهذه لا يسكت عليها!!!)، ويقول: (والفوزان ومن معه يؤصلون بعض مسائل الإيمان على طريقة التكفيريين...)، ويقول: (والفوزان ومن معه يكفرون الحكام تارة باسم العلمانية وتارة باسم التبديل وهو تأصيل على طريقة التكفيريين...)، ويقول: (...فيقال: إذن أقوال الفوزان في هذا الباب تتساقط ولا يعتمد عليها ولا عليه في هذا الباب)، فمع ركاكة هذه العبارة -كالعادة- وإقحام جملة "في هذا الباب" مرتين دون فائدة فإنها أفصحت عن قصد هؤلاء الأشرار وأظهرت نواياهم الخبيثة في حربهم للعلماء؛ وأن غاية تشغيبهم هو إلصاق تهمة الغلو والحدادية والتكفير بالعلماء -ولو كانوا ممن يحارب الغلو والتكفير-، ودس أقوالهم تحت الأقدام وترك الاعتماد عليهم، واستبدالهم بالسفهاء الجهال، أصحاب الضعف العلمي والخلل التأصيلي، والأخطاء الجسام في مسائل الاعتقاد، والجهل والخطأ في الفتوى، المعتذرون بسبق اللسان، وكأنهم في سباق الألسن أيهم يسبق صاحبه إلى الخطأ والزلل.
    وهذا شيء مما ذكره السفيه من الطعن الصريح والفضيع الذي لم نر عشره في هاني بن بريك، ورمي أحد الأعلام بالتكفير والزيغ دون حياء، وهذه عينة أردت التنبيه عليها لتعلموا حجم المكيدة المدبرة لكم، فلا تنخدعوا بهؤلاء الصعافقة الذين يتسترون وراء العلماء والمتظاهرين بحب الكبار، وهل يكون الدفاع عن الكبار بإسقاط الكبار والصغار؟! وقد أسقطوا مجموعة من العلماء الكبار في المدينة والكويت والجزائر ومصر، فضلا عن طلبة العلم والدعاة في مشارق الأرض ومعاربها، فمن هو أحق بوصم التفريق؟!

    صورة المسألة المتنازع فيها
    وأما الصورة المتنازع فيها فهي: أن ينطق الشخص بالشهادتين ويصدق بقلبه ويأتي بعمل القلب ثم لا يأتي بعد ذلك بأي عمل من أعمال الجوارح مع قدرته على العمل.

    إجماع أهل السنة على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل
    وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فهذا ما عليه السلف قاطبة، وهذه بعض أقوالهم:
    قال البخاري رحمه الله: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص)،
    وقال ابن عبد البر في "التمهيد": (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات عندهم كلها إيمان) إلى أن قال: (وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ومنهم: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، ومن سلك سبيلهم قالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة).
    قال إسحاق بن راهويه: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا، إنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهلم جرا على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسرنا وبينا، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص).
    وقال معمر عن الزهري: كنا نقول: الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله، فإن كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله، وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله).
    وقال البغوي في ”شرح السنة”: (اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان) ثم قال: (إن الإيمان قول وعمل وعقيدة).
    وقال الحميدي: (سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون الإيمان قول وعمل).
    وقال الأوزاعي: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة السنة.
    وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدق بعمله كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول، ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه معاذ بن أسد، حدثنا الفضيل ين عياض عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: (الإيمان الإقرار، والتصديق بالعمل) ثم تلا: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوي القربى اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاةوالموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذي صدقوا وأولئك هم المتقون}).
    وقال شيخ الإسلام في "الإيمان": (حديث أبي ذر هذا مروي من غير وجه، فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول فلا كلام، وإن كانوا رووه بالمعنى؛ دل على أنه من المعروف في لغتهم أنه يقال: صدق قوله بعمله، كذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله)، لأن تصديق القلب لا بد أن يصدق بالقول والعمل، فصار الإيمان تصديقا بالقلب، وتصديقا باللسان، وتصديقا بالجوارح.
    وقال في موضع آخر: (ولهذا كان القول إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة، ومن شعائر السنة).
    روى ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي": (أن الشافعي قال للحميدي: ما يحتج عليهم -يعني: أهل الإرجاء- بآية أحج من قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}).
    وروى أسد بن موسى عن حسان بن عطية قال: (الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، ثم صيرهم إلى العمل فقال: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.
    قال: وسمعت الأوزاعي يقول: قال الله تعالى" {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}، والإيمان بالله باللسان والتصديق به العمل).
    وقال محمد بن نصر المروزي في "الصلاة": (أما قوله "الإيمان أن تؤمن بالله"، أن توحده وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه صلى الله عليه وسلم، واجتنبت مساخطه)، إلى أن قال: (وتؤمن بالفرقان، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الكتب، إيمانك بغيره من الكتب إقرارك به بالقلب واللسان، وإيمانك بالفرقان إقرارك به واتباعك ما فيه)، ثم قال: (وتؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل، إيمانك بسائر الرسل إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به، أديت الفرائض، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات...)، فلاحظ كيف أنه ربط بين كل من أركان الإيمان والعمل.
    وروى أن عبد الملك بن مروان كتب لسعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل، فأجاب عنها: سألت عن الإيمان، فالإيمان هو التصديق، أن يصدق العبد بالله، وملائكته، وما أنزل الله من كتاب، وما أرسل من رسول، وباليوم الآخر، وسألت عن التصديق، والتصديق: أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب، واستغفر الله وتاب منه، ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق، وتسأل عن الدين، فالدين هو العبادة، فإنك لن تجد رجلا من أهل دين يترك عبادة أهل دينه...)، فذكر أن صدق إيمان القلب العمل بالجوارح، وأنك لا تجد صاحب دين يترك عبادة أهل دينه.
    قال الآجري في "الشريعة": (هذا بيان لمن عقل، يعلم أنه لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وما أشبه ذلك).
    وقال ابن بطة في "الإبانة": (وفرض الله الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها).
    وقال شيخ الإسلام في "الإيمان": (وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل).
    وقال في "الإيمان الأوسط": (والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص).
    وقال أيضا: (وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: قول، وعمل، ونية.
    وربما قال آخر: قول، وعمل، ونية، واتباع السنة.
    وربما قال: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، أي الجوارح).
    ثم قال: (لكن القول المطلق -الذي لم يقيد باللسان أو القلب- والعمل المطلق -الذي لم يقيد بالقلب أو الجوارح- في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان دون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولا إلا بالتقييد كقوله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم}، وكذلك عمل الجوارح بدون دون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل، الباطن والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك قال بعضهم: ونية، ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولا إلا بموافقة السنة، وهذا حق أيضا، فأولئك قالوا: قول وعمل لبيان اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال).
    وقال في "الفتاوى": (وأجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، يزبد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح، فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم).
    ثم قال: (وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسوله، وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله، والإنابة إليه، والإخلاص له، والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة والمعلول.
    ويتبع الاعتقاد قول اللسان، ويتبع عمل الجوارح من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وغير ذلك).

    إجماع السلف على أن تارك العمل بالكلية ليس بمؤمن
    تقدم أن الإيمان عند أهل السنة هو قول واعتقاد وعمل، ومقتضى ذلك أن من ترك العمل لم يكن مؤمنا، لأنه تخلف جزء من أجزائه.
    بل قد نقل اللالكائي في ”شرح أصول اعتقاد أهل السنة”، وشيخ الإسلام ابن تيمية في ”الإيمان الكبير” حكاية الشافعي رحمه الله لإجماع السلف على أن الإيمان لا يتحقق إلا بالعمل، وهذا نص ما ذكره كل واحد منهما: (قال الشافعي -رحمه الله- في كتاب "الأم" في باب النية في الصلاة: نحتج بأن لا تجزئ صلاة إلا بنية لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركنا أن الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر).
    فهذا الإجماع قد تلقاه أهل السنة بالقبول ونقلوه عن الشافعي ولم يشككوا في نسبته إليه كاللالكائي وشيخ الإسلام كما تقدم، وكذلك قال ابن رجب في: "جامع العلوم والحكم" لما ذكر أن الإيمان وقول وعمل ونية: (وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم).
    بل كان هذا الإجماع معروفا حتى عند المخالفين لأهل السنة، كما جاء في "الإيمان" لشيخ الإسلام: (والرازي لما صنف "مناقب الشافعي" ذكر قوله في الإيمان -وقول الشافعي قول الصحابة والتابعين، وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن لقيه- واستشكل قول الشافعي جدا).
    وفي ”الإيمان الأوسط”: (حتى ان ابن الخطيب -يقصد الرازي- وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من "الأم" إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة، فلما صنف ابن الخطيب تصنيفا فيه -وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي- استشكل قول الشافعي ورآه متناقضا).
    فترى في هذا النقل أن شيخ الإسلام جعل كلام الشافعي هو قول أهل السنة، وكانت حكاية الشافعي لهذا الإجماع مشتهرة في عصر الرازي واستشكله دون أن يشكك في ثبوته عنه.
    وكلام الشافعي ليس في كتاب الطهارة كما وقع هنا، وإنما هو في كتاب الصلاة كما ذكره اللالكائي، وكذا شيخ الإسلام في ”الإيمان الكبير”، فنسبته لكتاب الطهارة هنا وهم من الشيخ.

    ولا وجه لتشكيك بعض المعاصرين في ثبوت حكاية الإجماع عن الشافعي بدعوى سقوطه في المطبوع من كتاب ”الأم”، وذلك من أوجه:
    أولا: سقوطه فيه قد يكون خطأ مطبعيا، وقد يعود لرداءة المخطوط أو غفلة الناسخ، فكم من كتاب طبع ثم بعد الوقوف على نسخ أخرى له وجد فيه سقوط وتحريف، فهل يعني هذا أن ننكر ما ثبت في النسخ الأخرى بدعوى سقوطها في المطبوع؟! وكم من محقق يخرج كتابا ثم يأتي غيره ويستدرك عليه من نفس النسخة المعتمد عليها في تحقيق الكتاب، فيكون الساقط في المطبوع ثابتا في الأصل، فهل نترك ما أثبته الثاني لسقوطه في المطبوع؟!
    ولا يستبعد كذلك عبث أهل البدع ولأهواء ممن يرون مذهب المرجئة بكتاب الشافعي!
    ثانيا: قد علم أن الشافعي لم يرتب مسائل هذا الكتاب ولم يجعله تأليفا مستقلا، وإنما جمعه تلميذاه البويطي والربيع فرتبا كتاب ”الأم” على الكتب والأبواب والمسائل الفقهية، ونسب إلى الربيع دون البويطي، وكان فيه كثير من التكرار فجاء سراج الدين البلقيني فرتبه مرة أخرى وهذبه، فكل هذا التغيير والتطور قد يكون سببا في فقد نص الشافعي الذي ذكر فيه الإجماع؛ كما سقطت منه بعض المسائل الفقهية.
    ثالثا: قد أثبت هذا الإجماع جماعة من الأعلام الذين نقلوا لنا اعتقاد أهل السنة؛ فكيف نقبل منهم جميع ما حكوه في أبواب الاعتقاد ولا نقبل منهم هذا النقل؟! مع أن مضمونه هو عين ما قرره السلف والموافق لقواعدهم!
    رابعا: قد نقل هذا الإجماع اللالكائي وشيخ الإسلام وابن رجب رحمهم الله، ونسبه الالكائي وشيخ الإسلام إلى كتاب ”الأم” دون واسطة بل ذكرا الباب الذي وردت فيه العبارة، وهو باب النية في الصلاة، فهذا دليل على وقوفهما على ذلك الإجماع في كتاب ”الأم” في زمانهما، وإلا لنسباه إلى الشافعي دون ذكر الأصل كما هو الحال في كثير من الأقوال التي تنسب إليه، وحسبك بهما جلالة وأمانة وحفظا، وشيخ الإسلام هو المدقق الثبت البصير بمذاهب الناس بإجماعاتهم، وقد ألف أحدهم كتابا ذكر فيه الإجماعات التي حكاها شيخ الإسلام.
    فإن قيل: يحتمل أن يكون شيخ الإسلام قد نقل كلام الشافعي من كتاب اللالكائي دون عزو، فيقال: نعم هذا وارد، وقد نقل منه شيخ الإسلام بعض النقول بنفس ترتيب اللالكائي، ومع ذلك فلو لم يقف على كلام الشافعي في كتاب "الأم" لأحال إلى اللالكائي، والدليل على ذلك أن اللالكائي ذكر أثرا عن الشافعي بسنده إلى ابن أبي حاتم، ونقله شيخ الإسلام بنفس ترتيب اللالكائي -قبل ذكر حكاية الإجماع- وعزاه مباشرة إلى "مناقب الشافعي" لابن أبي حاتم دون الإحالة إلى اللالكائي لوقوفه عليه فيه، وكذلك ذكره لإجماع الشافعي؛ فقد عزاه لكتاب "الأم" في غير ما موضع دون الإحالة إلى اللالكائي، فهذا دليل على وقوفه على ذلك الإجماع في كتاب الأم وإلا لعزاه إلى اللالكائي.
    خامسا: لو أنكرنا هذا الإجماع لعدم وجوده في المطبوع لأنكرنا كثيرا من كلام العلماء الذي ينقلونه من الكتب المفقودة وغير الموجودة ببن أيدينا اليوم، فقد حفظوا لنا نقولا عزيزة لا يمكن الاهتداء إليها إلا عن طريقهم كما حفظوا لنا حكاية الشافعي لهذا الإجماع.
    سادسا: كيف لا تثبت حكاية الشافعي للإجماع وكلامه هو مقتضى ما قرره أهل السنة وأجمعوا عليه من أن العمل جزء من الإيمان؛ فلا يتم الشيء حتى يستجمع كل أجزائه، فإذا فقد جزء من أجزائه لم تتحقق ماهيته، فهو كل؛ والاعتقاد والقول والعمل أجزاءه، والكل لا يتحقق إلا بمجموع أجزائه، كالبيت مثلا فهو ذو أجزاء: السقف والجدران، فلا يكون بيت إلا بمجموع الجزءين، فلا يقال للسقف وحده بيت، ولا للجدران وحدها بيت.
    سابعا: أن البيهقي خرج أحاديث "الأم" في كتابه "معرفة السنن والآثار" وقد بدأه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، والشافعي حكى الإجماع المذكور أثناء شرحه لهذا الحديث، وهذا الحديث ساقط من كتاب ”الأم” المطبوع، فتخريج البيهقي له دليل على وجوده في الأصل واشتهار ذلك بين العلماء، ثم طرأ بعد ذلك السقط، واللاكائي والبيهقي والرازي كلهم تفقهوا على مذهب الشافعي، فهم أدرى بكلام الشافعي من غيرهم.
    ثامنا: أن جادة أهل العلم في مثل هذا أن يستدركوا على المطبوع لا أن يشككوا في المنقول، وقد نقل شيخ الإسلام في "الإيمان" عن أبي عبيد القاسم بن سلام من كتبه "الإيمان" أنه قال: (هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)، ثم ذكر اثنتي عشرة نفسا من أهل مكة، واثنتي عشرة من أهل المدينة، وأربعا من أهل اليمن، وثلاث عشرة من أهل مصر والشام، وأربع عشرة ممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة، واثنتين وأربعين من أهل الكوفة -وإنما ذكر من الكوفيين أكثر ممن ذكر من غيرهم لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان فيهم أكثر-، وستا وعشرين من أهل البصرة، وستا من أهل واسط، ومن أهل المشرق كذلك.
    ثم قال: (هؤلاء جميعا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا).
    قال الشيخ ناصر الدين الألباني معلقا: (ولم يرد هذا النقل في "الإيمان" المطبوع فيستدرك من هنا)، فانظر كيف أن الشيخ الألباني نصح باستدراك هذا النقل من كتاب شيخ الإسلام ولم يستدل بسقوطه من المطبوع على عدم صحته عن أبي عبيد، فالجادة أن يستدرك على كتاب "الأم" ما نقله الأئمة عن الشافعي من حكاية الإجماع لا أن يشكك في صحته عنه.
    وكلام أبي عبيد نقله أيضا ابن بطة في ”الإبانة”، فهل نشكك أيضا في نقله بدعوى سقوطه من المطبوع!

    وقد ذكر الآجري في ”الشريعة” ما يؤيد الإجماع الذي حكاه الشافعي حيث قال: (نقول والحمد لله قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم وقد تقدم ذكرنا لهم: ان الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزي بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك).
    فكما أنه لا يصح إيمان بلا اعتقاد أو قول إجماعا؛ فكذلك لا يصح إيمان بلا عمل، وهو مقتضى إجماع أهل السنة أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
    وقال أيضا: (باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث).
    ثم قال: (اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق؛ وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح.
    ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين).
    وقال: (فالأعمال رحمكم الله تعالى بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، وبالله تعالى التوفيق).
    فانظر كيف أنه جعل العمل بالجوارح ملازما لتصديق القلب، فترك العمل بالكلية دليل على عدم تصديق القلب، وقد ذكر أيضا هذه الملازمة بين عمل القلب والجوارح من يرى بكفر تارك الصلاة كابن القيم، ولذلك ظن كثير من الناس أن مسألة ترك جنس العمل مبنية على مسألة ترك الصلاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
    ثم قال: (وقد قال الله تعالى في كتابه، وبين في غير موضع أن الإيمان لا يكون إلا بالعمل، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم، خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان).
    وقال أيضا: (إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه؛ وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار؛ إلا بالإيمان والعمل الصالح، قرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقا بقلبه، وناطقا بلسانه، وعاملا بجوارحه، لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجدته كما ذكرت.
    واعلموا رحمنا الله وإياكم أني قد تصفحت القرآن فوجدت ما ذكرته في شبيه من خمسين موضعا من كتاب الله تعالى، لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم وبما وفقهم له من الإيمان والعمل الصالح.
    وقال أيضا: (كل هذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يجوز غير هذا، ردا على المرجئة الذين لعب بهم الشيطان، ميزوا هذا تفقهوا إن شاء الله).
    وقال أيضا: (وأنا بعد هذا أذكر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة، وعن كثير من التابعين أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، ومن لم يقل عندهم بهذا فقد كفر).
    وقال أيضا: (ميزوا رحمكم الله قول مولاكم الكريم هل ذكر الإيمان في موضع واحد من القرآن إلا وقد قرنه إليه العمل الصالح.
    وقال الله تعالى: {وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}، فأخبر تعالى بأن الكلام الطيب حقيقته أن يرفع إلى الله تعالى بالعمل، فإن لم يكن عمل بطل الكلام قائله ورد إليه، ولا كلام طيب أجل من التوحيد، ولا عمل من أعمال الصالحات أجل من أداء الفرائض).
    وجاء عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، والحسن، وسعيد بن جبير: (لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة)، فهذا صريح في أنه لا ينفع الإيمان إلا إذا كان بالقول والعمل والنية جميعا، ولا ينفع قول ونية دون عمل.
    وكان الحسن يقول: (الإيمان كلام، وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول).
    وقد تقدم قول معمر عن الزهري: كنا نقول: الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله، فإن كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله، وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله).
    وقال الوليد بن مسلم: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز رحمهم الله ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بالعمل، ولا عمل إلا بالإيمان).
    وقد تقدم قول الأوزاعي: (لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.
    وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين).
    قال إسحاق بن راهويه: (غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود لها: إنا لا نكفره، يرجأ أمره إلى الله بعد إذ هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم)، يعني في أنهم مرجئة.
    قال سفيان الثوري: (أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال من إمامك في هذا؟ فقل سفيان الثوري).
    قال سهل التستري وقد سئل عن الإيمان: (هو قول ونية وعمل وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة).
    وسئل حذيفة: ما النفاق؟ قال: (الذي يصف الإسلام ثم لا يعمل به).
    قال الربيع بن أنس: (وكان الحسن يقول: الإيمان كلام وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول).
    وقال ابن بطة في "الإبانة": (فقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل، وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرحه في سنته وأعلمه أمته).
    وقال أيضا: (اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به، والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر الله به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بلسانه، عاملا مجتهدا بجوارحه، ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله، وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن، ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة).
    ثم قال: (فمن ترك شيئا من الفرائض التي فرضها الله عز وجل في كتابه، أو أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بين الكفر، لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن أقر بذلك وقال بلسانه ثم تركها تهاونا ومجونا، أو معتقدا لرأي المرجئة ومتبعا لمذاهبهم، فهو تارك الإيمان ليس في قلبه منه قليل ولا كثير، وهو في جملة المنافقين الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن بوصفهم وما أعد لهم، وإنهم في الدرك الأسفل من النار، نستجيز بالله من مذاهب المرجئة الضالة).
    ثم قال: (قال الله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، فالهدى هدى الإيمان وهو القول، والدين هو العمل وجميع الفرائص والشرائع والأحكام، ومجانبة الحرام والآثام، فالدين ليس خصلة واحدة ولكنه خصال كثيرة من أقوال وأفعال، من فرائض وأحكام وشرائع وأمر ونهي.
    فقوله عز وجل: {بالهدى ودين الحق}، يجمع ذلك كله حتى صار دينا قيما، فمن كان من أهل الدين عمل بجميع ما فيه، ومن آمن ببعضه وكفر ببعضه لم يكن من أهله، ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فليس هو من أهل الحق، ولا مؤمن، ولا مهتد، ولا عامل بدين الحق، ولا قابل له، لأن الله عز وجل قد أعلمنا أن كمال الدين بإكمال الفرائض).
    ثم قال: (اعلموا رحمكم الله أن الله عز وجل لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح، والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص، حتى صار اسم الإيمان مشتملا على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها من بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض، حتى صار الإيمان قولا باللسان، وعملا بالجوارح، ومعرفة بالقلب، خلافا لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم، وتلاعبت الشياطين بعقولهم، وذكر الله عز وجل ذلك كله في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته).
    ثم قال: (فمن زعم أن ما في كتاب الله عز وجل من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان؛ وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن، فقد أعظم الفرية وخالف كتاب الله، ونبذ الإسلام وراء ظهره، ونقض عهد الله وميثاقه)، إلى أن قال: (وقال الله عز وجل: فمن زعم أنه مقر بالفرائض ولا يؤديها ولا يعملها، وبتحريم الفواحش والمنكرات ولا ينزجر عنها ولا يتركها وأنه مع ذلك مؤمن؛ فقد كذب بالكتاب وبما جاء به رسوله، ومثله كمثل المنافقين الذين قالوا: {ءامنا بأفواهم ولم تؤمن قلوبهم}، فأكذبهم الله ورد عليهم قولهم وسماهم منافقين، مأواهم الدرك الأسفل من النار، على أن المنافقين أحسن حالا من المرجئة، لأن المنافقين جحدوا العمل وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم وجحدوا بترك العمل به، فمن جحد شيئا وأقر به بلسانه وعمله وببدنه أحسن حالا ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه، فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون ومكذبون لما هم به مصدقون، فهم أسوء حالا من المنافقين.
    ويح لمن لم يكن القرآن والسنة دليله، فما أضل سبيله، وأكسف باله، وأسوأ حاله).
    ثم قال: (فقد تلوت عليكم من كتاب الله عز وجل ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبا وخارجا من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولا إلا بعمل، ولا عملا إلا بقول).
    وقال شيخ الإسلام في "شرح العمدة": (وأيضا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا)، إلى أن قال: (وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، ومن لا دين له فهو كافر).
    وقال في "الفتاوى": (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صيام، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة، ويصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد).
    ونقل عن أبي طالب المكي أنه قال: (فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله؛ عاملا بما أمر الله فهو مؤمن مسلم).
    ونقل عنه أيضا: (لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد، ومثل ذلك مثل العمل الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، أي لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن "إنما" تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من النيات، فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام، وفى سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك فى سقوط العمل ذهاب الإيمان).
    وقال ابن القيم: (الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك، فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان).

    وعليه فمن صحح إيمان تارك العمل يقال له: أنزل تعريف أهل السنة للإيمان على هذا الرجل، فإذا فعل وجد نفسه قد صحح إيمانا لم تنطبق عليه الشروط التي وضعها أهل السنة، إذ إن إيمان هذا الرجل مركب من اعتقاد وقول فقط، وعند أهل السنة لا يصح إيمان إلا بالاعتقاد والقول وعمل الجوارح.
    وقال أبو ثور: (فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم: {وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}؛ إلا إقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟
    فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟!
    فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟!
    أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا.
    قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم!
    قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعا؟! فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر -إذا عمل ولم يقر- مؤمنا لا فرق بين ذلك!
    فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم نطلق له اسم الإيمان).
    قال شيخ الإسلام في "الإيمان": (يعني الإمام أبو ثور رحمه الله أنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم بالعمل، مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا، فهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب أمرين: الإقرار والعمل، وهو يدل على أن كلا منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعا لله، ولا مستحقا للثواب، ولا ممدوحا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعا، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا).

    فتبين مما ذكر أن أقل الأحوال أن يسلم الصعافقة -إن أصروا على إنكار إجماع أهل السنة- أن تكفير تارك العمل هو مذهب جمهور السلف، ويبقى الخلاف قائما بين أهل العلم، والعبرة والحكم عند النزاع هو الدليل، من كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو إجماع، والحقيقة أن تكفير تارك العمل هو مذهب جميع السلف -كما قرره العلماء- وهو ما نصره جل المعاصرين، فلا حاجة للتهويل والتشغيب حول هذه المسألة فضلا عن حصر الحق فيها في قول واحد -مع كونه خطأ باطلا مخالفا للنصوص والإجماع-، أو جعل المسألة من المؤاخذات التي يسقط بها العلماء، فهذا سبيل الغلاة الجهلاء والحدادية السفهاء.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    يتبع... (وقد جعلت المقال حلقات لطوله).
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X