إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحكم التشريعية لبعض أبواب دين الاسلام من كتاب "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" للعلامة البسام.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحكم التشريعية لبعض أبواب دين الاسلام من كتاب "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" للعلامة البسام.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحكم التشريعية لبعض أبواب دين الاسلام من كتاب "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" للعلامة البسام.

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

    فهذه بعض الحكم والأسرار لبعض أبواب ديننا الحنيف ذكرها العلامة البسام في كتابه توضيح الأحكام جمعتها في موطن واحد لتسهل الاستفادة منها، نسأل الله أن ينفعنا بها، والله المستعان.

    ما يعرف من حكمة الوضوء:

    جوهر الصلاة وروحها هو أن يتصور العبد أنه أمام الله تعالى، ولكي يتهيأ ذهنه لذلك، ويتخلص من شواغل الحياة، فرض الوضوء قبل القيام بالعبادة؛ لكون الوضوء آله هادئة لتنبيه ذهنه المستغرق في أعمال الحياة إلى أداء الصلاة.
    فإن المستغرق بفكره في أعمال تجارته أو صناعته ونحوهما، لو قيل له: قم للعبادة، لوجد صعوبة في تأديتها، وهنا كانت حكمة الوضوء؛ لأنه يساعد على ترك التفكير الأول، ويعطيه الوقت الكافي ليبدأ في تفكير عميق من نوع آخر.
    وبالجملة: فللنفس انتقال واقعي، وتنبيه من خصلة إلى خصلة، هو العمدة في المعالجات النفسية، وإنما يحصل هذا التنبيه بمراكز في صميم طبائعهم وجذور نفوسهم.
    وتقتصر الطهارة الصغرى على غسل الأطراف التي جرت العادة بانكشافها وخروجها من اللباس، فتسرع إليها الأوساخ، كما جرت العادة بنظافتها عند الأعمال النظيفة، وعند الدخول على الكبراء، وتقابل الناس بعضهم ببعض.
    كما أن غسل هذه الأعضاء الأربعة فيه تنبيه للنفس من النوم والكسل.[كتاب الطهارة، باب الوضوء، 1/192-193].

    حكمة الاغتسال من الجنابة:

    ما جاء في قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6].
    وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي رافع؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلا واحدا؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر".
    وقد ظهرت الآن هذه الحكمة النبوية، وهذا الإعجاز العلمي، قال الجرجاوي: إن الشارع الحكيم فرض الاغتسال بعد خروج المني، ولم يفرضه بعد خروج البول، مع أنهما من مكان واحد وعضو واحدة ذلك أن البول عبارة عن فضلة المأكول والمشروب، وأما المني فهو عبارة عن مادة مكونة من جميع أجزاء البدن، ولذا نرى الجسم يتأثر بخروجه، ولا يتأثر بخروج البول؛ ولذا نرى الإنسان بعد الجماع تضعف قوة بدنه، فالغسل بالماء يعيد إلى البدن هذه القوة المفقودة بخروج المني؛ كما أن خروج هذه القوة من الجسم تسبب الكسل، والاغتسال يعيد إلى الجسم نشاطه.
    وقد صرح الأطباء أن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، وأنه أنفع شيء له في تنشيط دورة الدم في الجسم؛ ليعود إليه نشاطه وقوته، وأن ترك الاغتسال يسبب له أضرارا كبيرة.
    فالطهارة عملية نافعة جدا للرجل والمرأة على السواء، إذا فقد بالعملية الجنسية النشاط والحيوية، فإن الاغتسال يعيد إلى الجسم ذلك النشاط، وتلك الحيوية، ولله في شرعه حكم وأسرار.[كتاب الطهارة، باب الغسل وحكم الجنب، 1/366-367].

    حكمة السهو في الصلاة:

    قال ابن القيم: كان سهو النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة من تمام نعمة الله تعالى على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو.
    قال محرره: ومن حكمة سهوه -صلى الله عليه وسلم- تحقق بشريته؛ لئلا يكون للغلاة مدخل في إعطائه شيئا من صفات الإلهية، والربوبية باسم التعظيم، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني". [رواه البخاري (451) ومسلم (572)]، أما حكمة سجود السهو فهو إرغام للشيطان، الذي هو سبب النسيان والسهو، وجبر للنقصان الذي طرأ في الصلاة، وإرضاء للرحمن بإتمام عبادته، وتدارك طاعته، والله أعلم.[كتاب الصلاة، باب سجود السهو، 2/327-328].

    حكمة الجماعة في المساجد:

    شرع الله عز وجل لهذه الأمة المحمدية الاجتماعات المباركة في أوقات، منها: ما هو في اليوم والليلة، وهو الصلوات المكتوبة، حينما يجتمع أهل الحي في مسجد واحد، يتعارفون فيه ويتآلفون.
    ومنها: ما هو في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، حينما يجتمع أهل البلد، أو أهل الحي الكبير في مسجد جامع، لنفس الأغراض الكريمة.
    ومنها: ما هو في العام؛ كصلاة العيدين، الذي يجمع أهل المصر الواحد في صعيد واحد، أو يجمع وفود المسلمين من أقطار الدنيا كلها في عرفة، وفي مشاعر الحج؛ ليشهدوا منافع لهم من التعاون والتآلف والتشاور، وتبادل الأفكار والآراء، فيما يعود على المسلمين بالخير والبركة.
    ومن فوائد صلاة الجماعة الائتلاف والتعارف، وتعلم الجاهل من العالم، والتنافس في أعمال الخير، وعطف القوي على الضعيف، والغني على الفقير، وغير ذلك مما يفوت الحصر ... والله الموفق. [كتاب الصلاة، باب صلاة الجماعة والإمامة، 2/450-451].


    حكمة التخفيف في السفر:

    قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": خص تبارك وتعالى المسافر في سفره بالترفه، فخصه بالفطر والقصر، وهذا من حكمة الشارع؛ فإن السفر في نفسه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد بجسمه، فكان من رحمة الله بعباده وبره بهم أن خفف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر.
    فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزم بها في السفر كإلزامه بها في الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإساقط الواجب فيها, ولا تأخيره، وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمر لا ينضبط ولا ينحصر، فلو جوز لكل مشغول، وكل مشقوق عليه، الترخيص -ضاع واضمحل بالكلية، وإن جوز للبعض لم ينضبط، فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة، وما لا تجوز، بخلاف السفر.
    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: من قواعد الشريعة: "أن المشقة تجلب التيسير", ولما كان السفر قطعة من العذاب، يمنع العبد نومه، وراحته وقراره، رتب الشارع عليه ما رتب من الرخص، وحتى لو فرض خلوه عن المشقات؛ لأن الأحكام تتعلق بعللها التامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد.
    فالحكم الفرد يلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا هو معنى قول الفقهاء: "النادر لا حكم له"، يعني: لا ينقض القاعدة، ولا يخالف حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره. [كتاب الصلاة، باب صلاة المسار والمريض، 2/526-527].


    الحكمة من تشريع صلاة الجمعة:

    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الشارع من حكمته، ومحاسن شرعه، أنه شرع للمسلمين الاجتماعات لأنواع العبادات من الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، ومصلى العيد، ومشهد الحج في البقاع المقدسة، ففي هذه الاجتماعات من الحكم والأسرار ما يفوت الحصر، فمنها:
    1 - إظهار دين الله تعالى، وإعلاء كلمته.
    2 - إظهار شعائر الإسلام، وبيان جمالها.
    3 - إظهار محاسن الإسلام، وجمال تشريعاته.
    4 - تعارف المسلمين، وتآلفهم.
    5 - التعرف على بلدانهم، وأحوالهم، وآمالهم، وآلامهم.
    6 - التشاور وتبادل الآراء النافعة.
    7 - التعاون على الحق، والتآزر على الدين.
    8 - اجتماع كلمة المسلمين ووحدة صفهم، وتوحيد هدفهم نحو الخير.
    وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الكريمة: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28]، فاجتماع المسلمين في عباداتهم خير وبركة وإصلاح وفلاح، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103].
    أسال الله تعالى أن يوحد كلمة المسلمين، وأن يجمع قلوبهم على الحق، وأن يعزهم بدينه، فهو القادر على ذلك، وهو نعم المولى ونعم النصير. [كتاب الصلاة، باب صلاة الجمعة، 2/562-563 ].

    الحكمة من الكسوف والخسوف:

    وكما أن للكسوف والخسوف أسبابه العادية، التي تدرك بعلم هذه الأسباب المادية -فله حكمته الإلهية الربانية، فعندما تقضي الحكمة الإلهية تغيير شيء من آيات الله الكونية؛ كالكسوف والخسوف والزلازل؛ ليوقظ الله عباده من الغفلة بترك الواجبات، وارتكاب المنهيات، تقدر الأسباب الحسية العادية، لتغيير هذا النظام الكوني؛ ليعلم العباد أن وراء هذه الاكوان العظيمة مدبرا قديرا بيده كل شيء، وهو محيط بكل شيء، فهو قادر على أن يعاقبهم بآية من آياته الكونية، كما أهلك الأمم السابقة بالصواعق والرياح، والطوفان والزلازل والخسوف، كما أنه قادر على أن يسلبهم نور الشمس والقمر، فيظلون في أرضهم يعمهون، أو يصيبهم بالقحط فتذوى أشجارهم، وتجف أنهارهم؛ قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21)} [السجدة]، ولكننا أصبحنا في زمن المادة وطغيانها، فصار الناس لا يدركون المعاني المعنوية من التحذير من عذاب الله، وتذكير نعمه. [كتاب الصلاة، باب صلاة الكسوف، 3/58].


    حكمة الزكاة:

    وهي من محاسن الإسلام، الذي جاء بالمساواة، والتراحم، والتعاطف، والتعاون، وقطع دابر كل شر، يهدد الفضيلة والأمن والرخاء، وغير ذلك من مقومات الحياة السعيده في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، فقد جعلها الله طهرة لصاحبها من رذيلة البخل، وتنمية حسية ومعنوية، ومساواة بين خلقه، وإعانة من الأغنياء لإخوانهم المستحقين لها، وجمعا للكلمة، حينما يجود الأغنياء على أهلها بنصيب من أموالهم.
    وبمثل هذه الفريضة الكريمة الرشيدة، يعلم أن الإسلام دين التكافل الاجتماعي، يكفل للفقير العاجز عن العيش ما يعينه على حياته، وأنه دين الحرية الذي أعطى الغني حرية التملك مقابل كده وسعيه، وفرض عليه الزكاة مساواة لإخوانه المعوزين، فهو الدين الوسط، فلا شيوعية مؤممة حارمة، ولا رأسمالية ممسكة محتكرة شاحة، وقد حذر الله تبارك وتعالى من منع الزكاة، وتوعد عليها بالعقوبة العاجلة والآجلة، وبالله التوفيق. [كتاب الزكاة، 3/282].

    حكمة زكاة الفطر:

    والحكمة في مشروعية هذه الزكاة ما جاء في سنن أبي داود (1609) عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطمعة للمساكين"؛ فهي ترقع خلل الصيام، وهكذا كل عبادة تتعلق بعبادة أخرى، فإنها تكون مكملة لها، ومتممة لما نقص منها.
    ويوضحها حكم وأسرار، منها ما يتعلق بالصائمين، فتطهرهم مما أصاب صيامهم من نقص وخلل، وهي أيضا شكر لله تعالى على أن من على عباده بتكميل صيام شهر رمضان، وشكر لله تعالى على أن متعهم بدوران الحول عليهم، فدار عليهم بصحة في أبدانهم، وسلامة في أديانهم، وأمن في أوطانهم.
    ومنها ما يتعلق بتكافل المجتمع الإسلام بسد خلل المحتاجين، وإطعام الجائعين في هذا اليوم -يوم العيد-وإشاعة السرور والفرح، وإدخال المحبة والمودة في قلوب بعضهم بعضا؛ ليكون المسلمون كلهم في مستوى واحد، من الغنى والكفاف عن التعرض للسؤال، والحاجة إلي مد اليد في يوم كل مسلم يحب أن يظهر فيه بمظهر الغنى، فحكم الله وأسراره في شرعه كثيرة. [كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، 3/371-372].

    حكمة الصوم:

    للصوم حكم وأسرار كثيرة عظيمة، منها:
    أولا: هو من أعظم الطاعات، فهو سر بين العبد وبين ربه، فهو الغاية في أداء الأمانة.
    ثانيا: إنه تحل بفضيلة الصبر، فقد جمع أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
    ثالثا: تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، تذكر العبد نعم الله عليه المتوالية، فيذكر إخوانه الفقراء الذين يقاسون هذا الحرمان أبد الدهر.
    رابعا: فيه فوائد صحية: فالصيام راحة وإجازة للجهاز الهضمي، لإعطائه فترة من الزمن يسترح فيها من الامتلاء والتفريغ، فيحصل له استجمام وراحة، يستعيد بها نشاطه وقوته.
    فالصيام عبادة جليلة جمعت خصال الخير كلها، واستبعدت خصال الشر كلها؛ ولذا فإن الله تعالى كتبها وفرضها على الأمم السابقة، فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183)} [البقرة]. [كتاب الصيام، 3/439-440].

    حكمة الاعتكاف:

    قال ابن القيم: لما كان صلاح القلب، واستقامته على طريق سيره إلى الله عالى، متوقفا على جمعيته، بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثا، ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، ويعوقه، ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، واستفراغ القلب من أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعيته بقدر المصلحة؛ بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة والانقطاع والانشغال به وحده سبحانه وتعالى، ويصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل عموم القلب، وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم به كله، والخطرات كلها بذكره، والفكرة في تحصيل مراضيه منه، فيصير أنسه بالله، بدلا من أنسه بالخلق، وبعده بذلك، لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. [كتاب الصيام، باب الاعتكاف، 3/572-573].

    حكم وأسرار الحج:

    للحج حكم عظيمة، وأسرار سامية، وأهداف كريمة، تجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وقد أشارت إليها الآية الكريمة، قال تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28].
    فهو مجمع حافل كبير، يضم جميع وفود المسلمين من أقطار الدنيا، في زمن واحد، ومكان واحد.
    فيكون فيه التآلف والتعارف، والتفاهم، مما يجعل المسلمين أمة واحدة، وصفا واحدا، فيما يعود عليهم بالنفع في أمر دينهم ودنياهم.
    وفيه من الفوائد والمنافع الاجتماعية والثقافية والسياسية ما يفوت الحصر عده، وهو عبادة جليلة لله تعالى بالتذلل، والخضوع والخشوع، وبذل النفس والنفيس من النفقات، وتجشم الأسفار والأخطار، ومفارقة الأهل والأوطان، كل ذلك طاعة لله تعالى، وشوقا إليه، ومحبة له، وتقربا إليه في قصد الكعبة المشرفة، والبقاع المقدسة.
    ومن أجل هذا جاء الحديث الذي في البخارى (1650) ومسلم (2403) "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" هذا إذا قصد العبد بحجه وجه الله تعالى، واحتسب الأجر من الله تعالى، ثم تحرى اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجه وأعماله كلها، وابتعد عما ينقص حجه من الرفث، والفسوق، والجدال بالباطل.
    ونقى عقيدته من البدع والخرافات والاتجاهات المنافية لدين الإسلام، والله الموفق والمستعان. [كتاب الحج، 4/04].

    حكمة الخيار:

    قال ابن القيم: أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضا الذي شرطه الله تعالى فيه بقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فإن العقد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد أمدا يتروى فيه المتعاقدان، ويعيدان فيه النظر، ويستدرك كل واحد منهما ما فاته. [كتاب البيوع، باب الخيار، 4/356].

    حكمة تحريم الربا:

    مضار الربا:
    1 - يقتل مشاعر الشفقة في الإنسان، فإن المرابي لا يتردد في تجريد المدين من أمواله، لذا اعتبره الإسلام منكرا اقتصاديا غليظ الإثم؛ لأنه يتنافى مع تعاليمه التي تحض على التعاون.
    2 - الربا يسبب العداوة والبغضاء بين الأفراد، ويوجد الشحناء، ويوجب التقاطع والفتنة.
    3 - الإسلام يرمي في تحريمه إلى تحقيق المساواة بين أفراد الأمة، ليكتفي الثري برأس ماله، ويسلم للفقير جهده، وكدحه، وتعبه، وشقاؤه، فلا يمتص الثري جهد كده، ويضيفه إلى ثرائه، فتتسرب الأموال من الأيدي الفقيرة والعاملة إلى صناديق أفراد محدودين، فتتضخم ثرواتهم، وتعظم كنوزهم على حساب هؤلاء الفقراء الكادحين، فهو طريق لكسب مال غير مشروع، فيسبب العداوات، ويثير الخصومات، ويحل بالمجتمع الكوارث والمصائب.
    4 - الربا يجر الناس إلى أن يدخلوا في مغامرات ليس باستطاعتهم تحمل نتائجها، قد تأتي على حياة المرابي.
    وأضرار الربا لا تحصى، ويكفي أن نعلم أن الله تعالى لا يحرم، ولا ينهى إلا عن كل ما فيه ضرر ومفسدة خالصة، أو ما ضرره ومفسدته أكثر من نفعه وفائدته، فنسأل الله تعالى العصمة. [كتاب البيوع، باب الربا، 4/369].

    حكمة التفليس والحجر:

    والحجر من محاسن الإسلام وعدالة أحكامه، ذلك أن الرجل إذا أفلس وافتقر بعد غنى اختلطت عليه أموره، فتصرف تصرفات فيها الحيف والجور، إذ ربما يوفي بعض غرمائه ويترك بعضهم، وقد يستولي أقوياء غرمائه على موجوداته ويستأثرون بها، ويتركون الضعفاء منهم، وربما أخفى أمواله، أو بعضها، وغير ذلك من التصرفات التي تضر بغرمائه أو بعضهم، ومن لطف الله تعالى بخلقه وبأصحاب الحقوق أن شرع الحجر؛ ليمنع المفلس من التصرف في أمواله الموجودة، وجعل تصرفه فيها غير نافذة ليحفظ بذلك الحقوق، ويوزع المجودات توزيعا عادلا بين غرمائه بالنسبة لديونهم.
    أما المفلس: فسلمت ذمته من المحاباة والإيثار، ورضي عنه جميع غرمائه، وانقطع عنه الطلب، وسلم من ملازمة الغرماء، والله حكيم عليم. [كتاب البيوع، باب التفليس والحجر، 4/479].

    حكمة الصلح:

    والصلح كما تقدم من أنفع العقود؛ لما يتوصل به إلى إطفاء الفتن وإخماد الحروب، وإصلاح الأحوال، وإرضاء النفوس، ولما يثمر من استتباب الأمن، واستقرار الأمور، وصفاء النفوس، وقطع دابر الشر. ولذا قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114)} [النساء: 114]، وقال تعالى: {والصلح خير} [النساء: 128].
    والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة جدا، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. [كتاب البيوع، باب الصلح، 4/502].

    حكمة الوكالة:

    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: من سعة الشرع أن أباح للإنسان أن يفعل الأشياء بنفسه، أو يقيم مقامه من يتولى ذلك العمل، وهو مطرد في حقوق الله وحقوق عباده، إلا ما لا يحصل المقصود إلا بمباشرة الإنسان له وتوليه بنفسه، فإن هذا النوع لا تصح فيه الوكالة. [كتاب البيوع، باب الوكالة، 4/556-557].

    حكمة الشفعة:

    لما كانت الشركة بالعقار يحصل منها أضرار عظيمة، ومشاكل جسيمة، وتطول مدة الشراكة فيها صارت الشفعة على وفق القياس الصحيح. فإن انتزاع حصة الشريك بثمنه من المشتري، منفعة عظيمة للشريك الشافع، ودفع ضرر كبير عنه بلا ضرر يلحق البائع ولا المشتري، فكل منهما أخذ حقه كاملا غير منقوص، وبهذا يعلم أن الشفعة جاءت على الأصل، ووفق القياس.
    قال ابن القيم: هي من محاسن الشريعة وعدلها، وقيامها بمصالح العباد، ومنها يعلم أن التحايل لإسقاطها مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له.
    والشرع كله خير وبركة، فلا يأمر إلا بما تكمل مصلحته، أو تزيد مصلحته على مفسدته.
    ولا ينهى إلا عما فيه مضرة كاملة، أو مضرته ومفسدته تزيد على مصلحته، فتبارك الله أحسن الحاكمين. [كتاب البيوع، باب الشفعة، 5/3-4].

    حكمة الهبة:

    وللهبة فوائد كثيرة، وحكم عظيمة، من إسداء المعروف، وجلب المحبة والمودة، لاسيما إذا كانت على قريب، أو جار، أو ذي عداوة، فإنها تحقق من المصالح والمنافع الخير الكثير، وتكون من أنول العبادات الجليلة المتعدي نفعها، والجالبة لكل خير.
    فالشارع الحكيم حينما قال: "تهادوا تحابوا" إنما قصد كل ما فيه الخير والصلاح، والله الموفق. [كتاب البيوع، باب الهبة، 5/111].

    حكمة الوصايا:

    وهي من محاسن الإسلام، إذ جعل لصاحب المال جزءا من ماله، يعود عليه ثوابه وأجره بعد موته.
    وهي من لطف الله بعباده، ورحمته بهم، حينما أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدنيا أن يتزودوا لآخرتهم بنصيب منها.
    ولهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية قول الله تعالى: "يا ابن آدم جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك؛ لأطهرك به وأزكيك". [كتاب البيوع، باب الوصايا، 5/184].


    حكمة الزواج:

    كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين، والأولاد، والمجتمع، والدين بالمصالح الكثيرة.
    فمن ذلك: ما فيه من تحصين فرجي الزوجين، وقصر نظر كل منهما بهذا العقد المبارك على صاحبه عن الخلان والخليلات.
    ومن ذلك: ما فيه من تكثير الأمة بالتناسل؛ ليكثر عباد الله تعالى، ويعظم سوادهم، ولما فيه من اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتحقيق المباهاة، ولما فيه من التساعد على أعمال الحياة، وعمار الكون.
    ومنها: حفظ الأنساب التي يحصل بها التعارف والتآلف والتعاون والتناصر، فلولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب والأصول، ولأصبحت الحياة فوضى لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، ولا فروع.
    ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة، والرحمة بين الزوجين، فإن الإنسان لابد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره، وفي عقد الزواج سر رباني عظيم، تتم عند عقده إذا قدر الله الألفة، فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة ما لا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلا بعد الخلطة الطويلة، وإلى هذا المعنى أشار تبارك وتعالى بقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21)} [الروم].
    ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.
    فالزوج يكد ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول.
    والمرأة تدبر المنزل، وتنظم المعيشة، وتربي الأطفال، وتقوم بشؤونهم، وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور.
    وبهذا نعلم أن للمرأة في بيتها عملا كبيرا، لا يقل عن عمل الرجل في خارج البيت، وأنها إذا أحسنت القيام بما نيط بها، فقد أدت للمجتمع كله أعمالا كبيرة وجليلة.
    فتبين أن الذين يريدون إخراجها من بيتها ومقر عملها, لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا ضلالا بعيدا، أو عرفوا وأرادوا الإضلال.
    وفوائد النكاح كثيرة يصعب عدها وإحصاؤها؛ لأنه نظام شرعي إلهي، سن ليحقق مصالح الآخرة والأولى. [كتاب النكاح، 5/209-211].

    حكمة الطلاق:

    قال الأستاذ عفيف طبارة: بواعث الطلاق الواردة في القرآن هي رغبة أحد الزوجين في الانفصال، وعدم المعاشرة، وليس كل خلاف ينبعث عنه الطلاق، وإنما الذي يعينه هو: دوام الشقاق الذي يستحيل معه العشرة الزوجية، وفي حالة الشقاق نفسه لا يجوز فصم عرى الزوجية مباشرة، فلابد من الإصلاح بين الزوجين، وإجراء التحكيم قبل الطلاق، بإرسال حكم من أهل الزوج، وحكم من أهل الزوجة؛ ليتروى كل من الزوجين، ويجدا الفرصة للصلح ورجوعهما عن رأيهما، فعلى الحكمين أن لا يدخرا جهدهما ووسعهما في الإصلاح بين الزوجين.
    فإذا نفدت وسائل الإصلاح والجمع، وتحقق لدى الحكمين أن التفريق أجدى لهما، فالفرقة في هذه الحالة أفضل؛ قال تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130]. [كتاب النكاح، باب الطلاق، 5/476].

    حكمة اللعان:

    الأصل أنه من قذف محصنا بالزنى قذفا صريحا، فعليه إقامة البينة، وهي أربعة شهود، فإن لم يات بهؤلاء الشهود، فعليه حد القذف ثمانون جلدة؛ كما قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4].
    واستثنى من هذا العموم إذا قذف الرجل زوجته بالزنى، فعليه إقامة البينة "أربعة شهود" على دعواه.
    فإن لم يكن لديه أربعة شهود، فيدرأ عنه حد القذف: أن يحلف أربع مرات: إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، وفي الخامسة: يلعن نفسه إن كان من الكاذبين؛ وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجه، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأن هذا عار عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته.
    ولا يقدم على قذف زوجته إلا من تحقق؛ لأنه لن يقدم على هذا إلا بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إن العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويا لصحة دعواه. [كتاب النكاح، باب اللعان، 5/540-541].

    حكمة العدة:

    وقد جعل الله تبارك وتعالى هذه العدة تتربص فيها المفارقة؛ لحكم وأسرار عظيمة، وهذه الحكم تختلف باختلاف حال المفارقة:
    فمنها: العلم ببراءة الرحم؛ لئلا يجتمع ماء الواطئين في رحم، وتختلط الأنساب، وفي اختلاطها الشر والفساد.
    ومنها: تعظيم عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
    ومنها: تطويل زمن الرجعة للمطلق؛ إذ لعله يندم فيكون عنده زمن يتمكن فيه من الرجعة، وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية، وأشار إليها القرآن الكريم: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1)} [الطلاق].
    ومنها: قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفى عنها.
    ولها حكم كثيرة لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله، بامتثال أمره؛ فلمجرد اتباع، أوامره سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق. [كتاب النكاح، باب العدة، 5/561-562].


    حكمة الرضاع:

    وأجمع العلماء على أثره في تحريم التناكح والمحرمية، وجواز النظر والخلوة، لا وجوب النفقة، والتوارث، وولاية النكاح.
    وحكمة هذه المحرمية والصلة ظاهرة؛ فإنه حين تغذى الرضيع بلبن هذه المرأة، نبت لحمه عليه؛ فكان كالنسب له منها.
    ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها مرض معد، لأنه يسري إلى الولد.
    واستحبوا أن يختار المرضعة الحسنة الخلق والخلق؛ فإن الرضاع يغير الطباع.
    والأحسن ألا ترضعه إلا أمه؛ لأنه أنفع وأمرأ، وأحسن عاقبة من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشكلات زوجية.
    وقد حث الأطباء على لبن الأم، لاسيما في الشهور الأول.
    وقد ظهرت لنا حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم.
    قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: "وللرضاع فوائد عظيمة"، ومن فوائده الصحية: ما جاء في قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233].
    فيقرر المولى تعالى حق الطفل في الرضاعة، ويوجه الوالدين إلى أن يتشاورا في أمر وليدهما، ويربط ذلك بالتقوى، وبعد مضي أربعة عشر قرنا من نزول الاية الكريمة، نادت المنظمات الدولية، والهيئات العالمية؛ مثل هيئة الصحة العالمية، التي تصدر البيان تلو البيان، تنادي الأمهات أن يرضعن أولادهن، بينما أمر الإسلام به منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.
    فمن فوائد الرضاعة للوليد:
    1 - لبن الأم معقم، جاهز، ليس به ميكروبات.
    2 - لبني الأم لا يماثلة أي لبن محضر؛ من البقر، أو الغنم، أو الإبل، فقد صمم وركب؛ ليفي بحاجات الطفل يوما بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام.
    3 - يحتوي لبن الأم على كميات كافية من البروتين، والسكر، بنسب تناسب الطفل تماما، بينما البروتينات الموجودة في لبن الأبقار، والأغنام، والجواميس عسيرة الهضم على معدة الطفل؛ لأنها أعدت لتناسب أولاد تلك الحيوانات.
    4 - نمو الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم أسرع وأكمل، من نمو أولئك الأطفال الذين يعطون القارورة.
    5 - تقول تقارير هيئة الصحة العالمية لعام 1988 م: إن أكثر من عشرة ملايين طفل قد لقوا حتفهم؛ نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم.
    6 - الارتباط النفسي والعاطفي بين الأم وطفلها.
    7 - يحتوي لبن الأم على العناصر المختلفة الضرورية لتغذية الطفل، وفق الكمية والكيفية، وعناصر التغذية الثابتة، وتتغير يوما بعد يوم، وفق حاجات الطفل.
    8 - يحفظ لبن الأم تحت درجة من الحرارة معقولة، يستجيب تلقائيا لحاجيات الطفل، ويمكن الحصول عليه في أي وقت.
    9 - الإرضاع من الثدي هو أحد العوامل الطبيعية لمنع حمل الأم؛ وهي وسيلة تمنع من المضاعفات التي تصحب استعمال حبوب منع الحمل، أو اللولب، أو الحقن".
    وذكر الدكتور أشياء كثيرة من الفوائد، نكتفي منها بهذا القدر، ولا نملك إلا أن نقول: {صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88)} [النمل]. [كتاب النكاح، باب الرضاع، 6/3-5].

    حكمة القصاص:

    حكمة القصاص متجلية في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179].
    قال الشوكاني: "لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم -حياة".
    ولذا نجد كثرة الجرائم، والقتل عند الأمم التي عدلت عن منهج الله تعالى، وحكمت بالقوانين الوضعية، فلم تجاز الجاني بما يستحق، بل حكمت عليه بمجرد السجن، تمدنا ورحمة به، ولم ترحم المقتول الذي فقد حياته، ولم ترحم أهله وأولاده الذين فقدوا عمدتهم، ولم ترحم الإنسانية التي أصبحت خائفة غير آمنة على دمائها من هؤلاء الفتاكين المجرمين؛ لم يفكروا في هذه العواقب والمصائب التي حلت بهم؛ لأنهم ليسوا من أولي الألباب. [كتاب الجنايات، 6/74].

    حكمة الحدود:

    لها حكم جليلة، ومعان سامية، وأهداف كريمة.
    ولذا يجب إقامتها لداعي التأديب والتطهير والمعالجة، لا لغرض التشفي والانتقام؛ لتحصل البركة والمصلحة، فهي نعمة من الله تعالى كبيرة على خلقه، فهي للمحدود طهرة عن إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي، وهي له ولغيره رادعة عن الوقوع في المعاصي.
    وهي مانعة وحاجزة من انتشار الشرور، والفساد في الأرض، وبإقامتها يصلح الكون، وتعمر به الأرض، ويسود الهدوء والسكون، وتتم النعمة، بانقماع أهل الشر والفساد، وبتركها -والعياذ بالله- ينتشر الشر، ويكثر الفساد، فيحصل من الفضائح، والقبائح، ما معه يكون بطن الأرض خيرا من ظهرها.
    ولا شك أنها من حكمة الله تعالى ورحمته، والله عزيز حكيم، وهو الشارع الرحيم حين شرع الحدود سبقت رحمته فيها عقابه، فعفا عن الصغار، وذاهبي العقول، والذين فعلوها لجهل بحقيقتها.
    وصعب أيضا ثبوتها، فاشترط في الزنا أربعة رجال عدول، يشهدون بصريح وقوع الفاحشة، أو اعترافا من الزاني بلا إكراه، وبقاء منه على اعترافه حتى يقام عليه الحد.
    وفي السرقة لا قطع إلا بالثبوت التام، وانتفاء الشبهة، إلى غير ذلك، مما هو مذكور في بابه، وأمر بدرء الحدود بالشبهات، كل هذا؛ لتكون توبة العبد بينه وبين نفسه، والله غفور رحيم. [كتاب الحدود، 6/210-211].

    حكمة تحريم الخمر:

    وحكمة تحريمها التشريعية لا يحتمل المقام هنا ذكر ما علمناه، ووقفنا عليه من المفاسد، التي تجرها وتسببها، ويكفيك قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91)} [المائدة]، فذكر أنه سبب كل شر، وعائق عن كل خير.
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الخمر أم الخبائث" فجعلها أما وأساسا لكل شر، وخبيث.
    أما مضرتها الدينية: والأخلاقية، والعقلية: فهي مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل.
    أما مضرتها البدنية فقد أجمع عليها الأطباء، لأنهم وجدوها سببا في كثير من الأمراض الخطيرة المستعصية، وأن ما تجره هذه الجريمة المنكرة من المفاسد والشرور ليطول عده، ويصعب حصره.
    ولو لم يكن فيها إلا ذهاب العقل: لكفى سببا للتحريم، فكيف يشرب المرء تلك الآثمة، التي تزيل عقله، فيكون بحال يضحك منها الصبيان، ويتصرف تصرف المجانين؟!
    فداء هذا بعض أعراضه كيف يرضاه عاقل لنفسه؟
    ولعظم خطرها، وكثرة ضررها، حاربتها الحكومات في "الولايات المتحدة" وغيرها.
    ولكن كثيرا من الناس لا يعقلون، فتجدهم يتلفون بها عقولهم، وأديانهم، وأعراضهم، وأموالهم، وشيمتهم، وصحتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. [كتاب الحدود، باب حد الشارب وبيان المسكر، 6/294].

    كتاب العتق:

    وهنا مبحثان:

    أحدهما: في فضله.
    والثانى: في موقف الإسلام من الرق والعتق.

    أما فضله: فيكفيك فيه هذا الحديث الصحيح، وهو ما رواه الترمذي (1547) عن أبي أمامة وغيره من الصحابة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من النار".
    والأحاديث والآثار الحاثة على فضل العتق والترغيب فيه كثيرة.
    وقد جعله الله تعالى أول المكفرات؛ لما فيه من محو الذنوب، وتكفير الخطايا والآثام، والأجر العظيم، بقدر ما يترتب عليه من الإحسان.
    وليس إحسان أعظم من فكاك المسلم من غل الرق، وقيد الملك، فبعتقه تكمل إنسانيته، بعد أن كان كالبهيمة فى تصريفها وتدبيرها.
    فمن أعتق رقبة، فقد فاز بثواب الله، والله عنده حسن الثواب.
    المبحث الثاني: عاب بعض أعداء الدين الإسلامي إقرار الشريعة الإسلامية الرق الذي هو -في نظرهم- من الأعمال الهمجية جملة.
    لذا نحب أن نبين حال الرق في الإسلام وغيره، ونبين موقف الإسلام منه بشيء من الاختصار؛ لأن المقام لم يخصص لمثل هذه البحوث.
    فالإسلام لم يختص بالرق، بل كان منتشرا في جميع أقطار الأرض.
    فهو عند الفرس، والروم، والبابليين، واليونان وأقره أساطينهم من أمثال أفلاطون، وأرسطو.
    وللرق -عندهم- أسباب متعددة في الحرب، والسبي، والخطف، واللصوصية، بل يبيع أحدهم من تحت يده من الأولاد، وبعضهم يعدون الفلاحين أرقاء، وكانوا ينظرون إلى الأرقاء بعين الاحتقار والازدراء؛ فكانوا يمتهنونهم في الأعمال القذرة، والأعمال الشاقة.
    فـ"أرسطو" من الأقدمين يرى أنهم غير مخلدين، لا في عذاب، ولا في نعيم، بل هم كالحيوانات.
    والفراعنة استعبدوا بنى إسرائيل أشنع استعباد حتى قتلوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم.
    والأوربيون -بعد أن اكتشفوا أمريكا- عاملوا الأمريكيين أسوأ معاملة.
    هذا هو الرق بأسبابه وآثاره وكثرته في غير الإسلام.
    ولم نأت إلا بالقليل من شنائعه عندهم.

    فلننظر في الرق في الإسلام:
    أولا: إن الإسلام ضيق مورد الرق؛ إذ جعل الناس كلهم أحرارا، لا يطرأ عليهم الرق إلا بسبب واحد، وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون، مع أن الواجب على القائد أن يختار في المقاتلة من رجالهم الأصلح من الرق، أو الفداء، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامة.
    فهذا هو السبب وحده في الرق، وهو سبب كما جاء في النقل الصحيح،؛ فإنه يوافق العقل الصحيح أيضا:
    فإن من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي، وأراد الحد من حريتي، وألب على، وحاربني، فجزاؤه أن أمسكه عندي ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي.
    هذا هو سبب الرق في الإسلام، لا النهب، والسلب، وبيع الأحرار، واستعبادهم؛ كما هو عند الأمم الأخرى.
    ثانيا: إن الإسلام رفق بالرقيق، وعطف عليهم، وتوعد على تكليفهم وإرهاقهم؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" [رواه أحمد (11759)].
    وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضا: "للمملوك طعامه وقوته، ولا يكلف من العمل مالا يطيق" [رواه مسلم].
    بل إن الإسلام رفع من قدر الرقيق حتى جعلهم إخوان أسيادهم:
    فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم" [رواه البخاري (30) ومسلم (1661)].
    ورفع من مقامهم عند مخاطبتهم حتى لا يشعروا بالضعة؛ ولذا قال -صلى الله عليه وسلم- "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي" [رواه البخاري (3552) ومسلم (2249)].
    كما أن المقياس في الإسلام لكرامة الإنسان في الدنيا والآخرة لا يرجع إلى الأنساب والأعراق، وإنما يرجع إلى الكفاءات، والقيم المعنوية. {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13].
    وقد بلغ شخصيات من الموالي -لفضلهم وقدرتهم- ما لم تبلغه ساداتهم؛ إذ قادوا الجيوش، وساسوا الأمم، وتولوا الأعمال الجليلة بكفاءاتهم، التي هي أصل مجدهم.
    ومع ما رفع الشارع من مقام المملوك، فإن له تشوفا، وتطلعا إلى تحرير الرقاب وفك أغلالهم:
    فقد حث على ذلك، ووعد عليه النجاة من النار، والفوز بالجنة، وقد تقدم بعض من ذلك.
    ثم إنه جعل لتحريرهم عدة أسباب بعضها قهرية، وبعضها اختيارية:
    فمن القهرية: أن من جرح مملوكه، عتق عليه، فقد جاء في الحديث أن رجلا جدع أنف غلامه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اذهب فأنت حر، فقال: يارسول الله! فمولى من أنا؟ قال: مولى الله ورسوله" [رواه أحمد (6671)].
    ومن أعتق نصيبه من مملوك مشترك، عتق نصيب شريكه قهرا؛ كما في الحديث: "من أعتق شركا في مملوك، وجب عليه أن يعتقه كله" [رواه البخاري (2503)، ومسلم (1501)] على تفصيل فيما يأتي.
    ومن ملك ذا رحم محرم عليه، عتق عليه قهرا؛ لحديث: "من ملك ذا رحم محرم، فهو حر" [رواه أبو داود (3949) والترمذي (1365)].
    فهذه أسباب قهرية تزيل ملك السيد عن رقيقه خاصة في هذا الباب؛ لما له من السراية الشرعية، والنفوذ القوي الذي لم يجعل في عتقه خيار ولا رجعة.
    ثم إن المشرع -مع حثه على الإعتاق- جعله أول الكفارات في التخلص من الآثام، والتحلل من الأيمان:
    فالعتق هو الكفارة الأولى في الوطء في نهار رمضان، وفي الظهار، وفي الأيمان، وفي القتل الخطأ.
    دين العزة والكرامة والمساواة:
    فكيف بعد هذا يأتي الغربيون والمستغربون، فيعيبون على الإسلام إقراره الرق، ويتشدقون بالحرية، والمناداة بحقوق الإنسان، وهم الذين استعبدوا الشعوب، وأذلوا الأمم، واسترقوهم في عقر دارهم، وأكلوا أموالهم، واستحلوا ديارهم؟!.
    أفيرفعون رؤوسهم، وهم الذين يعاملون بعض الطبقات في بلادهم أدنى من معاملة العبيد؟!
    فأين مساواة الإسلام مما تفعله أمريكا بالزنوج، الذين لا يباح لهم دخول المدارس، ولا تحل لهم الوظائف، ويجعلونهم والحيوانات سواسية؟!
    وأين رفق الإسلام وإحسانه، مما يفعله الغرب بأسارى الحرب الذين لا يزالون في المجاهل، والمتاهات، والسجون المظلمة؟!
    وأين دولة الإسلام الرحيمة التي جعلت الناس على اختلاف طبقاتهم، وأديانهم، وأجناسهم أمة واحدة، في مالها وما عليها، مما فعلته "فرنسا" بأحرار الجزائر في بلادهم، وبين ذويهم؟!
    إنها دعاوى باطلة!!.
    بعد هذا: ألم يأن للمصلحين ومحبي السلام أن يبعدوا عن أعينهم الغشاوة، فيراجعوا تعاليم الإسلام بتدبر وإنصاف؛ ليجدوا ما فيه من سعادة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها؟.
    اللهم، بصر المصلحين بهذا الدين؛ ليعلموا ما فيه من العزة والكرامة، وما فيه من الرحمة والرأفة. [كتاب العتق، 7/237-242].


    هذا آخره، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجميعن.

    أبو أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.
    عين الكبيرة . سطيف . الجزائر .
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X