إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

في رحاب الذكريات - مواقف لا تُنسى مع الشيخ أزهر سنيقرة $ -

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في رحاب الذكريات - مواقف لا تُنسى مع الشيخ أزهر سنيقرة $ -

    في رحاب الذكريات
    مواقف لا تُنسى مع فضيلة الشيخ المربي: أزهر سنيقرة $


    الحمد لله الذي أودع في العلم حياةً للقلوب، وجعل به رفعةَ أهله في الدنيا والآخرة، وكتب لآثار العلماء من البقاء ما لا تبلغه الأعمار؛ فكم من عالمٍ غاب شخصه، وبقي عِلمُهُ شاهدًا له، وكم من مربٍّ وارى الثّرى جسده، وظلّت كلماته تهدي السائرين من بعده، والصّلاة والسلام على أغلى مفقود من أرسله الله معلّمًا ومربيًا، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أمّا بعد؛ فإنّ من أجلِّ ما يُعنى به طالب العلم أن يعرف قدر العلم وأهله، وأن يدرك أن ميراث العلماء ليس صفحاتٍ تُطوى، ولا كلماتٍ تُروى فحسب، وإنما هو أثرٌ يمتد في الناس، وتربيةٌ تتوارثها الأجيال، ونورٌ يبقى بعد غياب أصحابه..

    وإنّ من أصعب ما يمرّ بالإنسان أن يحاول الكتابة عن رجلٍ كان حضوره في حياة النّاس أوسع من أن تختصره الكلمات، وأعمق من أن تستوعبه سطورٌ قليلات؛ إذ كيف تُحيط العبارة بحياة امتدت آثارها في النّفوس، وكيف تُختزل في صفحاتٍ سيرةُ رجلٍ ترك فيمن حوله من الأثر ما لا يزول بزوال الأيام؟
    وليس الحديث عن مثل هؤلاء حديثًا عن شخصٍ مضى وانقضى، وإنّما هو حديثٌ عن أثرٍ باقٍ، وعلمٍ ينتفع به، ومواقف وكلماتٍ وتوجيهاتٍ لا تزال حاضرةً في حياة من عرفوه وتعلّموا منه.

    لقد رحل عن هذه الدّنيا والدنا وشيخنا ومعلّمنا الخير، الشيخ الفاضل المربّي: أبو عبد الله أزهر سنيقرة $، بعد حياة حافلةٍ بخدمة العلم وأهله، والدعوة إلى الله على منهج السلف الكرام -رضوان الله عليهم-، كان مسجدُه خلالها منارًا للدروس العلمية التي شرح من خلالها جملة من الكتب والمتون العلمية، ومنبراً للخطب الأثرية السلفية التي كان يصدح بها غيرة ونصرة لهذه الدعوة المباركة، وميدانًا من ميادين التّعليم والتوجيه والنّفع، وذلك طيلة فترة امتدّت لأكثر من ثلاثين سنة.
    ثم كان من جملة ما شُغِل به $ في أخريات حياته الدّعوية -من النشاط المسجدي-؛ إشرافه على منتديات التصفية والتربية السّلفية -ثم الإبانة بعد ذلك- والاهتمام بها وبذله الغالي والنّفيس لأجلها، لما رأى فيها $ من أثر طيّب في الدعوة إلى الله تعالى، وبثّ الخير ونشر العلم، وما تفرّع عن هذا المشروع من أعمال وأنشطة أخرى، كالإشراف على مركز دراسات الإبانة العلميّ، وإذاعة الإبانة السّلفية، فكانت هذه المنابر امتدادًا لذلك المشروع الذي حمله الشيخ $ طيلة حياته، والتي سعى من خلاله إلى خدمة العلم وأهله، وإيصال الكلمة النافعة إلى أوسع شريحة ممكنة.

    وقد كان هذا الحضور الدعوي والعلمي للشيخ $ مصحوبًا بعنايةٍ خاصة بإخوانه وأبنائه السلفيّين في مختلف المناطق التي كان يرتادها، إذ جاب البلاد شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوباً، وكان له همّة عالية في ذلك، فاتّسعت دائرة تواصله ونفعه لتتجاوز حدود بلده إلى بلدان إسلامية وغير إسلامية؛ فكان يلتقي بإخوانه، ويتفقّد أحوالهم، ويتابع شؤونهم، ويحرص على نفعهم ونصحهم، ويشدّ من أزرهم، ويقف إلى جانبهم بما يستطيع.
    ولم تكن علاقته بهم علاقةً عابرةً تفرضها مناسبة أو لقاء، ولا مقتصرةً على الجانب العلمي أو الدعوي فحسب، بل كانت أخوّةً صادقةً واهتمامًا متواصلًا شمل الصغير والكبير والطالب وغيره، يحرص من خلالها على جمع الكلمة على الخير، والدلالة على الحقّ، والتعاون على البر والتقوى.

    وإنّ الإنسان قد يُعرف بعلمه، ومؤلفاته ودروسه، وبما كتبه الله له من القبول بين خلقه، إلا أنّ هناك جانبًا آخر من سيرته لا تحفظه الكتب، ولا تسجّله العناوين، وإنما يبقى في ذاكرة الأشخاص الذين التقوا به، أو راسلوه، أو استفادوا من نصحه، أو وجدوا منه موقفًا في وقت حاجة، أو كلمةً صادقةً في ظرفٍ صعب، أو تشجيعًا أعاد إليهم شيئًا من الهمّة والعزيمة.

    ومن هنا جاءت فكرة هذا الموضوع؛ الذي فيه دعوة إلى استحضار مثل هذه المواقف، والتي نريد أن نفتح من خلال هذا المنتدى بابًا للوفاء ورد الجميل، لا بقصد المبالغة في المدح والثّناء -فإن الشيخ كان أبعد الناس عن محبة ذلك- وإنّما لحفظ شيء من الأثر الذي تركه الشيخ $ في نفوس إخوانه وأبنائه وتلاميذه ومحبّيه.
    فربّما كان لأحدهم موقف حصل له مع الشيخ، أو حوارٌ قصير معه، أو رسالةٌ احتفظ بها، أو نصيحةٌ تلقّاها منه، أو موقفٌ وقف فيه معه، أو مساعدةٌ قدّمها له، أو كلمةٌ قالها في وقتٍ كان أحوج ما يكون إليها، أو قد يكون أحد الإخوة قد عرف الشيخ من خلال المنتديات أو المراسلات، ولم يلتقِ به وجهًا لوجه، لكنه وجد منه اهتمامًا ومتابعةً ونصحًا ترك أثرًا في حياته، فيتحدث بلسانه ويروي ما بقي في ذاكرته من مثل هذه المواقف.
    ولا ينبغي أن يهمل الكاتب من ذلك شيئاً ولو كان صغيراً؛ إذ لا يشترط أن يكون الموقف طويلًا أو استثنائيًا؛ فقد تكون بعض الذكريات عبارة عن كلمةً واحدة، أو موقفًا عابرًا، أو تصرفًا بسيطًا بقي أثره في النّفس سنوات طويلة، أو ربما كان لأحد الإخوة موقفٌ مع الشيخ لا يراه هو شيئًا كبيرًا، لكنه عند غيره يحمل دلالات عظيمة تدلّ على أخلاقه وطريقته في التربية والتعامل، فتكون نبراساّ يستضاء به.

    فكل هذه التفاصيل جديرة بأن تُروى،وكل هذه المواقف حريّة بأن تحفظ، وربّما هذا الموضوع يكون نواة وشعلة لمشروع سفرٍ يطبع، أو كتابِ ينشر؛ وهو نوع من الجمع والتّأليف يختلف عن كتابة السّير والتراجم العلمية التي كثيرًا ما تخبرنا عن مراحل حياة العالم، وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته وأعماله، لكنها قد لا تخبرنا كثيراً عن تفاصيل حياته ومواقف حصلت له؛ كيف كان يتعامل مع شابٍ في بداية طريقه، أو كيف كان ينصح أخًا أخطأ، أو كيف كان يواسي من ألمّت به نازلة، أو كيف كان يتعامل مع اختلاف الناس، أو كيف كان يفرح باستقامة أحد أبنائه على الخير.

    ولعل مجموع هذه الشهادات يكون في النّهاية صورةً أقرب إلى الواقع عن شخصية الشيخ $؛ صورةً يصنعها الذين عرفوه وعايشوه وخبروه، كل واحد منهم من يروي من زاوية تجربته وموقفه ومشاهدته، فتنقل هذه الذكريات والمواقف لمن لم يعرف الشيخ أو من لم يدركه إلاّ من خلال صوته، أو ما سمعه عنه من المحبيّن أو غيرهم.

    ولأنّ المقصود هو التوثيق، فإننا نرجو من الإخوة الكرام أن تكون مشاركاتهم قائمة على ما عاينوه أو سمعوه مباشرةً من الشيخ، وأن يحرصوا قدر الإمكان على ذكر الزّمان أو المكان أو مناسبة الموقف، وما يتيسّر من تفاصيله.
    كما نرحّب كذلك في هذا الموضوع بالرسائل الورقية والنصيّة عبر وسائل التواصل، والمراسلات، والحوارات، والفوائد التي كتبها الشيخ أو بعث بها، متى كانت مناسبةً للنّشر، مع مراعاة الخصوصية وما ينبغي مراعاته في مثل ذلك.

    فيا أيها الإخوة والأبناء والطلبة والمشايخ والأحبة الذين جمعكم بالشيخ $ طريق العلم والدعوة، أو صحبة المنتديات، أو المراسلات، أو اللقاءات لا تبخلوا علينا بذكرياتكم، فمن الوفاء للشيخ $ وردّ الجميل له أن نحفظ هذه الآثار، وأن نجمعها قبل أن تنالها يد النّسيان.

    وختامًا؛ نسأل الله تعالى أن يغفر للشيخ أزهر $، وأن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجزيه عن علمه ودعوته ونصحه وإحسانه خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه لإخوانه وأبنائه في مختلف البلاد الإسلامية ذخراً له يوم يلقاه.
    كما نسأله سبحانه أن يبارك في كل من أسهم في هذا الموضوع بذكر موقف أو فائدة أو شهادة، وأن يجعل ذلك من باب الوفاء لأهل العلم والخير، ومن باب حفظ الجميل وتوثيق الذكريات النافعة.

    تنبيه:
    المشاركات تكون على صفحات هذه المنتدى بالنسبة للإخوة الأعضاء وتكون عامة عبر جميع وسائل التواصل الخاصة بموقع الإبانة السلفي، كما نرحب بمشاركاتكم عبر البريد الخاص بساعة إجابة [email protected].

  • #2
    في صيف سنة 1439هـ، الموافق 2018م، زرت الجزائر، وكانت زيارة طيبة ورحلة موفقة، التقيت فيها جمعًا من المشايخ وطلاب العلم، وكثيرًا من الإخوة الأفاضل، وكان على رأس من تشرفت بلقائهم الشيخ الكريم أبا عبد الله أزهر سنقرة رحمه الله تعالى.

    وقد كان ذلك اللقاء هو اللقاء اليتيم الذي جمعني به، ولم أكن أعلم حينها أنه سيكون آخر عهدي بلقائه، وأن الله سيجعل تلك اللحظات القليلة ذكرى لا تنسى.

    ففي ذلك اليوم جاءني الأخ الفاضل أبو معاوية رمضان حفظه الله، واصطحبني بسيارته من مكان السكن إلى عرس أحد الإخوة، ولما وصلنا إلى الحي دخل علينا أذان المغرب، فصادف أن قابلني الشيخ رحمه الله ذاهب للمسجد معه جماعة من الإخوة.

    فأنزل الأخ رمضان زجاج السيارة، فسلمت على الشيخ، ولم أتحدث معه؛ لأن أذان المغرب قائم والشيخ يريد المسجد. وبعدها أُخبر الشيخ بقدومي، إلا أنه لم يتعرف علي حين رآني.

    وبعد انتهاء الصلاة، وما إن دخل الشيخ رحمه الله خيمة الفرح حتى أقبل علي وعانقني، وقال لي بلهجته الجزائرية: «سامحني، ما عرفتْكش»، أي: سامحني، لم أعرفك.

    وكان الشيخ يعرفني بالاسم، إذ كنت مشاركًا معه في موقع التصفية والتربية، ثم في موقع الإبانة، واستمرت هذه الصلة بيننا إلى أن توفاه الله رحمه الله.

    وكان اللقاء في أول الخيمة، ثم دعاني الشيخ إلى الجلوس بقربه، فقد خُصص له كرسي ليُلقي كلمة في المناسبة، وكانت كلمته عن الصداقة.

    وقبل أن يلقي كلمته، تجاذبنا أطراف الحديث، وتحدثنا في شيء مما يجري في الساحة الدعوية والعلمية، وكانت دقائق يسيرة، لكنها بقيت في الذاكرة عزيزة لا تنسى، ولا يخلو حديث الشيخ من دعابة.

    ثم أخبرت الشيخ رحمه الله أنني لم أستلم جائزة المشاركة في مسابقة التصفية والتربية الأولى، فوعدني خيرًا.

    ثم أشفق عليّ الشيخ رحمه الله، إذ يعلم أنني لم أتناول العشاء، فاهتم بأمري، وكانت لفتة كريمة بقيت عالقة في نفسي، ثم ودعته وأنا على أمل أن يتجدد اللقاء.

    وكان الشيخ قد دعاني قبل ذلك إلى بيته، غير أنني اعتذرت منه؛ لأن المخطط كان أن أبدأ رحلة العودة، إلا أن الله تعالى لم يقدر لي الرجوع في ذلك الوقت، وزدت في الجزائر يومين بعد ذلك.

    وفي اليوم التالي صليت الظهر في مسجد القدس، وذهبت للقاء أحد الإخوة، فالتقيت هناك بابن الشيخ، الأخ الفاضل عبد الله، فذهبنا إلى المكتبة، وسلمني جائزة المشاركة في المسابقة، وفاءً بوعد والده رحمه الله.

    ثم زرت الجزائر بعد تلك السنة أكثر من مرة، وكلما طلبت من الشيخ رحمه الله لقاءً كان يعتذر، حتى لم يكتب الله لي لقاءً آخر به.

    وهكذا بقي ذلك اللقاء القصير اللقاء اليتيم، والذكرى الوحيدة التي جمعتني بالشيخ أبي عبد الله أزهر سنقَرة رحمه الله.

    وما أعجب شأن الإنسان؛ فقد يمر به موقف لا يظن أنه سيبقى في ذاكرته، ثم تمضي الأيام، فيكتشف أن تلك اللحظات القليلة كانت آخر ما جمعه بمن أحب، وأنها ستظل محفوظة في القلب ما بقي من العمر.

    ولعل أجمل ما بقي لي من ذلك اللقاء: ابتسامة الشيخ، وعناقه، وكلمته التي قالها معتذرًا: «سامحني، ما عرفتْكش»، ثم دعوته لي إلى الجلوس بقربه، واهتمامه بي وحرصه على أن أتناول العشاء، ثم وعده لي بإيصال الجائزة.

    رحم الله الشيخ الفاضل أبا عبد الله أزهر سنقَرة رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه عن الإسلام والسنة والدعوة خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في دار كرامته، غير خزايا ولا مفتونين.

    تعليق

    الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
    يعمل...
    X