إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الرجوع عن الخطأ بين أئمة السلف وأدعياء الخلف -الدكتور جمعة أنموذجا-

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الرجوع عن الخطأ بين أئمة السلف وأدعياء الخلف -الدكتور جمعة أنموذجا-

    الرجوع عن الخطأ بين أئمة السلف وأدعياء الخلف
    -الدكتور جمعة أنموذجا-
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
    فإن من أسمى صفات العلماء تواضعهم للحق، ورجوعهم عن الخطأ متى تبين لهم وجه الصواب، وعدم الإصرار عليه، فالعالم وطالب العلم بحقٍّ لا يتَّبع الهوى، ولا يصرُّ على ما ظهر بطلانه؛ لأنَّ غايتَه اتِّباع الحق حيث كان، والتوقفَ عند حدود الله تعالى ومحارمه، وليست غايته الانتصار للنَّفس.
    وليس عيبا أن يخطأ العالم أو طالب العلم في مسألة أو مسألتين أو مسائل، ولكنَّ العيب كلَّ العيب في الإصرار على الخطأ، وعدم التوبة منه، وقد قال النَّبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». رواه التِّرمذي وابن ماجه وحسَّنه الألباني.
    بل قد عَدَّ أهل الحديث أنَّ الذي يُبيَّن له خطؤه ويصر عليه ولا يرجع عنه عنادًا؛ أنَّ مثل هذا لا يؤخذ عنه العلم.
    وهذه بعض الآثار المتعلقة بهذا الباب رواها الخطيب في «الكفاية» (ص: 143) وما بعدها:
    عن ابن المبارك يقول: «يُكتب الحديث إلَّا عن أربعةٍ: غلَّاط لا يرجع، وكذَّاب، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته، ورجلٌ لا يحفظ فيحدِّث مِن حفظه».
    وروى أيضا بإسناده: عن أحمد بن حنبل أنَّه سُئِل عمَّن نكتب العلم؟ فقال: «عن النَّاس كلهم إلَّا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذَّاب؛ فإنَّه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجلٍ يغلط فيُردُّ عليه فلا يَقبَلُ».
    وقال في (ص: 145): «قد ذكرنا في الباب الذي قَبْل هذا عن عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن الزُّبير الحميدي؛ الحُكمَ فيمن غلط في رواية حديث، وبُيِّنَ له غلطه فلم يرجع عنه وأقام على رواية ذلك الحديث؛ أنَّه لا يُكتَب عنه، وإن هو رجع قُبِل منه وجازت روايته، وهذا القول مذهب شعبة بن الحجاج أيضا».
    ثم روى عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: «كنَّا عند شعبة فسئل: يا أبا بسطام، حديث مَن يُترَك؟ فقال: «مَن يكذب في الحديث، ومَن يُكثِر الغلط، ومن يُخطئ في حديثٍ مجتمع عليه فيُقِيمُ على غلطه ولا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون».
    قال الخطيب: «وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه، وقد رجع عنه».
    وقد ضرب لنا السَّلف -رحمهم الله ورضي عنهم- أروع الأمثلة على تواضعهم للحق، ورجوعهم عن الخطأ إلى الصواب، معلنين ذلك على رؤوس الملأ، والله كافأهم على صدقهم وإخلاصهم وتعظيمهم للحق ورجوعهم إليه عند الخطأ؛ بأن رفع منزلتهم بين الناس، وجعل قلوب الخلق تحبهم، وتأنس بعلمهم.
    قال ابنُ الجوزي في كتابه القيِّم «تعظيم الفتيا» (ص: 91): «وقد كان في السلف -قدَّس الله أرواحهم- مَن إذا عَرَف أنَّه قد أخطأ لم يستقرَّ حتَّى يُظهِر خطأه ويُعلِم مَن أفتاه بذلك».
    ثم روى بسنده «أنَّ الحسن بن زيادٍ اللُّؤلؤي أُستُفتِيَ في مسألةٍ فأخطأ، فلم يَعرِف الذي أفتاه، فاكترى مناديا فنادى: «أنَّ الحسن بن زيادٍ أُستُفتِيَ يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه بشيء فليرجع إليه»، فمكث أيَّامًا لا يُفتِي حتَّى وجدَ صاحبَ الفتوى، فأعلمه أنَّه قد أخطأ، وأن الصَّواب كذا وكذا».
    ثم قال ابن الجوزي: «وبلغني نحو هذا عن بعض مشايخنا أنه أفتى رجلًا مِن قريةٍ بينه وبينها أربعةُ فراسخ، فلمَّا ذهب الرَّجل؛ تفكَّر، فعَلِم أنَّه أخطأ، فمشى إليه فأعلمه أنَّه أخطأ، فكان بعد ذلك إذا سُئِل عن مسألةٍ توقَّف، وقال: ما في قوة أمشي أربعة فراسخ؟!».
    ومن أجمل الأخبار في ذلك ما فعله العلامة أبو الفضل عبد الله بن الحسين الجوهري المصري (ت 480هـ) حين نبَّهه رجلٌ غريبٌ على خطأ صدر منه في مجلس وعظه.
    قال أبو بكر بن العربي في «أحكام القرآن» (1/248): أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة، قال: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: إن النبي ﷺ طلَّق وظاهر وآلى، فلمَّا خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله فقال لي: أراك غريبا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم.
    قلت له: حضرتُ المجلس اليوم، وسمعتك تقول: آلى رسول الله ﷺ وصدقت، وطلَّق رسول الله ﷺ وصدقت، وقلتَ: وظاهر رسول الله ﷺ وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأنَّ الظِّهار منكرٌ مِن القول وزورٌ؛ وذلك لا يجوز أن يقع مِن النَّبي ﷺ.
    قال: فضمَّني إلى نفسه وقبَّل رأسي، وقال لي: «أنا تائبٌ من ذلك، جزاك الله عني مِن مُعلِّمٍ خيرًا».
    قال: ثم بكَّرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلتُ مِن باب الجامع ورآني؛ نادى بأعلى صوته: «مرحبًا بمعلِّمي، أفسحوا لمعلِّمي»، فتطاولت الأعناق إليَّ، وحدَّقت الأبصار نحوي، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: «أنا معلمكم، وهذا معلِّمي؛ لمَّا كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله ﷺ وطلق، وظاهر؛ فما كان أحد منكم فَقَه عني ولا ردَّ عليَّ، فاتَّبعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا؛ -وأعاد ما جرى بيني وبينه- وأنا تائبٌ عن قولي بالأمس، وراجعٌ عنه إلى الحقِّ؛ فمن سمعه ممَّن حضر فلا يعوِّل عليه، ومن غاب فليبلِّغه من حضر؛ فجزاه الله خيرا»، وجعل يحفل في الدعاء، والخلق يُؤَمِّنونَ.
    قال ابن العربي معلِّقًا على القِصَّة: «فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدِّين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملإ مِن رجلٍ ظهرت رياسته، واشتهرت نفاسته، لغريبٍ مجهول العين لا يُعرفُ مَنْ؟ ولا مِنْ أينَ؟، فاقتدوا به ترشدوا»اهـ مختصرا.
    فانظروا -رحمكم الله- إلى ما كان عليه سلفنا، وما آل إليه حال كثير منا -إلَّا مَن رحم ربِّي-، وما رجوعهم هذا إلَّا نتيجة خشية الله تعالى، قال تعالى: { ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ} [سورة فاطر:28]، فالعلماء هم الذين يخشون الله حقَّ الخشية، والعلم الذي لا يُورِث الخشية ليس بعلمٍ، ولذلك كان السَّلف يقولون: «علامةُ العلم: خشيةُ اللَّهِ عزَ وجل»، وكلامهم في هذا المعنى كثير جدًّا، يُنظر إلى طرفٍ منه في رسالةِ «فضل علم السَّلف على علم الخلف» لابن جب الحنبلي رحمه الله تعالى.
    تعالوا لنقارن صنيع هؤلاء العلماء الصادقين مِن علماء السَّلف بما يصنعه أدعياء الخلف، ومنهم الدُّكتور عبد المجيد جمعة -أصلحه الله-، فإنَّ هذا الرَّجل قد صدرت منه أخطاءٌ كثيرةٌ وخطيرةٌ، وقد نُبِّه عليها، ولا أعرف لحدِّ السَّاعة أنَّه قال في واحدةٍ منها بصريحِ العبارة: (أستغفر الله وأتوب إليه من هذا الخطأ).
    وسأكتفي الآن بمناقشته في آخر أخطائه التي وقع فيها، وهي مسألة أن (الذَّات) اسم لله تعالى بالإجماع، فقد ادَّعى ذلك، ثم لما توالت عليه الرُّدود؛ حاول التملُّص والتَّهرب مِن هذا الخطأ؛ فوقع في مثله أو أشد، فقال: (هو صفة وليس اسمًا)، ثمَّ تنصَّل مِن كلِّ ذلك حتَّى وقع في الكذب عياذا بالله تعالى! فاتَّهم مَن انتقده في خطئه المُثبَتِ بصوته وكتابته؛ بأنَّهم لا يفهمون، وأنَّهم يقرؤون بحقدهم وسوء فهمهم!
    نعم، هم لا يفهمون يا دكتور؛ لأنَّهم حاكموك إلى صوتك وكتابتك! وكان عليهم أن يفهموا قصدك الذي في بطنك بأنك أردت (الاسم) من حيث اللغة لا (الاسم) مِن أسماء الله الحسنى!!!
    فيا عقلاء بني آدم!
    الذي يتكلم في (باب الأسماء والصِّفات)، ويقول: إذا أجمع السَّلف على صفةٍ، أو على اسمٍ مِن أسماءِ الله -عزَّ وجلَّ- فهو حجَّةٌ، ويضرب لذلك مثالا فيقول: (مثاله: اسمُ (الذَّات) لم يرد في الكتاب ولا في السُّنَّة ...).
    الضمير في (مثاله) راجع على ماذا؟! أليس راجعا على ما كنت تقرره قبل ذلك وهو إثبات الاسم أو الصِّفة بالإجماع؟! فلماذا التَّلبيس على النَّاس والتَّلاعب بالألفاظ؟!
    وإذا قلنا -تنزُّلًا- بأنَّك تقصد الاسم مِن حيث اللُّغة، فما مناسبةُ المثال إذن بالأسماء والصفات، و(الذَّات) ليس اسما ولا صفة؟! وما دخل الإجماع في ذلك؟ وما علاقة هذا بما تقرِّره مِن أنَّ الإجماع أحد الأدلة في إثبات الأسماء أو الصفات؟!
    ثم إنَّك بعدما ذكرتَ أنَّ الذَّات اسمٌ مع عدم وروده في الكتاب والسُّنَّة، قلتَ بعدها: (وبعضهم استدل بقول أبي رواحة ... عبد الله بن رواحة([1]) -رضي الله عنه- لمَّا قُدِّم إلى الموت، وخيِّر بين الإيمان وبين الرِّدَّة -كما في البخاري- قال: «ولست أبالي حين أقتل مُسلِمًا على أي جنب إن كان في ذات الله مصرعي»([2]).
    فأثبت (الذَّات) وقول الصَّحابي معتبر، سيَّما إذا كان فيما لا مجال للرأي ولا للاجتهاد ولا للقياس فيه، فإذا تكلم في مسائل أصول الشرائع؛ كأصول الإيمان، وأصول الاعتقاد، وأمور الغيبيات؛ فله حكم الرَّفع).
    فكلامك هذا أردت به إثبات أن الذَّات اسم من أسماء الله تعالى، فاستدللت بهذا الكلام من خُبيب -رضي الله عنه-، ولذلك ذكرتَ أنَّ له حكم الرَّفع، وإلَّا فما مناسبة استدلالك هذا إذا كان إطلاقك له مِن حيث اللُّغة وأنك لا تريد به الاسم من أسماء الله تعالى؟! نسأل الله أن يعافينا مما ابتلاك به.
    ثم مِمَّا يؤكِّد أنَّه أراد الاسم مِن أسماء الله تعالى؛ أنَّ أحد الإخوة طرح سؤالًا على شيخنا عادل الشُّوربَجِي -حفظه الله تعالى-، فقال: (السلام عليكم حياكم الله شيخنا الفاضل، لو تكرمتم علينا بالجواب عن هذا السؤال الذي صدر من أحد المشايخ عندنا في الجزائر يقول: إن اسم ذات الله من أسماء الله -عز وجل-؟ هل اسم الذات ثابت؟ وجزاكم الله خيرا، ونفع الله بكم)
    فأجابه شيخنا -حفظه الله-بقوله: (لا يصح)، أي: لا يصح (الذَّات) اسمًا لله تعالى.
    فأرسل أحد الإخوة جواب شيخنا عادل -حفظه الله- للدكتور جمعة -أصلحه الله-، وقال له: (ما تعليقكم على ذلك بارك الله فيكم؟)
    فأجابه الدُّكتور جمعة: (لو تسأله هو عن قول أبي رواحة: إن كان في ذات الله مصرعي).
    فالسَّائل نص في سؤاله أنَّ هذا الشَّيخ الجزائري يقول: (إنَّ اسم الذَّات مِن أسماء الله -عزَّ وجلَّ-، فلو كان الدكتور صادقا فيما ادعاه من أنه لم يقصد أنَّه اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنكر على السَّائل سؤاله أصلًا، ولقال له: ومَن قال لك بأنِّي أقول إنَّه اسمٌ مِن أسماء الله تعالى؟ وإنَّما أقصد بالاسم كيت وكيت!
    لكن الرَّجل لم يفعل ذلك، بل أقرَّ السَّائل في سؤاله ابتداءً، ولذلك طلب مِن السَّائل أن يسأل شيخنا عن قول خُبَيب في قوله: (في ذات الله مصرعي)، يعني: وماذا تقول في هذا الكلام مِن خبيب؟! أليس دليلا على ذلك؟!
    ثم لمَّا اعتذر منه السَّائل بأنَّه ليس هو صاحب السُّؤال، ردَّ عليه الدُّكتور متملِّصًا مِن كون الذَّات اسمًا، فقال: (هو صفةٌ وليس اسمًا) وهذه طامَّة أخرى تبيِّن بجلاء أنَّ الدكتور يتكلم في هذا العلم بغير استحقاقٍ، ولذلك يقع في التَّخبيط والتَّخليط، ورحم الله ابن حجر إذ قال: «إذا تكلَّم المرء في غير فَنِّه أتى بهذه العجائب» [فتح الباري (3/ 584)].
    وكلامه هذا أيضا يدل دلالة واضحة على أنَّه لم يقصد به الاسم مِن حيث اللغة كما زعم، بل كلامه على إثباته اسمًا أو صفةً لله تعالى، فلمَّا رأى أنَّ الشيخ عادلًا خطَّأ كونه اسمًا قال: إذن هو صفة!
    والذَّات ليس اسمًا مِن أسماء الله تعالى، ولا صفةً مِن صفاته، بل هو خبَرٌ يُخبَر به عن الله تعالى كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ممَّا سبق نقله في الرَّدِّ السَّابق.
    ثمَّ مِن تلبيسه على أتباعه أنَّه زعم أنَّ إنكارنا عليه لأجل استخدامه لفظ (اسم)، وهذا غير صحيحٍ؛ فإنكارنا عليه لأجل استخدمها في سياق إثبات الأسماء والصِّفات، وإلَّا فلو كان كلامه عن باب الإخبار، وقال: (مثل اسم الذَّات)، فلن يعتَرض عليه أحدٌ، ولن يتَّهمه أحدٌ بأنَّه يُثبِته اسمًا لله تعالى، والدَّليل على ذلك أنِّي نقلتُ في ردِّي السَّابق كلام شيخ الإسلام فقلتُ: «وفي مجموع الفتاوى (6/ 142) لمَّا بيَّن أنَّ الله لا يدعى إلَّا بالأسماء الحسنى قال: (وأما الإخبار عنه: فلا يكون باسم سيِّئٍ؛ لكن قد يكون باسمٍ حسنٍ أو باسمٍ ليس بسيِّئٍ وإن لم يُحكَم بحُسنه، مثل: اسمِ «شيء» و«ذات» و«موجود»؛ إذا أريد به الثابت ... »إلخ.
    فشيخ الإسلام لمَّا ذكر ضابط ما يُخبَر به عن الله تعالى، ذكر مثالا على ذلك، فقال: (مثل اسم شيء، وذات ...) إلخ فهل يَفهم منه طالبُ علمٍ شمَّ رائحة العلم أنَّه يريد بقوله (مثل اسم) أنَّه اسمٌ مِن أسماء الله تعالى، وهو يقرِّر أنَّه مِن الأخبار؟! حاشا وكلَّا.
    يا أهل السُّنَّة على منهاج النُّبوَّة: قارنوا -رحمكم الله- بين حال أسلافكم الأوائل، وحال كثير من أدعياء العلم في هذا الزمان!
    انظروا كيف كان السَّلفُ الصَّالحُ رضي الله عنهم إذا تبيَّن لأحدِهم خطأه، لم يقرَّ له قرارٌ ولم يهنأ له بالٌ حتى يُظهِر رجوعَه، ويُعلِن تصحيحَ قولِه، بل كان أحدُهم يستأجر مناديًا في الأسواق يُبلِّغُ الناس أنه قد أخطأ، كما فعل الحسنُ بن زيادٍ اللؤلؤي.
    وانظروا إلى مَن مشى -مِن مشايخ ابن الجوزي- أربعَ فَراسخ، أي: ما يقارب 20 كيلو متر! لا ليَجنِي مالًا ولا ليُدِير تجارةً، بل ليُخبِر رجلًا واحدًا أنه قد أخطأ في فتواه!
    وتأمَّلوا موقفَ الإمام أبي الفضل الجوهري رحمه الله لما نُبِّه إلى خطأ في مجلسه، كيف احتضن من نبَّهه وقبَّل رأسه، ثم أعلن أمام الناس على المنبر: «أنا معلِّمُكم، وهذا معلِّمي»، وتاب من خطئه على رؤوس الأشهاد، لا يخشى في الله لومةَ لائم.
    هكذا كانوا، إذا عرفوا الحقَّ رجعوا إليه فورًا، يرون الرجوع إلى الصواب عزًّا لا ذلًّا، ورفعةً لا نقيصةً، ويعدون الإصرارَ على الباطل خزيًا وهلاكًا.
    أما اليوم، فترى بعض الناس إذا نُبِّه إلى خطئه يتلاعب بالألفاظ والمعاني، ويفتعل الأعذار الواهية، ويَلوي أعناق النُّصوص بتأويلات بعيدة لا تخطر على بالِ عاقلٍ، ويأنف من الرُّجوع كأن الرُّجوع إلى الحقِّ منقصة أو سُبَّة، بل يتجاوز ذلك إلى الطعن في مَن نصحه، فيسخر منه، ويزدرِيَه، ويُسيء الظنَّ بنيَّته، عوض أن يشكر له نصحه، وغيرته على الدين، وحرصه على البيان.
    أولئك الأوائلُ ينصرون الحقَّ ولو على أنفسهم، وهؤلاء ينصرون أنفسهم ولو على الحق.
    أولئك قالوا بلسان حالهم ومقالهم: «أرجع إلى الحق صاغرا» و«الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل»، «ولأن أكون ذنبا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل»، وأما هؤلاء فقالوا بلسان حالهم: بل نتمسك بالباطلُ ما دام يبقي على أتباعنا!
    وفي الأخير أقتبس نصيحة شيخنا الرسلان فأقول:
    يا أهل السُّنَّة على منهاج النُّبوَّة: اثبتوا، لا يخدعنَّكم عن حقِّكم زائغٌ، ولا يصرفنَّكم عن طريقكم مخادعٌ، ولا يختَلنَّكم عن سبيلكم مناورٌ، ولا يُشِيعَنَّ بين جموعكم أراجيفه مُخاتِلٌ مُداوِرٌ، والله يرعاكم، ويسدِّد على طريق الحقِّ خطاكم.
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    وكتب: أبو معاذ طارق سرايش
    الأحد 27 ربيع الآخر 1447 هـ
    الموافق لـ 19 أكتوبر 2025 م
    ([1]) كذا قال والصواب أنه خبيب رضي الله عنه.
    ([2]) كذا قال والصواب كما في البخاري:
    فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا
    ​ ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
    وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ​ ...يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ







    الملفات المرفقة
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
يعمل...
X