بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
قال مقيده عفا الله عنه:
قال الشيخ عبد المجيد جمعة وفقه الله تعالى في رده الأخير على عبد السلام الورفلي:
إن أهل العلم والسير، لا يزالون ينقلون هذه الحوادث التي وقعت للصحابة في كتب الأحاديث والتواريخ والسير، ويستنبطون منها الحكم والأحكام من غير نكير منهم، ولم يقل أحد منهم: إن هذا يلزم منه الطعن في الصحابة رضي الله عنهم. انتهى كلامه وفقه الله
يقال جوابا على هذا:
أما استنباط الحكم والأحكام مما جرى لبعض الصحابة رضي الله عنهم فهذا أمر لا ينكره لا الورفلي ولا غيره وما أدري هل الشيخ وفقه الله يعي ما ينكره الورفلي أم لا!.
ذلك أن جواب الشيخ في واد وكلام الأخ عبد السلام في واد آخر.
اعلم يا شيخنا وفقك الله أن ما ينكره الورفلي هو ما بدر منك من ذكر شيء مما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم في سياق بيان أن المرء مهما بلغ وإن كان صحابيا يجوز عليه الخطأ، وذكرك لفعل عائشة مع معاوية رضي الله عنهما، وهذا كما لا يخفاك فيه نوع خوض فيما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، والعلة التي لأجلها نهى أئمة السلف ذكر ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم إنما هي خشية حدوث نفرة أو بغض وكراهية في قلوب من يطلع على ذلك من ضعاف العلم والنفوس، وهذه العلة في الناس اليوم أقوى وأشد منها في الزمن الماضي والله المستعان.
روى الخلال عن شهاب بن خراش قال: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تتألف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم. السنة للخلال ص ٥١٣.
فإذا كان هذا في ذاك الزمن فكيف بزمننا هذا!
وأما كون ما جرى بين الصحابة موجود في كتب السير والتاريخ فهذا ليس فيه أبدا أن نقرع به آذان العامة وصغار طلبة العلم بل الذي عليه أئمة العلم والسنة أنه يرخص فيه للعلماء المتجردين للحق خلوة بشرط الاستغفار لهم كما أمر ربنا في كتابه، قال الإمام الكبير والحافظ المتمرس البصير والناقد الشهير النحرير الذهبي رحمه الله تعالى:
كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة ، والترضي عنهم ، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء .
وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم ، كما علمنا الله تعالى حيث يقول : (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) . انتهى من السير
ومما يؤيد هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ما رواه الحافظ الطبراني وحسنه غير واحد من الأئمة وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا)).
وأما الذي نقله الشيخ عبد المجيد من معنى كلام الشيخ محمد صغير عكور حفظه الله، فهذا له سببه، وهو ما علمه كل من اطلع على ما نشره عبد السلام الورفلي بعد سؤاله للشيخ عكور حفظه الله حول كلام الشيخ عبد المجيد وفقه الله من دون أن يذكر للشيخ أن الكلام له، فخطأ القائل وأنكر القول، فلما علم الشيخ عكور حفظه الله أن كلامه انتشر على أنه رد على الشيخ عبد المجيد وفقه الله بين أنه لم يعلم أن القائل فلان المعين، وبين أن جوابه لم يكن كما يفهم من النشر أنه سئل عن كلام منسوب للشيخ عبد المجيد كما تقدم، وبين أنه لو سئل عن معين لكان له الخيار بعد النظر بين الكلام من عدمه، ومع أنه أظهر الاستياء إلا أنه لم يقل بأن الكلام إن صدر من الشيخ الفلاني فهو صواب أبدا ما قال هذا، وإنما أنكر أن يسأل من دون تعيين وينزل كلامه على معين، وأرشد طلاب العلم خصوصا وكل السائلين عموما لترك هذه الأساليب في أسئلة أهل العلم.
ويفهم من كلامه حفظه الله: أن السؤال إن كان عن معين فلا بأس أن ينزل الجواب على معين وإن كان السؤال عن مبهم فلا ينبغي أن ينزل على معين، وإنما ينشر الجواب كما جاء من دون تعيين. والله أعلم
هذا أولا، وأما ما أحببت أن أبينه للشيخ عبد المجيد وفقه الله وغيره ثانيا فهو: حرمة الكيل بمكيالين وذلك في الميزان وغيره مما يدخله التطفيف، وقد ورد النهي عن ذلك في قوله تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6).
قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى:
ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها]، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير. انتهى من تفسير سورة المطففين.
قال جامعه عفا الله عنه:
وبيان التطفيف في كلام الشيخ عبد المجيد أنه لما كال لنفسه في مسألة تخطئة الصحابة قال:
واستنبط الإمام مالك من قصة حاطب بن أبي بلتعة جواز قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار. وترجم له البخاري في »صحيحه« )4/59 :)باب الجاسوس.
فهذا استنباط الحكم من الحادثة؛ فإن حاطبا -رضي الله عنه- اجتهد، وتأول؛ كما ترجم هل البخاري )9/17 :)باب ما جاء في المتأولين. انتهى كلامه وفقه الله تعالى.
ولما كال للشيخ لزهر حفظه الله تعالى قال:
أما كان الأجدر به -لو اكن منصفا-، وأخذته الغيرة حقا على الصحابة- أن يسأل عمن اتهم الصحابي البدري الجليل حاطب بن أبي بلتعة بالخيانة الكبرى بلغة السياسيين. ويسأل عن موقفه من فتيا الشيخ العالمة الفوزان فيمن قال ذلك؛ فقد سأله أحد:
سمعت خطيب جمعة إحدى الأيام يقول وهو على المنبر: «إن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قد خان الخيانة العظيم، فهل قوله هذا صحيح !؟ ».
فقال جوابا عن السؤال:
هذا لا يصلح خطيبا؛ الواجب أنه يؤدب، ويعزل عن المسجد الذي يتلكم عن صحابي من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا لا يصلح خطيبا، يصلح؛ أنه يؤدب، ويسجن، ويعزل عن الإمامة؛ لئلا يضل الناس. انتهى كلام الشيخ صالح حفظه الله وكذلك يكتفى بهذا القدر من كلام الشيخ عبد المجيد وفقه الله
قال مقيده عفا الله عنه:
ومما ينبغي بيانه أن الشيخ لزهر حفظه الله تعالى لم يرد في كلامه عن قصة حاطب الإطلاق الذي سئل عنه الشيخ صالح الفوزان حفظه الله كما نقل الشيخ عبد المجيد وفقه الله تعالى والشيخ عبد المجيد من أهل العلم ويعلم أن الاكتفاء من الكلام بموطن الشاهد لا بد أن لا يخل بالمعنى وله شروط ذكرها أئمة الحديث، ولا بد أن يراعى سياق الحديث وسباقه ولحاقه كي لا يقع المرء في الخطأ كما فعل الشيخ هنا، وهذا لا ينبغي أن يصدر من رجل عرف شرع الله تعالى وعالج مسائل العلم.
ودون القارئ الكريم كلام الشيخ لزهر حفظه الله بلفظه من صوتية نصيحة مشفق:
ألا نستفيد مما وقع لحاطب بن أبي بلتعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصته لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة؟!.
وأرسل حاطب بن أبي بلتعة يريد أن يخبر قريشا، وهذا في المصطلح السياسي يعتبر من الخيانة، الخيانة الكبرى أن يفضي بأسرار القوم إلى العدو، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يبين وجهته وما أراد أن يعلم بها أحد من الناس ناهيك عن أعدائه من أهل مكة، والقصة معلومة عندكم كذلك.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه مباشرة، بعض الصحابة قال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله، بعضهم وصفه بالنفاق.
ولكن الحبيب عليه الصلاة والسلام فداه أبي وأمي، دعا حاطبا وقال له: ما حملك يا حاطب على ما فعلت؟.
قال: أردت يا رسول الله أن تكون لي يد عندهم.
لأنه لم يكن من أهل مكة والصحابة كلهم لهم من يحميهم من عشيرتهم وقبيلتهم إلا هو.
وقال: أنا كنت على يقين أن الله ينصرك عليهم.
يعني أراد أن يستفيد هذا رأيه واجتهاده، ولكنه أخطأ في هذا، وهو الصحابي الجليل، الجليل نعم، لأنه كان بدريا، ولما قال من قال من الصحابة: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، قال: لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. الله أكبر الله أكبر سمع منه: ما حملك على هذا يا حاطب بالأسلوب النبوي الذي فيه الرحمة واللين، أين نحن من هذه المعاني؟ أين نحن من هذه المعاني؟.
وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد ذلك لما علم من حقيقة أمره ما علم.
لم يكن به عداء ولا نفاق ولا خديعة ولا ضغينة، وإنما رأى رأيا أخطأ فيه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انتهى كلامه حفظه الله من الدقيقة ٣٧ إلى الدقيق ٤١.
قال مقيده عفا الله عنه:
وكلام الشيخ كله لا يزيد عن أربعة دقائق وفيه ما يدل العاقل أن الشيخ يعتذر لحاطب رضي الله عنه وينفي عنه النفاق والضغينة والخديعة والعداء لهذا الدين وأهله ويبين أنه اجتهاد خاطئ له دوافعه ومع ذلك يتهم بأنه يطعن على حاطب رضي الله عنه وأرضاه!.
وهنا أسئلة للشيخ عبد المجيد وفقه الله:
هل استمعت كلام الشيخ لزهر حفظه الله قبل طعنك فيه؟، أم كلامك تبع لكلام مجاهيل القنوات؟.
وهل في كلامه حفظه الله ما ترميه به؟.
وهل كلامه مخالف لما نقلته من فهم الإمام مالك رحمه الله، من أن الجاسوس يقتل؟.
وهل لك أن تبين للناس من أين لمالك رحمه الله أن الجاسوس يقتل؟، وهل لك أن تبين من وقع منه هذا الفعل وإن كان الحامل على ذلك اجتهاد أدى إلى خطأ؟.
وهل يستقيم تنزيل جواب الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى على كلام الشيخ لزهر حفظه الله؟.
وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو: أن علماء أهل السنة في مثل قصة حاطب رضي الله عنه إذا كانوا في باب بيان الأحكام ذكروا الجاسوس وبينوا حكمه وإذا رووا قصة حاطب رضي الله عنه تنزهوا عن ذكر الجوسسة وما في معناها من الألفاظ التي يجد المرء منها في نفسه وهذا يدل دلالة واضحة أن علماء هذه الأمة الكريمة جمعوا بين بيان الحق للناس فيما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم وبين معرفة قدرهم وبيان منزلتهم للناس، وعليه فينبغي علينا معاشر أهل السنة أن نتخير الألفاظ اللائقة عند الكلام عما لا حيلة للعبد فيه مما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم وتقتضي الحاجة بيانه مما كان فيه حكم شرعي.
وأما الذي شجر بين الصحابة فهذا مما لا ينبغي أن يخاض فيه أصلا للمفسدة المترتبة على ذلك وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك من كلام الناصحين من أئمة الإسلام والسنة، ومن ذلك ما نظمه القحطاني في نونيته:
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى ::: بسيوفهم يوم التقى الجمعان.
فقتيلهم منهم وقتالهم لهم ::: وكلاهما في الحشر مرحومان.
والله يوم الحشر ينزع كلما ::: تحوي صدورهم من الأضغان.
رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.
وأخيرا أدعوا فضيلة الشيخ عبد المجيد وفقه الله لتحقيق تقوى الله تعالى ومراجعة مواقفه ومراقبة ربه سبحانه وصدق التوبة والرجوع إليه، والحرص على لم الشمل ورأب الصدع وترك ما هو مخالف لقواعد هذا المنهج المبارك.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه والجنة آمين.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي كان الله له صبيحة ٢٧ من شهر رمضان المبارك ١٤٤٦ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بمدينة الدويرة الجزائر العاصمة حرسها الله وسائر بلاد المسلمين.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
قال مقيده عفا الله عنه:
قال الشيخ عبد المجيد جمعة وفقه الله تعالى في رده الأخير على عبد السلام الورفلي:
إن أهل العلم والسير، لا يزالون ينقلون هذه الحوادث التي وقعت للصحابة في كتب الأحاديث والتواريخ والسير، ويستنبطون منها الحكم والأحكام من غير نكير منهم، ولم يقل أحد منهم: إن هذا يلزم منه الطعن في الصحابة رضي الله عنهم. انتهى كلامه وفقه الله
يقال جوابا على هذا:
أما استنباط الحكم والأحكام مما جرى لبعض الصحابة رضي الله عنهم فهذا أمر لا ينكره لا الورفلي ولا غيره وما أدري هل الشيخ وفقه الله يعي ما ينكره الورفلي أم لا!.
ذلك أن جواب الشيخ في واد وكلام الأخ عبد السلام في واد آخر.
اعلم يا شيخنا وفقك الله أن ما ينكره الورفلي هو ما بدر منك من ذكر شيء مما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم في سياق بيان أن المرء مهما بلغ وإن كان صحابيا يجوز عليه الخطأ، وذكرك لفعل عائشة مع معاوية رضي الله عنهما، وهذا كما لا يخفاك فيه نوع خوض فيما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، والعلة التي لأجلها نهى أئمة السلف ذكر ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم إنما هي خشية حدوث نفرة أو بغض وكراهية في قلوب من يطلع على ذلك من ضعاف العلم والنفوس، وهذه العلة في الناس اليوم أقوى وأشد منها في الزمن الماضي والله المستعان.
روى الخلال عن شهاب بن خراش قال: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تتألف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم. السنة للخلال ص ٥١٣.
فإذا كان هذا في ذاك الزمن فكيف بزمننا هذا!
وأما كون ما جرى بين الصحابة موجود في كتب السير والتاريخ فهذا ليس فيه أبدا أن نقرع به آذان العامة وصغار طلبة العلم بل الذي عليه أئمة العلم والسنة أنه يرخص فيه للعلماء المتجردين للحق خلوة بشرط الاستغفار لهم كما أمر ربنا في كتابه، قال الإمام الكبير والحافظ المتمرس البصير والناقد الشهير النحرير الذهبي رحمه الله تعالى:
كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة ، والترضي عنهم ، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء .
وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم ، كما علمنا الله تعالى حيث يقول : (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) . انتهى من السير
ومما يؤيد هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ما رواه الحافظ الطبراني وحسنه غير واحد من الأئمة وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا)).
وأما الذي نقله الشيخ عبد المجيد من معنى كلام الشيخ محمد صغير عكور حفظه الله، فهذا له سببه، وهو ما علمه كل من اطلع على ما نشره عبد السلام الورفلي بعد سؤاله للشيخ عكور حفظه الله حول كلام الشيخ عبد المجيد وفقه الله من دون أن يذكر للشيخ أن الكلام له، فخطأ القائل وأنكر القول، فلما علم الشيخ عكور حفظه الله أن كلامه انتشر على أنه رد على الشيخ عبد المجيد وفقه الله بين أنه لم يعلم أن القائل فلان المعين، وبين أن جوابه لم يكن كما يفهم من النشر أنه سئل عن كلام منسوب للشيخ عبد المجيد كما تقدم، وبين أنه لو سئل عن معين لكان له الخيار بعد النظر بين الكلام من عدمه، ومع أنه أظهر الاستياء إلا أنه لم يقل بأن الكلام إن صدر من الشيخ الفلاني فهو صواب أبدا ما قال هذا، وإنما أنكر أن يسأل من دون تعيين وينزل كلامه على معين، وأرشد طلاب العلم خصوصا وكل السائلين عموما لترك هذه الأساليب في أسئلة أهل العلم.
ويفهم من كلامه حفظه الله: أن السؤال إن كان عن معين فلا بأس أن ينزل الجواب على معين وإن كان السؤال عن مبهم فلا ينبغي أن ينزل على معين، وإنما ينشر الجواب كما جاء من دون تعيين. والله أعلم
هذا أولا، وأما ما أحببت أن أبينه للشيخ عبد المجيد وفقه الله وغيره ثانيا فهو: حرمة الكيل بمكيالين وذلك في الميزان وغيره مما يدخله التطفيف، وقد ورد النهي عن ذلك في قوله تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6).
قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى:
ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها]، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير. انتهى من تفسير سورة المطففين.
قال جامعه عفا الله عنه:
وبيان التطفيف في كلام الشيخ عبد المجيد أنه لما كال لنفسه في مسألة تخطئة الصحابة قال:
واستنبط الإمام مالك من قصة حاطب بن أبي بلتعة جواز قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار. وترجم له البخاري في »صحيحه« )4/59 :)باب الجاسوس.
فهذا استنباط الحكم من الحادثة؛ فإن حاطبا -رضي الله عنه- اجتهد، وتأول؛ كما ترجم هل البخاري )9/17 :)باب ما جاء في المتأولين. انتهى كلامه وفقه الله تعالى.
ولما كال للشيخ لزهر حفظه الله تعالى قال:
أما كان الأجدر به -لو اكن منصفا-، وأخذته الغيرة حقا على الصحابة- أن يسأل عمن اتهم الصحابي البدري الجليل حاطب بن أبي بلتعة بالخيانة الكبرى بلغة السياسيين. ويسأل عن موقفه من فتيا الشيخ العالمة الفوزان فيمن قال ذلك؛ فقد سأله أحد:
سمعت خطيب جمعة إحدى الأيام يقول وهو على المنبر: «إن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قد خان الخيانة العظيم، فهل قوله هذا صحيح !؟ ».
فقال جوابا عن السؤال:
هذا لا يصلح خطيبا؛ الواجب أنه يؤدب، ويعزل عن المسجد الذي يتلكم عن صحابي من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا لا يصلح خطيبا، يصلح؛ أنه يؤدب، ويسجن، ويعزل عن الإمامة؛ لئلا يضل الناس. انتهى كلام الشيخ صالح حفظه الله وكذلك يكتفى بهذا القدر من كلام الشيخ عبد المجيد وفقه الله
قال مقيده عفا الله عنه:
ومما ينبغي بيانه أن الشيخ لزهر حفظه الله تعالى لم يرد في كلامه عن قصة حاطب الإطلاق الذي سئل عنه الشيخ صالح الفوزان حفظه الله كما نقل الشيخ عبد المجيد وفقه الله تعالى والشيخ عبد المجيد من أهل العلم ويعلم أن الاكتفاء من الكلام بموطن الشاهد لا بد أن لا يخل بالمعنى وله شروط ذكرها أئمة الحديث، ولا بد أن يراعى سياق الحديث وسباقه ولحاقه كي لا يقع المرء في الخطأ كما فعل الشيخ هنا، وهذا لا ينبغي أن يصدر من رجل عرف شرع الله تعالى وعالج مسائل العلم.
ودون القارئ الكريم كلام الشيخ لزهر حفظه الله بلفظه من صوتية نصيحة مشفق:
ألا نستفيد مما وقع لحاطب بن أبي بلتعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصته لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة؟!.
وأرسل حاطب بن أبي بلتعة يريد أن يخبر قريشا، وهذا في المصطلح السياسي يعتبر من الخيانة، الخيانة الكبرى أن يفضي بأسرار القوم إلى العدو، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يبين وجهته وما أراد أن يعلم بها أحد من الناس ناهيك عن أعدائه من أهل مكة، والقصة معلومة عندكم كذلك.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه مباشرة، بعض الصحابة قال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله، بعضهم وصفه بالنفاق.
ولكن الحبيب عليه الصلاة والسلام فداه أبي وأمي، دعا حاطبا وقال له: ما حملك يا حاطب على ما فعلت؟.
قال: أردت يا رسول الله أن تكون لي يد عندهم.
لأنه لم يكن من أهل مكة والصحابة كلهم لهم من يحميهم من عشيرتهم وقبيلتهم إلا هو.
وقال: أنا كنت على يقين أن الله ينصرك عليهم.
يعني أراد أن يستفيد هذا رأيه واجتهاده، ولكنه أخطأ في هذا، وهو الصحابي الجليل، الجليل نعم، لأنه كان بدريا، ولما قال من قال من الصحابة: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، قال: لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. الله أكبر الله أكبر سمع منه: ما حملك على هذا يا حاطب بالأسلوب النبوي الذي فيه الرحمة واللين، أين نحن من هذه المعاني؟ أين نحن من هذه المعاني؟.
وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد ذلك لما علم من حقيقة أمره ما علم.
لم يكن به عداء ولا نفاق ولا خديعة ولا ضغينة، وإنما رأى رأيا أخطأ فيه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انتهى كلامه حفظه الله من الدقيقة ٣٧ إلى الدقيق ٤١.
قال مقيده عفا الله عنه:
وكلام الشيخ كله لا يزيد عن أربعة دقائق وفيه ما يدل العاقل أن الشيخ يعتذر لحاطب رضي الله عنه وينفي عنه النفاق والضغينة والخديعة والعداء لهذا الدين وأهله ويبين أنه اجتهاد خاطئ له دوافعه ومع ذلك يتهم بأنه يطعن على حاطب رضي الله عنه وأرضاه!.
وهنا أسئلة للشيخ عبد المجيد وفقه الله:
هل استمعت كلام الشيخ لزهر حفظه الله قبل طعنك فيه؟، أم كلامك تبع لكلام مجاهيل القنوات؟.
وهل في كلامه حفظه الله ما ترميه به؟.
وهل كلامه مخالف لما نقلته من فهم الإمام مالك رحمه الله، من أن الجاسوس يقتل؟.
وهل لك أن تبين للناس من أين لمالك رحمه الله أن الجاسوس يقتل؟، وهل لك أن تبين من وقع منه هذا الفعل وإن كان الحامل على ذلك اجتهاد أدى إلى خطأ؟.
وهل يستقيم تنزيل جواب الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى على كلام الشيخ لزهر حفظه الله؟.
وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو: أن علماء أهل السنة في مثل قصة حاطب رضي الله عنه إذا كانوا في باب بيان الأحكام ذكروا الجاسوس وبينوا حكمه وإذا رووا قصة حاطب رضي الله عنه تنزهوا عن ذكر الجوسسة وما في معناها من الألفاظ التي يجد المرء منها في نفسه وهذا يدل دلالة واضحة أن علماء هذه الأمة الكريمة جمعوا بين بيان الحق للناس فيما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم وبين معرفة قدرهم وبيان منزلتهم للناس، وعليه فينبغي علينا معاشر أهل السنة أن نتخير الألفاظ اللائقة عند الكلام عما لا حيلة للعبد فيه مما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم وتقتضي الحاجة بيانه مما كان فيه حكم شرعي.
وأما الذي شجر بين الصحابة فهذا مما لا ينبغي أن يخاض فيه أصلا للمفسدة المترتبة على ذلك وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك من كلام الناصحين من أئمة الإسلام والسنة، ومن ذلك ما نظمه القحطاني في نونيته:
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى ::: بسيوفهم يوم التقى الجمعان.
فقتيلهم منهم وقتالهم لهم ::: وكلاهما في الحشر مرحومان.
والله يوم الحشر ينزع كلما ::: تحوي صدورهم من الأضغان.
رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.
وأخيرا أدعوا فضيلة الشيخ عبد المجيد وفقه الله لتحقيق تقوى الله تعالى ومراجعة مواقفه ومراقبة ربه سبحانه وصدق التوبة والرجوع إليه، والحرص على لم الشمل ورأب الصدع وترك ما هو مخالف لقواعد هذا المنهج المبارك.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه والجنة آمين.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي كان الله له صبيحة ٢٧ من شهر رمضان المبارك ١٤٤٦ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بمدينة الدويرة الجزائر العاصمة حرسها الله وسائر بلاد المسلمين.
تعليق