إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

إسعاف ذوي العقول ببيان أن العلم لا يلتمس عند المجهول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إسعاف ذوي العقول ببيان أن العلم لا يلتمس عند المجهول

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إسعاف ذوي العقول
    ببيان أنّ العلم لا يلتمس عند المجهول






    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
    فعلى إثر كلمة الشيخ لزهر حفظه الله تعالى في مسألة الأخذ عن قنوات المجاهيل التي خاطب بها الشيخ حفظه الله أبا مقبل الغامبي وفقه الله وغيره عن طريقه، أزبد أصحاب القنوات وأرغوا وراحوا يخلطون مسائل العلم بعضها ببعض ويذكرون أشياء لا تمت إلى العلم بصلة، كقولهم:
    المشكلة هنا في عدم التفريق بين الجهالة عند المحدثين وبين الجهالة في هذا السياق، فأهل الحديث أنفسهم لم يجمعوا في مسائل الجهالة، ومع ذلك فإن البحث في حال المجهول عندهم يخص رواية الأخبار، أما ما نحن بصدده فليس أخبارًا، بل أحكام ونقول وردود خاضعة لميزان العلم. فالميزان هنا هو الحجة والبرهان، لا مجرد معرفة الاسم الصريح. انتهى كلامهم.
    وإني لا أعلم من أهل العلم والفضل من يشترط الإجماع عند الترجيح في المسائل الخلافية، وأن لا راجح إلا بإجماع!!!
    بل لا أعلم خلافا بين أهل العلم في مسألة فيها إجماع قطعي.
    فإنما هو أحد أمرين إما إجماع وإما خلاف.
    ولا أعرف الفرق بين المجاهيل عند أئمة الحديث وهؤلاء المجاهيل إلا أنني أذكر كلام الحافظ بن حجر رحمه الله في الجهالة، ولهم أن ينزلوا فيما يرونه مناسبا لأمثالهم من كلامه قال رحمه الله تعالى:
    ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ.
    وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وصَنَّفُوا فِيهِ الوِحْدَانَ، أو لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وفِيهِ المُبْهَمَاتُ، ولَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ، ولَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ.
    فَإِنْ سُمِّيَ، وانْفَرَدَ واحِدٌ عَنْهُ فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أو اثْنَانِ فَصَاعِدًا، ولَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وهُوَ الْمَسْتُورُ
    . انتهى من نخبة الفكر.
    وفي كلامهم هذا وغيره ما يتعذر على العاقل فهمه كقولهم:
    فإن البحث في حال المجهول عندهم – أي علماء الحديث - يخص رواية الأخبار، أما ما نحن بصدده فليس أخبارًا، بل أحكام ونقول وردود خاضعة لميزان العلم.
    يقال: كيف تكون نقولا ولا تكون أخبارا؟!! ولكن هي جهالات القوم كما ترى. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    وغيرها من الأمور التي ذكرها هؤلاء المجاهيل، موهمين الناس أنها من أسس وقواعد أهل الحديث!
    ولعل أعظم مستندات القوم أمران:

    أولهما: أن فاضلا زكى القنوات، وهذا تقدم الجواب عنه في مقال: (التدليل على سواء السبيل والرد على أبي مقبل الغامبي في مسألة الدفاع عن المجاهيل)، وقبله (تنوير العقول ببيان حكم الأخذ عن المعدل المبهم والمجهول). فراجعه تستفد
    ولا تلتفت لقول من قال: أن الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى قال: وأجاز الأكثر قبول الجرح والتعديل من واحد لأنه ينزل منزلة الحكم، والحكم لا يشترط فيه العدد. انتهى كلامه رحمه الله.
    فكلام الحافظ هذا ليس من مسألتنا بتاتا، ولا علاقة له بما نحن فيه.
    وبيانه:
    أن كلام الحافظ المذكور فيمن عدل على غير الإبهام، أي علم اسمه وتميز عن غيره، فلا يلتبس على الناس أمره.
    أما ما نحن بصدده فهو التعديل على الإبهام أي يعدله من دون ذكر ما يتميز به عن غيره كقولهم حدثني من أثق به أو من لا أتهم، وواقع الذي نعيشه أن هذه القنوات التي أثني على أصحابها لا يعرف منهم أحد، وهذه الصورة لا تحتمل إلا التعديل على الإبهام، وأما ما ذكره المجاهيل من أن هذا يحمل على الألقاب والكنى وأن هذا كما اشتهر أبو هريرة رضي الله عنه بكنيته دون اسمه!
    فهذا زيادة على الجهل يدل على ضعف خشية الله في قلب قائله، والله المستعان
    وفي التعديل على الإبهام يقول الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى:
    ولا يقبل حديث المبهم ما لم يسم، لأن شرط قبول الخبر عدالة رواته، ومن أبهم اسمه لا تعرف عينه، فكيف تعرف عدالته؟!.
    وكذا لا يقبل خبره ولو أبهم بلفظ التعديل، كأن يقول الراوي عنه أخبرني الثقة، لأنه قد يكون ثقة عنده مجروح عند غيره، وهذا على الأصح في المسألة
    . انتهى نقلا عن شرح نزهة النظر للشيخ بن عثيمين رحمه الله ص٣٠٧-٣٠٨.

    قال شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى معلقا على كلام الحافظ رحمه الله:
    المبهم لا تقبل روايته، ولا يحتج به، رجلٌ، أو عن فلان، أو مولى فلان، أو شبه ذلك لا يحتج به؛ لأنها لا تعرف حاله، فكيف تعرف عدالته، فالذي لا تعرف عينه كيف تعرف عدلته، المبهمات لا يحتج بها، فإذا كان في السند رجل حدثني رجل، أو مولى بني فلان، أو مولى فلان ولم يسم ولم يعرف لا يحتج به؛ يكون الحديث ضعيفًا من هذا الطريق حتى يسمى، ويعرف أنه ثقة. انتهى من شرح الشيخ على النزهة من موقعه رحمه الله تعالى.

    قال الحافظ رحمه الله:
    وكذا لا يُقْبَلُ خَبَرُه، ولو أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْديلِ؛ كأَنْ يقولَ الرَّاوي عنهُ: أَخْبَرَني الثِّقُة؛ لأنَّهُ قد يكونُ ثقةً عندَه مجروحًا عندَ غيرِه، وهذا عَلى الأصَحِّ في المسأَلةِ.
    قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
    لا يقبل المبهم ولو عدل؛ لأنه قد يكون ثقة عند من عدله مقدوحًا عند غيره، فإذا قال أخبرني الثقة، أو من لا أتهم، ما يكون حديثه صحيحًا؛ لأنه قد يكون عنده ثقة، ولكن عند غيره مجروحًا، فإذا قال مثلًا الزهري: حدثني الثقة، وقال سفيان: حدثني الثقة، وقال أحمد: حدثني الثقة، أو من أثق به، لا يقبل حتى يصرح ويعرف أنه معدل. انتهى من المصدر السابق

    وسئل الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى:
    انشغل الناس في هذه السنوات الأخيرة بوسائل التواصل من تويتر وفيس بوك وغيرها من وسائل التواصل، وصارت هي مصدر التجريح والتعديل بين طلبة العلم.
    وسؤالي للشيخ: هل يجوز لطالب العلم أو للناس الاعتماد على ما يكتب فيها علما بأنهم يكتبون بأسماء مجهولة؟
    فأجاب حفظه الله تعالى:
    لا يجوز الاعتماد على هذه الوسائل التي تشكك الناس في دينهم وفي عقيدتهم، يجب الرجوع إلى أهل العلم وإلى أخذ العلم عن العلماء، لا من هذه الوسائل وهذه المحطات، أو هذه المصادر التي هي مختلطة بحق قليل وباطل كثير فيها فلا يعتمد عليها، العلم إنما يؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع أهل العلم، ويؤخذ أيضا من القياس الصحيح، هذه مصادر تلقي العلم على أيدي العلماء الربانيين الناصحين المخلصين، إما بالدراسات النظامية وإما بحلق الذكر ومجالس العلم عند العلماء. انتهى كلامه حفظه الله من صوتية للشيخ على اليوتوب بعنوان: حكم أخذ العلم الشرعي من وسائل التواصل الاجتماعي.

    وسئل حفظه الله تعالى:
    هل هذا من العلم الشرعي، وهو أخذ العلم عن طريق الأنترنت والأشرطة وغيرها؟
    فأجاب حفظه الله تعالى:
    العلم يؤخذ يا أخي من العلماء، بالجلوس بين أيديهم في الحلقات، أو يؤخذ عن العلماء في دور العلم من المدارس والمعاهد والكليات، ولا يؤخذ العلم عن الكتب ومن الأشرطة، وإنما يستفاد من الكتب، ويستفاد من الأشرطة بعد عرض ذلك على أهل العلم، لأن هذه الأشرطة أو هذه الكتب قد يدخلها شيء من الكذب، يدخلها شيء من الابتداع، يدخلها شيء من الجهل. نعم. انتهى من صوتية للشيخ على اليوتوب بعنوان: هل يؤخذ العلم من مواقع الأنترنت والكتب والأشرطة.

    قال جامعه عفا الله عنه:
    فهل بعد هذا الكلام الواضح البيّن من هذين الإمامين يقال إنهما يجيزان الأخذ عن المجاهيل؟!
    الشيخ صالح حفظه الله يقرر أنّ كلام العلماء قد يحرفه أعداء الحق وقد يزيدون فيه وينقصون منه حتى يخرجوه عن معناه وما يراد به، فلا يؤخذ إلا بعد التوثق من العلماء، فهل من يتحرز هذا التحرز يقال عنه يجيز الأخذ عن المجاهيل؟
    وهل بعد هذا يقال الأخذ عن المجاهيل مسألة خلافية!!! فضلا أن يقال القول بالمنع من الأخذ عن المجاهيل مرجوح؟!
    هذا والله شيء عجيب!
    ولنا أن نقول لمن يرجح ما هو مخالف لما عليه أئمة العلم الذين قرروا أن هذا العلم دين، وأنه يجب على العبد أن لا يأخذ من كل من هب ودب ودرج:
    هذا ميدان أهل الحديث وهذه قواعدهم، فنتحداهم أن يقيموا الأدلة والبراهين على أن ما ينصرونه هو الراجح، ودون ذلك خرط القتاد.

    ومما استندوا عليه، ثانيا: فاستثناء من أصلٍ عند أهل العلم.
    وبيانه: أن الأصل عند أهل السنة أنهم يأخذون العلم عمن وثقوا في علمه ودينه كما تقدم، وأنهم إذا ألفوا كتبوا أسماءهم ونسبوا مؤلفاتهم، وهذه المكتبة الإسلامية بما فيها من مؤلفات شاهدة على ذلك، ولا يوجد كتاب غير منسوب إلا فيما ندر.
    وأما الاستثناء فيقع في الشق الثاني وهو نسبة المؤلَّف لمن ألفه، فالعلماء أحيانا يجيزون الكتابة بأسماء مستعارة بل قد يجيزون الكتابة بدون اسم إذا دعت إلى ذلك حاجة، وترجحت المصلحة.
    ويبقى الشق الأول من الأصل وهو أنّ العاميَ وطالب العلم المبتدئ لا يأخذ إلا عن ثقة مأمون من أهل العلم والفضل، وليس له أن يتلقى عن كل أحد لأنه لا يأمن على نفسه.
    قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بسنده عن بن المبارك: الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. انتهى

    ومن عجيب ما يحصل هذه الأيام، أن أصحاب القنوات المجهولين أجلبوا على السلفيين بذكر فتاوى بعض أهل العلم كشيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ صالح الفوزان حفظه، ونسبوا إليهما أنهما يقولان بجواز أخذ العلم عن المجاهيل!
    وقد تقدم بحمد الله ذكر كلامهما في بيان عمن يؤخذ العلم، وهو لا ينافي قولهم بجواز الكتابة بالأسماء المستعارة إذا دعت الحاجة لذلك وكانت فيه مصلحة راجحة، كما تقدم.
    وهذا الأمر ليس فيه ما يدل على مشروعية التماس الحق عند المجاهيل لا من قريب ولا من بعيد، ولكن كما قيل: الغريق يتمسك بقشة.
    والذي أعتقده أن هذا الذي يتحجّج به هؤلاء المجاهيل، ومن يدافع عنهم، هو من قبيل لبس الحق بالباطل الذي نهينا عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(42)} البقرة
    ذلك أن جواز الكتابة بالأسماء المستعارة لا يعني أبدا التماس الحق عند الذين لم يعرفوا به وإن عرفت أعيانهم، فضلا عمن جهلت أجناسهم وأحوالهم وبلدانهم وعقائدهم وتوجهاتهم.
    قال ابن أبي حاتم رحمه الله بسنده عن إبراهيم قال: كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن الرجل نظروا إلى صلاته وإلى هيئته وإلى سمته. انتهى من كتاب الجرح والتعديل ج٢ ص١٦.
    وجوابا على ما يحسبونه شيئا لهم حاصلا وحجة تسمن وتغني من جوع يقال: إن أهل السنة يفرقون بين قبول الحق والتماسه.
    فهم يقبلون الحق ويقرونه من كل أحد لزوما للعدل وتعظيما للحق وعملا بالشرع، قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)} الأعراف.

    قال الشيخ الإمام محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى:
    إذا فعلوا فاحشة يعني الكفار {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فاحتجوا بأمرين، فقال الله تعالى : {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}. وسكت عن قولهم : {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} ليش؟ لأن قولهم : {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} حق لا يمكن إبطاله، لكن {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} كذب، ولهذا قال : {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء}. ولم يقل: ولم يجدوا عليها آباءهم، لأنهم قد وجدوا عليها آباءهم. طيب. انتهى من شرح الواسطية.

    ومنه ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
    وكَّلَني رسولُ اللَّهِ ﷺ بحِفْظِ زَكَاةِ رمضانَ، فَأَتَاني آتٍ، فَجعل يحْثُو مِنَ الطَّعام، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأرَفَعَنَّك إِلى رسُول اللَّه ﷺ، قَالَ: إِنِّي مُحتَاجٌ، وعليَّ عَيالٌ، وَبِي حاجةٌ شديدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عنْهُ، فَأَصْبحْتُ، فَقَال رسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيْهِ وآلهِ وسَلَّمَ: يَا أَبا هُريرة، مَا فَعلَ أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ قُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ شَكَا حَاجَةً وعِيَالًا، فَرحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ. فَقَالَ: أَما إِنَّهُ قَدْ كَذَبك وسيعُودُ فَعرفْتُ أَنَّهُ سيعُودُ لِقَوْلِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرصدْتُهُ. فَجَاءَ يحثُو مِنَ الطَّعامِ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعنَّكَ إِلى رسولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ: دعْني فَإِنِّي مُحْتاجٌ، وعلَيَّ عِيالٌ لاَ أَعُودُ، فرحِمْتُهُ فَخَلَّيتُ سبِيلَهُ، فَأَصبحتُ، فَقَال لي رسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبا هُريْرةَ، مَا فَعل أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ قُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ شَكَا حَاجَةً وَعِيالًا فَرحِمْتُهُ، فَخَلَّيتُ سبِيلَهُ، فَقَال: إِنَّهُ قَدْ كَذَبكَ وسيَعُودُ. فرصدْتُهُ الثَّالِثَةَ. فَجاءَ يحْثُو مِنَ الطَّعام، فَأَخَذْتهُ، فقلتُ: لأَرْفَعنَّك إِلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهذا آخِرُ ثَلاثٍ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، فَقَالَ: دعْني فَإِنِّي أُعلِّمُكَ كَلِماتٍ ينْفَعُكَ اللَّه بهَا، قلتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذا أَويْتَ إِلى فِراشِكَ فَاقْرأْ آيةَ الْكُرسِيِّ، فَإِنَّهُ لَن يزَالَ عليْكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، وَلاَ يقْربُكَ شيْطَانٌ حتَّى تُصْبِحِ، فَخَلَّيْتُ سبِيلَهُ فَأَصْبحْتُ، فقَالَ لي رسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما فَعلَ أَسِيرُكَ الْبارِحةَ؟ فقُلتُ: يَا رَسُول اللَّهِ زَعم أَنَّهُ يُعلِّمُني كَلِماتٍ ينْفَعُني اللَّه بهَا، فَخَلَّيْتُ سبِيلَه. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لي: إِذا أَويْتَ إِلى فِراشِكَ فَاقرَأْ آيةَ الْكُرْسيِّ مِنْ أَوَّلها حَتَّى تَخْتِمَ الآيةَ: اللَّه لاَ إِلهَ إِلاَّ هُو الحيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] وقال لِي: لاَ يَزَال علَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يقْربَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّه قَدْ صَدقكَ وَهُو كَذوبٌ، تَعْلَم مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذ ثَلاثٍ يَا أَبا هُريْرَة؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ رواه البخاري.

    قال جامعه عفا الله عنه:
    قال شرّاح الحديث: في هذا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن ما قاله الشيطان لأبي هريرة في فضل آية الكرسي حق وهذا قبول منه للحق عليه الصلاة والسلام وإن كان القائل شيطانا. فتأمل
    وكذلك فيه فائدة أخرى عظيمة في ذات السياق وهي: أن أبا هريرة إنما علم أن ما قاله ذاك الشيطان حق بعد تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لكلامه.

    قال شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
    أبو هريرة حريص على الخير، والصحابة كذلك، فهو قبله لما عرضه على النبي ﷺ وصَدَّقه النبي ﷺ. انتهى من موقع الشيخ على الشبكة.

    قال جامعه عفا الله عنه:
    وفيه أن من لا علم له لا يحكم على ما يجهل حكمه بصحة ولا بطلان، وهذا بيّن في قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} الاسراء.
    وإنما الواجب على الجاهل أن يرفع كلام من لا يعرف للعالم فإن وقع العالم على صحته فذاك وإلا رده وبين وجه غلطه، ومثاله ما صنعه أئمة العلم مع كتاب (الحيدة والاعتذار) لعبد العزيز الكناني رحمه الله تعالى.
    سئل الشيخ الإمام ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى:
    هل كتاب الحيدة لعبد العزيز الكناني ثابت عنه أم لا؟
    فأجاب حفظه الله تعالى:
    بعضهم قال: أنه لم يثبت عنه! لكن الأمّة تلقت هذا الكتاب بالقبول لما تضمنه من الحجج والبراهين التي تدحض أباطيل أهل القول بخلق القرآن؛ أباطيل المعتزلة ومن جرى مجراهم من الجهمية الذين يقولون: (القرآن مخلوق)؛ فيها حجج دامغة, فيها نصرة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والذبّ عن دينه فجزى الله المؤلف خيرا.
    ولعل المؤلف من كبار علماء السنة, ولا شك أنه عالم بارع ولا نستبعد أنه من تلاميذ الشافعي ولا نستبعد أنه هذا الكناني ( عبد العزيز ).
    لكن سواء أثبتناه لهذا الإمام أولم نثبته؛ فإنّ كاتبه عالم ضليع ومتعمّق في اللغة ومتعمّق في معرفة أسرار القرآن وطرق الاحتجاج به فهذا مما يُنصَر به, فمن يطعن في هذا الكتاب أخشى أن فيه نزعة بدعية يريد أن يوهن حجج أهل السنة والجماعة.
    فنحن نقول: هذا ألفه عالم قد يكون ما استطاع أن يظهر اسمه لأنّ السلطة كانت بأيدي الجهمية فخاف أن يُنال بالأذى بالقتل وغيره كما أوذي أهل السنة وامتحنوا بالقول بخلق القرآن فخشي على نفسه فألف هذا الكتاب.
    فإما أن يكون هو الكناني وإما أن يكون غيره ولا شك أنه من علماء السنة ومن أئمتها النوابغ ,رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.
    انتهى كلامه حفظه الله من المنتقى من فتاويه ج٢ص١٨٣.

    قال جامعه عفا الله عنه:
    فقوله حفظه الله: الأمة تلقت هذا الكتاب بالقبول.
    كقولهم في الصحيحين: تلقتهما الأمة بالقبول أي علماء الأمة ولا دخل لعامة المسلمين في مسائل العلم.
    فمن أين للعامي أن يشهد لما جاء في هذا الكتاب العظيم من مسائل دقيقة بأنها حق أو باطل!
    ولعل كثيرا من العوام لم يسمع ببعض ما تضمنه كتاب الكناني رحمه الله تعالى أصلا!!!
    وعليه فمن قال لعوام المسلمين خذوا عن قنوات المجاهيل والعبرة بما يكتب فيها، فما وافق الحق فخذوه وما خالفه فردوه واتركوه!
    فهذا في حقيقة الأمر يكلف عامة الناس ما لا يطيقون ويحملهم ما لا يحتملون! وقد قيل: فاقد الشيء لا يعطيه.

    قال الشيخ العلامة الإمام ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله:
    كثير من الناس يخدع الشباب ويقول:( اقرأ، اقرأ وخذ الحق واترك الباطل)، ويكون الشباب مساكين ما عندهم شيء، ما عندهم تمييز بين الحق والباطل، فيقع في الباطل ويظنه حقًّا، ويحارب الحق ويظنه باطلاً، وهذا حصل لكثير من الناس بهذه المصيدة .
    فالسلف ما كانوا يقرءون لأهل البدع، وأُلِّفت كتب في التحذير من كتب أهل البدع، ومنها كتاب الموفق بن قدامة في تحريم النظر في كتب أهل البدع، وهناك تحذيرات من الإمام أحمد بن حنبل والذهبي وابن تيمية وابن القيم، كلهم حذَّروا من كتب أهل البدع تحذيرًا شديدًا، حذَّروا منها، وبعضهم يرى إحراقها، ومنهم ابن القيم، ومنهم أحمد بن حنبل أو إتلافها؛ لأنَّ فيها دماراً للأمة فيها إفساد .
    فلما انتشرت كتب أهل البدع في أوساط المسلمين، تساهل كثير من المسلمين ووقعوا في حبائل أهل البدع، صار هذا معتزليًّا، وهذا جهميًّا، وهذا أشعريًّا، وهذا صوفيًّا، وهذا وهذا...وما بقي إلا قلة ممن يسلك مسلك السلف الصالح في هذا الخضم الهائل من أهل البدع والعياذ بالله، ما السبب؟ السبب هو مثل هذه النظرية:« أقرأ وآخذ الحق وأترك الباطل»، فيأتي فيأخذ الباطل ويرد الحق... وقد كان السلف أمثال ابن سيرين إمام من أئمة السنة، وأيوب السختياني يعرض عليهم من أهل البدع أن يقرؤوا عليه آية من القرآن يقول:« ولا نصف آية» لماذا؟ يفهم أن هذا يريد أن يلبس عليه، ويتلوا الآية عليه ليستخرج منها شبهة، فيقول: « لا أسمع»، لماذا يفعل هذا؟ يقول:« إن قلبي ليس بيدي، وأخاف على نفسي الفتنة »
    انتهى من مجموع كتب ورسائل الشيخ حفظه الله تعالى "(15/16-17-18)].

    قال جامعه عفا الله عنه:
    وعلى هذا درج أهل العلم والسنة أن عامة الناس ليس لهم الكلام في مسائل الشرع والعلم، وأن الحق والعلم والفتيا يؤخذ من أفواه العلماء لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ولا ينبغي لعاقل أن يلتمس العلم عند من لا يثق في علمه ودينه.
    لأنه إن لم يعرفه لا يأمن على نفسه من الشبه فقد يكون هذا المجهول عدوا من أعداء الإسلام والسنة، يظهر خلاف ما يبطن، وما أكثرهم لا كثرهم الله، خاصة إذا صاحب الأمر حرص على التخفي والاستتار، فهو من أخص أساليب أعداء السنة.
    هذا وليعلم أن في ذكر اسم المعدل طلب التعاون على البر والتقوى ووجهه: أن العالم قد يخدعه من يظهر له الحسنى فيغتر به، ويكون غيره من أهل العلم أعرف به منه، فيبين حاله للعالم الذي عدله وللناس، فيحصل الخير وسد باب الشر.
    وأما في حال التستر على اسمه فلا سبيل إلى التعرف عليه، وقد تحصل مفسدة من جراء الأخذ عنه، والله المستعان.
    ولا يغرنك يا صاحب السنة ما ينشره المجاهيل من حق؛ فعَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أن نَبيَّ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قَضى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكةُ بأجنِحَتِها خُضعانًا لقَولِه، كأنَّه سِلسِلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا فُزِّعَ عَن قُلوبِهم قالوا: ماذا قال رَبُّكُم؟ قالوا للَّذي قال: الحَقُّ، وهوَ العَلِيُّ الكَبيرُ، فيَسمَعُها مُستَرِقُ السَّمعِ، ومُستَرِقُ السَّمعِ هَكَذا بَعضُه فوقَ بَعضٍ -ووَصفَ سُفيانُ بكَفِّه فحَرفَها، وبَدَّدَ بَينَ أصابِعِه- فيَسمَعُ الكَلِمةَ فيُلقيها إلى من تَحتَه، ثُمَّ يُلقيها الآخَرُ إلى من تَحتَه، حَتَّى يُلقِيَها على لسانِ السَّاحِرِ أوِ الكاهِنِ، فرُبَّما أدرَكَ الشِّهابُ قَبلَ أن يُلقِيَها، ورُبَّما ألقاها قَبلَ أن يُدرِكَه، فيَكذِبُ مَعَها مِائةَ كَذْبةٍ، فيُقالُ: ألَيسَ قد قال لَنا يَومَ كذا: كذا وكَذا؟! فيُصَدَّقُ بتِلكَ الكَلِمةِ الَّتي سَمِعَ مِنَ السَّماءِ. رواه البخاري.

    قال الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى:
    قال المصنف – يعني شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى -: وفيه قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة كذبة!.
    وفيه: أن الشيء إذا كان فيه شيء من الحق فلا يدل على أنه حق كله، فكثيرا ما يلبس أهل الضلال الحق بالباطل ليكون أقبل لباطلهم، قال تعالى: {
    وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} انتهى من فتح المجيد ج١ ص١٩٩.

    واعلم يا صاحب السنة وفقنا الله وإياك لسلوك الواضحة النقية، أنك غريب في أعداء كثر كلهم يريد فتنتك؛ بل بعضهم يريد ردتك عن دينك:
    قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)} الأعراف.
    وقال تعالى مبينا مراد المشركين من قتال المؤمنين:
    {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)}
    وقال تعالى مخبرا عما في بواطن المنافقين: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)}الآيات من سورة النساء

    وأخيرا أنصح نفسي وإخواني بتدبر كتاب الله والحرص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودراسة أصول منهج السلف والسير على وفق هذا المنهج المبارك والحرص على أخذ العلم من أهل العلم، وإعمال نصيحة أئمة السنة: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
    وفقنا الله وإخواننا لمعرفة الحق وحسن التمسك به إنّ ربي لسميع الدعاء وهو على كل شيء قدير.
    والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده
    ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    وكتب:
    العبد الفقير إلى عفو ربه الغني أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
    كان الله له صبيحة يوم السبت ١٠ من شهر شعبان ١٤٤٦ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2025-02-10, 05:41 PM.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X