بسم الله الرحمن الرحيم
تكفير السيئات وتكثير الحسنات ورفع الدرجات
بالرجوع من الجمع والجماعات مشيًا لا ينالها من ركب السّيارات
تكفير السيئات وتكثير الحسنات ورفع الدرجات
بالرجوع من الجمع والجماعات مشيًا لا ينالها من ركب السّيارات
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فما أحوجنا لما يحط عنا الخطايا والذنوب ويكثر الحسنات ورفعة الدرجات. وفي المشي للمسجد خيرات عظيمة لا ينالها من ركب السيارات، وسبق بيانه في مقالة بعنوان: (حط الأوزار وتكثير الحسانات ورفع الدرجات بالمشي للجمع والجماعات ولا ينالها من ركب السيارات).
وهذا معروف؛ لكن الذي يغفل عنه الكثير أن حط الأوزار وتكثير الحسنات ورفع الدرجات ينالها برحمة رب الأرض والسموات من رجع ماشيا من الجمع والجماعات.
عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، قال: كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد جمع الله لك ذلك كله)).
أخرجه مسلم (رقم: 663)؛ وفي رواية: ((إن لك ما احتسبت)).
قال العلامة النووي رحمه الله في ((شرحه على مسلم)) (2/جزء الخامس/182): ((قوله إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد جمع الله لك ذلك كله))، فيه: إثبات الثواب في الخطا في الرجوع من الصلاة كما يثبت في الذهاب)) اهـ.
وعن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب فدنا من الإمام، فاستمع، ولم يلغ، كان بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها».
أخرجه أحمد في ((المسند)) (رقم: 16172 و 16173 و 16174 و 16175 و 16176 و 16178 و 16161 و 16961 و 16962) والترمذي في ((الجامع)) (رقم: 496) وأبو داود في ((السنن)) (رقم: 345) والنسائي في ((السنن)) (رقم: 1381 و 1384 و 1388) وفي ((السنن الكبرى)) وابن ماجه في ((السنن)) (رقم: 1087) والدارمي في ((المسند)) (رقم: 1588) والطيالسي في ((المسند)) (رقم: 1210) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (رقم: 1758 و 1767) وابن حبان في ((صحيحه)) (رقم: 2781) وابن الحاكم في ((المستدرك على الصحيحين)) وعبد الرزاق في ((المصنف)) والطبراني في ((المعجم الكبير)) (رقم: 581 و 582 و 583 و 584 و 585 و 586 و 587 و 588) وفي ((المعجم الأوسط)) (رقم: 1452 و 1753) وفي ((مسند الشاميين)) (رقم: 340 و 556 و 557 و 900 و 901 و 902 و 1100 و 1267) والطحاوي ((شرح معاني الآثار)) (رقم: 2167) وتمام ((الفوائد)) (رقم: 2 و 348 و 1256 و 1530 و 1531) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (رقم: 5865 و 5878 و 5879) وفي ((السنن الصغرى)) وفي ((شعب الإيمان)) (رقم: 2728) وفي ((معرفة السنن والآثار)) (رقم: 6591) وفي ((فضائل الأوقات)) وصححه الألباني.
قال العلامة العيني رحمه الله في «شرح أبي داود» (2/ 168): «قوله: «ولم يركب» تأكيد لقوله: «ومشى»، ويحتمل أن لا يكون تأكيداً ويكون المعنى: ولم يركب بالكلية في الذهاب والإياب؛ لأنه إذا مشى في الذهاب فقط، أو في الإياب فقط، أو مشى شيئاً يسيراً في الذهاب، أو الإياب، يصدق عليه أنه مشى، ولم يصدق عليه أنه لم يركب، فح لا يكون قوله: « ولم يركب » تأكيداً، فافهم» اهـ.
وهذه الأجور العظيمة يتساهل في تركها الكثير منا، تجد الواحد منا يحرص على الذهاب للمسجد ماشيًا لكن يغفل أو يتغافل على أن يرجع ماشيًا بمجرد أن يجد جار أو صديق عنده سيارة. وهذا نوع من التماوت والكسل بترك نقل الخطوات والركوب مع القدرة على المشي، وهذا التماوت يفوت أجورًا عظيمة، ولا تنال مع التماوت وكسل.
قال الله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].
عن مجاهد، في قوله {ما قدموا وآثارهم} [يس: 12] قال: (خطاهم بأرجلهم). أخرجه الطبري في ((جامع البيان)) (19/ 411).
وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي، ثم ينام».
متفق عليه.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم، يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال: «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم». أخرجه مسلم (رقم: 665).
وعن سعيد بن المسيب، قال: حضر رجلا من الأنصار الموت، فقال: إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله عز وجل له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عز وجل عنه سيئة فليقرب أحدكم أو ليبعد فإن أتى المسجد، فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك».
خرجه أبو داود في ((السنن)) (رقم: 563) ومحمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (رقم: 106) والطحاوي ((مشكل الآثار)) (رقم: 2322) وابن شاهين ((الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك)) (رقم: 60) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (رقم: 5011) وفي ((شعب الإيمان)) (رقم: 2633) وصححه الألباني.
قال العلامة ابن رجب رحمه الله في «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» (ص: 59): «وكلما بعد المكان الذي يمشي منه إلى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخطا» اهـ.
ومن شمر ساعد الجد بنقل الأقدام إلى المساجد فاز بكثير من الغنائم، وقد جاءت نصوص نبوية في الحث والترغيب على المشي إلى المسجد.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة». أخرجه مسلم (رقم: 664).
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح رياض الصالحين)) (5/ 62): ((فيكتسب في الخطوة الواحدة رفع الدرجة وحط الخطيئة بشرط أن يتوضأ في بيته ويسبغ الوضوء ثم يخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فهذا له بكل خطوة يخطوها أن يرفع الله له بها درجة ويحط عنه خطيئة وهذه نعم عظيمة من الله عز وجل ومن فوائد ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأتي إلى المسجد ماشيا ويرجع ماشيا)) اهــ.
كما أن المشي للمسجد في ظلمة الليل له مزية خاصة.
عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة».
أخرجه أبو داود في ((السنن)) (رقم: 561) والترمذي في ((الجامع)) (رقم: 223) والروياني في ((المسند)) (رقم: 56) والطبرني في ((المعجم الأوسط)) (رقم: 4207) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (رقم: 4977) وفي ((السنن الصغرى)) وفي ((شعب الإيمان)) (رقم: 2643 و 2644) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (رقم: 752 و 755)؛ وصححه الألباني.
قال العلامة ابن رجب رحمه الله في «اختيار الأولى» (ص: 62): «وثواب المشي إلى الصلاة في الظُّلَم: النور التام في ظلم يوم القيامة» اهـ.
فهذه الفضائل والثمرات ينالها من مشى المسجد، أما أهل التماوت والكسالى ممن ركبوا السيارات ضيعوا هذه الخيرات.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
✍ كتبه عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 4 ربيع الآخر سنة 1446 هـ
لموافق 8 أكتوبر 2024 ف
طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 4 ربيع الآخر سنة 1446 هـ
لموافق 8 أكتوبر 2024 ف