بسم الله الرحمن الرحيم
العلم يرفع أهله في الدنيا قبل الآخرة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فلتعلم يا طالب العلم أن الخافض الرافع هو الله سبحانه وتعالى، فلا تلتفت لتهديدات المرضى لاستخرج الطعونات من المشايخ، فالثبات على الحق طريق النجاة.
كذلك على طالب العلم أن يجمل الطلب للتزكية ولا يسلك الطرق الملتوية ليرتفع.
فالرفعة بيد الله كما أن الخافض هو الله عز وجل، فالله يرفع من يشاء من عباده ويخفض من يشاء.
فإذا رفعك الله لا يضرك من سعى في الطعن فيك، وفي المقابل إذا كتب عليك الذلة فلا تنفعك تزكية المزكين.
قال الله تعالى: {نرفع درجات من نشاء}.
قال العلامة السعدي رحمه الله في ((تيسير الكريم الرحمن)) (ص: 263): ((قال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} أي: علا بها عليهم، وفلجهم بها.
{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات. خصوصا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إماما للناس، بحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره)) اهـ.
والرفعة التي كتبها الله على عباده المؤمنين تكون في الدنيا قبل الآخرة.
قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير}[المجادلة: 11].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الفوائد)) (ص: 103-104): ((أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب العبد ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله {وقال الذين أوتوا العلم والأيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} وقوله {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب العالية ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفقة وفي حقيقتهما حتى أن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول ودعا إليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم)) اهـ.
وقال العلامة العثيمين رحمه الله في ((مجموع فتاواه ورسائله)) (7/132): ((الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا، أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا، وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به)) اهـ.
وقال رحمه الله في ((مجموع فتاواه ورسائله)) (26/18): ((ولهذا نجد أن أهل العلم محل الثناء، كلما ذكروا أثنى الناس عليهم، وهذا رفع لهم في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرتفعون درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا)) اهـ.
بل العقلاء ممن رفع من أهل الدنيا يتمنى رفعة العلم.
جاء عن ابن العميد أنه قال: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد حتى ارتفعت أصواتها ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي.
فقال: هاته.
فقال: نا أبو خليفة نا سليمان بن أيوب وحدث بالحديث.
فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة فاسمع مني حتى يعلو إسنادك فإنك تروي عن أبي خليفة عني فخجل الجعابي وغلبه الطبراني.
قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث أو كما قال.
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (رقم: 1838) ومن طريقه أبو طاهر السلفي في ((المشيخة البغدادية)) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (22/166).
هكذا هم أهل العلم في سعادة وفرح غفل عنها أرباب الدنيا.
كان بعض السلف يقول: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف).
وهذه نماذج مشرقة وصور مشرفة لمن نال الرفعة الحقيقية في الدنيا.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟
فقال: إنه ممن قد علمتم.
قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني.
فقال: ما تقولون في إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا حتى ختم السورة.
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا.
وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا.
فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟
قلت: لا.
قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: {إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}.
قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.
أخرجه البخاري.
وعن نافع بن عبد الحارث أنه لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي.
فقال: ابن أبزى.
فقال: ومن ابن أبزى؟
فقال: مولى من موالينا.
فقال عمر استخلفت عليهم مولى؟
فقال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض.
قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين». أخرجه مسلم (رقم: 817).
وجاء في ترجمة عطاء بن أبي رباح كما في «تهذيب الكمال» (20/76): «قال محمد بن سعد: كان من مولدي الجند ونشأ بمكة وهو مولى لبني فهر أو الجمح، وانتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي بعد ذلك، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود كان عطاء بن أبي رباح أبوه نوبي، وكان يعمل المكاتل، وكان عطاء أعور أشل أفطس أعرج أسود ثم عمي بعد، وعطاء قطعت يده مع ابن الزبير» اهـ.
وعن أبي العالية، قال: كنت آتي ابن عباس، وهو على سريره، وحوله قريش فيأخذ بيدي، فيجلسني معه على السرير، فتغامزني قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: (كذاك هذا العلم، يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة). أخرجه الخطيب البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) (1/139) والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (رقم: 303) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (18/177) وابن العديم في ((بغية الطلب في تاريخ حلب)) (8/3682).
وقال أبو إسحاق: وكان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عنقه داخلا في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان.
فقالت له أمه: يا بني لا تكون في قوم، إلا كنت المضحوك منه المسخور به، فعليك بطلب العلم، فإنه يرفعك.
قال: فطلب العلم، قال: فولي قضاء مكة عشرين سنة قال: فكان الخصم إذا جلس بين يديه يرعد حتى يقوم. أخرجه الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (1/140-141) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (54/105-106).
وعن محمد بن القاسم بن خلاد، قال: كان الأوقص قصيرا دميما قبيحا قال: فقالت لي أمي وكانت عاقلة: يا بني إنك خلقت خلقة، لا تصلح معها لمعاشرة الفتيان، فعليك بالدين، فإنه يتم النقيصة، ويرفع الخسيسة، فنفعني الله بقولها، فتعلمت الفقه، فصرت قاضيا. أخرجه الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (1/141) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (54/105).
رأيت رفيع الناس من كان عالما *** وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حل أرضا عاش فيها بعلمه *** وما عالم في بلدة بغريب
إذا حل أرضا عاش فيها بعلمه *** وما عالم في بلدة بغريب
هذه هي الرفعة الحقيقية أما رفعة أهل الدنيا ففي الغالب عاقبتها سيئة.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
✍️ كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأربعاء 3 صفر سنة 1446 هـ
الموافق لـ: 7 أغسطس سنة 2024 ف