إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

طرائف بعض من تحمّل المشاقّ في طلب الحديث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • طرائف بعض من تحمّل المشاقّ في طلب الحديث

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيّه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدّين أما بعد : فإن تبليغ الدين كان سجية الأولين السابقين يتلقاه الناس جيلا عن جيل بإتقان متين، وإن أشرف العلماء الذين بلّغوا لنا الدّين هم أهل الحديث الذين تقفّروا العلم وساروا إليه، ومن بلغت ركابهم مشارق الأرض ومغاربها شوقا لجمعه وحفظه في الصّدور والسّطور، فكان لهم شرف حماية الدّين وتبليغه، حمايةً من الكذّابين والمدلّسين ومن أهل البدع المنحرفين، فكان لهم من المزايا والشرف الحظ الوفير، فقد تحملوا المشاق وتجرعوا كل صعب مرير، وركبوا فيه كل خطير، واليوم لا نحرك ساكنا ويصلنا منه الكم الكثير فالواحد منا صار بكبسة زر يجول في شتى العلوم وهو على مقعده ومتكئه وعلى السرير، ومع ذلك نحن ضعفاء كالضرير، والعلم يهتف هل من طالب يجالسني هل من مشفق يصاحبني هل من راحل يجمعني ألازمه السفر، هل من ساهر أقاسمه السهر؟!
    فتخيلوا حال الأولين لو كان عندهم ما نملك الآن من متاع الدنيا وسهولة السير والسفر لرأيت فيهم اجتهادا رهيبا ونشاطا كثيبا، فلربما قلت إن هؤلاء ليسوا بشرا قطُّ، فقد كانوا مجاهدين، فليس العالم الذي تقفّر العلم حِلًا وارتحالا وتجرّع المشاق وأنهك أكباد الإبل وبلغ الآفاق، كمن جلس ولم يسافر فيه ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
    وهاك أخي الحبيب بعض طرائف السابقين من مشاقهم في تحمّل جمع الحديث وطلبه، نقلا من تصانيف العلماء، والله خير معين :

    ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة يعقوب بن سفيان الحافظ الجوّال رحمه الله كان ممن جَمَع وصنَّف، مع الورع والنسك والصلابة في السنة، قال الحاكم: فأما سماعه ورحلته وأفراد حديثه فأكثر من أن يمكن ذكرها، وقال محمد بن يزيد العطار: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كنت في رحلتي، فقلت نفقتي، فكنت أدمن الكتابة ليلًا، وأقرأ نهارًا، فلما كان ذات ليلة كنت جالسًا أنسخ في السراج، وكان شتاء، فنزل الماء في عيني، فلم أُبصر شيئًا، فبكيت على نفسي لانقطاعي عن بلدي، وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتني عيناي، فنمت فرأيت النبي -ﷺ- في النوم، فناداني: يا يعقوب لم أنت بكيت؟ فقلت: يا رسول الله ذهب بصري، فتحسرت على ما فاتني، فقال لي: ادْنُ مني، فدنوت منه، فَأَمَرَّ يده على عيني، كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسخي، وقعدت أكتب. (1) انتهى

    ومما نُقل عن الإمام يحيى بن معين رحمه الله ما ذكره ابن عديّ أن والد يحيى خلّف له ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق ذلك كله على الحديث، وقال يحيى: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث، وقال صالح جزرة: ذُكر لي أن يحيى بن معين خلّف من الكتب لمّا مات ثلاثين قِمَطْرًا، وعشرين حُبّا (2)

    وعن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: بقيتُ بالبصرة في سنة أربع عشرة ومائتين ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطع نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئًا بعد شيء، حتى بقيتُ بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيتٍ خالٍ، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا عليّ رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني، وانصرفت جائعًا، فلما كان من الغد غدا عليّ، فقال: مُرّ بنا إلى المشايخ، قلت: أنا ضعيف، لا يمكنني، قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طَعِمتُ فيهما شيئًا فقال لي: قد بقي معي دينار، فأنا أواسيك بنصفه، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وقبضت منه النصف دينار.(3) انتهى

    وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : قال أبو عبد الله الحاكم في ترجمة الحافظ البارع الجوّال القدوة أبي عبد الله محمد ابن المسيب بن إسحاق بن عبد الله النيسابوريّ: ما نصّه: كان من العُبّاد المجتهدين وأحد من مشايخنا يذكرون عنه أنه قال: ما أعلم منبرًا من منابر الإسلام بقي عليّ، لم أدخله لسماع الحديث، وسمعت أبا إسحاق المزكي يقول: سمعت محمد بن المسيب يقول: كنت أمشي في مصر، وفي كمي مائة جزء في كل جزء ألف حديث، وسمعت أبا علي الحافظ يقول: كان محمد بن المسيب يمشي بمصر، وفي كمه مائة ألف حديث، كان دقيق الخط، وصار هذا كالمشهور من شأنه(4) انتهى.


    وكان محدث أصبهان الإمام الرحال الحافظ الثقة، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن المشهور بابن المقرئ، صاحب المعجم الكبير، والأربعين حديثا المتوفّى سنة (381 هـ) يقول: طفت الشرق والغرب أربع مرات، ورُوي عنه أنه قال: مشيت بسبب نسخةِ مُفَضَّل بن فَضالة سبعين مرحلةً، ولو عُرضت علي خَبّاز برغيف لم يقبلها، وكان يقول: دخلت بيت المقدس عشر مرات ( 5) انتهى.

    وكان الإمام الحافظ الجوّال أبو عبد الله، محمد بن إسحاق يحيى بن منده من أئمة هذا الشأن، وثقاتهم، وُلد سنة (310 هـ) طوّف الأقاليم، وبقي في الرحلة نحوًا من أربعين سنة، وكتب بيده عدّة أحمال، وعدة شيوخه الذين سمع، وأخذ عنهم ألف وسبع مائة شيخ، ولمّا رجع من الرحلة الطويلة، كانت كتبه عدة أحمال، حتى قيل: إنها كانت أربعين حِمْلًا من الكتب والأجزاء، وما سُمع أن أحدًا من هذه الأمة سَمِعَ ما سَمِعَ، ولا جَمَعَ ما جَمَعَ، وكان ختام الرحالين، وفرد المكثرين، مع الحفظ والمعرفة والصدق، وكثرة التصانيف.
    وقال جعفر المستغفريّ: ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي عبد الله بن منده، سألته يومًا كم يكون سماعات الشيخ؟ قال: تكون خمسة آلاف منّ، قلت: المنّ يجيء عشرة أجزاء كبار. وقال الباطرقانيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: طفتُ الشرق والغرب مرّتين. (6) انتهى.

    وكان محمد بن طاهر بن علي الحافظ العالم المكثر الجوال، أبو الفضل المقدسي المتوفّى ما كان على وجه الأرض له نظير في عصره، قال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت "الصحيحين"، و"سنن أبي داود" سبع مرات بالأجرة، و"سنن ابن ماجه" عشر مرات بالري. قال أبو مسعود عبد الرحيم الحاجيّ: سمعت ابن طاهر يقول: بُلْتُ الدم في طلب الحديث مرتين: مرة ببغداد، ومرة بمكة، كنت أمشي حافيًا في الحرّ، فلحقني ذلك، وما ركبت دابةً قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحدًا، كنت أعيش على ما يأتي، وقيل: كان يمشي دائمًا في اليوم والليلة عشرين فرسخًا، وكان قادرًا على ذلك . (7) انتهى.


    وذكر الحافظ أبو إسحاق الْحَبّال قال: كنت يومًا عند أبي نصر السجزي ، فَدُقّالباب، فقمت ففتحته، فدخلت امرأة، وأخرجت كيسا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ، وقالت أنفقها كما ترى، قال: ما المقصود؟ قالت: تتزوجني، ولا حاجة لي في الزوج، ولكن لأخدمك، فأمرها بأخذ الكيس، وأن تنصرف، فلما انصرفت قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر على ثواب طلب العلم شيئًا (8) انتهى.

    وذكر الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيتُ ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أُحصي حتى لمّا زاد على ألف فرسخ تركته، أما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد ففي لا أُحصى كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طَرَسُوس، ثم رجعت من طَرَسوس إلى حمص، وكان بقي عليّ شيء من حديث أبي اليمان، فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرَّقَّة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيًا، كلُّ هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين، خرجت من الرَّيِّ سنة ثلاث عشرة ومائتين، قَدِمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة، والمقرئ حيّ بمكة، وجاءنا نعيه، ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين، وخرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين، ورجعت سنة خمس وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وقَدِمت طَرَسوس سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة.
    وقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: كنا في البحر، فاحتلمت، فأصبحت، وأخبرت أصحابي به، فقالوا لي: اغمس نفسك في البحر، قلت: إني لا أحسن أن أَسْبَح، فقالوا: إنا نَشُدّ فيك حبلًا، ونُعَلِّقُك من الماء، فشَدُّوا فيّ حبلًا وأرسلوني في الماء، وأنا في الهواء أريد إسباغ الوضوء، فلما توضأت، قلت لهم: أرسلوني قليلًا، فأرسلوني، فغمست نفسي في الماء، قلت: ارفعوني، فرفعوني.
    وقال عبد الرحمن أيضًا: سمعت أبي يقول: لمّا خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري، صرنا إلى الجار، وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير الْمرْوَرُّوذِيّ شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر، فجعلنا نمشي أيامًا على البر، حتى فني ما معنا من الزاد والماء، فمشينا يومًا وليلةً لم يأكل أحد منا شيئًا، ولا شربنا، واليوم الثاني كمثله، واليوم الثالث، كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا، وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضَعُفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث، جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشيا عليه، فجئنا نحركه، وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسايوري قدر فرسخ أو فرسخين، فضعفت، وسقطت مغشيا عليّ، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل هو يمشي إذ بَصُرَ من بعيد قومًا، قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى صلى الله عليه وسلم، فلما عاينهم لَوَّح بثوبه إليهم.
    فجاءوه معهم الماء في إداوة، فسَقَوه، وأخذوا بيده، فقال لهم: الحقوا رفيقين لي قد القوا بأنفسهم مغشيّا عليهم، فما شَعَرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني، فقلت: اسقني، فصب من الماء في ركوة، أو مشربة شيئًا يسيرًا، فشربتورجعت إلي نفسي، ولم يروني ذلك القدر، فقلت: اسقني فسقاني شيئًا يسيرًا، وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ مُلْقًى.
    قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة، فأخذ بيدي، وأنا أمشي أجُرّ رجلي، ويسقيني شيئًا بعد شيء، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا، فبقينا أيامًا حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتابا إلى مدينة، يقال لها: راية إلى واليهم، وزوّدونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نَفِدَ ما معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعًا عطاشًا على شط البحر، حتى وقعنا إلى سُلَحْفاة قد رَمَى به البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير، فضربنا على ظهر السلحفاة، فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا من بعضَ الأصداف الملقى على شط البحر.
    فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر، فنتحساه حتى سكن الجوع والعطش، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره، وأحسن إلينا، وكان يُقَدِّم إلينا كل يوم القرع، ويقول لخادمه هاتي لهم باليقطين المبارك، فيقدم إلينا من ذاك اليقطين مع الخبز أيامًا، فقال واحد منا بالفارسية: لا تدعو باللحم المشؤوم، وجعل يسمع الرجل صاحب الدار، فقال أنا أحسن بالفارسية، فإن جدتي كانت هروية، فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا هناك، وزوّدنا إلى أن بلغنا مصر.(9)انتهى

    فهذه قصص من مضى من الأخيار، كيف كانوا في نهمة تحصيل العلم وتقفّر الحديث وجمع الأخبار والآثار، وأفنوا أجسادهم في تحصيله صباح مساء ليل نهار، فحق لطالب العلم أن يقتدي بهم فإنهم نجوم وإن اختلفت مطالعم فمشربهم واحد كتاب الله وسنة نبيه بفهم صحبه الصالحين ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدّين ، والحمد لله رب العالمين.

    ????نقله أبو أنس محمد بن عمّار.
    ____________
    1 تهذيب التهديب - ابن حجر العسقلاني 11/ 386 -387
    2 المصدر السابق ج 11 ص 282
    3 تقدمة الجرح والتعديل - ابن أبي حاتم " 1/ 363 - 364.
    4 تذكرة الحفاظ ـ الذهبي 3 / ص9
    5 المصدر السابق 3/ 121
    6 المصدر السابق 3/ 158
    7 المصدر السابق 4/ 28 -29
    8 المصدر السابق 3 / 211
    9 تقدمة الجرح والتعديل - ابن أبي حاتم 1/ 359 - 366.

    تنبيه: | من المراجع التي اعتمدتها في نقل هذه الطرائف؛ {مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه} للشيخ العلامة محمد آدم الاتيوبي رحمه الله|
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X