إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بين مجنون ليلى ومجنون الشيخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بين مجنون ليلى ومجنون الشيخ

    بسم الله الرحمن الرحيم


    بين مجنون ليلى ومجنون الشيخ


    إنّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
    أما بعد:
    فكما يقال: الجنون فنون، وهو طبقات بعضها أسوء من بعض، وهكذا جميع أمراض الشهوات والشبهات دركات أحطها ما يتعلق بالدين، وكما هو معلوم أن مرض الشبهة أسوء من مرض الشهوة.
    وكثير من مجانين الشهوات يعلمون أنهم مرضي يتنمون العافية، وأما مجانين الشبهات لا يعلمون أنهم مجانين أصلا، وأنهم غارقون في أوحال الشبهات، فضلا على أن يسألوا العافية.
    ومجنون الشيخ مثال لهؤلاء الغرقى الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم يسيؤون لشيخهم قبل إساءتهم لأنفسهم، وقد تملكهم الجنون حتى صاروا أرقاء تتلاعب بهم الأهواء.
    أما آن لهؤلاء المجانين أن يتعقلوا ويفتكوا رقابهم من رق الهوى والشبهة، وأما آن لهؤلاء الزعماء أن يعتقوهم لوجه الله تعالى.
    بعض هؤلاء الزعماء يرى الجنون يسعى نحوه ويطوقه حتى أنه لا يستطيع أن يحرك ساكنًا، وهذا منهم مساهمة في نشر جنون المشايخ.
    على من رأى الغلو فيه من محبيه أن يعالجه بالحكمة.
    وهذه صورة مشرقة لسيد السادة وزعيم الزعماء ولد آدم يعطينا درسًا في مواجهة الغلو.
    عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: ((هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)).
    أخرجه ابن ماجه في ((السنن)) والحاكم في ((المستدرك)) وصححه الألباني.
    وهكذا الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يرضون بأن يغلو فيهم أحد، وعلى سبيل المثال: علي بن طالب رضي الله عنه لما غلا فيه السبئية أنكر غلوهم بل وقتلهم.

    لما رَأَيْت الْأَمر أمرا مُنْكرا ... أججت نَارا ودعوت قنبرا

    فالتعصب للشيوخ نوع من الغلو وهو مرض فتاك اجتهد النبي عليه الصلاة والسلام في علاجه ليكون لنا درسًا للاقتداء وسراجًا منيرًا للاهتداء.
    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين، رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بال دعوى الجاهلية؟)) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين، رجلا من الأنصار. فقال: ((دعوها، فإنها منتنة)).
    متفق عليه. ولما كان التعصب للفظ الشرعي وهو المهاجرين والأنصار مذمومًا فالتعصب لما دون هذين اللفظين الشرعيين أشد ذمًا.
    واعلم أن الجنون للمشايخ أسباب، منها:
    • أن يربط المرء نفسه بالشيخ ارتباطًا وثيقًا ويحسب على الشيخ إذا سقط الشيخ سقط معه لهذا تجده يستميت في الدفاع عن الشيخ.
    • رغبة المجنون في التزكية وهذه التزكية لا قيمة لهذا ممن يرى الجنون يطوقه ولا يبين.
    • خوفه على التزكية اليتيمة التي من الشيخ أن تسقط بسقوط الشيخ فيصبح مفلسًا لا سند له، وزهده في التزكية الشرعية الأصلية التي محلها العمل والعلم.
    • الرهبة من تجريح الشيخ له وكشف ما يعرفه عنه من المخازي التي لا يعرفها عنه غيره.
    • الحظوة التي يلمسها من عوام الناس لأنه محسوب على الشيخ.
    هذا وغيره من الأسباب مما أخرج لنا مجانين للمشايخ ستميتون لهم ولو كان الواحد منهم يخالف النصوص الصحيحة الصريحة فيذهبون يدافعون بحشد أقول لأهل العلم مما تؤيد الجنون.
    فمما سبق يتبين أن مجنون الشيخ أسوأ حالا من مجنون ليلي الذي مرضه لشهوة وذلك مرضه لشبهة، والمتقرر أن مرض الشبهات أخطر من مرض الشهوات، وكثير ممن ابتلي بأمراض الشهوات شفي وكثير ممن ابتلي بمرض الشبهات ازداد غيًا.
    هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    كتبه

    عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
    طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 5 ذي الحجة سنة 1445 هـ
    الموافق لـ: 12 يونيو سنة 2024 ف
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2025-01-20, 10:45 AM.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X