بسم الله الرحمن الرحيم
تضيع العلم سبب للولوغ في الفتن
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمّا بعد:
فلمّا كان العلم حصنًا حصينًا، ودرعًا واقيًا من ضربات الفتن بإذن الله، ولمّا كان العلم نجاة في زمن الفتن؛ كان لزامًا على من أراد النّجاة أن يسلك طريق العلم، وفي المقابل تضييع العلم سبب رئيسيّ في الوقوع في مستنع الفتن.
ولمّا كان القرآن أهمّ مصدر من مصادر العلم، فعند قرب السّاعة يرفع فتحلّ الفتن.
جاء عن السّلف: "القرآن كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود".
قال العلّامة محمّد خليل هرّاس رحمه الله في "شرح العقيدة الواسطية" (ص: 199-200): "فهو من البدء؛ يعني: أنّ الله هو الذي تكلّم به ابتداء، لم يبتدأ من غيره، ويحتمل أن يكون من البدوّ؛ بمعنى الظّهور؛ يعني أنّه هو الذي تكلّم به وظهر منه، لم يظهر من غيره.
ومعنى: "إليه يعود"؛ أي: يرجع إليه وصفا؛ لأنّه وصفه القائم به، وقيل: معناه يعود إليه في آخر الزّمان، حين يرفع من المصاحف والصّدور؛ كما ورد في أشراط الساعة" اهـ.
وهذا مصداق لما جاء في الأحاديث أنّ القرآن الكريم يرفع من المصاحف وينتزع من الصّدور.
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثّوب، حتّى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من النّاس الشيّخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلّا الله، فنحن نقولها". أخرجه ابن ماجه والحاكم والبزار والبيهقي في ((الشعب)) ونعيم بن حماد في ((الفتن)) والداني في ((السنن الواردة في الفتن)) والضبي في ((الدعاء))؛ وصححه الألباني.
قال العلّامة الألبانيرحمه الله في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 173): "وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأنّ وجوده بين المسلمين هو السّبب لبقاء دينهم ورسوخ بنيانه، وما ذلك إلّا بتدارسه وتدبّره وتفهّمه، ولذلك تعهّد الله تبارك وتعالى بحفظه، إلى أن يأذن الله برفعه. فما أبعد ضلال بعض المقلّدة الذين يذهبون إلى أنّ الدّين محفوظ بالمذاهب الأربعة، وأنّه لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك!!" اهـ.
فمن ابتغى رسوخ قدمه وثباته عند الفتن فعليه بكتاب الله حفظًا وفهمًا وتدريسًا ومذاكرة، فمن ضيّع كتاب الله، وضيّع العلم الذي بين دفتي المصحف؛ ولج في الفتن -الشّهوات أو الشّبهات-.
وانظر يمنة ويسرة في مواقع التّواصل تجد من يخوض في الفتن قليل البضاعة من العلم، فالعلم يكبح جماح المرء للولوج في الفتن، فالحصيف عند الفتن يلجأ بعد الله تعالى إلى لعلم والعبادة.
عن معقل بن يسار رضي الله عنه، ردّه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ". أخرجه مسلم.
فمن أجلّ نوافل العبادات؛ الاشتغال بالعلم تعلمًا وتعليمًا ومدارسة وبحثًا، فالعلم سد منيع بعد توفيق الله تعالى من الانزلاق في أوحال الفتن.
وانظر إلى آخر الزّمن كيف يفشوا الجهل وتعمّ الفتن وما ذلك إلّا عند رفع العلم.
وقد بوب النّوويّ رحمه الله في صحيح مسلم: "باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمانّ". وذكر أحاديث.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويثبّت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزّنا". متفق عليه.
وعن أبي وائل، قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى رضي الله عنهما، فقالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ بين يدي السّاعة أيّاما يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج"، والهرج القتل. متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج".
قيل يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: "هكذا بيده فحرّفها"، كأنّه يريد القتل. متفق عليه.
فالعلم يفرّ من القلوب التي أشربت الفتن -فتن الشّهوات وفتن الشّبهات- والقلوب إذا أظلمت عشّش فيها الجهل، فأحبّت الفتن من شرب الخمر والزّنا والقتل، وإذا حلّ العلم استنارت القلوب بنور الله واستقرّ فيها الإيمان وحبّ القرآن وكرهت الخمر والغيبة والنّميمة والقتل والزّنا والرّبا والكذب والشّرك والفتن، فأصبحت القلوب سليمة، وإلّا كانت مريضة.
قال العلّامة ابن القيّم رحمه الله في إغاثة اللّهفان في مصايد الشّيطان (1/ 15-16): "والقلب المريض: إن غلب عليه مرضُه التحق بالميت القاصي، وإن غلبت عليه صحّته التحق بالسّليم".
فما يلقيه الشّيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشُّبه والشّكوك: فتنةٌ لهذين القلبين، وقوّة للقلب الحيّ السّليم؛ لأنّه يردُّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أنّ الحقّ في خلافه، فيُخبِت للحقّ ويطمئنّ وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشّيطان، فيزداد إيمانًا بالحقّ ومحبّة له، وكفرًا بالباطل وكراهة له؛ فلا يزال القلب المفتون في مِرْية من إلقاء الشّيطان. وأمّا القلب الصّحيح السّليم فلا يضرّه ما يلقيه الشّيطان أبدًا.
قال حُذيفة بن اليمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلىَ القلُوبِ كعَرْض الحصيرِ عُودًا عُودًا، فأَيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْب أنْكَرهَا نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتّى تَعُودَ القُلوبُ عَلىَ قَلْبين: قَلْبٍ أَسْوَد مُرْبَادًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ معرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ إِلَّا مَا أُشْرِبَ منْ هَوَاهُ، وَقلب أبْيضٌ مثل الصفا، لا تضرُّ فِتْنةٌ مَا دَامَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ".
فشبَّه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا؛ كعرض عيدانِ الحصير -وهي طاقاتها- شيئًا فشيئًا، وقسَّم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين:
قلب إذا عُرضت عليه فتنة أُشْرِبها، كما يشرب السِّفِنْج الماء، فتُنكَت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يُشرب كلّ فتنة تعرض عليه، حتىّ يسودّ وينتكس، وهو معنى قوله: "كالكوز مُجَخِّيًا"؛ أي مكبوبًا منكوسًا، فإذا اسودَّ وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطيران متراميان إلى الهلاك:
أحدهما: اشتباه المعروف عليه با لمنكر، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، وربمّا استحكم فيه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسّنّة بدعة والبدعة سنّة، والحقّ باطلًا والباطل حقًّا.
الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم، وانقياده للهوى واتّباعه له.
وقلب أبيض، قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وكرهَها، فازداد نوره وإشراقه وقوَّته.
والفتن التي تُعرَض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشّهوات وفتن الشّبهات، وفتن الغيّ والضّلال، وفتن المعاصي والبدع، وفتن الظّلم والجهل؛ فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثّانية توجب فساد العلم والاعتقاد". اهـ.
فالعلم نور من سلك طريقه أنار الله له الطّريق في ظلام الفتن، ومن ضيّع العلم ولج في الفتن من أوسع أبوابها.
قال العلّامة ابن مفلح رحمه الله في ((فروع)) (6/ 160): "قال شيخنا -ابن تيمية-: عامّة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلّة الصبر؛ إذ الفتنة لها سببان: إمّا ضعف العلم، وإمّا ضعف الصّبر، فإنّ الجهل والظّلم أصل الشّرّ، وفاعل الشّرّ إنّما يفعله لجهله بأنّه شرّ، وتكون نفسه تريده؛ فبالعلم يزول الجهل، وبالصّبر يحبس الهوى والشّهوة فتزول تلك الفتنة". اهـ.
فلا ترسخ الأقدام في الفتن بعد توفيق الله إلّا بالعلم، والفتن تشتبه عن إقبالها فلا يراها إلّا من أنار الله بصيرته من أهل العلم، وإذا ولّت تبيّنت وعرفها حتّى أجهل النّاس إلّا من انطمس قلبه وأظلم.
جاء عن الحسن البصريّ رحمه الله أنّه قال: "إنّ الفتنة إذا أقبلت عرفها العالِم، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل". أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (9/ 24).
وعن أيوب السختياني رحمه الله؛ قال: "كان الحسن يبصر من الفتنة إذا أقبلت كما نبصر نحن منها إذا أدبرت". أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (رقم: 2407).
عن مطرف رحمه الله، قال: "إنّ الفتنة إذا أقبلت تشبّهت، وإذا أدبرت تبّينت". أخرجه الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم: 33).
فالسّعيد من جنّب الفتن واتّقاها بالعلم، والشّقيّ من ولغ في الفتن وضيّع العلم.
عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه، قال: أيم الله، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها". أخرجه أبو داود والبزّار والطّبرانيّ وأبو نعيم في الحلية وابن بطة في الإبانة الكبرى؛ وصحّحه الألبانيّ.
فمنطوق الحديث إنّ السّعيد الذي يتجنّب الفتن، وبمفهوم المخالفة الشّقيّ من ولج الفتن.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــ()ـــــــــــــــــــــــــ
✍كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الخميس 23 جمادى الأولى سنة 1445 هـ
الموافق 7 ديسمبر 2023 ف
✍كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الخميس 23 جمادى الأولى سنة 1445 هـ
الموافق 7 ديسمبر 2023 ف