إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حوار هادي حول شبهات مستحدثة في بدعة المولد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حوار هادي حول شبهات مستحدثة في بدعة المولد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حوار هادئ
    حول شبهات مستحدثة في بدعة المولد

    إنّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لّا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
    أمّا بعد:
    ففي كلّ عام من شهر ربيع الأوّل تثار شبه لتمرير بدعة المولد النّبويّ، وقد ردّ أهل العلم على تلك الشّبهات وبيّنوا زيفها، غير أنّ أحد الإخوة الأفاضل أوقفني على صوتيّة - لأحد الذين ابتدعوا شبهات جديدة وروّجها بزخرف القول لتنفق على من لا علم عنده – وطلب منّي بيان عوارها وكشف زيفها.
    فأقول مستعينًا بالله:
    إنّ الاتّباع خير والابتداع شرّ، ومحبّة النّبيّ عليه الصلاة والسلام مقياسها الحقيقيّ في تطبيق سنّته، والتّأسي بصحابته، ومن سار على طريقتهم واقتفى أثرهم.

    قال الله عزوجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[آل عمران: 31].
    وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الرّاشدين المهديّين". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وغيرهم وصححه الألباني.
    وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "خير النّاس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ يجيء من بعدهم أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". متفق عليه
    فإذا تقرّر هذا فاعلم -وفّقك الله للخير- أنّ ما شرع في أمر الدّين بعد القرون المفضّلة – القرون التي شهد لها النّبيّ عليه الصلاة والسلام بالخيريّة وهم: قرن الصّحابة والتّابعين وتابع التّابعين – أمر محدث أي: مبتدع، ولا شكّ في ضلال من ابتدع في الدّين.
    ومن تتبّع حوادث التّاريخ تبيّن أنّ قيام المولد النّبويّ كان بعد هذه القرون المفضّلة، وأنّ أوّل من ابتدع هذا العيد هم العبيديّون الرّفضة الذي تسمّوا بالفاطميّين -الذين ينتسبون كذبًا وزورًا إلى فاطمة رضي الله عنها بنت محمّد نبيّنا عليه الصلاة والسلام-، ولا شكّ في ضلال ما ابتدع في الدّين.
    وفي خاتمة حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه السّابق، قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وإنّ كلّ بدعة ضلالةوكلّ من صيغ العموم، فتشمل كلّ ما استحدث في الدّين.
    وبعد هذه المقدّمة أشرع في ذكر الشّبه والرّد عليها.

    الشّبهة الأولى؛ والجواب عليها:
    من الأسباب التي تبطل المولد النّبويّ أنّه ثبت وفاة النّبيّ عليه الصلاة والسلام في يوم الاحتفال وكأنّ فيه الفرح بوفاته، وردّ بقوله: أن لا يلزم منه التّحريم واستدلّ بالحديث: "إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض"؛ وذلك أنّ النّبيّ لم يجعل من وفاة آدم يوم الجمعة يقتضي منه عدم خيريّة يوم الجمعة، وهذا معنى كلامه.
    الجواب بالله التوفيق:
    اعلم -رحمك الله- أنّه لم يختلف أهل العلم في أنّ يوم وفاته كان في الثّاني عشر من ربيع الأوّل، وأنّ الاختلاف حصل في يوم مولده، والذي رجّحه ثلّة من المحقّقين أنّ مولده كان في اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل، ووافق هذا القول بعض الفلكيّين، فلمّا كان اختيار الاحتفال في يوم وفاته من قبل الرّافضة العبيديّون -الذين قتلوا أهل السّنّة في مصر وشمال أفريقيّة وأقاموا دولتهم على جثت المسلمين -من هنا وجّه أهل السّنّة أصابع الاتّهام لهؤلاء المفسدين وأنّ إقامتهم الاحتفال لموت النّبيّ عليه الصلاة والسلام، ولمّا كان في مشاركة الرّافضة العبيديّين لاحتفالهم فيه مشابه لهم، من هنا جاء التّحذير.
    وهذه علّة القول بالمنع، وقد نهينا عن التّشبّه بالكفّار، والعبيديّون كفّار كما حكم عليهم الأئمّة الأعلام، ومن تشبّه بهم فهو منهم.
    قال فقيه المالكيّة القاضي عياض رحمه الله في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" (7/ 277): "أجمع علماء القيروان؛ أنّ حال بني عُبيد حال المرتدّين والزّنادقة، بما أظهروه من خلاف الشّريعة، فلا يُورَثون بالإجماع، وحال الزّنادقة بما أخفوه من التّعطيل، فيُقتلون بالزّندقة" اهـ.
    ولا نعلم على ممرّ التّاريخ أنّ هناك من احتفل بموت آدم عليه الصلاة والسلام، فلهذا كان القياس مع الفارق.
    ثمّ لتعلم أنّ الرّافضة واليهود وجهان لعملة واحدة وشبّه الرّافضة باليهود معلوم وانظر كتاب الشّيخ العالم أبي فريحان جمال بن فريحان الحارثي رحمه الله: "أوجه الشّبه بين اليهود وبين الشّيعة الرّافضة الحيارى وكذا بين الشّيعة الرّفضة والنّصارى" لتعلم خبث الرّافضة وتشبّههم باليهود، ولمّا فرح اليهود بموت أفضل البشر وسيّد الأنبياء والمرسلين سار على طريقتهم الرّافضة العبيديّون بل أظهروا الفرح باسم المولد لتمريره على المسلمين، فمن هنا قيل: كأنّ الذين يحتفلون بمولده يحتفلون بوفاته، فمن هنا جاء التّحريم لمشابهة الرّافضة.
    كما أنّ في الاحتفال بالمولد النّبيّ عليه الصلاة والسلام فيه مشابهة بالنّصارى الذي يحتفلون باليوم المزعوم الذي ولد فيه المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، والتّشبّه بهم جاء النّهي عنه.
    وكلّ من يحتفل بعيد الميلاد سوء له أو لزوجه أو أبنائه يحتفل في حياتهم، غير النّصارى ومن تشبّه بهم من المسلمين يحتفلون بالعيد حتّى بعد الموت!
    فليس الفرح بمولده بأولى من الحزن على وفاته عليه الصلاة والسلام.
    فما أعظم مصاب الأمّة بفقد النّبيّ عليه الصلاة والسلام وانقطاع الوحي، ولم تصب الأمّة بمصيبة مثل مصابهم بموت خاتم الأنبياء والمرسلين وخليل ربّ العالمين.
    عن عائشة رضي الله عنها، قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين النّاس، أو كشف سترا، فإذا النّاس يصلّون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم، ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: "يا أيّها النّاس أيمّا أحد من النّاس، أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي)). أخرجه ابن ماجه وغيره وصححه الألباني. ولعظم هذا المصاب انظر كيف تصوير الصّحابة ليوم موته.
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء من المدينة كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أظلم من المدينة كلّ شيء، وما فرغنا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وغيرهم وصححه الألباني.
    فالاستدلال الذي استدلّ به المستدلّ -هداه الله- ليس فيه أنّ هناك من كان يحتفل بموت آدم أبي البشر عليه الصلاة والسلام فنردّ بقول النّبيّ في يوم الجمعة، والعلّة أنّ فيه تشبّه بالرّافضة الذي جعلوا من يوم الوفاة عيدا.
    ثمّ الذين يحتفلون بالمولد باعتباره يوم عيد فهل جاء أنّ يوم الجمعة يحتفل فيه لأنّه يوم عيد؟!
    والذين يحتفلون بالمولد منهم من يحتفل بقصائد شركيّة وأدعية مبتدعة وأكل وشرب باسم الاحتفال.
    ثمّ استدلّ بحديث مشروعيّة صيام يوم الأثنين وأنّ الصّحابة لم يتركوا هذه السّنّة؛ لأنّه نفس اليوم الذي توفي فيه.
    فالجواب هو الجواب أنّ العلّة مشابهة الرّافضة العبيديّين الكفّار.
    ولمّا لم يغيّر الصّحابة رضوان الله عليهم ما كان عليه النّبيّ عليه الصلاة والسلام في مشروعيّة صيام يوم الاثنين ومشينا على آثارهم، فيسعنا ما كانوا عليه في الاحتفال بالمولد، وأنّهم لم يغيّروا ما كان عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وسيأتي مزيد بيان حول هذه النّقطة.

    الشّبهة الثّانية، والجواب عليها:
    أبطل المستدلّ على جواز الاحتفال بالمولد النّبويّ قاعدة قرّرها أئمّة أهل السّنّة في ردّ البدع هي: "أنّ الاحتفال بالمولد النّبويّ لم يكن عليه عمل الصّحابة والسّلف كذلك ولو كان خيرا لسبقونا إليه"؛ أبطل هذه القاعدة بقوله: عدم العلم بالدّليل ليس شرطًا بالعدم، وعدم الوجدان ليس نفيًا للوجود، ثمّ فسّر بقوله: كما أنّ الإثبات يحتاج إلى دليل كذلك النّفي يحتاج إلى دليل وهذا مصدّق، قول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}[يونس 39].
    الجواب وبالله التّوفيق:
    النّفي يكون بدليل قطعيّ أو بغلبة الظّنّ بعد بذلّ الوسع وتقصّي البحث في الإثبات كما قرّره الأصوليّون.
    قال العلّامة ابن قدامة المقدسي رحمه الله في "روضة الناظر وجنة المناظر" (1/ 447): "انتفاء الدّليل قد يعلم، وقد يظنّ؛ فإنّا نعلم أنّه لا دليل على وجوب صوم شوّال، ولا صلاة سادسة؛ إذ لو كان لنقل وانتشر، ولم يخفَ على جميع الأمّة، وهذا علم بعدم الدّليل، لا عدم علم بالدّليل، فإنّ عدم العلم بالدّليل ليس حجّة، والعلم بعدم الدّليل حجّة.
    وأمّا الظّنّ: فإنّ المجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلّة، فلم يظهر له دليل مع أهليّته. واطّلاعه على مدارك الأدلّة، وقدرته على الاستقصاء، وشدّة بحثه، وعنايته، غلب على ظنّه انتفاء الدّليل، فنزل ذلك منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأنّه ظنّ استند إلى بحث واجتهاد، وهذا غاية الواجب على المجتهد.
    وأمّا العامّي: فلا قدرة له؛ فإنّ الذي يقدر على التّردّد في بيته لطلب متاع، إذا فتّش وبالغ، أمكنه القطع بنفي المتاع، والأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يدري ما فيه، لا يمكنه ادّعاء نفي المتاع.
    ثمّ قال في (1/ 448): مهما علم الإنسان أنّه قد بلغ وسعه، فلم يجد فله الرّجوع إلى دليل العقل؛ فإنّ الأخبار قد دوّنت، والصّحاح قد صنّفت فما دخل فيها محصور، وقد انتهى ذلك إلى المجتهدين، وأوردوها في مسائل الخلاف" اهـ.
    فإذا علم هذا فينزل على مسألتنا وهي الاحتفال بالمولد النّبويّ، فلمّا رجع أهل العلم إلى دواوين السّنّة والمصنّفات التي وجدت في القرون الثّلاثة الأولى لم يذكر فيها أنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام احتفل بمولده ثمّ صحابته الكرام عليه من الله الرّضوان لم يأت عن واحد منهم أنّه احتفل، مع العلم أنّ الصّحابة نقلوا أدقّ التّفاصيل في سيرته وشمائله، كذلك اهتمّ العلماء بتدوين أقوال الصّحابة وأئمّة التّابعين وتابع التّابعين وبيان اجتهاداتهم؛ كما في مصنّف عبد الرّزاق الصّنعاني ومصنّف ابن أبي شيبة والأوسط لابن المنذر والمحلّى لابن حزم غير ذلك من الكتب المعتمدة، بل جاء التّأكيد بما لا يدع مجالا للشّكّ أن العبيديّين الرّافضة الكفّار هم أو من ابتدع الاحتفال بالمولد النّبويّ.
    ممّن ذكر هذا وأقرّه المقريزي في "الخطط" (1/ 490) والقلقشندي في "صبح الأعشى" (3/ 498) والسندوبي في "تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي" (69) وعلي محفوظ في "الإبداع في مضار الابتداع".
    وممّا يؤكّد هذا أنّ الكتب المؤلّفة قبل زمن العبيديّين لم تتعرّض لمسألة الاحتفال بالمولدة النّبويّ، ممّا يؤكّد أنّ القرون الثّلاثة الأولى لم تكن فيها هذه البدعة.
    والعبيديّون كانوا في القرن الرّابع الهجري وهذا يبين خطأ من ذكر أنّ الملك المظفّر صاحب إربل الذي عاش في القرن السّادس الهجري هو أوّل من أحدث المولد.
    بل لمّا كسرت شوكة العبيديّين على يدّ البطل صلاح الدّين الأيّوبي رحمه الله اختفت مظاهر الاحتفال بالمولدة النّبويّ ثمّ اعيد مراسم الاحتفال به، لعلّ ملك إربل هو من جددها.
    واعلم -وفقك الله للصّواب- أنّ النّبيّ لمّا هاجر للمدينة ألغى ما كان من أعياد وشرع عيد الفطر وعيد الأضحى.
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر". أخرجه أحمد أبو داود والنّسائي وصحّحه الألباني.
    فإذا تقرّر هذا علم أنّ الصّحابة رضي الله عنهم لم يكن لهم أن يستحدثوا عيدا لم يكن في عهد النّبيّ عليه الصلاة والسلام.
    فممّا سبق نجزم بأنّ أوّل من ابتدع الاحتفال بالمولد النّبويّ هم الباطنيّة العبيديّون، وكان هذا في القرن الرّابع بعد ذهاب القرون الثّلاثة المفضّلة، ونقطع بأنّ الصّحابة والسّلف الصّالح الذين كانوا قبل مجيء بني عبيد لم يفعلوا هذا الاحتفال وذلك بأنهّم على الأصل من منع الأعياد غير عيد الفطر وعيد الأضحى، والمصنّفات في ذلك العصر وما بعده لم ينقل عن واحد منهم أنّه احتفل بعيد المولد النّبويّ أو عيد الميلاد، أو غيرها ممّا أحدث وابتدع، وهذا كلّه يبطل اعتراض المعترض.
    ثمّ فرع المعترض عن هذه الشّبهة بشبه تحتاج لوقفة.

    الشّبهة الثّالثة؛ والجواب عليها:
    قال المعترض: وهذا ابن القيّم في سياقه في مسألة وصول ثواب قراءة القرآن للميّت، قال: وما أدراهم أنّ السّلف لم يفعلوا ذلك، ولم يخبروا بذلك أحدا.
    وأنت أيضا أخي الكريم الذي تلبس على النّاس وتقول إنّ الصّحابة لم يحتفلوا بمولد النّبيّ عليه صلوات ربي وما أدراك أنّ الصّحابة جميعهم لم يحتفلوا بيوم مولد النّبيّ صلوات ربي عليه، هل عندك علم بجميع أحوال الصّحابة كلّهم ما فعلوه وما لم يفعلوه؟!
    هذا معنى كلامه وهو تابع للشّبهة التي قرّر فيها بقوله: كما إنّ الإثبات يحتاج إلى دليل كذلك النّفي يحتاج إلى دليل.
    الجواب وبالله التّوفيق:
    أوّلا: بحثت عن كلام لابن القيّم يجوز فيه قراءة القرآن للميّت فلم أظفر بشيء يجوز فيه إهداء ثواب قراءة القرآن للميّت، بل وقفت على المنع.

    قال العلّامة ابن القيّم رحمه الله في ((زاد المعاد)) ط عالم الفوائد (1/ 678): "وكان من هديه تعزية أهل الميت. ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويُقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره. وكل هذا بدعة حادثة بعده مكروهة" اهـ.
    ثانيا: إذا ثبت عن أحد من السّلف – الصّحابة رضي الله عنهم فمن دونهم - فعل عبادة وعمل عيدا، فلا يقبل منه حتّى يعرض على نصوص الشّرع، فما وافق قبل وما لم يوافق ردّ.
    والأصل في الأفعال العدم وعدم العمل؛ والعمل الواحد إمّا مثبت إمّا منفي، فإذا لم يتحقّق الإثبات سلمّنا بالنّفي؛ لأنّه الأصل وهو عدم الفعل.
    لكن إذا ثبت الفعل ورُدّ، فهنا نقول لمن ردّه حجّتك على الرّدّ أو نفيك يحتاج إلى دليل.
    ثالثا: هذه القاعدة التي قعدها ونسبها لابن القيّم بقوله: وما أدراهم أنّ السّلف لم يفعلوا ذلك، ولم يخبروا بذلك أحدا؛ ستفتح باب شرّ لأهل البدع والضّلال.
    إذا قال أهل الحديث المتخصّصون في علم الرّجال فلان لا يعرف وضعفوا به الحديث، سيأتي متحذلق ويقول: وما يدريهم أنّ السّلف لم يعرفوه كلّهم، ولعلّه وجد من السّلف من عرفه، وهذا ينبني عليه تصحيح الحديث!
    أو قول أهل الحديث: هذا الحديث ليس له إسناد، يعترض بقوله لعلّ أحد السّلف وقف على ما لم يقف عليه غيره وما أدراك لعلّه وجد له إسنادا.
    وقس على هذا جميع ما ذكره أهل العلم واتّفقوا على أنّه بدعة، فيعترض معترض بلعلّ.
    فيقال لهذا وأمثاله: اجعل لعلّ عند ذلك الكوكب.
    فكلّ ما شرع محفوظ بحفظ الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9].
    فالأصل أنّ ما شرعه الله تعالى من الدّين محفوظ، ولو كان الاحتفال بمولد النّبيّ عليه الصلاة والسلام مشروعا لحفظ لنا.
    ثمّ هذا التّقرير الذي قراره المعترض يردّ قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة: 3].
    بل ويردّ حديثا من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام وأصل من الأصول في ردّ البدعة وكلّ ما أحدث في الدّين.
    عن أمّ المؤمنين أمّ عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ".
    فهذا الكلام الخطير الذي اعترض به المعترض وقعده بما نسبه لابن القيّم يفتح بابا واسعا لأهل البدع لردّ كثير من تقريرات السّلف وما تبعهم باحسان، وبل ويردّ كلاما لابن القيّم نفسه.
    قال العلامة ابن القيّم رحمه الله في ((زاد المعاد)) ط عالم الفوائد (1/ 38): "ولا كان الصّحابة والتّابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت، وإن كان الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم)) اهـ.
    على هذه القاعدة الباطل نردّ على ابن القيّم بما نسبه المعترض لابن القيّم ويقال: وما يدريك يا ابن القيّم أنّ السّلف من الصّحابة والتّابعين لم يحتفلوا في قصد وتخصيص ليلة الاسراء، هل أنت يا ابن القيّم على علم بجميع أحول الصّحابة والتّابعين كلّهم ما فعلوه وما لم يفعلوه؟! وربمّا يا ابن القيّم لم يخبروا بذلك أحدا.
    وهذا بين في بطلان ممّا نسب لابن القيّم رحمه الله.
    ولتعلم -رحمك الله- أنّ العبادات مبناها على التّوقّف حتّى يأتي دليلا عليها.
    وبقي أمور تحتاج إلى وقفة بل إلى وقفات إن يسر الله يأتي الرّدّ عليها في مناسبة أخرى.

    وهذه بعض قوال أهل العلم من مختلف المذاهب تنفي الاحتفال بالمولد النّبويّ عن القرون الثّلاثة المفضّلة وعلى رأسهم الصّحابة:
    قال الفقيه تاج الدّين الفاكهاني المالكي رحمه الله في رسالته "المورد في عمل المولد" (ص:20): "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب، ولا سنّة، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمّة الذين هم القدوة في الدّين المتمسكّون بآثار المتقدّمين" اهـ.
    وقال الفقيه الشّافعي ظهير الدّين جعفر التّزمنتي رحمه الله عن في ((السيرة الشامية)) (1/ 442): "هذا الفعل لم يقع في الصّدر الأوّل من السّلف الصّالح مع تعظيمهم وحبّهم له صلى الله عليه وسلم إعظاماً ومحبّة لا يبلغ جميعنا الواحد منهم" اهـ.
    وقال علّامة بلاد اليمن محمّد بن علي الشّوكاني رحمه الله في ((فتاويه)) (2/ 1087-1088): "لم أجد إلى الآن دليلاً يدلّ على ثبوته من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال، بل أجمع المسلمون أنّه لم يوجد في عصر خير القرون، ولا الذين يلونهم، ولا الذين يلونهم،.. ولم ينكر أحد من المسلمين أنّه بدعة" اهـ.
    وقال الفقيه الحنفي محمّد بخيت المطيعي مفتي الدّيار المصريّة في وقته رحمه الله في كتابه ((أحسن الكلام)) (ص:44-45): "ممّا أُحْدِث وكثر السّؤال عنه المولد، فنقول:
    إنّ أوّل من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميّون، وأوّلهم المعزّ لدين الله، توجّه من المغرب إلى مصر في شوّال سنة إحدى وستّين وثلاث مئة، ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان في تلك السّنّة، فابتدعوا ستّة موالد: المولد النّبويّ، ومولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ومولد السّيّدة فاطمة الزّهراء، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت هذه الموالد على رُسومها إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش" اهـ.

    في الختام الذي ينبغي علينا في فهم ديننا أن نرجع بأفهامنا لأفهام الصّدر الأوّل من الصّحابة والتّابعين وتابع التّابعين ومن تبعهم بإحسان، فما وافق فهمهم قبلناه، وما خالف فهمهم رددنه، ومن تجرّء على مخالفتهم فأعلموا أنّ عقله قد ذهبت وأنّه أسّس باب ضلالة، ما اختلفوا فيه يسعنا ما وسعهم. هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    كتبه
    عزالدين بن سالم بن الصّادق أبوزخار
    طرابلس الغرب: يوم الجمعة 11 ربيع الأول سنة 1444 هـ
    الموافق 7 أكتوبر 2022 ف
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2023-09-26, 10:22 AM.

  • #2
    جزاك الله خيرا اخي الفاضل عز الدين

    تعليق


    • #3
      آمين وإياك أخي الكريم.

      تعليق

      الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
      يعمل...
      X