بسم الله الرحمن الرحيم
صنفـانِ أفسـدا علـى أهـل السنّـةِ ردودَهـم بعضُهم علـىٰ بَعـضٍ
بِسـم اللهِ والصّـلاةُ والسّـلامُ علـىٰ رسـولِ اللهِ وعلـىٰ آله وصحبِـه أجمعيـنَ. أما بعـدُ :
فهنـاك صنفـانِ أَفسـدَا الرّدودَ والتناصـحَ بيـن أهـلِ السنّـةِ؛ وهـذا بِسبب جهلِهـم بِمنهـجِ الرّدودِ عنـد أهـلِ السنّـةِ والجماعـة مِـن جهـةٍ ، وبِسبـب تعصّبِهـم للمردود عليـه مـن جهـةٍ أُخـرىٰ.
فَالصّنْـفُ الأول: وهـو سبـبُ البـلاءِ والشّـرِّ والـفتـنِ .
وهـذا الصّنـفُ يَنشـرُ ردودَ أهـلِ السنّـة علـىٰ المردود عليـه مـن أهـل السنـّة لكـي يطعنـون فـي المردود عليـه بهـذه الرّدود، فَيصوّرُونَهـا لِغيـرِهـم مـن الشّبـابِ أنّ هـذه الـرّدودَ طعونـاتٍ فـي المـردودِ عليـه ! وكافيـةً لإسقاطِـهِ !!!
وهـذا كلُّه حسـدًا أو اِنتقـامًـا مـن المـردودِ عليـه !
ثمّ ينتقـلُ هـذا الصنـفُ مـن الطعـنِ والتّشهيـرِ فـي المـردودِ عليـه إلـىٰ مُطالبـةِ الشّبـاب بالطّعـنِ فـي المَـردودِ عليـه أو إسقاطِـهِ !!
ومِـن مفاسـدِ هـؤلاء أنّهـم أفسـدوا علـىٰ أهـلِ السنـة التّناصـحَ فيمـا بينهـم ، بل وأفسـدوا أيضًـا علـىٰ المردودِ عليـه جاهزيَّتَـه لِقبـولِ الحـقِّ الـذي تضمّنَـهُ الـردُّ، وأَفسـدوا أيضًـا علـى بعـضِ ضِعـافِ النّفـوس ممـن يحـبُّ المـردودَ عليـه مـن قبـولِ الحـقّ الـذي احتـواهُ الـردُّ.
ولا شـكّ أنّ هـذا الصنـفَ دسيسـةٌ علـىٰ المنهـج السلفـيِّ النّقـيِّ مـن هـذه الدّخائـل ، أو أنّهـم جُهَّـال بهـذا المنهـج القويـم.
وهـذا الصنـفُ قـد شابه الحداديةَ فـي إسقـاطِ الرّجـلِ من أهـلِ السُّنـة والجماعـةِ بِمجـردِ الوقـوع فـي الأخطـاء ، أو بمجـرد الـردّ عليـه ! -والله المستعـان-
والصنـف الثانـي: وهـم الذيـن استغلّـوا طعونـاتِ (الصنـفِ الأول) فـردّوا الحـقَّ بِحجّـةِ أن هـذه الرّدودَ العلميـةَ طعـوناتٌ فـي المردود عليـه، فأصبحـوا يردِّدُون هـذه الجملةَ كالببغـاواتِ ، وهـذا منهـم دفاعًـا علـىٰ مـن يتعصّبـون لهُ بالباطـل.
فيظنّـون الـرّدَّ طعـنًا أو إسقاطًـا ، وربّمـا طنّـوه تبديعًـا للمردود عليـه ؛ تنفيـرًا منهم مـن الحـقِّ وأهلِه تعصّـبًـا وحقـدًا وحسـدًا .
ومـن نشـرَ الرّدَّ علـى محبوبِهـم أو أعتقـد الحـقَّ الذي فـي الـردِّ فإنَّـه بِـذلك -عندهـم- طاعِـنٌ فـي المردود عليـه ! ويريـد إسقاطَـه !
وهـؤلاء كالصنـف الأول قـد افسـدوا علـىٰ أهـل السُّنـةِ والجماعـةِ التّـناصحَ فيمـا بينهـم بالعلـم والحجّـة والبيـان والأدبِ .
-وإنا لله وإنا إليـه راجعـون-
وهـذا الصنـفُ المتعصّبُ للمـردود عليـه قد بنـىٰ بُنيانَـه علـىٰ جِيـفِ الصّنـفِ الأول -الـذيـن اتّخـذوا الردودَ منهجًـا لإسقـاطِ المـردودِ عليـه- وهـم كلُّهـم يدّعـي وصـلاً بليلـىٰ وليلـىٰ لا تقـرُّ لهم بِـذاك! -والله المستعان-
فصـلٌ
وأهـلُ السُّنـةِ وسـط بيـن ذانكمـا الصنفيـنِ فهم يَقْبَلـون الحـقَّ ويُقْبِلُـون علـىٰ الدّليـلِ مـن الـرّادِّ لا لعظمـه ، وعلمـه ، وسنّـه ! بل لأنّـه نطـقَ بالحـقِّ .
ولا يطعنـون في الذين قد رُدَّ عليهـم أخطائُهم ، أو زلَّاتُهـم ، بِسبب هـذه الأخطـاء ، بل يقولـون مُعتذرين له "مـا منـا إلا راد ومـردود عليـه إلا صاحبَ هـذا القبـر" يعنـونَ النبـيَّ -صلـى اللهُ عليـه وسلّـمَ-
ويشكـرون الرّادَّ علـى ذبِّـه عـن ديـنِ الله -سبحانه وتعالـى- مـن الأخطـاء والغوائلِ ، وإنّ صـدرتْ الأخطـاء مِمن صـدرتْ ،
ويشكـرون المردودَ عليـه قبولَـهُ الحـقَّ وعـدم تكبّـره علـى قبـول النّصـحِ ممـن صـدرَ .
و يعتقـدون أن المُخطـئَ مـن أهـل السُّنـة -مـن العلمـاء- له أجـرٌ ولابـدّ ، فهـم بيـن الأجـر والأجريـنِ .
ومـع هـذا فأهـلُ السُّنـة والجماعـة يردّون الخطـأَ وإن كـان سبق لسانٍ أو هفـوةٍ ؛ صيانةً لدينِ الله -سبحانه وتعالـىٰ- مـن أي شائبـةٍ وإن صغـرتْ.
قَالَ اللهُ تَعَالَـى: { يَاأَيُّهَـا الَّذِيـنَ آمَنُـوا كُونُـوا قَوَّامِيـنَ بِالْقِسْـطِ شُهَـدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَـىٰ أَنْفُسِكُـمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِيـنَ}
وقد سمعـنا مـن علمائِنا ، وقـرأنا فـي كُتـبِ أسلافِنـا الصُّلحـاء ، وأهـلِ العلـمِ الفضـلاء : أنَّهم كانـوا ينتقـدونَ بعضَهـم بعضًـا -ولـو بِشـدّةٍ فـي الألفاظِ- لغيرتِهم علـىٰ دينِ الله -سبحانه وتعالـى-
وكـان المردودُ عليهـم لا يغضبـونَ إعترافًـا منهـم بخطأهـم ، و تقديـرًا لغيـرةِ مَـن ردَّ عليهـم ديانةً لله وصيانةً للشّريعـةِ .
فالعبـارةُ بالنّـقـدِ "هَـلْ هـو بعلـمٍ وحجـةٍ أو لا ؟"
وهـو مـا يُنظـر إليـه بعيـنِ الاعتبـار لا النظـر لنيـة الرادِّ ؛
لأنّ المولـىٰ -سبحانه وتعالـىٰ- هـو المطّلِـعُ عليهـا
قال -صلـى الله عليـه وسلـمَ-: إنِّـي لَمْ أُومَـرْ أنْ أنْقُـبَ عـن قُلُـوبِ النَّاسِ ولَا أشُـقَّ بُطُونَهُـمْ.
وقـال الصنعانـيُّ -رحمه اللهُ-: وأمـا أقاويل الرّجـال فإنها تـدورُ علـى قـدرِ الأدلةِ فـي النقـدِ . اهـ
وهـذا الشيـخُ حمود التويجريُّ -رحمه الله- ينتقـدُ الشيخَ الإمـامَ ابنَ عثيميـن -رحمه الله ربُّ العالميـنَ- انتقـادًا شديدًا ولم نرَ مـن الشيـخِ العثيميـن -رحمـه الله- إلا الإذعـانَ للحـقِّ وقبوله مـع أنّه كـان بشـدةٍ ، بل شكـرَهُ علـى ذبِّه عـن ديـن الله.
وهـذا الشيـخ محمّـد بن هـادي العالـم الزّاهـدُ يـردّه أخٌ فـي خطـأٍ فيشكـرَهُ بين الجُمـوع ويرجـع للحـقّ مُذْعنًـا.
فهـذا منهـج السلـف ومواقـف الصّحابة -رضوان الله عليهم جميعًـا- فـي ذلك مُـلأتْ الكتـبُ ، وزخـرتْ بهـا الصحـفُ، فَهلّا سرنا علـىٰ طريقِهـم ، و تعاملنـا مـع ربِّـنا -تبـارك وتعالـىٰ- بِصـدقٍ ؟!
وصلـىٰ الله على نبينا مُحمّـدٍ وعلـىٰ آله وصحبِـه أجمعيـنَ.
وكتبـهُ:
عَبـدُالسـلام بنُ عِجَـال الوَرْفَلِّـيُّ
10/ رجــب / 1442هـ
عَبـدُالسـلام بنُ عِجَـال الوَرْفَلِّـيُّ
10/ رجــب / 1442هـ