إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

من روائع محمود الطناحي هذه النقطة .. وقضية التصحيف والتحريف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من روائع محمود الطناحي هذه النقطة .. وقضية التصحيف والتحريف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من روائع محمود الطناحي
    -رحمه الله وعفا عنه-


    هذه النقطة وقضية التصحيف والتحريف

    كتب الأستاذ سامح كريم بصفحة الأهرام الأدبي ١/ ٨/‏١٩٩٥ كلمة أشار فيها إلى ذلك الخطأ الذي جاء في امتحان اللغة العربية (سؤال البلاغة) للثانوية العامة هذا العام، حيث جاء بيت أحمد شوقي:
    ولم أخل من وجد عليك ورقة ::: إذا حل عيد أو ترحل عيد

    بالعين المهملة في الكلمتين، والصواب «غيد» بالغين المعجمة.

    وفي ظني وتقريري أن الذي أوقع في هذا الخطأ هو مجيء الفعل «حل» خاليًا من تاء التأنيث، فظن واضع السؤال أن الكلمة لو كانت «غيد» بالغين المعجمة، للحقت التاء الفعل، فكان يكون «حلت»، لأن «الغيد» جمع «غيداء» وهي المرأة المتثنية من اللين، ومن ذلك: الغادة، وهي الفتاة الناعمة، ولو قال الشاعر «حلت» لاختل الوزن. وقد نسي واضع السؤال أو مراجعه أن الفاعل إذا كان مجازي التأنيث، جاز ترك تأنيث فعله.

    ومهما يكن من أمر، فهذه النقطة التي سقطت من فوق الغين لها تاريخ في تراثنا الأدبي قديمًا وحديثًا.
    روي أن سليمان بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي كان غيورًا، فقيل له: إن المخبثين قد أفسدوا النساء بالمدينة، فكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم والي المدينة «أن أحص من قبلك من المخنثين» يريد إحصاء بأسمائهم. فلما وصل الكتاب إلى ابن حزم صحف كاتبه فقرأ «اخص» بالخاء المنقوطة من فوق.

    قال الراوي: فدعا ابن حزم بمن عرف من المخنثين -وكانوا ستة أو سبعة- فخاصهم، قال ابن جعدبة: فقلت لكاتب ابن حزم: زعموا أنه كتب إليه: أن أحصهم. فقال: يا ابن أخي، عليها والله نقطة إن شئت أريتكها. وقال الأصمعي: عليها نقطة مثل سهيل -وهو النجم المعروف-.

    وروي أن أحد المخنثين قال لما اختلفوا في الحاء والخاء، لا أدري ما حاؤكم وخاؤكم، قد ذهبت خصانا بين الحاء والخاء. انظر لهذه القصة: تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري ١/ ٧٢، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، له أيضًا ص ٤٣، والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني ص ١٠، وتصحيح التصحيف وتحرير التحريف لصلاح الدين الصفدي ص ١٧، والحيوان للجاحظ ١/ ١٢١.

    ولا ينبغي التشكيك في هذه القصة، لأنها مروية بأسانيدها، ولأن هؤلاء الذين خصوا معروفون بأسمائهم، ويقال في ترجمة كل منهم: «وهو ممن خصي بالنقطة». انظر مع المراجع السابقة الأغاني لأبي الفرج ٤/ ٢٧٦ (طبعة دار الكتب المصرية).
    فهذه أشهر نقطة، صنعت ما صنعت قديمًا.

    أما النقطة الثانية فكانت في أوائل الستينات من هذا القرن، حين كتب الدكتور لويس عوض في الأهرام، على امتداد شهري أكتوبر ونوفمبر ١٩٦٤ م، سلسلة مقالات حول أبي العلاء المعري ورسالة الغفران، وجعل عنوانها: «على هامش الغفران شيء من التاريخ»، وفي بعض هذه المقالات أورد الدكتور لويس من شعر أبي العلاء قوله:
    صليت جمرة الهجير نهارًا ::: ثم باتت تغص بالصلبان

    هكذا أثبت الدكتور قافية البيت «الصلبان» بباء منقوطة بنقطة واحدة، على أنها جمع «صليب»، وكتب تحت البيت «سقط الزند في وصف حلب»، وساق الكلام كله في بيان غلبة نصارى الروم على أهل الإسلام.
    وصحة رواية البيت كما جاء في سقط الزند ١/ ٤٥١ -وبها تمام وزنه- «الصِّلِّيان» بالصاد المكسورة بعدها لام مشددة، مكسورة أيضًا، ثم ياء مثناة من تحت، أي بنقطتين اثنتين.

    وأبو العلاء يذكر في هذا البيت الإبل، ويصف ما لاقته نهارًا في البيداء من هجير وظمأ، وما رعت ليلًا من صلِّيان، وهو نبت له جذور ضخمة في الأرض، تجتثها الإبل بأفواهها فتأكلها من شدة حبها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسة غصَّت بها، أي شرقت
    وقد فجرت هذه القضية بركان غضب عند شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر، وأدار عليها كتابه الفذ الدامغ (أباطيل وأسمار).

    فهذان مثالان على البلايا التي جرَّتها النقطة، زيادة أو نقصًا.
    وفي الرد الذي أرسلته وزارة التربية والتعليم ونشر في الأهرام ٨/ ٨/‏١٩٩٥ اعتذار عن الخطأ في «غيد» التي كتبت «عيد»، وتسويغ له بأنه راجع إلى ظاهرة «التصحيف والتحريف»، وهذا خلط شديد ومغالطة صريحة كما ورد في تعقيب الأستاذ سامح كريم.
    فهذا الذي جاء في سؤال البلاغة في امتحان الثانوية العامة، إنما يرجع إلى الغفلة وعدم المراجعة، وترك التثبت، ولا صلة له بقضية التصحيف والتحريف، لأن هذه القضية لها وجه آخر، وقد كتب فيها أهل العلم قديمًا وحديثًا، ووضعت فيها مؤلفات كاملة، وأشهرها ما ذكرته في صدر هذه الكلمة في قصة خصاء المخنثين.

    وأخطر ما في هذه القضية أن بعض الذين يكتبون فيها الآن يردون «التصحيف» كله إلى طبيعة الحرف العربي الذي يتشابه مع عدم النقط، وهذا غير صحيح، لأننا نجد كلمات كثيرة منقوطة نقطًا واضحًا لا لبس فيه، ومع ذلك تقرأ على غير وجهها، وهذا هو مفتاح القضية، إن كثيرًا مما يتصحَّف من الكلام إنما يأتي نتيجة للغفلة، أو الجهل بتاريخ أمتنا وعلومها، وتاريخ رجالها، وكل ما أبدعته وأنتجته، ومن قبل ذلك ومن بعده عدم إعطاء الكلام حقه من التأمل والأناة، يؤكد هذا قول أبي أحمد العسكري -وهو خال أبي هلال صاحب كتاب الصناعتين، وكتاب ديوان المعاني-

    يقول أبو أحمد: «فالاحتراس من التصحيف لا يُدرك إلا بعلم غزير، ورواية كثيرة، وفهم كبير، وبمعرفة مقدمات الكلام، وما يصلح أن يأتي بعدها مما يشاكلها، وما يستحيل مضامته لها ومقارنته بها، ويمتنع من وقوعه بعدها، وتمييز هذا مستصعب عسر إلا على أهله الحاملين لثقله والمستعذبين لمرارته، وقد قالت الحكماء: العلم عزيز الجانب، لا يعطيك بعضه أو تعطيه كلك، وقالوا: لا يدرك العلم براحة الجسم»، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١، ٢.
    هذا وقد عزَّف العلماء التصحيف والتحريف بتعريفات شتى، أعدلها وأقربها إلى الصواب ما قيل من أن التصحيف: هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط، مثل كلمة «العيب» التي يمكن أن تقرأ هكذا، وتقرأ أيضًا: الغيث - العنب - الغيب - العتب. فلو أهمل النقط في هذه الكلمة لأمكنك تحديد المراد عن طريق السياق والقرائن والفطنة، على الوجه الذي بينَّه أبو أحمد العسكري.

    وأما التحريف: فهو العدول بالشيء عن جهته، قال عزَّ مِن قائل: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه[النساء ٤٦]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون[البقرة ٧٥].

    والتحريف قد يكون بالزيادة في الكلام أو النقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بحمله على غير المراد منه، فهو بكل هذه التعريفات أعم من التصحيف، وبعض القدماء لا يفرق بين التصحيف والتحريف، يجعلهما مترادفين. راجع: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. شرح الشيخ أحمد محمد شاكر ص ١٧٢.

    والمأخذ اللغوي لمصطلح «التصحيف» يرجع إلى الأخذ عن الصحف، دون التلقي من أفواه المشايخ، لأن علومنا في الأصل قائمة على التلقي والرواية والمشافهة.
    وقد كتبت رسالة في «التصحيف والتحريف» حاولت فيها أن أجمع أسبابًا لحدوث هذه الظاهرة، وقد انتهيت إلى عشرة أسباب، يدور معظمها حول الجهل بغريب اللغة ومعانيها ولغات القبائل ولهجاتها، وخداع السمع، وخفاء معنى الكلمة على الناسخ أو القارئ، فيعدل بها إلى كلمة مأنوسة مألوفة تتفق حروفها أو تتقارب مع الكلمة الغامضة، ثم الجهل بأنماط التعبير عند القدماء، والجهل بمصطلحات العلوم، وأسماء البلدان، ثم الإلف والعادة، وضربت لذلك كله الأمثال، من الكتب المطبوعة، وأحاديث الناس ومحاضراتهم، مما لا يتسع المقام لذكره هنا.

    - التصحيف وتغيير التنقيط:
    وتبقى قضية خطيرة جدًّا، أرجو من قارئي الكريم أن يمنحني شيئًا من وقته واهتمامه، وأنا أدعو له بالسلامة والعافية إن شاء الله:
    لقد جاء في رد وزارة التعليم الذي نشرته الأهرام يوم الثلاثاء ٨/ ٨/‏١٩٩٥ م في الاعتذار عن الخطأ الواقع في شعر أحمد شوقي، هذا الكلام:
    « ما حدث من خطأ يعود كما يعرف أهل اللغة إلى ظاهرة شائعة في تراثنا العربي تسمّى «التصحيف»، وكما يعرف الجميع أن المقصود بالتصحيف هو تغيير التنقيط من حيث الوجود والعدم، وهي ظاهرة تتكامل مع ظاهرة أخرى تسمّى «التحريف» وتؤدي إلى اختلاف موضع التنقيط بين حروف الكلمة، ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، حيث تقرأ «فتثبَّتوا» كما قرئت «فتبيَّنوا» أما في الشعر العربي فهناك الآلاف من الأبيات التي رويت بروايات متعددة جميعها صحيح من حيث الوزن وإن اختلفت من حيث الكلمة والشكل والمعنى والدلالة، ويتضمن ذلك بديهيًّا ظاهرتا التصحيف والتحريف ».

    وهذا كلام واه ضعيف، بل قل: إنه كلام لا وزن له، وأمسك القلم عن الاسترسال في وصفه، ولكني أحب أن أسأل: كيف يتأتى وصف ظاهرة «التصحيف » بأنها شائعة في تراثنا العربي؟ وما هو هذا الشيوع، وما هي نسبته أمام التراث العربي المقطوع بصحته وسلامته؟ وما حقيقة هذه الآلاف من الأبيات التي رويت مصحَّفة؟ ألا يسقط هذا الكلام الثقة في تراثنا الشعري والنثري كله؟ ثم بأي وجه وبأي لسان نلقى أبناءنا وطلابنا في فصول المدارس ومدرَّجات الجامعات، بعد هذا التشكيك الذي نشر في أكبر صحفنا وأوسعها انتشارًا.

    ولنترك هذا كله، ولنقف عند أبشع شيء وأغلظه، وهو ذلك الكلام: « ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا …﴾، حيث تقرأ «فتثبتوا» كما قرئت «فتبيَّنوا»! ! ! » لا يا قوم، توبوا إلى بارئكم، واتقوا ربكم واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله.

    إن إيراد الكلام على هذا النحو وفي ذلك السياق والاستدلال يعطي بصريح اللفظ أن القراءتين «فتبيَّنوا» - «فتثبتوا» أثر من آثار التصحيف، ثم لنا أن نسأل: من الذي صحف في هذه الآية الكريمة؟ أو: من هو المصحِّف الأول الذي تبعه الناس منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم الناس هذا؟ ثم ما هي القراءة الأصل وما هي القراءة المصحَّفة، فإن كل تصحيف له أصل عدل عنه؟ وثم وثم وثم …

    يا أيها الناس، إن القراءة سنة وأثر ورواية وإتباع، وليست لغة يلعب بها الناس مهما بلغ مبلغهم من العلم.

    روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: «لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا، وذكر حروفًا»، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للحافظ الذهبي ١/ ١٠٢، ١٠٣.

    وأبو عمرو ابن العلاء هو أحد القراء السبعة، وكان إمامًا في اللغة والنحو، ثم كان راوية لذي الرمَّة الشاعر المعروف الذي يقال إن شعره ثلث لغة العرب. وقول أبي عمرو: «ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به»، يريد: أي بما جاءت به الرواية المسندة إلى رسول الله ﷺ، فليست القراءة عن رأي واجتهاد، ليقرأ كل قارئ بما يرتاح إليه أو بما يمشي مع قواعده، وليس كل ما يجوز في العربية والنحو تجوز به القراءة

    وقد شدد أهل العلم في ذلك، وكان أكثرهم تشديدًا ونكيرًا أبو إسحاق الزجاج رحمه الله، وكرَّره في أكثر من موضع في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) فممّا قاله في الجزء الثالث ص ٢٨٨: «والأجود إتباع القرّاء ولزوم الرواية، فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية ولم يقرأ به قارئ فلا تقرأن به، فإن القراءة به بدعة، وكل ما قلَّت فيه الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ، ولا ينبغي أن تقرأ به»، وانظر أيضًا ص ٤٥ من الجزء الأول من كتاب الزجاج هذا، ففيه كلام عال نفيس عن إتباع السنة والرواية في قراءة القرآن الكريم.

    وقال القرطبي في تفسيره ٥/ ٤: «والقراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبيّ تواترًا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبيّ ، فمن ردَّ ذلك فقد ردَّ على النبيّ، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبيّ ، ولا يشك أحد في فصاحته».

    فإذا ثبت هذا -وهو ثابت إن شاء الله- فإن كلتا القراءتين في آية سورة الحجرات مروية عن رسول الله ﷺ، وهما في اصطلاح القراء قراءتان سبعيتان، بأيهما قرأ القارئ أصاب السنة وأحرز الأجر، وليست إحدى القراءتين مصحَّفة عن الأخرى، تعالى الله وتعالى كلامه عما يقولون علوًا كبيرًا.
    وقد قرأ «فتبيَّنوا» بالتاء الفوقية والباء الموحدة والياء التحتية والنون: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ «فتثبتوا» بالتاء الفوقية والثاء المثلثة والباء الموحدة والتاء الفوقية: حمزة والكسائي
    قال الإمام الجليل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: «والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ، لأن «المتثبت » متبيَّن، و « المتبين » متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك» تفسير الطبري ٩/ ٨١، وراجع: السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ٢٣٦، والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي ٣/ ١٧٣، وإعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه ١/ ١٣٦، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب ١/ ٣٩٤، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري ٢/ ٢٥١، والبحر المحيط لأبي حيان النحوي ٣/ ٣٢٨، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي ٤/ ٧٣.

    ويلاحظ أن علماء القراءات والاحتجاج يذكرون هاتين القراءتين عند الآية ٩٤ من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا﴾، وعند آية سورة الحجرات المذكورة يحيلون على موضع سورة النساء، وهذا هو منهجهم إذا تكررت القراءة، يذكرون اختلاف القراء في الموضع الأول، ثم يحيلون في الموضع الثاني إليه.

    أرأيت أيها القارئ الكريم -نفعك الله بما تقرأ، وعمر قلبك باليقين، وأزال عنك الشبهة، وجنَّبك الضلالة، وحرسك بالتوفيق- هذا هو القول الحق في القراءتين: «فتبيَّنوا- فتثبَّتوا» قراءتان صحيحتان مرويتان بالسند الصحيح إلى رسول الله ﷺ، لا دخل للتصحيف أو التحريف فيهما، ولكل قراءة محمل ووجه من العربية، يذكرهما أهل الاحتجاج من علماء القراءات والعربية، لكن هؤلاء العلماء - وهذا مهم جدًا - لا يحتجون للقراءة إلا بعد ثبوتها رواية، وقد ذكر مكي بن أبي طالب - وهو من علماء الفن - ضوابط القراءة المقبولة، وحصرها في ثلاث:
    ١ - أن ينقلها الثقات عن النبيّ ﷺ.
    ٢ - أن يكون لها وجه صحيح شائع من العربية.
    ٣ - أن تكون موافقة لخط المصحف الإمام، أي الرسم العثماني.راجع الإبانة عن معاني القراءات ص ١٨،
    ونظم ذلك الإمام ابن الجزري في مقدمة منظومته المسمّاة: طيِّبة النشر في القراءات العشر، قال رحمه الله:
    فكل ما وافق وجْهَ نحو ::: وكان للرسم احتمالًا يحوي
    وصحَّ إسنادًا هو القرآن ::: فهذه الثلاثة الأركان

    وبعد: فيا أيها الوزير الفاضل الهُمام الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين، راعي التعليم في ديارنا المصرية: صبَّحك الله بكل خير إن قرأت هذا الكلام في الصباح، وختم يومك بكل خير إن قرأته في المساء، لقد أسعدتنا وأثلجت صدورنا حين أعلنت في صحيفة الأهرام أنك ستعاقب كل من اشترك في وضع أو مراجعة أو تقييم سؤال البلاغة الخاطئ، واليوم أسالك بل أطالبك -وأرجو أن تتقبل مني هذا التعبير برحابة صدرك المعروفة وسماحة وجهك المألوفة- نعم أطالبك أن توقع اشد العقاب وأقساه على من تجرأ على كتاب الله، وأقحم هذه الآية الكريمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ في الاعتذار عن خطأ لا يعتذر عنه ولا يتسامح فيه.

    نعم أطالبك يا معالي الوزير النبيل بتوقيع هذه العقوبة وإعلانها في صدر صحفنا الكبرى، لأن الأمر يتصل بكتاب ربنا عز وجل، وهو أعز ما نملك، ثم هو من قبل ومن بعد كتاب العربية الأكبر.

    وفَّقك الله وأنجح أعمالك كلها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    [من مقالات محمود الطناحي (٢ / ٣٩٩-٤٠٧)]
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2021-08-28, 03:05 PM.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X