بسم الله الرحمن الرحيم
الأَغَالِيطُ وَالحَقَائِق فِي اجْتِرَاحِ الحَرَائِق
ـــ . ـــ
الحمد لله المحمود على كلّ حال، والصّلاة والسّلام على محمود الخصال، وعلى آله وصحبه كرامِ الفعال. وبعد:
فإنّ الرّضا بالقدر خيره وشرّه، من آكد أركان الإيمان. ومقابلةُ القضاء المؤلم بالصّبر والتّسليم، وعدمِ الجزع والتّسخّط، من علائم قوّة الإيمان وثبات العبد عند المصائب، وهذا الباب مزّلة أقدام كثيرٍ من أهل البدع والأهواء، فمن وفّقه الله لتحقيق هذا الهدي النّبويّ فقد أفلح وأنجح، وقد خاب وخسر من ضلّ وزلّ.
وممّا يجب على المؤمن أن يتذكّر ويحقّق فيه هذه الخصلة الإيمانية الرّفيعة والشّيمة السُّنّيّة السَّنيّة، ويُذكّر بها. أمثالُ هذا الظرف الحاضر، والبلاء الثّائر مِن طاعونٍ فتّاك وحريق مستعر يأتي على الأخضر واليابس.
ولئن كان الطّاعون من قضاء الله الكونيّ، ولا يدَ لبشرٍ في تعمّدِ التّسبّبِ فيه -فيما يبدو للنّاس والله أعلم- وقد أحاط بأهل الأرض جميعا مسلمهم وكافرهم، قويّهم وضعيفهم.
فإنّ هذه النّيران المؤجَّجة والحرائق الهائجة، حاقت بأرض الجزائر الحبيبة، وأكلت فلذاتِ أكبادِها، وشوت أكبادا ثكلت فلذاتِها. وعلائمُ الافتعال في تسعيرها ظاهرة، وسِمات الاجتراحِ المعتمَّدِ في تذكية أوارها سافرة.
عشراتُ الحرائق في كثير من الولايات في وقت واحد، ولا تنطفئ في مكان إلّا وتسعّر في غيره، واعترافات بعض المحجور عليهم بالجرم المشهود دليلٌ أبلجُ على انتهاج أعداء هذا الوطن وهذا الشّعب المسلم الأبِيّ، من الخونة والمرتزقة والمتأكّلين ببيع شرفهم وذِممهم، سياسةَ الأرض المحروقة بأمرٍ من أسيادهم وأولي أزمّتهم. ومقصود هؤلاء أن يثور النّاس على حكّامهم ويحرقوا دولتهم ووطنهم! فانتبهوا لدسائس هؤلاء النّابتة المقيتة والشّرذمة الخبيثة، فلن يهنأ لهم بال إلا أن يروها هشيما تذروه الرّياح أو كرَمادٍ اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف، وأهلُها مستضعفون في الأرض لا يستطيعون حيلةً، ولا يهتدون سبيلا شأنَ كثيرٍ من الدّول التي أحرقها سفهاؤها وعجز عقلاؤها عن دفعهم باسم التّحرّر والثورة و(الرّبيع)، فإنّ: "الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السّفهاء" كما قال شيخ الإسلام [منهاج السنة (٣٤٣/٤)].
ألا فليتّق الله امرؤ جرفته شبهات هؤلاء الشرذمة الذّليلة، وبهرته بوارق الأحمر والأصفر واحتوشته مفاتن بلاد الكفر والعهر واللهَ اللهَ في أوطانكم وأهليكم، لا تكونوا عونا لشياطين الإنس والجنّ عليهم فإنّك عزير بأخيك كثيرٌ به، ذليل بنفسك قليلٌ بها وأنت أذلّ عند من خُنتَ لأجله وأحقر؛ إذِ الخائنُ غير مؤتمن وجريرته لا تغتفر. وأبعدُ النّاس عنه وأَرْيَبُهم منه أسيادُه ومُلّاكُه، وما أسرع زُهدهم فيه، قُضيت مصالحهم أم لم تقض! وسائِلِ التّاريخَ ينبّئك من أخبارهم وأحوالهم، واعتبر إن كنت من أهل التّبصر والاعتبار بمآل ابن العلقميّ مُجرِّئِ التّتار على الدّيار، وفاتح الباب غدرا لأولياءه الأشرار، وعند جهينة الخبر اليقين، وسنن الله في مآلات الخونة لا تتبدّل ولا تنخرم.
هذا ولا بدّ أن ننثر بعض الوصايا على أسماع العقلاء، ونمحض بعض النّصحِ لمن بهرتهم صنائع الخونة والسّفهاء، فنقول وبالله نستعين:
١- إذكاء نار التّشهير بالحكّام ونشر مثالبهم وتهييج الدّهماء عليهم أشدّ وبالا من تسعير نار الحطب والتّصلية بلهيبها، إذ بالأولى تحترق البلدان، وبالثانية تحترق الممتلكات والأبدان؛ بل إنّ بذل الأموال والأنفس في الدّفاع عن الأوطان الإسلامية شرف وفخار. وإنّ سبعين سنة من سلطان جائر خير من ليلة بلا سلطان، جاء في ( ترتيب المدارك ٤٩٣/٢) عن الإمام مالك وسفيان الثوري رحمهما الله: "سلطان جائر سبعين سنة خير من أمة سائبة ساعة من نهار".
٢- التّواصي بالحقّ والأخذ على يد الظّلمة والخونة، والتّبليغ عمّن لم يرتدع منهم بالنّصح والنّهي عن المنكر، فإنّ من لم يرتدع بشيء دون عصا السلطان أو سيفه، فهي أنفع له وفيه. و"إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن". كما ورد عثمان ابن عفان وعمر بن الخطّاب رضي الله عنهما.
٣- على العامّة أن يتفطّنوا لما يُحاك لهذا البلد وأبناءه وسائر بلاد المسلمين، من الدّسائس والمكائد. وأنّ عدوّنا علم أنّنا نؤتى من بني جلدتنا بما لا قِبَل لغيرهم به. واسألوا التّاريخ البعيد والقريب.
٤- أن يتعاون العامّة مع جيشهم ومن يتولّون حفظ أمنهم من سائر الأسلاك. فإنّ في ذلك تفويتا لكثيرٍ من مصالح الأعداء ذوي الخيانة وتشتيتا لمخطّطاتهم. ومن تنكّب هذا فقد جنى على نفسه. وعلى نفسها تجني براقش.
٥- الاعتبار من مصائر الشّعوب التي ثارت على حكّامها واحرقت بلدانها فأعقبهم الله بعد أمنهم خوفا وجوعا وشتاتا ودمارا؛ فصار ما آلوا إليه أمرّ وأدهى ممّا ثاروا عليه باديَ الأمر. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «... ولعلَّه لا يكاد يُعْرَفُ طائفةٌ خرجتْ على ذي سلطانٍ إلَّا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظمُ من الفساد الذي أزالته». [منهاج السنَّة (٣/ ٢٣١)]
٦- التّعاون حال وقوع مثل هذه المصائب، والسّعي في إخماد الحرائق، وإيجاد الخلاص من غيرها. والتّكافل الاجتماعي. وأن يهبّ كلّ من له قدرة على العون وطاقة على النّفع والدّفع، كلّ على قدر طاقته وفي حدود استطاعته، لنصرة إخوانه وتفريج كرباتهم.
٧- الثّبات، وعدم الجزع والخوف، وتجنّب العجلة والفزع، وإلقاء مقاليد الأمور إلى أولياءها، وإعطاء القوس باريها، وعدم إشاعة الدّعايات المغرضة وإذاعة التهويلات المضلّلة، والوقوف بالمرصاد لدعاة الفتنة وأرباب الفوضى.
٨- التّفطّن لمحاولة زرع الفتنة والتّفرقة بين أبناء الوطن الواحد وضرب الوحدة، وزعزعزة الرابطة الأخوية والإيمانية، بالعزف على وتر العصبيات وإحياء القوميات، والنّفخ في نار القبليّة، واستمالة القلوب المريضة والأنفس المنكوسة إلى دعاوى الأقليّات المضطهدة والانفصال كذبا وزورا.
٩- الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. وإظهار التوبة وتجديد الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، واستصحاب الاستغفار. واللّجإ إلى الله عزّ وجل بصدق. فإنّ هذه المقادير إنّما تقابل بمثل هذا. لا بالتّهويل والجزع والفوضى.
١٠- تسلية أهل المصائب وتصبيرهم، وتخفيف وطأة القضاء الأليم عليهم، وعدم استثارة حزنهم وبلائهم واستثمار ذلك في أغراض خبيثة ومصالح وبيلة، تخدم أهل الخيّانة وأرباب النّذالة.
١١- المتوفَّون حرقا من جملة الشّهداء في الشّريعة. وهذا من علامات حسن الخاتمة. فمن مات في هذه الحرائق فنحن نرجوا له الشّهادة إن شاء الله وأذن له، وهذا ممّا يُسلّى به ذَوُوهم وأقاربهم.
١٢- شاع في النّاس أحاديث تحثّ على التّكبير لإطفاء النّار، وكلّها ضعيفة المباني. ولكن كثيرا من أهل العلم ذكر أنّ ذلك ممّا يستعان به في إطفاء النّار لأنّه ذكر لله تعالى والتجاء إليه وعياذ به. واعتراف بالعجز والضعف وإقرار بأنّ الله أكبر من النّار ومن مُوقدها وممّا أُوقِدت به. وذكر ابن القيّم رحمه الله تعالى في زاد المعاد أنّ التّكبير مجرّب في إطفاء النار. وكذا ذكر العلّامة الفوزان وابن باز. والله أعلم.
هذا ما عنّ لي أن أرقمه، وبان لي أن أسطره. تذكرة لأهلنا وإخواننا ومَن يصله مِن المسلمين.
واللهَ أسأل أن يجبُر مصاب أهلنا وأن يتغمّد موتاهم برحمته وأن يتقبّلهم شهداء عنده. وأن يرسل علينا وعليهم الغيث ويطفي نيرانهم، وأن يعافيهم ويشفي مرضاهم ويبرّءهم. وأسأله تعالى أن يبصّرنا جميعا بدسائس أعدائنا ومخطّطاتهم. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه. والله المستعان.
أبو عاصم السّلمي البلبالي
٢ المحرّم ١٤٤٣
تعليق