بسم الله الرحمن الرحيم
الرّياء الإلكتروني
ـــ . ـــ
الحمد لله وحده، والصّلاو والسلام على من لانبي بعده، وعلى آله وصحبه. وبعد:
كنتُ أُزَوّر في نفسي مقالة أنبّه فيها على مفسدةٍ شائعة ذائعة، فتيّةٍ معاصرة، أقدّم رجلا وأوخّر أخرى، حتّى طلع عليّ في هذه الوسائل، مقطع مرئي لفضيلة الشيخ عبد الرزّاق ابن عبد المحسن البدر حفظه الله تعالى. موسوم بـ: "الرّياء الإلكترونيّ". فاقتبستُ هذا العنوان، واستجمعت قصدي وأزمعت النّصيحة بإيجاز لمن يراه ويبلغه من المسلمين. "فرُبَّ مبلّغ أوعى من سامع".
فأقول مستعينا بالله وحده.
إنّ من محدثات هذا الزّمان، ومن بدائعه غيرِ الحسان. استمراء السّواد الأعظم من النّاس، حبسَ اللّحظات والأزمان، بالصّور الثابتة والمتحرّكة. في المستساغ وفي ضدّه على حدّ سواء. وأسهم في هذا، انتشار هذه الأجهزة المسمّاة بالذّكية، المشتملة على كاميرات متطورة ودقيقة، وعلى تطبيقاتٍ تُحسّن الصّورة وتُعدّل عليها. فتَخرج مُدلَّسة، على غير حقيقتها. فتغشّ النّاظر وتوهمه. و«من غشّ فليس منّا». ولستُ مُعرّجا في هذه العُجالة على حكم التّصوير بالآلة، ومرجّحا لأقوال العلماء واستعراض تفصيلاتهم فيه. فموضع استقصاء ذلك مقامه في كتب أهل العلم المعاصرين وفتاواهم. والتّعرّض له هاهنا -ولو مختصرا- يَنأى بي عن المقصود أو يَخرُج. وإنّما الباعث على هذا المرقوم، أمرٌ أحدثُ زمنا، وأشدّ قبحا من مطلق التّصوير.
ذلك أنّ هذا الأمر إذا خالط العبادة، وشاب القُرَب، فربّما أحبطها، وأوبق صاحبه وأهلكه. فصار ديدن كثير من النّاس، ممّن ظواهرهم الاستقامة ومن غيرهم، خاصّة وعامّة، تصوير أنفسهم حالَ العبادة، وزمن القربة. فهذا ساجد وهذا داع وهذا تالٍ وهذا طائف وهذا دامع وهذا متصدّق وهلمّ جرّا.
وأصبح حبسُ هذه الأوقات والهيئات كالواجب أو كالمستحبّ عند عامّتهم. فلا يرون أنّ عملهم يتّم إلا بحبس صورته. بل صار عندهم من الشّروط فيه حضور الآلة، فلا يُشرع فيه حتى تحضر وإن تأخّرتْ تُنتظر. والله المستعان.
وياليت الأمر توقّف عند هذا الحدّ. ولكن لا يلبث أن تشاع تلك الصّور الكاشفات وتنشر تلك الهيئات المسفرات. في المواقع والصّفحات. ولسان حالهم يقول: انظرونا والتمسوا من نورنا.
كلّ هذا مع تصنّع السّمت الحسن والخشوع الفائض والدَّلِّ المحمود. وكأنهم لا يعلمون أنّ الله تعالى ((يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور)).
وقد جاء في كتاب البيان والتبيين للجاحظ: [حدّثني شمعون الطبيب قال: كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد اللّه المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد اللّه مذ كم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، و أنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد اللّه، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين!] (٣٢١/٢) وقول الأمير طاهر فيه توبيخ له على الرّياء.
ومنه أيضا ما جاء عن ابن الجوزي في تلبيس إبليس: [ومِن أعجب ما رأيتُ فيهم، أنَّ رجلاً كان يُصَلِّي بالناس صلاة الصُّبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين، ويدعو بِدُعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمتُ الختمة، وما هذه طريقة السّلف.] (ص ١٢٨).
وهذه من جملة صنائع المراءين وطبائع المسمِّعين.
وإذا كان عجب بن الجوزي فيما رأى وروى. فليت شعري كيف لو رأى ما رأينا وما رُوّينا من [أنّ أحدهم يدخل المسجد النّبويّ، ثمّ يجلس على هيئة التّشهد، فيُصَوّره صاحبه ويقوم. وآخر قام بعد الصلاة وفتح مصحفا كبيرا كأنه يقرأ، ثمّ صوّره صاحبه من الجانبين فأطبقه وانصرف.] (من مقطع الرّياء الالكتروني) وأضراب هذا النوع أنواع منوّعة. أبوابها على الرّياء والسّمعة مُشرعة. فإنّه لابدّ وأن يكون قد مرّ بك في هذا العالمَ (الإلكتروني) صورة لرجل باديَ الخشوع وافر الدّموع حاضر الخضوع، إما مُحرما أو تاليا أو داعيا أو ساجدا أو طائفا. متصنّعا أحسن هيئة وأكمل وصف. ما لا يكون على عشر معشاره مع خالقه ومولاه. ولئن كان بن الجوزي أخذه العَجَب من امرئ تعبّدّ عبادة وسمّع بها وراءى. فلك أن تُغرِق في العَجب وتوغل في الاستغراب ممن يراءي بغير عمل. فهو لم يصلّ ولم يدع ولم يقرأ. وليس له ممّا راءى به وصوّره ونشره، إلّا الهيئة الخرقاء والمظهرية الجوفاء. فصارت أعمالهم كأنها أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لها من باقية.
وممّا يجدر التّنبيه إليه والنّكير عليه. تصوير الصدّقات، في صورة تجمع بين المتصدّقِ ضاحكا مستبشرا والمسكينِ عابسا مستحييا. ثمّ تجول تلك الصّورة أنحاء العالم وأقطار المعمورة. تدلّ على فلان بأنّه من وجوه الصّدقات وموضع الزّكوات. فتَقتل فيه جُرعةَ الحياء وروح التّعفّف، وتريق ماء وجهه بحضرة الأشهاد. فلا يُرى بعد ذلك إلّا مُنكّس الرأس، مخروم المروءة. ضعيف الهِمّة مهزوز الثقة بنفسه. فقل لي بربك: من جنى عليه؟ وبم؟!!
فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ به، ومَن يُرائِي يُرائِي اللَّهُ بهِ». رواه البخاري ومسلم واللفظ له. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ: «مَنْ سمَّعَ الناسَ بعملِهِ سمَّعَ اللهُ بهِ سامِعَ خلقِهِ وصغّرَهُ وحقّرَهُ» أخرجه أحمد.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه.
وما كان هذا من عمل الرّعيل الأوّل. فقد كانوا أخوفَ على أعمالهم ممّا يشوبها، وأحوط لها ممّا يخالطها فيحبطها أو يفسدها. من الرّياء والسّمعة.
قال ابن الجوزي: "فَإِنّ السلف كانوا يسترون عبادتهم وكان عمل الربيع بْن خثيم كله سرا فربما دخل عَلَيْهِ الدّاخل وَقَدْ نشر المصحف فيغطيه بثوبه وكان أَحْمَد بْن حنبل يقرأ القرآن كثيرا ولا يدري متى يختم". تلبيس إبليس (ص١٢٨)
قال تعالى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} [البقرة: 271].
وكان النّبيّ ﷺ يوصي بالخبيئة الصّالحة، فقد قال ﷺ: «من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل» صحيح الجامع (٢٤٠/٥)
وإليك نُبذًا نَيّرةً من شمائل سلفنا الصّالحين، من الأئمة والتّابعين. في سدّهم ذريعة الرّياء. وتفقُّدِ مداخل الشيطان، واتخاذ السّابغات من أعمال السّرّ والخبيئات. فتصفو العبادة وتخلص ممّا يشوبها أو يكدّر إخلاصها للمعبود وحده عزّ وجل. فلا يراد بها غير وجه الرّحمن، ولا يراءى بها إنس ولا جان.
فقد جاء في كتاب الزّهد والرّقائق لابن المبارك: [ أخبرنا الْمُبَارَكُ بْنِ فُضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إنْ كانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ فقُه الْفِقْهَ الْكَثِيرَ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ الزُّوَّر وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ. وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِّرِّ، فَيَكُونُ عَلَانِيَةً أَبَدًا. وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَمَا يُسمع لَهُمْ صَوْتٌ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِي فِعْلَهُ فَقَالَ: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾] (حديث: ١٥٠)
وقال سفيان بن عيينة: قال أبو حازم: "اكتم حسناتك أشدّ ممّا تكتم سيّئاتك". حلية الاولياء (ص ٢٤٠)
وقال أيّوب السّختياني: "لأن يستر الرّجل الزّهد خير له من أن يظهره". الحلية (ص ٦)
وعن محمد بن زياد قال: "رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده، ويدعو ربه، فقال له أبو أمامة: أنت أنت لو كان هذا في بيتك". سير أعلام النبلاء (٣٦١/٣)
قال أيوب السختياني: "والله ما صدق عبد إلا سرَّه ألّا يُشعَر بمكانه". التذكرة الحمدونية (ص٤٠)
عن عمران بن خالد قال: "سمعت محمد بن واسع يقول: إن كان الرّجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به". الحلية (ص٣٤٧)
وعن يوسف بن عطية عن محمد بن واسع قال: "لقد أدركت رجالاً كان الرّجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بلّ ما تحت خدّه من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصّفّ فتسيل دموعه على خدّه ولا يشعر به الذي إلى جانبه". الحلية (ص٣٤٧)
وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصّبح رفع صوته كأنّه قام تلك السّاعة. صفة الصفوة (١٧٣/٢)
وعن ابن أبي عدِّي قال: "صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان خرّازًا يحمل معه غداه من عندهم، فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشيًّا فيفطر معهم". صفة الصفوة (١٧٨/٢)
وكان ابن سيرين يضحك بالنّهار، فإذا جنّ اللّيل فكأنّه قتل أهل القرية. صيد الخاطر (ص٤٠٦)
وقال حماد بن زيد: "كان أيوب ربما حدَّث بالحديث فيرِقُّ، فيلتفت ويتمخّط ويقول: ما أشدّ الزّكام". من أعلام السلف (٤/١٣)
وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته، فيردّها، فإذا خشي أن تسبقه قام". فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب (ص٣٤٦)
وقال مغيرة: "كان لشريح بيت يخلو فيه يوم الجمعة، لا يدري النّاس ما يصنع فيه". فيض القدير (١٠٦/٤)
قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لابن المبارك: إبراهيم بن أدهم ممن سمع؟ قال: "قد سمع من الناس، وله فضل في نفسه، صاحب سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحًا ولا شيئًا من الخير". الحلية (ص٣٩٠)
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: "ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيّام إلا أن تكون له سريرة". الحلية (ص٣٨٦)
وروى الذهبي: "كانوا يستحبّون أن يكون للرّجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها". سير أعلام النبلاء (٣٤٩/٩)
إذا بلغتَ هذا الموضع من المرقوم، وعقَلت ما جاء فيه من الأوضاع والرّسوم. فاحرص على عبادتك غاية الحرص. وحُطْها بخنادق من السّرّ، واتّخذ لك عند مولاك خبيئات مُدّخرة، وسرائر مستترة. رجاء أن تحشر من الكرام البررة. فاسلك سبيل السّالكين، وتنكّب نهج الهالكين.
واستعن بالله وتوكّل عليه.
أبو عاصم السّلمي تبلبالة
٢١ ذي الحجة ١٤٤٢
٢١ ذي الحجة ١٤٤٢
تعليق