إعـــــــلان

تقليص

مجموعة الأخوات الخاصة بالتفريغ

رابط مجموعة الاخوات الخاصة بالتفريغ والمراجعة
https://elibana.org/vb/node/159893
شاهد أكثر
شاهد أقل

في حكم صوم يوم السبت أو إفراده مِنْ غير الفرض للشيخ فركوس حفظه الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في حكم صوم يوم السبت أو إفراده مِنْ غير الفرض للشيخ فركوس حفظه الله

    القول التمام في شرح أحاديث النهي عن إفراد الجُمُعة والسبت بالصيام

    المسألة الثانية في حكم صوم يوم السبت أو إفراده مِنْ غير الفرض

    أوَّلًا: نصُّ الحديث: عن الصمَّاء بنتِ بُسْرٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ»(١).
    ثانيًا: ترجمة راوية الحديث: هي الصمَّاء بنتُ بُسرٍ المازنيَّة رضي الله عنهما مِنْ مازنِ بنِ منصورٍ أخي سُلَيْمِ بنِ منصورٍ مِنْ قيسِ عَيْلانَ، واسْمُها: بُهَيَّة(٢) ويُقالُ: بُهَيْمة(٣)، وهي أختُ عبد الله بنِ بُسرٍ رضي الله عنهما، لها صحبةٌ وحديثٌ، وهو حديثُ الباب(٤).
    ثالثًا: سند الحديث: حديثُ الصمَّاء قَدْ أخرجه أحمد وأصحابُ السنن وغيرُهم ـ كما تقدَّم مخرَّجًا في الهامش ـ؛ قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط البخاريِّ ولم يُخرِجاه» وأَقَرَّه الذهبيُّ(٥)، وصحَّحه ابنُ خزيمة(٦) وابنُ السَّكَن(٧)؛ وقال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ؛ ومعنَى كراهَتِه في هذا: أَنْ يخصَّ الرَّجلُ يومَ السبت بصيامٍ، لأنَّ اليهود تُعظِّمُ يومَ السبت»(٨)؛ إلَّا أنَّ مالكًا قال عنه: «هذا [الحديث] كذبٌ»(٩)، وقال أبو داود: «وهذا حديثٌ منسوخٌ»(١٠)؛ وأُعِلَّ الحديثُ مِنْ وجوهٍ منها: المعارضةُ، والاضطرابُ في سنده، والوهن؛ وهذه الطعون وغيرُها رُدَّ عليها ـ كما سيأتي في المناقشة اللاحقة(١١) ـ فلا تقدح في الحديث لثبوته مِنْ ثلاثِ طُرُقٍ صحيحةٍ لا تَدَعُ مجالًا للشكِّ في صِحَّته.
    رابعًا: غريب الحديث ومُفرَداته: ـ «لِحَاءَ عِنَبَةٍ»: اللِّحاء: هو قِشرُ كُلِّ شيءٍ، والمُرادُ به ـ هنا ـ قشرُ فاكهةِ العنب المعروفة؛ قال أبو السعادات بنُ الأثير(١٢): «استعارةٌ مِنْ قشر العود»(١٣). ـ «فَلْيَمْضُغْهُ»: مَضَغه كمَنَعه وفَتَحه ونَصَره، أي: لاكَهُ بسِنِّه(١٤)، والمرادُ: يَطْعَمُها للفطر بها(١٥).
    خامسًا: الفوائد والأحكام المُستنبَطة مِنَ الحديث: حديثُ الصمَّاء رضي الله عنها يندرج في صوم التطوُّع وما نُهِي عن صومه، فيمكن أَنْ تُؤخَذَ منه الأحكامُ والفوائد التالية:
    ١ ـ فيه دليلٌ على النهي عن صوم يوم السبت في كُلِّ صُوَرِه مُفرَدًا أو مُضافًا إلَّا صورة الفرض؛ لأنَّ الاستثناء دليلُ التناول(١٦)، وهي مسألةٌ مُختلَفٌ فيها أتعرَّض لها ـ لاحقًا ـ في فقه الحديث.
    ٢ ـ لا تعارُضَ بين حديثِ الباب (حديثِ الصمَّاء رضي الله عنها) وحديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»»(١٧)، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ: السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالإِثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ: الثُّلَاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ»(١٨)، ويُدفَعُ التعارضُ بينهما بما سيأتي بيانُه في المناقشة(١٩).
    ٣ ـ تعليل النهي عن صومِ يوم السبت بمُخالَفةِ أهل الكتاب، إمَّا لأنه عيدُهم يعظِّمونه فقصدُه بالصوم دون غيره تعظيمٌ له، وإمَّا لأنه يومٌ يخصُّونه بترك العمل فيه، والصائمُ له في مَظِنَّةِ ترك العمل، وكِلَا التعليلين مُنتقِضٌ بما سيأتي(٢٠).
    ٤ ـ وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ» يتناول المكتوبةَ والمنذورةَ وقضاءَ الفائت الواجبِ وصوم الكفَّارة(٢١)، سواءٌ كان صومُ يومِ السبت فيها مُفرَدًا أو مُضافًا ما دام صيامُه فرضًا واجبًا.
    ٥ ـ ظاهرُ الحديث لا يدلُّ على بطلانِ عبادة الصوم بإبطال الصائم لها بالنيَّة الجازمة المُجرَّدة عن الفعل، أي: لا تأثيرَ للنيَّة الجازمة في قطع الصوم إذا شُرِع فيه، بل تحتاج إلى فعل الصائم لإبطالها بتَناوُلِه طعامًا للفطر ولو كان حقيرًا مثل قِشرِ عنبةٍ أو عودِ شجرةٍ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ». والظاهر منه ـ أيضًا ـ أنَّ الصوم لا يُلحَقُ بالصلاة؛ لأنَّ الصوم أقلُّ حاجةً إلى النيَّة مِنَ الصلاة لدخوله في باب التروك، بخلاف الصلاة فهي مُندرِجةٌ في باب الأفعال.
    سادسًا: مواقف العلماء مِنَ الحديث [فقه الحديث]: اتَّفق العلماءُ على جواز صوم السبت في الفرض لخروجه مِنْ صُوَر الحالات المُختلَفِ فيها، وهو يَشْمَل جميعَ أصنافه مِنْ صوم رمضان والنذر والكفَّارات بأنواعها؛ عملًا بأنَّ الأصل في صيامِ أيِّ يومٍ مِنَ الأسبوع جوازُه إلَّا ما وَرَد النهيُ فيه، وقد دلَّ على تأكيدِ جوازِه الاستثناءُ مِنَ النهي عن صيام يوم السبتِ الواردُ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ»(٢٢)، غير أنهم يختلفون فيما عدا ذلك، وسأتعرَّض إلى مذاهب العلماء بحسَبِ الخطوات التالية:
    أ) مذاهب العلماء: اختلف العلماءُ في حكم صيام يوم السبت فيما عَدَا صورةَ الفرضِ على ثلاثةِ مذاهبَ: ـ مذهب القائلين بجواز صوم السبت مُقترِنًا، وكراهةِ صومِه مُنفرِدًا ما لم يكن وافق يومًا اعتاد صيامَه، وهو مذهب الجمهور، وبهذا قال الحنفيَّةُ(٢٣) والشافعيَّة(٢٤) والحنابلة(٢٥) وغيرُهم(٢٦). ـ مذهب القائلين بجواز صوم السبت مُطلَقًا مِنْ غيرِ كراهةٍ، وهو قولُ مالكٍ(٢٧) وما يُفهَمُ مِنْ مذهب أحمد، وبه قال الزُّهريُّ والأوزاعيُّ(٢٨) وغيرُهم. ـ مذهب المانعين مِنْ صوم السبت مُطلَقًا، مُنفرِدًا كان صومُه أو مُقترِنًا، وهو ما رجَّحه الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «فقَدْ ظَهَر لي أنَّ الأقرب أنَّه لا يُشرَع صيامُه مُطلَقًا إلَّا في الفرض، مشيًا مع ظاهر الحديث»(٢٩).
    ب) أدلَّة المذاهب السابقة: استدلَّ كُلُّ مذهبٍ مِنَ المذاهب السابقة بأدلَّةٍ تُفيدُ حُكمَه الذي ارتضاهُ، وسأتناول هذه الأدلَّةَ على الوجه التالي:
    ١) أدلَّة القائلين بجوازِ صوم السبت مُقترِنًا وكراهةِ صومه مُنفرِدًا: استدلَّ هؤلاء على ذلك بما يلي: ـ بحديثِ جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارث رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟»، قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(٣٠)؛ والحديث يدلُّ على مشروعيَّةِ صومِ يوم السبت مُقترِنًا باليوم الذي قبله؛ لأنَّ اليوم الذي يلي الجمعةَ ـ موصولًا به ـ هو السبتُ. ـ بحديثِ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»»(٣١). والحديث يدلُّ ـ أيضًا ـ على مشروعيَّةِ صوم يوم السبت مُقترِنًا باليوم الذي بعده، لأنَّ اليوم الذي يلي السبتَ ـ موصولًا به ـ هو يومُ الأحد. ـ بحديثِ أبي ذرٍّ الغفاريِّ رضي الله عنه قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ»(٣٢). ـ بحديثِ قتادة بنِ مِلْحانَ الْقَيْسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ لَيَالِي الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: «هِيَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ»»(٣٣). ـ وأحاديثِ الترغيب في صومِ شهر المحرَّم وشعبانَ وإتباعِ رمضانَ بسِتٍّ مِنْ شوَّالٍ، وغيرِها مِنَ الأحاديث الدالَّةِ على جوازِ وصلِ صيام السبتِ مُقترِنًا بما قبله وما بعده؛ إذ لا يخفى دخولُ السبت في هذه الأيَّامِ كدخوله في سائر الأيَّام، بل تجوز صورةُ الاجتماع جوازًا أولويًّا، لأنه إذا جاز صومُ السبتِ مُقترِنًا بما قبله فقط أو بما بعده فحسبُ فيجوز باقترانه بهما مِنْ بابٍ أَوْلى. ـ وأمَّا كراهةُ صيام يوم السبت مُنفرِدًا فاستدلُّوا عليها بحديث الباب، جمعًا بين الأدلَّة وتوفيقًا بين النصوص؛ ذلك لأنَّ صورة الفرض خرجَتْ بالمُخصِّص المُتَّصِل المتمثِّلِ في حديث الصمَّاء رضي الله عنها المُوافِق للأصل في التسوية بين السبت وسائرِ الأيَّام في الحكم؛ وأمَّا صورة الإضافة والاقتران فخرجَتْ بالأدلَّة المُنفصِلة التي خصَّصَتْ عمومَ النهي الوارد في حديث الصمَّاء رضي الله عنها المتقدِّم، فلم يَبْقَ مِنَ النهي فيه سوى تخصيصِ صورة الإفراد، ما لم يكن السبتُ ـ في صورته المُفرَدة ـ وافق يومًا مرغَّبًا فيه اعتاد صيامَه، فإنه يجوز وصلُه بغيره ـ كما سَبَق ـ ويجوز إفرادُه. ويدلُّ على جواز إفرادِ يوم السبت بالصوم ما ثَبَت عن عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ»، قَالَ: «أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ»، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»(٣٤)، وعنه ـ أيضًا ـ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى»(٣٥). ولا يخفى أنَّ المَقامَ مَقامُ بيانٍ، فلو كان غيرَ جائزٍ صومُ السبتِ لَبيَّنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ «تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ»، بل جاء ـ في أحاديثَ صحيحةٍ ـ ما يدلُّ على أنَّ مَنْ له عادةٌ فله أَنْ يَستمِرَّ في صيامها ولو وافق يومًا منهيًّا عن صيامه، لِتَبْقى مُحافَظتُه على تلك العبادةِ وتدومَ مُلازَمتُه للخير حتَّى لا ينقطع، كما سَبَق بيانُه في جواز صوم يوم الشكِّ إذا كان للصائم عادةٌ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ»(٣٦)، وما ثَبَت ـ أيضًا ـ مِنْ صوم الجمعةِ مُنفرِدًا إذا وافق عادةً، وقد تقدَّم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه(٣٧).
    ٢) أدلَّة القائلين بجواز صوم يوم السبت مُطلَقًا: وقد استدلَّ هؤلاء على جواز صوم يوم السبت مُطلَقًا سواءٌ مُقترِنًا كان أو مُفرَدًا ومِنْ غير كراهةٍ بما يلي:
    ـ بأنَّ حديثَ الصمَّاء رضي الله عنها ضعيفٌ لا يصحُّ الاحتجاجُ به، وقد نَقَل أبو داود في «السنن» عن مالكٍ قولَه: «هذا [الحديث] كذبٌ»(٣٨)، وذَكَر الطحاويُّ أنَّ الزُّهريَّ أَنكرَه، ولم يَعُدَّه مِنْ حديثِ أهل العلم، وقال في صيام السبت: «لَا بَأْسَ بِهِ»(٣٩). وقال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وقد رُوِي عن السلف أنهم أَنكروه: فروى أبو داود عن ابنِ شهابٍ: أنه كان إذا ذُكِر له أنه نُهِي عن صيامِ يوم السبت؛ يقول ابنُ شهابٍ: «هذا حديثٌ حمصيٌّ»؛ وعن الأوزاعيِّ قال: «ما زِلْتُ له كاتمًا حتَّى رأيتُه انتشر» ـ يعني: حديثَ ابنِ بُسرٍ في صومِ يوم السبت ـ»(٤٠). وقد أُعِلَّ حديثُ الصمَّاء رضي الله عنها ـ أيضًا ـ مِنْ وجوهٍ وهي:
    الوجه الأوَّل:
    المعارضة: قال الحاكم: «وله مُعارِضٌ بإسنادٍ صحيحٍ»، ثمَّ روى حديثَ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثُونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ أَيِّ الأَيَّامِ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ لَهَا صِيَامًا؟ فَقَالَتْ: «يَوْمُ السَّبْتِ وَالأَحَدِ»، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهَا فَقَالُوا: «إِنَّا بَعَثْنَا إِلَيْكِ هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرَ أَنَّكِ قُلْتِ كَذَا وَكَذَا»، فَقَالَتْ: «صَدَقَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ: يَوْمُ السَّبْتِ وَالأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»»(٤١)، وروى الترمذيُّ مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ: السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالإِثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ: الثُّلَاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ»(٤٢).
    الوجه الثاني:
    الاضطراب: وقد أُعِلَّ الحديثُ ـ أيضًا ـ باضطرابٍ في سنده، فقِيلَ في روايةٍ: عن عبد الله بنِ بُسرٍ عن أُخته الصمَّاء، وقِيلَ: عن عبد الله بنِ بُسرٍ، وليس فيه: عن أُخته الصمَّاء، وقِيلَ: عن عبد الله بنِ بُسرٍ عن الصمَّاء عن عائشة، وقِيلَ: عنه عن أبيه بُسرٍ، وقِيلَ: عن عبد الله بنِ بُسرٍ عن أمِّه(٤٣).
    الوجه الثالث:
    الوهن: ووجهُ وهنِ الحديث يكمن في الاضطراب الحاصل في سنده، الذي يعكس قِلَّةَ الضبط، وهو الأمرُ الذي يُعَلُّ به الحديثُ، قال ابنُ حجر ـ رحمه الله ـ: «لكنَّ هذا التلوُّنَ في الحديثِ الواحد بالإسناد الواحد مع اتِّحاد المَخْرَج يُوهِنُ راوِيَه ويُنبِئُ بقلَّةِ ضبطِه، إلَّا أَنْ يكون مِنَ الحُفَّاظ المُكثِرين المعروفين بجمعِ طُرُقِ الحديث، فلا يكون ذلك دالًّا على قلَّةِ ضبطه، وليس الأمرُ هنا كذا، بل اختُلِفَ فيه ـ أيضًا ـ على الراوي عن عبد الله بنِ بُسرٍ ـ أيضًا ـ»(٤٤).
    الوجه الرابع:
    النسخ: وقد ادَّعى أبو داود ـ رحمه الله ـ أنَّ «هذا حديثٌ منسوخٌ»(٤٥) ولم يذكر الناسخَ له ولا وجهَ النسخ فيه، وقد بيَّن ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ صورةَ النسخ المُحتمَلة بقوله: «يمكن أَنْ يكون أخَذَه مِنْ كونه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُحِبُّ مُوافَقةَ أهلِ الكتاب في أوَّلِ الأمر، ثمَّ في آخِرِ أمرِه قال: «خالِفُوهم»؛ فالنهيُ عن صوم يوم السبت يُوافِقُ الحالةَ الأولى، وصيامُه إيَّاه يوافق الحالةَ الثانية، وهذه صورةُ النسخ»(٤٦)، ويرى ابنُ رشدٍ ـ رحمه الله ـ بأنَّ حديثَ جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارثِ رضي الله عنهما المتقدِّمَ(٤٧) هو مَنْ نَسَخ حديثَ الباب(٤٨). ـ وعلى فرضِ صحَّةِ حديثِ الصمَّاء رضي الله عنها يكون معناه: مخالفةَ أهل الكتاب كما جاء في «المسالك»(٤٩)؛ ذلك «لأنه يومُ عيدٍ لأهل الكتاب؛ فقصدُه بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له، فكُرِه ذلك كما كُرِه إفرادُ عاشوراءَ بالتعظيم لمَّا عظَّمه أهلُ الكتاب، وإفرادُ رجبٍ ـ أيضًا ـ لمَّا عظَّمه المشركون»(٥٠)، فهذا التعليلُ الأوَّلُ لكراهةِ صوم يوم السبت، ولابنِ عقيلٍ ـ رحمه الله ـ تعليلٌ آخَرُ وجهُه: «أنه يومٌ يُمسِك فيه اليهودُ ويخصُّونه بالإِمساك وهو تركُ العمل فيه، والصائمُ في مَظِنَّةِ ترك العمل فصار صومُه تشبُّهًا بهم»(٥١). ٣) أدلَّة المانعين مِنْ صوم السبت تطوُّعًا مُطلَقًا: استدلَّ هؤلاء بما يلي:
    ـ بحديثِ الباب: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ»(٥٢) فإنه يفيد المنعَ مِنْ صوم السبت في غير الفرض ـ مُفرَدًا أو مُضافًا ـ لأنَّ الاستثناء دليلُ التناول، فهو يقتضي أنَّ النهي عنه يتناول عمومَ صُوَرِ صومه باستثناء صورة الفرض كما ذَكَره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ ثمَّ قال: «ولو كان إنما يتناول صورةَ الإفراد لَقالَ: «لا تصوموا يومَ السبت إلَّا أَنْ تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» كما قال في الجمعة؛ فلما خصَّ الصورةَ المأذون في صومها بالفرضيَّة عُلِم تَناوُلُ النهيِ لِمَا قابَلَها»(٥٣). ـ وتفريعًا على ما تقدَّم، فإنَّ الجمع والتوفيق بين الأحاديث الصحيحةِ الأخرى التي تحمل صورةَ الإضافة والاقتران، والتي خرجَتْ بالأدلَّةِ المُنفصِلة مُعترَضٌ عليه مِنْ جهتين، وهو ما أفصحَ عنه الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «إنَّ هذا الجمعَ جيِّدٌ لولا أمران اثنان:
    الأوَّل: مخالَفتُه الصريحةُ للحديث على ما سَبَق نقلُه عن ابنِ القيِّم. والآخَرُ: أنَّ هناك مجالًا آخَرَ للتوفيق والجمع بينه وبين تلك الأحاديثِ إذا ما أرَدْنا أَنْ نلتزم القواعدَ العلميَّة المنصوصَ عليها في كُتُب الأصول ومنها: أوَّلًا: قولهم: «إذا تَعارَضَ حاظرٌ ومُبيحٌ قُدِّم الحاظرُ على المُبيح».
    ثانيًا: «إذا تَعارَضَ القولُ مع الفعل قُدِّم القولُ على الفعل». ومَنْ تَأمَّل في تلك الأحاديثِ المُخالِفةِ لهذا وَجَدها على نوعين:
    الأوَّل: مِنْ فعله صلَّى الله عليه وسلَّم وصيامِه. الآخَرُ: مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم كحديثِ ابنِ عمرٍو المتقدِّم. ومِنَ الظاهر البيِّنِ أنَّ كُلًّا منهما مُبيحٌ، وحينئذٍ فالجمعُ بينها وبين الحديث يقتضي تقديمَ الحديثِ على هذا النوعِ لأنه حاظرٌ وهي مُبيحةٌ، وكذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لجُوَيْرِيَةَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» وما في معناه مُبيحٌ ـ أيضًا ـ فيُقدَّمُ الحديثُ عليه»(٥٤). ج)
    مناقشة الأدلَّة السابقة:
    ● نُوقِشَتْ أدلَّةُ القائلين بجواز صوم يوم السبت مُقترِنًا وكراهةِ صيامه مُنفرِدًا مِنْ ناحيتين: الأولى: بأنَّ يوم السبت لم يصحَّ فيه حديثٌ حتَّى يُحتجَّ به على كراهةِ صومه مُنفرِدًا، وقد أُعِلَّ الحديثُ بجملةٍ مِنَ العلل منها: المُعارَضةُ والاضطرابُ وقِلَّةُ الضبط، فضلًا عن كونه منسوخًا، وهذا ممَّا يُوجِبُ تَرْكَ العملِ بالحديث لوهنِه. الأُخرى: أنه لو صحَّ الحديثُ لكان معناه: مُخالَفةَ أهلِ الكتاب ـ كما تقدَّم في التعليلين السابقين(٥٥) ـ؛ أمَّا الجمع والتوفيق بين الأحاديث الصحيحة بحملها على صورة الإضافة والاقتران، فإنه يُعكِّر على هذا الجمعِ مُخالَفتُه الصريحةُ على ما سَبَق نقلُه عن ابنِ القيِّم(٥٦)، هذا مِنْ جهةٍ؛ كما يمكن الجمعُ بينها ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ بقاعدة التعارض بين الحاظر والمُبيح، وقاعدةِ تعارضِ القول مع الفعل على ما يجري في القواعد الأصوليَّة التي تُوجِبُ تقديمَ الحاظر على المبيح، والقولِ على الفعل في حالة التعارض.
    ● ونُوقِشَتْ أدلَّةُ القائلين بجواز صوم يوم السبت مُطلَقًا بأنَّ حديث الصمَّاء رضي الله عنها صحيحٌ يُحتَجُّ به، فقَدْ صحَّحه الحاكمُ بقوله: «صحيحٌ على شرط البخاريِّ، ولم يُخرِجاه» وأَقرَّه الذهبيُّ، وصحَّحه ـ أيضًا ـ ابنُ خُزَيْمة وابنُ السَّكَن(٥٧) وغيرُهما، قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ»(٥٨). أمَّا وجوهُ إعلالِ الحديثِ المُتقدِّمةُ فغيرُ قادحةٍ ولا مُسلَّمةٍ لِمَا يلي:
    ١ ـ إعلال الحديث بمُعارَضةِ حديثِ كُرَيْبٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فجوابُه أنَّ المعارضة مُنتفِيَةٌ لإمكان الجمع والتوفيقِ بينهما، وذلك بحمله على أنه صام مع السبتِ يومَ الجمعة أو الأحَدِ دون أَنْ يخصَّ السبتَ بصيامٍ.
    ٢ ـ أمَّا الاضطراب في سنده فغيرُ قادحٍ ـ أيضًا ـ مِنْ عِدَّةِ وجوهٍ: ـ ما قِيلَ في روايةِ عبد الله بنِ بُسرٍ عن أخته الصمَّاء، وأنه مِنْ روايةٍ عن عبد الله بنِ بُسرٍ وليس فيه: عن أخته الصمَّاء، فهذه ليست بعلَّةٍ قادحةٍ لأنهما صحابيَّان، ومراسيلُ الصحابة مقبولةٌ عند الأكثرين مِنْ طوائف العلماء، وهو الذي عليه عملُ أئمَّة الحديث(٥٩). ـ أمَّا ما قِيلَ مِنْ أنه مِنْ روايةِ عبد الله بنِ بُسرٍ عن الصمَّاء عن عائشة، أو عنه عن أبيه بُسرٍ فقَدْ أجاب عنها ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ بقوله: «ويحتمل أَنْ يكون عند عبد الله: عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطةٍ، وهذه طريقةُ مَنْ صحَّحه، ورجَّح عبدُ الحقِّ الروايةَ الأولى، وتَبِع في ذلك الدارقطنيَّ»(٦٠)؛ قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في دراسته التخريجيَّة للحديث عَقِبَ إيرادهِ كلامَ ابنِ حجرٍ: «وما رجَّحه هذا الإمامُ [أي: عبدُ الحقِّ] هو الصوابُ ـ إِنْ شاء اللهُ تعالى ـ لِمَا ذَكَرْنا»(٦١).
    ٣ ـ وأمَّا قولُ ابنِ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «لكنَّ هذا التلوُّنَ في الحديثِ الواحد بالإسناد الواحد مع اتِّحاد المَخْرَج يُوهِنُ راوِيَه ويُنبِئُ بقِلَّةِ ضبطه ..» إلى آخِرِ كلامه المتقدِّم(٦٢) فقَدْ ناقَشَهُ الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ مِنْ وجوهٍ ثلاثةٍ أَبطلَ فيها إعلالَ الحديثِ بالاضطراب، وأفصحَ أنَّ للحديث عن عبد الله بنِ بُسرٍ رضي الله عنهما ثلاثةَ طُرُقٍ صحيحةٍ، وبيَّنها أَتمَّ بيانٍ بما لا يَدَعُ مجالًا للشكِّ في صحَّة الحديث(٦٣).
    ٤ ـ وأمَّا دعوى أنَّ الحديث منسوخٌ فإنَّ النسخ على خلاف الأصل أوَّلًا، ولا يتبيَّن وجهُ النسخ فيه ثانيًا، وما ذَكَره ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ مِنْ صورة النسخ المُحتمَلة بقوله: «يمكن أَنْ يكون أخَذَه مِنْ كونه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُحِبُّ مُوافَقةَ أهلِ الكتاب في أوَّل الأمر، ثمَّ في آخِرِ أمرِه قال: «خالِفُوهم» فالنهيُ عن صومِ يوم السبت يُوافِقُ الحالةَ الأولى، وصيامُه إيَّاهُ يُوافِقُ الحالةَ الثانية»(٦٤)، وكذا قولُ ابنِ رشدٍ ـ رحمه الله ـ: إنَّ حديثَ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها السابقَ هو مَنْ نَسَخ حديثَ الباب(٦٥)
    ثالثًا، فإنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يصلح أَنْ يكون ناسخًا لحديث الباب؛ إذ مِنْ شرط النسخِ الاحتماليِّ: التعارضُ مِنْ جهةٍ، وتعذُّرُ الجمع والتوفيقِ بينهما مِنْ جهةٍ أخرى، والجمعُ والتوفيق بينهما مُيسَّرٌ، وذلك بحمل الأحاديث الصحيحة على أنه صام مع السبت يومًا قبله أو بعده دون أَنْ يخصَّ السبتَ بصيامٍ. وعلى هذه الصورةِ التوفيقيَّة يُحمَلُ حديثُ الباب، وتنتفي بذلك دعوى النسخ وتَبْطُلُ. ٥ ـ وأمَّا ما ذَكَره ابنُ شهابٍ ـ تضعيفًا لحديثِ الصمَّاء ـ بقوله: «هذا حديثٌ حمصيٌّ»، كذا ما نَقَله أبو داود مِنْ قولِ مالكٍ: إنه حديثٌ كذبٌ ـ كما تقدَّم(٦٦) ـ فإنه لا يُلتفَتُ إلى مثلِ هذا الطعنِ والتضعيف؛ لمجيءِ الحديث صحيحًا مِنْ طُرُقٍ ثلاثٍ؛ ولهذا قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وهذا القول لا يُقبَلُ؛ فقَدْ صحَّحه الأئمَّةُ»(٦٧)، وهو ما نَقَله ابنُ المُلقِّن(٦٨) عن النوويِّ بعد ذِكر قولِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ(٦٩).
    ● وأمَّا التعليل الأوَّل ـ وهو القولُ بكراهةِ صوم يوم السبت بمُخالَفةِ أهل الكتاب لأنه عيدُهم: يُعظِّمونه، فقصدُه بالصوم دون غيره يُعَدُّ تعظيمًا ـ فإنه ينتقض مِنْ ثلاثِ جهاتٍ: الأولى: أنَّ هذا التعليلَ مُعارَضٌ بيوم الأحد، فإنه ـ أيضًا ـ يومُ عيدٍ للنصارى يُعظِّمونه، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْيَوْمَ [أي: الجُمُعة] لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى»(٧٠)، ومع ذلك لم يمنع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن صيام الأحد مُطلَقًا لا مُفْرَدًا ولا مُقترِنًا. الثانية: أنَّ أهل الكتاب إنما يُعظِّمون يومَ عيدهم بالفطر لا بالصوم؛ فلذلك كان الأوفقُ مُخالَفتَهم فيه بالصوم لا بالعكس، ويُؤكِّد ذلك ما تقدَّم مِنْ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»»(٧١)، فإنَّ هذا الحديثَ نصٌّ ظاهرٌ في استحبابِ مُخالَفتِهم بصومِ يومَيْ عيدِ أهل الكتاب، والإفطارُ لا يُناسِبُهما. الثالثة: إذا سُلِّمَ ـ جدلًا ـ صحَّةُ تعليلِ الحكم بمُوافَقةِ أهل الكتاب بتعظيمه، فإنَّ صورةَ التعظيمِ إنما تكون بإفرادِ يوم السبت بالصيام على وجه التقصُّد والتخصيص، أمَّا إذا صامَهُ مع غيره ـ قبله أو بعده ـ أو صامَهُ مُوافَقةً لعادةٍ مُرغَّبٍ الصيامُ فيها فإنه ـ والحالُ هذه ـ ينتفي معها ذلك التعظيمُ.
    ● وأمَّا التعليل الثاني المتمثِّلُ في أنَّ السبت يومٌ تُمسِكُ فيه اليهودُ ويخصُّونه بترك العملِ فيه، والصائمُ في مَظِنَّةِ تركِ العمل فجوابُه مِنْ جهتين ـ أيضًا ـ: الأولى: أنها عِلَّةٌ مُعارِضةٌ لنصِّ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها السابق، فإنَّ فيه إشارةً ظاهرةً إلى أنَّ عيدهم يُعظِّمونه بالفطر لا بالإمساك. الأُخرى: أنها عِلَّةٌ مُنتفِيَةٌ في الأحد الذي هو يومُ عيد النصارى، فلم يأمر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بترك العمل فيه، فلو كانت العلَّةُ صحيحةً لَلَزِم تعميمُ الحكم على السبت والأحَدِ لعموم العلَّة، فلذلك لا يصلح التعليلُ بها(٧٢).
    ● نُوقِشَتْ أدلَّةُ المانعين مِنْ صيام السبت تطوُّعًا مُطلَقًا ـ مِنْ أنَّ حديثَ الباب يُفيدُ هذا المعنى، وأنَّ الاستثناء دليلُ التناول إلى آخِرِه ـ بما ذَكَره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ، فقَدْ أجاب عنه هو بنفسه بقوله: «وأمَّا قولكم: «إنَّ الاستثناءَ دليلُ التناول» إلى آخِرِه؛ فلا ريبَ أنَّ الاستثناء أَخرجَ صورةَ الفرض مِنْ عموم النهي؛ فصورةُ الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرِجَتْ بالدليل الذي تقدَّم، فكِلَا الصورتين مُخرَجٌ: أمَّا الفرضُ فبالمُخرِج المُتَّصِل، وأمَّا صومُه مُضافًا فبالمُخرِج المُنفصِل؛ فبقِيَتْ صورةُ الإفراد، واللفظُ مُتناوِلٌ لها، ولا مُخرِجَ لها مِنْ عمومه؛ فيَتعيَّنُ حملُه عليها»(٧٣). وقال رحمه الله ـ أيضًا ـ في موضعٍ آخَرَ: «وقال جماعةٌ مِنْ أهل العلم: لا تعارُضَ بينه وبين حديثِ أمِّ سَلَمة، فإنَّ النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك تَرجمَ أبو داود فقال: «باب النهي أَنْ يُخَصَّ يومُ السبت بالصوم»، وحديثُ صيامِه إنما هو مع يوم الأحد، قالوا: ونظيرُ هذا أنه «نهى عن إفرادِ يومِ الجمعة بالصوم، إلَّا أَنْ يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده»، وبهذا يزول الإشكالُ الذي ظنَّه مَنْ قال: إنَّ صومه نوعُ تعظيمٍ له، فهو مُوافَقةٌ لأهل الكتاب في تعظيمه، وإِنْ تَضمَّن مُخالَفتَهم في صومه، فإنَّ التعظيمَ إنما يكون إذا أُفرِدَ بالصوم، ولا ريبَ أنَّ الحديثَ لم يَجِئْ بإفراده، وأمَّا إذا صامَهُ مع غيره لم يكن فيه تعظيمٌ»(٧٤). أمَّا ما قرَّره الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ سابقًا فجوابُه مِنْ ناحيتين: الناحية الأولى: أنَّ إبطاله الجمعَ بين الأحاديث الصحيحةِ المتقدِّمة لمُخالَفتِها الصريحةِ لحديثِ الباب في النهي عن صيامِ يومِ السبت، بناءً على أنَّ الاستثناءَ دليلُ التناول، وهو يقتضي أنَّ النهي عنه يتناول كُلَّ صُوَرِ صومِه إلَّا الفرضَ، فإنَّ هذا التقريرَ غيرُ مسلَّمٍ مِنْ زاويتين:
    الزاوية الأولى: أنَّ عموم النهي إذا كان يتناول كُلَّ صُوَرِ صومِه باستثناء الفرض فإنَّ هذا العمومَ يبقى حجَّةً يتناول جميعَ جزئيَّاته ما لم يَرِدْ دليلٌ يخصِّصه على ما تُمليهِ القواعدُ الأصوليَّة، وقد ورَدَتِ الأدلَّةُ مِنَ الأحاديثِ المُنفصِلةِ تدلُّ على عدمِ إرادةِ عمومه، فوَجَب المَصيرُ إلى العمل بدليل التخصيص؛ جمعًا بين الأدلَّة وتوفيقًا بين النصوص، وهو أَوْلى مِنَ الترجيح، لأنَّ في الجمع إعمالًا لكُلِّ الأدلَّة، و«الإِعْمَالُ أَوْلَى مِنَ الإِهْمَالِ».
    الزاوية الأُخرى: أنَّ قَصْرَ المستثنى مِنْ عموم النهي على بعضِ أفراده بالدليل المتَّصِل الاستثنائيِّ إنما هو تخصيصٌ بأسلوبٍ حصريٍّ في جوازِ صومه في الفرض إثباتًا بالمنطوق دون التطوُّع مُطلَقًا؛ والمعلومُ أنَّ مِثلَ هذا الحكمِ العامِّ يتقيَّد بما إذا لم يَرِدْ دليلٌ يصرفه عن هذا المعنى؛ إذ الجاري في القواعد أنَّ الاستدلالَ بمفهوم الحصرِ مُقيَّدةٌ حجِّيَّتُه بما إذا لم يَرِدْ ـ مِنْ منطوق الأحاديث ـ ما يوسِّع دائرةَ الحصر، تقديمًا للمنطوق على المفهوم، بناءً على ما تَقرَّر في القواعد الترجيحيَّة(٧٥). الناحية الثانية: وهي قولُ الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ: «إنَّ هناك مجالًا آخَرَ للتوفيق والجمعِ بينه وبين تلك الأحاديثِ إذا ما أرَدْنا أَنْ نَلتزِمَ القواعدَ العلميَّة المنصوصَ عليها في كُتُب الأصول»، ثمَّ ذَكَر الجمعَ المتمثِّلَ في تقديم الحاظر على المبيح والقولِ على الفعل؛ ولا يخفى أنَّ هذا التقديمَ الذي سَلَكه ليس بطريق الجمع والتوفيقِ بين النصوصِ الحديثيَّة، وإنما هو بيانٌ للقوَّة الزائدة في أحَدِ الدليلين المُتعارِضَيْن ليُعْمَل به، وهذا البيان بالتقوية وتقديمِ أحَدِ الدليلين إنما هو طريق الترجيح، لِمَا في أحَدِ الدليلين مِنْ مزيَّةٍ مُعتبَرةٍ تجعل العملَ به أَوْلى مِنَ الآخَر؛ والمعلومُ ـ أصوليًّا ـ في طُرُقِ دفع التعارض ـ عند الجمهور ـ تقديمُ الجمع على الترجيح؛ لأنَّ الشارع نصَبَ أدلَّةَ الأحكام قَصْدَ إعمالها، والجمعُ والتوفيق بين الأدلَّة المُتعارِضة بإعمال الدليلين خيرٌ مِنْ إسقاطِ أحَدِ الدليلين والعملِ بالآخَر، وهو أفضلُ ما ينزِّهها عن النقص، بخلاف الترجيح فهو إعمالٌ للراجح وإهدارٌ للمرجوح، سواءٌ في صورةِ تقديم الحاظر وإهدارِ المُبيح، أو تقديمِ القول وإهمالِ الفعل؛ فكان المصيرُ إلى الجمع والتوفيقِ بينه وبين النصوص الحديثيَّة المتقدِّمةِ المُعترَضِ بها عليه أَوْلى تقديمًا مِنْ جمعٍ: صورتُه ـ في الحقيقة ـ ترجيحيةٌ؛ لأنَّ «الاسْمَ لَا يُغْنِي عَنِ المُسَمَّى»، و«الإِعْمَالَ أَوْلَى مِنَ الإِهْدَارِ وَالإِهْمَالِ». د) سبب الخلاف: يرجع سببُ الخلاف بين العلماء في هذه المسألةِ إلى: ـ الاختلاف في الحكم على حديث الصمَّاء رضي الله عنها تصحيحًا وتضعيفًا. ـ الاختلاف في ثبوت النسخ مع اختلاف القائلين به في الناسخ. ـ الاختلاف في صورة التوفيق ـ عند القائلين بصحَّة الحديث ـ بين حديث الصمَّاء والأحاديثِ الصحيحة الأخرى، فهل يحمل المبدأُ التوفيقيُّ على الجمع ـ كما هو عند الجمهور ـ أم يُقدَّمُ الترجيحُ عليه ـ كما هو مذهبُ الحنفيَّة(٧٦) ـ؟ ـ فمَنْ صحَّح حديثَ الصمَّاء رضي الله عنها، ونَفَى عنه الإعلالَ في سنده، وردَّ دعوى النسخِ وجَزَم بعدمِ ثبوتها، واحتجَّ بحديثِ الصمَّاء، ودَفَع التعارضَ مع الأحاديث الأخرى بالجمع والتوفيق بينها؛ قال بجوازِ صوم يوم السبت مُقترِنًا أو مُوافِقًا لعادةٍ، وكراهةِ صومه مُنفرِدًا تطوُّعًا. ـ ومَنْ صحَّح حديثَ الصمَّاء رضي الله عنها، وأَثبتَ خُلُوَّه مِنَ القدح والإعلالِ والنسخ، ورأى أنَّ النهيَ في الحديث تَناوَل عمومَ صومِه باستثناءِ صورة الفرض، وعَمِل على دفع التعارض بين حديث الباب والأحاديثِ الصحيحة الأخرى، بتقريرِ مبدإ الترجيح المُتمثِّل في تقديم القول على الفعل، والحاظرِ على المُبيح؛ مَنَع جوازَ صومِ يوم السبت تطوُّعًا مُطلَقًا. ـ ومَنْ ضعَّف حديثَ الصمَّاء رضي الله عنها، ورأى عدمَ صلاحِيَتِه للاحتجاج لكونه مُعَلًّا بالمعارضة والاضطرابِ والوهن؛ استصحب حُكمَ الجواز، كما رأى ـ على فرضِ التسليم بصحَّتِه ـ أنه منسوخٌ، مع اختلافهم في الناسخ: أهو حديثُ أمِّ سلمة رضي الله عنها أم حديثُ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها؟ قال بجواز صوم يوم السبت تطوُّعًا مُطلَقًا مِنْ غير كراهةٍ. ﻫ)
    الترجيح: وفي تقديري: أنَّ مذهب الجمهور أَصحُّ قولًا وأقوى دليلًا؛ لصحَّةِ حديث الصمَّاء رضي الله عنها؛ وما ذُكِر مِنْ إعلالٍ وقدحٍ في سندِ حديثها وكذا النسخِ فلا يقوى على النهوض، ولانتفاءِ المُعارِض لإمكان الجمع بينها والتوفيقِ لا بالترجيح؛ إذ «إِعْمَالُ الأَدِلَّةِ جَمِيعًا أَوْلَى مِنَ العَمَلِ بِبَعْضِهَا وَإِهْمَالِ بَعْضِهَا الآخَرِ». غير أنَّ النهي يُحمَلُ على التحريم لا على الكراهة ـ على الصحيح ـ كما تقدَّم بيانُه في إفرادِ صوم الجمعة. فالحاصل إذن: أنَّ صورة الفرض خرجَتْ بالمُخصِّص المُتَّصِل المتمثِّل في حديث الصمَّاء رضي الله عنها المُوافِق للأصل في التسوية بين السبت وسائرِ الأيَّام في الحكم، أمَّا صورة الإضافة والاقتران تطوُّعًا بالجمعة أو الأحد فخرجَتْ بالأدلَّة المُنفصِلة التي خصَّصَتْ عمومَ النهي في حديث الصمَّاء رضي الله عنها المتقدِّم، ما لم يكن اليومُ الذي يلي صيامَه هو يومَ العيد فيُمنَعُ صومُ العيد بدليل الإجماع. كما يجوز صومُ السبت مُنفرِدًا إذا وافق عادةً بدون كراهةٍ، ولم يَبْقَ مِنْ حديثِ الصمَّاء رضي الله عنها سوى صورةٍ واحدةٍ، وهي إفرادُ السبت بالصوم لمَنْ لا عادةَ له بالصيام، ويخرج مِنَ النهي بإضافةِ يومٍ إِنْ لم يكن قبله فبَعده ـ على ما تقدَّم بيانُه ـ ذلك لأنَّ المُعتمَد ـ أصوليًّا ـ جوازُ تخصيصِ عموم النصِّ بالمخصِّص المُتَّصِل والمُنفصِل، وهذه المخصِّصاتُ للعموم هي مِنَ الجمع والتوفيق بين النصوص التي ظاهرُها التعارضُ، وإعمالُ الجمعِ أَوْلى مِنَ النسخ الاحتماليِّ والترجيح ـ كما هي طريقة الجمهور ـ ويبقى العمومُ حجَّةً بعد التخصيص في صورةٍ واحدةٍ، وهي لمَنْ لا عادةَ له بصيام اليوم المُرغَّب في صومه؛ عملًا بجواز تخصيص العموم إلى أَنْ يبقى فردٌ واحدٌ على أصحِّ أقوال الأصوليِّين. والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. http://ferkous.com/home/?q=ahkam-22
    التعديل الأخير تم بواسطة أم صهيب السلفية; الساعة 2020-09-07, 11:34 AM.

  • #2
    بارك الله فيك

    تعليق


    • #3
      وفيك بارك الله خالة

      تعليق

      الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
      يعمل...
      X