إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

إلى كلِّ مَن يَسعى لتَحقيقِ أمنِ البلادِ واستِقرارِها والبحثِ عن حُلولٍ جِذرِيَّةٍ للمشَاكِل الأمنيَّة: الدَّعوةُ السلفيةُ هيَ الحَل (الحلقة الخامسة )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إلى كلِّ مَن يَسعى لتَحقيقِ أمنِ البلادِ واستِقرارِها والبحثِ عن حُلولٍ جِذرِيَّةٍ للمشَاكِل الأمنيَّة: الدَّعوةُ السلفيةُ هيَ الحَل (الحلقة الخامسة )

    * فصل *
    جهود مشايخ السَّلفية في استتباب الأمن و الاستقرار، و درء الفتن والثورات و الحيلولة دون حدوثها.
    تكلَّمتُ في الحلقة السابقة عن جهود مشايخ السَّلفية في علاج المرحلة الثالثة من مراحل الفكر التكفيري الخارجي المتطرِّف، التي تُعتبر آخر مراحل هذه الفكر و نتيجته الحتمية التي يوصل إليها .
    و هي: مرحلة الخروج، و ما يتبعه من القتل و التدمير و التخريب، و سفك الدماء، و استباحة الأعراض، و نهب الممتلكات و غير ذلك من المفاسد .
    و جعلتُ كلامي مُلخَّصًا في ستِّ نِقاط ، ذكرتُ بعضها و بقي منها ثلاثًا، و هي كالآتي:
    النقطة الرابعة: تصحيح المفاهيم الخاطئة حول موضوع الجهاد .
    النقطة الخامسة: التشديد على حرمة دماء المسلمين.
    النقطة السادسة: التَّذكير بقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    و أبدأ بمعونة الله تعالى و توفيقه- بـ :
    النُّقطةِ الرَّابِعَة
    تَصحيحُ المفَاهِيم الخاطِئَة حَولَ مَوضُوع الجِهَاد
    و جهود مشايخ السلفية في هذا الباب هي حلقةٌ من سلسلة جهودهم في معالجة المرحلة الثالثة من مراحل الفكر الثوري الخارجي، و تكمن أهمية هذا الجهد الطيب، و العمل المُبارك، في تجلية الفرق بين الجهاد الشرعي، و بين قتال الخوارج، و ثورات التكفيريين و من على شاكلتهم؛ و في ذلك يقول شيخنا محمد علي فركوس حفظه الله-: « وقد ينقلب الجهاد الشرعيُّ إلى قتالٍ غير شرعيٍّ إذا ما انتفت المعاني النبيلة للجهاد في سبيل الله، وتغيَّرت المقاصد والدوافع »[ " مجالس تذكيرية "(ص330)] .
    فالخوارج و من على شاكلتهم من الثوريين-، قد تلاعبوا بمصطلح الجهاد، و أصبغوا به ثوراتهم ضدَّ الحكام، و ألبسوها ثوب الجهاد الشرعي، لتغرير الشباب واستقطاب أكبر قدر ممكن من المخدوعين و المغفَّلين منهم، كما حصل هذا في سنوات العشرية السوداء في الجزائر، الأمر الذي كان له تأثيره المباشر على الشباب، ظهر ذلك- في تعاطف الكثير منهم معهم، و التحاق البعض الآخر بصفوفهم، لولا أنَّ الله تعالى سلَّم-من سلَّم منهم- بفتاوى علماء السلفية التي أظهرت زيف ذاك الجهاد، و بعده عن حقيقة الجهاد الشرعي، و قد سبق نقل شهادة بعض من كفُّوا عن القتال، و تركوا السلاح، و نزلوا من الجبال، بسبب وقوفهم على فتاوى علماء السلفية، التي أطبقت على أنه لا جهاد في الجزائر، إنما هي ثورة خوارج، و قتالٌ عبثيٌّ لا يمتُّ للإسلام بِصِلَة! و من أُناس بلغوا الغاية في الجهل، و قد يكون البعض منهم دسيسة على الإسلام، كما صرَّح بذلك العلامة السلفي محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، و غفر له، و ذلك في ضمن جواب له على عدد من الأسئلة، كما جاء في جريدة (الخبر الأسبوعي) [عدد 16 ـ 23 إلى 29 جوان 1999م، تحت عنوان " شيوخ السلفية في مواجهة « الجيا» "- منقول- ]، قال رحمه الله: « فإذا أراد هؤلاء الخارجون أن يخرجوا على بعض الحكام المسلمين فلْيخرجوا على الكفار المشركين، ولكنَّهم يريدون أن يَبُثُّوا الفتنَ بين المسلمين.
    ولذلك فأنا في الحقيقة في شكٍّ كبير من أمرين اثنين:
    ـ من إسلام هؤلاء حقيقة، أي: أخشى أن يكونوا من أعداء الإسلام تلبَّسوا بثياب المسلمين، وإن كانت الأخرى، وهي أنَّهم مسلمون فعلاً، ولكنَّهم جهلة في منتهى الجهالة .
    إذن؛ الخروجُ اليوم لا يجوز إطلاقاً، لذلك نحن نرى هؤلاء الخارجين أو الدَّاعين إلى الخروج، هم: إمَّا أنَّهم مدسوسون على الإسلام، أو أنَّهم مسلمون، لكنَّهم في منتهى الجهل بالإسلام الذي أنزله الله على قلب محمدٍ عليه الصلاة والسلام ».
    فالحاصل؛ أنَّ ثمة فرقٌ كبيرٌ، و بونٌ شاسعٌ بين الجهاد الشرعي، الذي هو « ذِروة سَنَامِ الإِسلَام » كما في الحديث الصحيح عن معاذ رضي الله عنه[ " صحيح الجامع "(5136)] ، و بين الجهاد البدعي، الذي هو عبارة عن ثورات خارجية، و فتنٌ هوجاء، قائمة على الجهل .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله في " الرد على الأخنائي "(ص215): « والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي، بجهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنُّون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، كجهاد أهل البدع والأهواء، كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام.. .»انتهى .
    و في بيان شيء من الفوارق الأساسية التي ترمي إلى تصحيح مفهوم الجهاد، و قطع السبيل على من يريد إصباغ الثورات العبثية به -، يقول شيخنا العلامة محمد علي فركوس حفظه الله في رسالته القيِّمة " شرف الانتساب إلى مذهب السلف وجوانب الافتراق مع ما يُسمَّى بالسلفية الجهادية والحزبية":
    « من حيث مفهوم الجهاد:
    أمَّا من حيث مفهوم الجهاد و شروطه- بغضِّ النظر عن نبل المقصد الجهاديِّ- إذ هو ذروة سنام الإسلام و أفضل فرائضه بعد الأركان الخمسة، فإنَّ الجهاد - بمفهومه الواسع عند أتباع السلف ينضبط بشرطٍ منها: أن يكون من حيث مبدأُه- مشروعًا و موكولًا إلى الإمام العامِّ و اجتهاده، و تلزم الرعيَّة طاعتُه فيما يراه من ذلك[ أحال الشيخ هنا إلى كتاب " المغني"]، فضلًا عن إعداد العُدَّة المادِّيَّة و شرعية الراية، و نحو ذلك ممَّا ينضبط به الجهادُ في سبيل الله، و المسائل الأُخرى المتعلِّقة به .
    غير أنَّ المنطلقاتِ الجهاديةَ عند أصحاب السلفية الجهادية المخالفة للمنهج السلفيِّ الحقِّ تكمن في تأسيس حركتهم على مبدإ عدم العذر بالجهل في المسائل العقدية، و في طليعة ذلك الحكم بغير ما أنزل الله، بعيدًا عن الضوابط و المقاصد المرعيَّة .
    الأمر الذي انجرَّ عنه تكفير الحكَّام المسلمين لعدم تحكيمهم لشريعة الله تعالى، ثم سرى التكفيرُ تبعًا لهم- على سائر الرعيَّة، و من خلال تلك المنطلقات صارت دار الإسلام عندهم- دار حربٍ و جهادٍ، و بغضِّ النظر عن صحة ماهيَّة دار الكفر و دار الإسلام، و صفتها فقد أخذ مفهومُ «الجهاد» عند السلفية الجهادية طابعًا حركيًّا تشكَّل في فِرَقٍ ثوريةٍ قائمةٍ على نزع اليد من طاعة أولي الأمر وكلِّ أعوانهم والخروج عليهم قولًا وعملًا بالثورة عليهم وما يعقبها مِن إحداث الفوضى الاجتماعية والاضطرابات الأمنية لزعزعة كيان الدولة المسلمة.
    فظهر جهادُهم الثوريُّ في غير المسلك السلفيِّ الصحيح الذي يريدون الانتماءَ إليه ظلمًا وكذبًا وزورًا بترويع الآمنين والمعاهدين والمستأمنين وسفك دمائهم بالعمليات الانتحارية والتفجيرية والاغتيالات وإتلاف المنشآت وتخريب الممتلكات، وهذا ما تأباه السلفية في عدلها واعتدالها بين المناهج الأخرى وتنكر قُبْحَه، وبذلك يتحوَّل المجاهدون إلى ثوَّارٍ في مبارزة الحاكم ومنازعته الحكمَ، متَّخذين اصطلاحَ السلفية دِرْعًا وتُرْسًا للتعمية والمغالطة ». [ " مجالس تذكيرية "(ص 298- 300)] .
    و انطلاقًا من هذه الحقائق؛ صرَّح الشيخ فركوس حفظه الله بأنه: « لا شرعيَّةَ للفِرَقِ الجهاديَّةِ المُعاصِرةِ القائمةِ على الخروجِ على الحاكم المسلم، والثائرةِ عليه بالحديد والنار، كما لا شرعيَّةَ لهم في مُقاتَلةِ الكُفَّار إلَّا بإذنِ الإمام العامِّ القائم بالجهاد، أو تحت إمارته أو إشرافه، أو تحت إمارةِ مَنْ عيَّنهم لأمرِ الجهاد، ويَلْزَمُ الرعيَّةَ طاعتُه فيما يراهُ مِنْ ذلك »[ " التلازم الحقيقي بين الطائفة المنصورة و عملها الجهادي"، ضمن " مجالس تذكيرية "(ص320)] .
    النُّقطَةُ الخَامِسَةُ:
    التَّشديدُ عَلىَ حُرمَةِ دِمَاءِ المسلِمِين
    و تُعتبر هذه النقطة- من النِّقاط المهمَّة التي يتجلَّى من خلالها دور مشايخ السلفية العظيم- في القضاء على الفتن، و التخفيف من حدَّتها بعد حدوثها، و الإسهام في مُعالجتها بعد وقوعها، و قد أوضحتُ -سابقًا- بأنَّ مرحلة « التكفير» هي المرحلة الأساس التي يتولَّد منها الخروج و القتل والتدمير، و ذلك أنَّ اعتقاد كفر الحاكم، معناه انتفاء الحرمة عن دمه، و هو ذريعة الخروج عليه، و غطاء الخارجين الذي يُبرِّرون به لثوراتهم ضد الأنظمة، و قتالهم للحكام، و لهذا كان أوَّل ما ذكَّر به علماءُ السَّلفية الجماعات المسلحة في خطاباتهم التي وجَّهوها إليهم، أو في مكالماتهم الهاتفية معهم: حرمة دماء المسلمين، كما تراه في خطاب العلامة العثيمين رحمه الله لما يُسمى « بالجماعة السلفية للدعوة و القتال » حيث و بعد أن طلب منه السائل أن يُجيبَه على بعض الأسئلة و الاشكالات، قاطعه الشيخ قائلًا: دعني أتكلم قليلًا: ثم قال:
    الحمد لله رب العالمين، و أصلي و أسلم على نبينا محمد و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد: فإنني من عنيزة القصيم المملكة العربية السعودية- و في أول يوم من رمضان عام عشرين و أربعمائة و ألف، أتحدَّث إلى إخواني في الجزائر، و أنا مُحبُّهم: محمد بن صالح آل عثيمين.
    أقول لهم: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرَّر في حجَّة الوداع تحريم دمائنا و أموالنا و أعراضنا، تقريرًا واضحًا جليَّا بعد أن سأل أصحابه عن هذا اليوم، و الشهر، و البلد، و قال: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ »[ متفق عليه]، فهذا أمرٌ مُجمعٌ عليه، لا يختلف فيه اثنان »انتهى .
    و بعد الشروع في الأسئلة، -و كان طرحها على الشيخ في اتصالين هاتِفيَّين- قال السائل: أنا أُركِّز على أهم ما يُمكن أن يُؤثِّر على الإخوة عندنا يعني- المقاتلين حتى يرجعوا إلى الصواب .
    فقال الشيخ ابن عثيمين: طيب، فتوكل على الله .
    فقال السائل: إن شاء الله أهم قضية يا شيخ- ادعاؤهم أنكم لا تعلمون واقعنا في الجزائر، و أن العلماء لا يعرفون الواقع في الجزائر، و أنكم لو عرفتم أننا سلفيين، أنَّ هذا سيُغيِّر فتواكم، فهل هذا صحيح؟
    فقال الشيخ: هذا غير صحيح، و قد أجبنا عنه بالأمس، و قلنا مهما كانت المبالغات فإراقة الدماء صعب، فالواجب الكف الآن و الدخول في السِّلم ».
    و الشاهد من هذا النَّقل؛ هو تركيز العلامة العثيمين رحمه الله- على حرمة دماء المسلمين، و إلفات نظر الجماعة المسلحة إلى هذا الأمر المُجمع عليه، و إلزامهم - انطلاقًا منه - بالكف عن القتال، و الدخول في السِّلم .
    و قريبًا منه؛ كلام العلامة الألباني في ضمن جوابه على الأسئلة-المُشار إليها سابقًا و التي نشرتها جريدة (الخبر الأسبوعي)، حيث قال - رحمه الله-: « نصيحتنا نحن دائمًا تتوجه إلى عامة المسلمين فضلًا عن هؤلاء-يعني الجماعات المسلحة- .
    أوَّلًا: أن يرتدعوا عن سفك دماء المسلمين، و تكفير المسلمين »انتهى .
    و في هذا المعنى يقول شيخنا العلامة محمد علي فركوس حفظه الله- كما في رسالته " حكم التفجيرات و مخلفاتها السَّيِّئة ":
    « ولا يخفى أنَّ شريعةَ الإسلامِ تأمرُ بالمحافظةِ على الضَّروريَّاتِ الخمسِ، ودماءُ المسلمين وأموالُهم وأعراضُهم محرَّمةٌ لا يجوز الاعتداءُ عليها بنصِّ قولِه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[النساء: ٩٣]، وقولِه تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا[المائدة: ٣٢]، وقولِه صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»[ أخرجه مسلم (٦٧٠٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] ، وقولِه صلّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»[ " متفق عليه"]، وقولِه صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»[صححه الألبانيّ في «صحيح الجامع»: (٥٠٧٧)] ، وعن عبدِ اللهِ بْنِ عمرٍو رضي الله عنهما قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: « مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله حُرْمَةً مِنْكِ، مَالُهُ وَدَمُهُ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلاَّ خَيْرًا»[ حسنه الألباني في «السِّلسلة الصحيحة» برقم: (١٢٥٠)] .
    وعليه، فإنَّ اتِّخاذَ وسيلةِ التَّفجيرِ والتَّدميرِ والتَّخريبِ والاغتيالِ والانتحارِ يهدم هذا الأصلَ المقاصديَّ، ويخالفُ نصوصَ الشَّرعِ الآمرةَ بوجوبِ المحافظةِ عليه » [ " مجالس تذكيرية "(ص371-362)] .
    النُّقطَةُ السَّادِسَة
    التَّذكِيرُ بِقَوَاعِد الأَمرِ بِالمعرُوفِ وَ النَّهيِ عَنِ المنكَر
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أصول الإسلام الكبار، و واجبٌ من واجبات الدِّين العظام، و هو أحد ميزات هذه الأمة التي امتازت بها عن سائر الأمم، و فُضِّلت بها عليهم، قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِالله } [ آل عمران : 110 ] .
    بيد أنَّ الخوارج قد حرَّفوا هذا الأصل، و انحرفوا في فهمه، و غلوا في تطبيقه و أساءوا في ذلك أيَّما إساءة؛ حيث أهملوا قيوده، و لم ينضبطوا بضوابطه، و لم يتقيَّدوا بشروطه، و اتَّخذوا منه ذريعة لخلع الحكام، و الخروج عليهم و منابذتهم بالسيف و السلاح، و جعلوا منه مُبرِّرًا لثوراتهم المشئومة على الأنظمة!
    قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في " إغاثة اللهفان "(2/81): « وأَخرَجتِ الخوارجُ قِتالَ الأئمة، والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر »انتهى .
    و مثلهم فعَلَ المعتزلة، إذ هم على دربهم في هذا الباب- يسيرون، و في فلكهم يسبحون .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في " مجموع الفتاوى "(13/386): « أصول المعتزلة خمسة، يسمونها التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. .
    و الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف »انتهى .
    و ها هو أحد رؤوس الخوارج في هذا العصر، -و هو المسمى أيمن الظواهري- يُقرِّر هذا المعنى و يُؤكِّده، و ذلك في كتابه " اللقاء المفتوح "(ص37)، حيث قال
    : « طالبتُ جميع الناس، و ليس الشباب فقط في كلِّ حيٍّ و شارع، و قرية و مسجد، و جامعة و معهد، و نقابة و اتِّحاد و مصنع، بالتصدي لظلم و فساد الشرطة بكافة الوسائل؛ قيامًا بفريضة الأمر بالمعروف و النَّهيِ عن المنكر »[ انظر كتاب " القصة الكاملة لخوارج العصر "(ص 350)] .
    فالخوارج الثوريون يخرجون على الحكام، و يسعون في خلعهم، باسم النهي عن المنكر، و يفتعلون الفتن و الثورات تحت شعار: النهي عن المنكر! و هو منهم- شعارٌ أجوف مُفرَّغٌ من كلِّ الضوابط و الشروط التي لا يستقيم هذا الباب إلا بها؛ فلذلك تولَّد عنه من الفتن، في القديم و الحديث، ما لا يعلمه إلا الله .
    قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين " (3/14-16): « إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله.
    وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم ؟ فقال:« لا ما أقاموا الصلاة »[ أخرجه مسلم (1855)].
    وقال: « من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينـزعن يدًا من طاعته »[متفق عليه] .
    ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولَّد ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه »انتهى .
    * و كلُّ هذا الذي ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله- من أنَّ : « الإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم: أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، و أنَّ ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار إنما سببه إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، طلب من طلب- إزالته فتولَّد ما هو أكبر منه » .
    كلُّ هذا؛ نعيشه، و نُعايشه، و نراه بأمِّ أعيننا، فهؤلاء هم العلماء حقًّا، الذين قيل في مثلهم: « الفتنة إذا أقبلت لا يعرفها إلا العلماء، فإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل!»، نعم؛ لا يعرفها الجهال إلَّا بعد إدبارها، و بعد مُعاينتهم للدمار الشامل الذي تُخلِّفه من ورائها، و أمَّا قبل ذلك فهي لهم- كسمِّ الفأر، الذي يجد لذَّته في أوله، و هلاكه في آخره .
    قَالَ امْرُؤُ القَيسِ:
    الحَرْب أَوَّل مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ** تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
    حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ** وَلَّتْ عَجُوزاً غَيرَ ذَاتِ حَلِيلِ
    شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ ** مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
    إنَّ إنكار المنكر، له شروطه و ضوابطه، التي لابدَّ من توفُّرها للقيام به، سيما إذا تعلَّق الأمر بولاة الأمور و الحكام، و إلَّا تولد عنه من المفاسد الدينية و الدنيوية ما يربو على منكرات ولاة الأمور بالأضعاف المضاعفة، كما قرَّره العلامة ابن القيم رحمه الله في كلامه السابق، -و كذا- غيره من أئمة الإسلام، و الواقع الذي ماله من دافع- أكبر شاهد كما يُقال .
    * و في بيان بعض هذه الشروط و الضوابط، يقول شيخنا العلامة محمد علي فركوس في رسالته " شرف الانتساب إلى مذهب السلف وجوانب الافتراق مع ما يُسمَّى بالسلفية الجهادية والحزبية ": « الجهاد ـ بمفهومه الواسع ـ عند أتباع السلف ينضبط بشروطٍ..، غير أنَّ المنطلقاتِ الجهاديةَ عند أصحاب السلفية الجهادية المخالفة للمنهج السلفيِّ الحقِّ تكمن في تأسيس حركتهم على مبدإ عدم العذر بالجهل في المسائل العقدية، و في طليعة ذلك الحكم بغير ما أنزل الله، بعيدًا عن الضوابط و المقاصد المرعيَّة »، ثم علق الشيخ على كلامه هذا في الحاشية، فقال:« أمَّا المقاصد الشرعية فإنَّ المعلوم في القواعد الشرعية العامَّة أنَّ إزالة المفسدة بمثلها أو بما هو أعظم منها لا يجوز شرعًا بالإجماع، فالضرر ـ إذن ـ يُزال بلا ضررٍ، ولهذا قال الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ـ رحمه الله ـ في «مجموع فتاويه» (٨/ ٢٠٤) في مَعْرِض بيان إزالة السلطان الكافر: «أمَّا إذا لم تكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبِّب شرًّا أكثر فليس لهم الخروج، رعايةً للمصالح العامَّة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها أنه: لا يجوز إزالة الشرِّ بما هو أشرُّ منه، بل يجب درءُ الشرِّ بما يزيله أو يخفِّفه، أمَّا درءُ الشرِّ بشرٍّ أكثرَ فلا يجوز بإجماع المسلمين»[ " مجالس تذكيرية "(ص299-300)] .
    فلا يجوز الإنكار على الحكام بالخروج عليهم إذا كان يُؤدي إلى ما لا تُحمدُ عاقبته من المفاسد و الفتن و الشرور، و ذلك بالإجماع- كما أفاده شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله- فيما نقله عنه شيخنا فركوس-، إذ المقصود من إنكار المنكر: إزالته أو التخفيف منه ما أمكن، أمَّا استبداله بما هو أنكر منه، أو بما هو أفظع و أشد فليس من العقل و لا من الحكمة، فضلًا عن أن يكون من الشرع!
    قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-في " إعلام الموقعين " (3/16): « فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدلٌ كلُّها ورحمةٌ كلٌّها ومصالح كلُّها وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضِدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل » انتهى .
    و من هنا؛ حكمَ علماءُ السُّنة بالفساد؛ على جهاد الخوارج-المزعوم- و كشفوا زيفه، و بيَّنوا بأنه لا علاقة له بالجهاد الشرعي، و إنما هو عبارة عن فتن و ثورات لم تراع فيها القواعد الشرعية في المصالح و المفاسد، و لم تُحترم فيها ضوابط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما واجه علماءُ السلفيةِ الخوارجَ بهذا في أوجِّ فتنتهم في بلاد الجزائر، و أبطلوا به ثورتهم، و حكموا عليها بأنها عبارة عن فوضى .
    فهذا العلامة العثيمين رحمه الله تسأله الجماعات المسلحة-في مكالمة هاتفية- : هل يستلزم-يعني لو فرضنا كفر الحاكم- هل يستلزم الخروج عليه بدون شروط-يعني-؟
    فأجاب الشيخ رحمه الله: لا! لابدَّ من شروط، ذكرتها آنفًا..، لو فُرض أنه كافر مثل الشمس في رابعة النهار، فلا يجوز الخروج عليه إذا كان يستلزم إراقة الدماء، و استحلال الأموال »انتهى.
    و قال رحمه الله:« و العجبُ من قوم يفعلون هذا و لم يتفطنوا لما حصل في البلاد الأخرى التي سار شبابها على مثل هذا المنوال! ماذا حصل؟! هل أنتجوا شيئًا؟! بالأمس تقول إذاعة لندن: إنَّ الذين قُتلوا من الجزائريين في خلال ثلاث سنوات بلغوا أربعين ألفًا! أربعون ألفًا! عددٌ كبير خسرهم المسلمون من أجل إحداث مثل هذه الفوضى » [ " نفس المكالمة السابقة ] .
    و هذا العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، يُناقش الثوار -في مكالمة هاتفية- و هم في رؤوس الجبال، - لإقناعهم بالكف عن القتال و النزول من الجبال، من خلال تذكيرهم بالمفاسد العظيمة التي ترتبت عن ثورتهم و انجرَّت عن فتنتهم التي غُيِّبت فيها شروط الأمر بالمعروف و النَّهي عن المنكر، و فُقدت فيها قواعده.
    و فيها قال الشيخ مُخاطبًا من كان مُفوَّضًا من قبل الجماعة لسؤاله: هذه ثمان سنوات ما هي ثمار هذا القتال؟ ماذا استفاد المسلمون من هذا الجهاد؟
    قال السائل: لحدِّ الآن لا شيء يا شيخ!
    الشيخ: كم قُتل، وكم من المال، وكم من الأعراض انتُهكت، وكم، وكم ... ؟
    السائل: الكثير! الكثير!.. .
    الشيخ: أليس لكم عبرة في هذا ؟! أليس هذا برهانًا على أنَّ هذا الجهاد جهادٌ كان منطلقًا من جهل، ومن فتاوى ـ يعني نسأل الله العافية ـ لم يستنجدوا بالعلماء، واتخذوا أصحاب الشرور رؤوسًا جهالًا، فيُفتون بغير علم، فيَضلُّون ويُضلِّون، ولم يقفوا عند حدِّ الضلال والإضلال، بل تجاوزوه إلى سفك الدِّماء وهدم الإسلام.. .
    وهم ليس لهم إلاَّ مصارعة الحكام، ولا همَّ لهم إلاَّ أن يتسنَّموا قمة الحكم فقط، ثم بعد ذلك يديرون ظهورهم للإسلام، كما فعل أمثالُهم في السودان وفي تركيا وفي غيرها.. .
    السائل: شيخنا! على حسب قولكم إذًا لا يمكن الحكم بكفر حاكم من الحكام وإن كان يحكم بغير ما أنزل الله حتى يحكم عليه العلماءُ بذلك.
    الشيخ: نعم! حتى يرى العلماءُ فيه كفرًا بواحًا، ثم بعد صدور الفتوى هل يُقاتَل أو لا يُقاتل؟..
    فلو كان الحاكم كافرًا كفرًا بواحًا، في الجزائر وفي غيرها لكان يجب أن يُرجع في ذلك إلى العلماء، فهم الذين يُقدِّرون المصلحةَ والمفسدةَ، ومتى يُشرع القتال ومتى لا يُشرع إلخ، لا للسفهاء والجهلة وأصحاب الأهواء الطامحين إلى المُلك، فهذا من الخطأ، وقد عرفتم حصاد هذا التهوُّر » .
    فانظر كيف أبطل العلامة ربيع المدخلي حفظه الله جهاد الخوارج في الجزائر، و سمَّاه: تهوُّرًا، كما أبطله قبله العلامة العثيمين رحمه الله- و سمَّاه: فوضى .
    بعد أن أوقفوهم على مآلاته الوخيمة، و مفاسده العظيمة، التي توجب الكفَّ عنه، بل عدم القيام به أصلًا!
    فأيُّ جناية على الشرع أعظم من أن تُنسبَ إليه هذه الفوضى، و أيُّ ظلم و تشويه للجهاد الشرعي الشريف أشدُّ من أن يُلصق به هذا التَّهوُّر؟!
    فإن قال قائلٌ: قد عرفنا بطلان طريقة الخوارج و الثوريين في الإنكار على ولاة الأمور، و عدم شرعية جهادهم الذي أعلنوه ضدَّ الحكام باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فما هي الطريقة الصحيحة في الإنكار عليهم-إذن-؟
    و الجواب: هي طريقة أهل السنة و الجماعة السلفيين، المستمدةُ من النصوص الشرعية كتابًا و سُنَّة، و من الآثار السلفية عن الصحابة و التابعين، و من سيرة أئمة الإسلام المُقتدى بهم الذين اتفقت الأمة على جلالتهم، و أجمعت على هِدايتِهم و دِرايَتهم .
    و قد لخصها شيخنا العلامة محمد علي فركوس، في رسالته " حكم التشهير بالحكام و التشنيع عليهم"، مستفيدًا إيَّاها ممن سبقه من الأئمة و العلماء .

    قال حفظه الله فإنَّ طريقةَ أهلِ السنَّة السلفيِّين في الإنكار على وُلَاةِ الأمرِ ومَوْقِفَهم مِنْ إبداءِ النصيحةِ لهم هي وَسَطٌ بين الخوارجِ والروافض، حيث إنَّ الخوارج والمعتزلة يُجيزون الخروجَ على الحاكم إذا فَعَلَ مُنْكَرًا، بينما الروافضُ يَكْسُون حُكَّامَهم ثوبَ القداسة، ويُنْزِلونهم مرتبةَ العصمة؛ أمَّا سبيـلُ أهلِ السنَّة والجماعة السلفيِّين فوجوبُ الإنكار، لكِنْ بالضوابط الشرعية الواردةِ في السنَّة المطهَّرة التي كان عليها سَلَفُ الأُمَّة.
    فمَنْهَجُ أهلِ السنَّة والجماعة في مُناصَحةِ وُلَاةِ الأمر فيما صَدَرَ منهم مِنْ مُنْكَراتٍ أَنْ يُنـاصِحُوهم بالخطاب وعظًا وتخويفًا مِنْ مَقامِ الله تعالى وبالسرِّ وبالرِّفق لقوله تعالى ـ مُخاطِبًا موسى وهارون عليهما السلام حين أَرْسَلَهما إلى فرعون ـ: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] ، هذا إِنْ وصلوا إليهم، أو بالكتابة والوساطة إِنْ تَعَذَّرَ الوصولُ إليهم؛ إذ الأصلُ في وَعْظِهم أَنْ يكون سِرًّا، وإذا طلبوا تقديمَ النصيحةِ أمامهم عَلَنًا وفَتَحوا على أَنْفُسهم بابَ إبداءِ الرأي والانتقادِ وأَذِنوا فيه؛ فيجوزُ نصيحتُهم بالحقِّ مِنْ غيرِ هَتْكٍ للأستار ولا تعييرٍ لمُنافاتِهما للجانب الأخلاقيِّ، ولا خروجٍ ـ بالقول أو الفعل ـ لمُخالَفتِه لمنهج الإسلام في الحكم والسياسة، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وقال جماهيرُ أهلِ السنَّةِ مِنَ الفُقَهاء والمُحدِّثين والمتكلِّمين: لا ينعزل بالفسق والظلمِ وتعطيلِ الحقوق، ولا يُخْلَعُ ولا يجوز الخروجُ عليه بذلك، بل يجب وَعْظُه وتخويفُه للأحاديثِ الواردةِ في ذلك»، مع تحذيرِ الناسِ مِنْ هذه المُنْكَراتِ والبِدَعِ والمَعاصي عمومًا دون تعيينِ الفاعل أو الإشارةِ إليه أو تخصيصِ بعضِ صفاته التي يُعْرَفُ بها، كالتحذير مِنَ الزِّنا والرِّبا والظلمِ وشُرْبِ الخمر ومُحْدَثات الأمور ونحوِها عمومًا مِنْ غيرِ تعيينٍ، أي: يكفي الإنكارُ على المَعاصي والبِدَعِ والتحذيرُ منها دون تعيينِ فاعِلِها بالسبِّ أو اللعن أو التقبيح؛ فإنه يُفْضي إلى الحرمان مِنَ الخير والعدل، قال بعضُ السلف: « ما سَبَّ قومٌ أميرَهم إلَّا حُرِموا خيرَه »[«التمهيد» لابن عبد البرِّ (٢١/ ٢٨٧)]، وقال آخَرُ: « مَنْ لَعَنَ إمامَه حُرِمَ عَدْلَه »[ «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٩/ ٣٤٢)] .
    ومعنى ذلك أنَّ أهل السنَّةِ السلفيِّين يُنْكِرون ما يأمر به الإمامُ مِنَ البِدَعِ والمَعاصي ويُحذِّرون الناسَ منها ويأمرونهم بالابتعاد عنها مِنْ غيرِ أَنْ يكون إنكارُهم على وُلَاةِ الأمور في مَجامِعِ الناسِ ومَحافِلِهم، ولا على رؤوسِ المَنابِرِ ومَجالِسِ الوعظ، ولا التشهيرِ بعيوبهم ولا التشنيعِ عليهم في وسائلِ الإعلام بأنواعها المُخْتَلِفةِ..؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تأليبِ العامَّة، وإثارةِ الرَّعاع، وإيغارٍ لصدور الرعيَّة على وُلَاةِ الأمور وإشعالِ الفتنة، ويُوجِبُ الفُرْقةَ بين الإخوان، وهذه النتائجُ الضارَّةُ يأباها الشرعُ وينهى عنها، و« كُلُّ مَا يُفْضِي إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، و« الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ» [ " مجالس تذكيرية "(ص354-356)] .
    فأيُّ دليل أدلُّ من هذا يطلبه المكابرون، على براءة السلفية من الأفكار المتطرفة ، و من التوجُّهات الخارجية الثورية، و من إراقة الدماء، و افتعال الفتن؟!، و أيُّ بُرهانٍ يُريدونه أوضح من هذا، على جهد مشايخ السلفية- المشكور- في محاربة هذه التوجُّهات المتطرِّفة الهدامة التي هم بريئون منها براءة إبراهيم عليه السلام من اليهودية و النصرانية؟! { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور } [ الحج : 46 ].
    إنَّ الواقع، و التاريخ، كلاهما يشهدان بذلك، و إن جحده الجاحدون، و أنكره المنكرون المُكابرون، و سعوا في تغطيته و التعمية عليه .
    ألا فليعلم العقلاء، و الأحرار؛ أنه بمثل هذه التوجيهات السديدة، و الجهود المخلصة المباركة، من قبل مشايخ السلفية، دُفِعَت- و تُدفعُ- الفتن، عن هذه الأمة، و يتحقَّق لها الأمن و الاستقرار، و تُحفظ لها مُقدَّراتها، بإذن الله تعالى-، فليكن هذا على بال كلِّ من يجهد نفسه لاستتباب الأمن و الاستقرار الحقيقي و الدَّائم !
    هذا؛ و لا يفوتني في الأخير- أن أُنبِّه إلى ما تعرَّض له مشايخنا من مضايقات و أنواع من الأذى و التهديدات - في سبيل الصدع بهذا الحق، و الوقوف في وجه أصحاب الأفكار الخارجية الهدامة، و المناهج التكفيرية المتطرفة التي تُهدِّد أمن البلاد و استقرارها، و الله المستعان .
    و من ذلك ما أفصحت به إدارة موقع شيخنا الدكتور محمد علي فركوس حفظه الله في مقال " تنبيه أُولي البصائر في ردِّ مقولةِ: وماذا قدَّم الدكتور فركوس للجزائر "، فقد جاء فيه : « و شهادةً للتاريخ: فإنَّ الشيخ أبا عبد المُعِزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ قد تعرَّض لتهديداتٍ بالقتل مِنْ طرف الجماعات المسلحة إبَّانَ سنوات الإرهاب وكذلك بعده، ولم يكن ذلك دافعًا له لمغادرتِه وطنَه، مع وجودِ إغراءاتٍ دنيويةٍ تستهوي عُشَّاقَ المناصب، وتُغري اللاهثين خلف الشهرة لتولِّي مناصبَ عُليَا في جامعاتٍ خارجيةٍ، فضلًا عن أَنْ يَثنِيَ مِنْ عزمه في محارَبةِ هذا الفكرِ الدخيل، بل ظلَّ مجاهدًا في سبيل إنقاذ مَنِ ابتُلِيَ بداء الغلوِّ والتطرُّف، ومنافحًا بقَلمه وعِلمه لإرساء مَعالِمِ الوسطية والاعتدال »انتهى .
    فاللهم آمنَّا في أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا و اهدهم سبل الرشاد ،و وفقهم لما فيه صلاح الإسلام و المسلمين، و اجعل هذا البلد -الجزائر- آمنا مطمئنًّا سخاء رخاء و سائر بلاد المسلمين .
    آخره، و صلى الله و سلم على عبده و رسوله نبيِّنا محمد، و على آله و صحبه أجمعين، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك .
    كتبه: أبو بسطام إبراهيم بويران الأخضري الجزائري كان الله له.
    بودربالة- الأخضرية- الجزائر


  • #2
    جزاك الله خيراً شيخنا إبراهيم

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا أخي الشيخ ابراهيم وبارك فيك وشكر سعيك و نفع بك وبما تقدم ،
      واسأله سبحانه وتعالى أن يجعلك بتوفيقه و عونه مفتاح خير مغلاق شر .

      تعليق

      الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
      يعمل...
      X