إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

وقفات مع حديث 《دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب...》

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [مذاكرة] وقفات مع حديث 《دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب...》

    بسملة

    وقفات مع حديث
    دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب
    للشيخ سليمان الرحيلي
    حفظه الله


    الحديث:
    عن طارق بن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنَّة رجل في ذباب، ودخل النَّار رجل في ذباب». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجُوزه أحد حتى يُقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال ليس عندي شيء أقرب.قالوا له: قرِّب ولو ذبابا. فقرَّب ذبابا، فخلوا سبيله. فدخل النار. وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئا دون الله، فضربوا عنقه؛ فدخل الجنة» رواه أحمد
    قال حفظه الله ((هذا الحديث لنا معه وقفات:
    الوقفة الأولى: أنه من رواية طارق بن شهاب. وطارقُ بن شهاب اتفق العلماء على أنه لا رواية له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الراجح أنه له رؤية؛ رأى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الراجح، لكن لم يروِ عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا إشكال! والجواب عن هذا الاشكال: أنَّه على هذا: مرسَلُ صحابي. ومرسل الصحابي صحيح. نقول: مرسل صحابي؛ لأنَّه أسقَط راويًا هنا؛ وهو الذي فوقه. لكنّ مرسَل الصحابي صحيح؛ لأنه يروي عن صحابي، وجهالة الصحابي لا تضر، لماذا لا تضر؟ لأنّ الصحابة كلهم عدول، ونحن نحتاج أن نعرف الراوي لنعرف هل هو عدل أو لا؟ لكن لا نحتاج إلى هذا الجواب هنا بالذات؛ لأنّ جميع كتب الحديث التي روته قد روته عن طارق بن شهاب عن سلمان رضي الله عنه. جميع كتب الحديث التي روت هذا روته عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ إذن هنا: ما فيه مرسل.
    الوقفة الثانية: أنَّ الشيخ قال هنا: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) ولم نجد هذا الأثر مرفوعاً في شيء من كتب السنَّة، بل كل من رواه من المحدثين رواه موقوفًا على سلمان رضي الله عنه. وقد رواه موقوفًا على سلمان: الإمام أحمد في الزهد، وابن ابي شيبة، وابن الأعرابي، والبيهقي في الشعب، والخطيب في الكفاية، وغيرهم، بإسناد صحيح. فهو إلى سلمان -رضي الله عنه- بإسناد صحيح.
    ولعلَّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب –رحمه الله- قد تابع ابن القيم في ذكره مرفوعًا؛ لأن ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الجواب الكافي عن الدواء الشافي" قال: "روى الامام أحمد عن طارق بن شهاب يرفعه"؛ فلعلَّ الشيخ أخذه من هذا. وإلا فكتب الحديث التي اطلعنا عليها: هذا الأثر فيها موقوف وليس مرفوعًا.
    الوقفة الثالثة: هذا الأثر الصحيح عن سلمان رضي الله عنه هل له حكم الرفع؟
    ذهب بعض أهل العلم: إلى أنَّ هذا الأثر له حكم الرفع، لماذا؟ قالوا: لأنّ فيه إخبارًا عن قصةٍ وقعت وتضمَّنت أمورًا غيبيّة؛ دخول النار ودخول الجنة، والظن بالصحابي أنَّه لا يَذكر الأمور الغيبية إلا بتوقيف. يعني هذه ليست قصة نقول: يمكن تكون إسرائيليات! بل هذا خبر عن شيء غيبيّ؛ وهو دخول الجنة ودخول النار، والظن بالصحابي أنه لا يذكر ذلك إلا بتوقيف عن رسول صلى الله عليه وسلم.
    وأبى ذلك بعض العلماء؛ وقالوا: لعلّ سلمان -رضي الله عنه- أخذه من الإسرائيليات؛ لأنّ سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قبل إسلامه كان مع النصارى والرهبان؛ فلعلَّه سمع ذلك منهم. بل قوى ذلك أهل العلم قالوا: هذا عندنا أنه من الإسرائيليات.
    والأول عندي أقوى -والله أعلم-: أنَّ له حكم الرفع؛ لاسيما إذا بيَّنا وجه القصة؛ فإنّ العلماء الذين مالوا إلى أنها من الإسرائيليات مالوا إلى ذلك لَمَا في القصة من غرابة -سنبيّن وجهها- لكن إذا بينَّا الوجه الصحيح فإنه يظهر -والله أعلم- أنّ الأقرب: أنّ هذا الأثر له حكم الرفع فيما يظهر لي. والله أعلم.
    الوقفة الرابعة: القصة فيها غرابة، ما وجهها؟ لأنَّ الرجل الذي دخل النار دخلها في ذبابٍ قدَّمه وهو مكرَه، والإكراه يرفع المؤاخذة. يعني هذا الرجل ظاهر الحديث أنَّه دخل النار في الذباب الذي قدمه، وأنَّه قدَّمه بسبب إكراه القوم له، والإكراه يرفع المؤاخذة ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾؛ إذن القصة فيها غرابة! والجواب عن هذا من وجوه:
    الوجه الأول: أن يقال: إنّ هذا الرجل ، قبل أنْ يقرِّب كان مشركًا أصلًا. وهذا الجواب ضعيف؛ لأنّ ظاهر الأثر: أنَّه دخل النار بسبب تقريبه الذباب، ولو كان مشركًا أصلًا لدخل النار بسبب شركه الأصلي وليس بسبب تقريبه للذباب.
    والوجه الثاني: أنّ العذر بالإكراه لم يكن في الأمم السابقة قبل الإسلام، وإنَّما من رحمة الله بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه عذرها بالإكراه، فهذا من الآثار التي كانت على الأمم السابقة -أعني المؤاخذة بالإكراه- ورُفِع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء من الأمم السابقة.
    ويدل لهذا الوجه: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الألباني . «إن الله تجاوز عن أمتي» ظاهر هذا: أنّ هذا التجاوز للأمة دون غيرها. وهذا الوجه قويّ جدًّا.
    والوجه الثالث: أنه فعل ذلك راضيًا به، منشرح الصدر به، لا كارهًا له.
    ويدلُّ لذلك: أنَّهم لمَّا قالوا له: قرِّب، ماذا قال؟ ما قال: أنا لا أقرِّب، ما قال: أنا مسلم ما أقرِّب، بل قال: ما عندي شيء أقرِّب به! يعني كأنه يقول: لو عندي شيء قرّبت. بخلاف الرجل الآخر قال: ماكنتُ لأقرِّب شيئًا لغير الله.
    أيضًا؛ يدل له: أنّ سلمان -رضي الله عنه- ذَكَرَ -وقلنا هذا له حكم الرفع- أنَّه قرَّب؛ قال: «فقرَّب ذبابًا» أي أنه تقرَّب بهذا، ولم يقل: ذبح ذبابةً؛ بل قال: «قرَّب»؛ وهذا يتضمن أنَّه تقرَّب بهذا. إذن فعل ذلك وهو منشرح الصدر فكفر بهذا بعد أن ْكان مسلمًا.
    إذن؛ اندفعت غرابة القصة التي جعلت بعض علمائنا الأكابر كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله والشيخ الألباني رحمه الله يميلون أنها من الإسرائيليات.
    ولذلك؛ يظهر لي والله أعلم نظرًا إلى حسن الظنِّ بالصحابي وإلى ما تضمنته القصة: أنّ هذا الأثر له حكم الرفع. فإنَّ مثل هذا يَبعُد أن يحكيه الصحابي عن أهل الكتاب من غير نسبته إليهم، فهنا نرى سلمان رضي الله عنه ما قال: "يُقال"، "يُذكر"؛ بل قاله جازمًا. هذا أولًا.
    ثانياً: ما قال: "سمعتُ أهل الكتاب"، أو "سمعتُ النصارى"، أو "كان النصارى يقولون"، بل قاله جازمًا لا حاكيًا؛ من غير أن ينسبه إلى النصارى، فحسن الظنِّ بالصّحابي أنّه لا يفعل ذلك في مثل هذا إلا عن توقيف. ولذلك أميل والله أعلم إلى: أنّ هذا الأثر له حكم الرّفع.
    وهذه الوقفات يا أخوة تجلِّي لكم هذا الأثر، لأنّ هذا الأثر صار حوله كلام طويل، لكن إذا فصَّلناه على هذا ووقفنا مع كلّ وقفة بتدبّر علميّ يظهر لنا هذا. وتبقى المسألة مسألة اجتهاد علميّ. والشّيخ الألبانيّ رحمه الله له فضل أنَّه نبَّه أنّ هذا ليس مرفوعًا، تنبيهًا علميًّا قويًّا، وأنَّه صحيح إلى سلمان رضي الله عنه، لكنّه مال رحمه الله إلى أنه من الإسرائيليات، والأمر كما سمعتم فيما ظهر لي))
    إنتهى كلامه حفظه الله .
    المصدر: من شرح الشيخ سليمان الرحيلي حفظه الله لكتاب التوحيد باب ما جاء في الذبح لغير الله.
    كتبه
    أبو عبد الرحمن محمد بن عمار
    -غفر الله له-
    السبت ٩ رمضان ١٤٤١هـ
    الموافق ل ٢ ماي ٢٠٢٠ (نصراني)
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2020-05-03, 11:33 AM.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 2 زوار)
يعمل...
X