بسملة
الاتِّعاظُ والاعتبار
بِما آلت إليهِ أحوالُ الطاعنين فِي الأخيار
الاتِّعاظُ والاعتبار
بِما آلت إليهِ أحوالُ الطاعنين فِي الأخيار
------
الحمدُ للهِ الجبّار مُكوِّر اللّيل علىٰ النّهار من بعث نبيه محمّد - صلىٰ الله عليهِ وعلىٰ آلهِ وسلّم - بالحقِّ الواضِح كالشّمس فِي رائعةِ النّهار.
أمّا بعدُ:
فالاتِّعاظُ والاعتبار بِما آلت إليهِ أحوالُ الأشقياء قد أمر بهِ الشارعُ أهل السّعادة والتُّقىٰ مِن عباده فقال:﴿فأخذه الله نكال الآخرةِ والأولىٰ﴾ (أي: فرعون) ﴿إنّ فِي ذلك لعبرةً لمن يخشىٰ﴾أي: لمن يخشىٰ الله ويخافُ عقابهُ كما ذكر الطبري -رحمهُ الله- فِي تفسيره وهو مصداقُ ما صحّ موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ أنه قال:السعِيدُ من وُعِظ بِغيره، والمقصُود مِن الاعتبار الحذر من المسالك التي سلكها هؤلاء الأقوام سواء كانُوا كافرين أو ظالمين أو جهلة معتدين.
قال ابنُ تيمية الحفِيد فِي (المجمُوع) : (ولهذا قصَّ الله علينا أخبار الأمم المكذِّبة للرُّسل وما صارتْ إليه عاقبتهم وأبقَىٰ آثارهم ودِيارهم عبرةً لمن بعدَهم وموعظة).
والمقصُود مِن كتابتِي هاهُنا هُو التّذكير بِما آلت إليهِ أحوال الطّاعنين فِي أهلِ العلم ظُلمًا وبهتانًا ولاسيّما أنهم أولياء الله وهُو الحقُّ من تكفّل بالدِّفاعِ عنهُم فقال كما فِي الحديث القدسي عند البخاري فِي: (صحيحهِ): "من عادىٰ لي وليًا فقد آذنتهُ بالحرب".
ولعلِّي استهلُّ كتابتِي بما رواه البُخاري فِي (صحيحِهِ) : عن جابر بن سمُرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلىٰ عُمر رضي الله عنه فعزلهُ واستعمل عليهم عمّارًا فشكوا حتىٰ ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسنُ تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله -صلّىٰ اللهُ عليهِ وسلّم- ما أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق فأرسل معهُ رجلًا أو رِجالًا إلىٰ الكُوفة فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه ويثنون معروفا حتىٰ دخل مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال لهُ أسامة بن قتادة يكنىٰ أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإنّ سعدًا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية.
قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرِّضهُ للفتن.
وكان بعد إذا سئل - أي: أبا سعدة - يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه علىٰ عينيهِ من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
وروىٰ الشيخان فِي (صحيحيهما) :
عن عُروةَ بن الزُّبير أنَّ سعِيدَ بن زَيدِ خَاصمتهُ أروَىٰ بِنتُ أوسٍ إِلىٰ مَروَانَ بنِ الحكم وَادَّعت أنَّهُ أَخَذَ شَيئًا مِن أرضِها.
فَقَالَ سَعِيدٌ: أنّىٰ كُنتُ آخُذُ مِنْ أرْضِها شَيئًا بعدَ الَّذِي سمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلّىٰ اللهُ عليهِ وسلّم- قَالَ: مَاذا سمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلّىٰ اللهُ عليهِ وسلّم- (السائل:مروان) قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ -صلّىٰ اللهُ عليهِ وسلّم- يقُولُ: "مَن أَخَذَ شِبرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سبع أرضينَ".
فَقَالَ لَهُ مرْوَانٌ: لا أسْأَلُكَ بَيِّنَةً بعْد هَذَا.
فَقَال سعيدٌ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ كاذبِةً فَأَعمِ بصرهَا وَاقتُلهَا في أرضِهَا.
قَالَ: فَمَا ماتَتْ حَتَّىٰ ذَهَبَ بَصَرُهَا وبينَما هِي تمشي فِي أرضِهَا إذ وَقَعَت في حُفرةٍ فَمَاتت.
ومن المواقِف التي تذكر وذكرها ابن خلكان فِي ترجمة أحمد بن نصر كما فِي (وفيات الأعيان) :
أنّهُ لما قتل الواثِق المُحدِّثُ الإمام أحمد بن نصر الخُزاعِي بسبب فتنة ابن أبِي دؤاد وتلبيسهِ عليهِ قال الأخِير: (حبسني الله فِي جلدي إن كان قتلهُ خطأ) فما فتِأ حتّى أصابهُ الفالجُ وهو الشلل النِّصفي ألزمهُ الفِراش إلىٰ أن قُبضت روحهُ بعدما ظلم أعلاما وأئمة كان سببا في تهجيرهم وسجنهم وقتلهم.
ومِن المواقِف التِي تُذكر لمن يريدُ الشر ويجهل ويتكلم بالكذب علىٰ أهل العلم وذكرها ابنُ كثير فِي: (البداية والنهاية):
أن ثلاثة من الرِّجال يقال لهم: اليعفوري والغناري والمناديلي أردوا مكيدةً لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية فكتب المناديلي كتابا فيه أن شيخ الإسلام يكاتب التتار ويتعاون معهم ومعهُ جماعة وأوصلُوا المكتوب للحاكم فلما تحقق الحاكم من ذلك وجده مزورًا فعزّرهم وقطع يد كاتب الصحيفة وهو المناديلي وهذا مصداقُ قول الله تعالىٰ:﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾.
والمواقِف فِي هذا الباب فِي القديم والحديث كثيرة وهي أكثر مِن أن تُحصىٰ فِي مقالٍ أو مقالتين وما دفعنِي لذكر شيئًا مِنها إلا ما رأيتهُ من أفعال بنِي صعفوق ونتائجها التي أظهرها الله للعِيان وخُذ فواز بن علي أنموذجًا لذلك فما ترك عالمًا ولا عاقلًا ولا ديِّنا من أهل العلمِ ولا مِن طُلابِهم ولا مُحبيهم ولا ممن يدافعُ عنهُم إلا وكان لهُ فِي نهشِ عرضهِ نصيب بالكذب والظُلم والجهل فعاقبهُ الله عزّ وجل بأن فضحهُ وجهلهُ علىٰ رؤوس الأشهاد فكان السلفيون يأخذون عليه مسألة أو مسألتين ولكن بفضحِ الله - عز وجل - لهُ أصبحت المسائل المُظهرة لجهلهِ بالعشرات ولا شماتة فِي ذلك بل هذه الأحرف إنما تذكرُه وتذكِّر من غفل واستعمىٰ عن اتباع الحقِّ فاتبعهُ وزمرة من المُجرمين وكان للفسدة من المطبلين والله وليُّ المُتقين وكفىٰ بهِ ناصرًا للمؤمنين والحمدُ للهِ ربِّ العالمِين.
كتبهُ/
أبُو مُحمد الطرابُلسيُّ
ليلة: ٢٧ / شعبان / ١٤٤١ هـ
تعليق