بسملة
أثر التوحيد والإيمان والتوكل والذكر والاستجابة لله والرسول
في تقوية مناعة الإنسان
------
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على أشرف نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،أما بعد:
فيقول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
قال ابن السعدي [في تفسيره 263]: قال الله تعالى بين الفريقين {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} أي: يخلطوا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأمن من المخاوفِ والعذاب والشقاء، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء>>.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
قال ابن السعدي [في تفسيره 318]:
وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام>>.
وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)
قال الحافظ ابن كثير [في تفسيره 4/454]:تَطِيبُ وَتَرْكَنُ إِلَى جَانِبِ اللَّهِ، وَتَسْكُنُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَتَرْضَى بِهِ مَوْلًى وَنَصِيرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أَيْ: هُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ>>.
وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
قال ابن كثير [في تفسيره 4/601]: تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ>>
وقال ابن السعدي [في تفسيره 448]: بطمأنينة قلبه وسكون نفسه وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه ويرزقه الله رزقا حلالا طيبا من حيث لا يحتسب>>
وقال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)
قال ابن جريرفي [تفسيره 14/291]:>.
وقال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
قال الشوكاني في [فتح القدير2/542]:بَلْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَمَا اخْتَصَّ بِإِنْزَالِهِ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ أَيِّ خَيْرٍ كَانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَدْفَعَهُ عنك، ويحول بينك وبنيه كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَعَبَّرَ بِالْفَضْلِ مَكَانَ الْخَيْرِ لِلْإِرْشَادِ إِلَى أَنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا لا يستحقون بِأَعْمَالِهِمْ
وَ رَوَى مُسْلِمٌ.7469عَنْ صُهَيْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ">>.
قال العلامة ابن عثيمين [شرح رياض الصالحين 1/198]:
مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيراً له، فنال بهذا أجر الصائمين.
وإن اصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية؛ كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله - عز وجل.
فيشكر الله فيكون خيرا له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين، ونعمة الدنيا.
نعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن، فهو علي خير، سواء أصيب بضراء. وأما الكافر فهو على شر- والعياذ بالله- إن اصابته الضراء لم يصبرن بل يتضجر، ودعا بالويل والثبور، وسب الدهر، وسب الزمن، بل وسب الله- عز وجل- ونعوذ بالله.
وإن أصابته سراء لم يشكر الله، فكانت هذه السراء عقاباً عليه في الآخرة، لأن الكافر لا يأكله أكلة، ولا يشرب إلا كان عليه فيها إثم>>.انتهى
فدلت هذه النصوص العظيمة على أن التوحيد والإيمان والتوكل والذكر والاستجابة لله والرسول من أعظم أسباب الحياة الطيبة راحة للقلب وطمأنينة للنفس،فلا يتشوش الفكر،ولا يتشتت الذهن بل يتقلب العبد في قدر الله وهو في غاية الراحة مسلما لربه،لا تغلبه الأوهام والخيالات،ولا تنهار نفسيته مع ما يعيشه من مخاوف ومقلقات.
فإن قال قائل: ما علاقة هذا الكلام بموضوع الكتابة، وما أثر هذه الأحوال مع تقوية المناعة؟
والجواب: أن الناس يتكلمون اليوم في ظل مرض الكورونا على تقوية الجهاز المناعي،وينصحون بتناول أطعمة معينة،وأنه كلما قويت مناعة الإنسان استطاعت مقاومة الفيروس فلا يؤثر فيها تأثيرا كبيرا.
وصاحب النفسية القوية التي لا تخاف ولا تفزع ولا تجزع تقوى مناعته كما يذكر ذلك أهل الاختصاص، وأثبتت الدراسات على أن الجانب النفسي يؤثر على الجهاز المناعي إيجابا وسلبا، فكلما كانت نفسية الإنسان أقوى قويت مناعته. جاء في رسالة (تأثير الاكتئاب على الجهاز المناعي) ص 6:
تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة.
- تؤثر الحالة النفسية للشخص بشكل كبير على جهاز المناعة ، حيث أن الشعور بالحزن والإكتئاب والألم النفسي تُسبب إضعافه وقلة مقاومته الأمراض
-الحالة العقلية العامة تؤثر على أدائه. الشخص الذي لديه أفكار محبطة حول مرضه يساعد على إضعاف مناعته ، والعكس بالعكس
-الحالة المحزنة تسبب أمراض المناعة الذاتية. ويعتقد الجسم أن أجزاء مختلفة من الجسم هي أعداءه. ويبدأ في مهاجمتهم. هذا يسبب العديد من الأمراض. الحزن الشديد يسبب خللا في هرمونات الجسم ، مما يؤدي إلى خلل في أداء الجهاز المناعي.
- تحدث التأثيرات النفسية الشديدة بسبب انتشار الشوارد الحرة للخلايا وعدم كفاءة الجهاز المناعي في الاستجابة لها ، مسببة السرطان وأمراض أخرى ، على عكس الحالة النفسية المستقرة ، التي تساعد في
نشاط الخلايا الدفاعية في الخلايا. الجسم ويزيد من الكفاءة.
- وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن الأشخاص الذين لديهم أفكار سلبية حول مرضهم لديهم نسبة شفاء أقل.انتهى
وقوة النفسية تكون بحسب قوة الإيمان ويقين العبد
وقد بين الإمام ابن القيم هذه العلاقة فيقول [كما في الداء والدواء 54]: وَأَمَّا وَهْنُهَا لِلْبَدَنِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ قُوَّتُهُ مِنْ قَلْبِهِ، وَكُلَّمَا قَوِيَ قَلْبُهُ قَوِيَ بَدَنُهُ، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ - فَهُوَ أَضْعَفُ شَيْءٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَتَخُونُهُ قُوَّتُهُ عِنْدَ أَحْوَجِ مَا يَكُونُ إِلَى نَفْسِهِ فَتَأَمَّلْ قُوَّةَ أَبْدَانِ فَارِسَ وَالرُّومِ، كَيْفَ خَانَتْهُمْ، أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا، وَقَهَرَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ؟>>انتهى
ولهذا لما كان الكفار لا يرجون الله واليوم الآخر وتعلقت قلوبهم بالدنيا وشهواتها ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر،ولم يأخذوا بأسباب السعادة احقيقية ضاعت عنهم هذه المعاني التي تجلب لهم الراحة النفسية بل أصيبوا بالانهيارات العصبية والأزمات النفسية مما أثر على أجسامهم وإن كانت قوية أحوج ما يحتاجون إلى قوتهم.
ونسأل الله أن يقوي إيماننا ويقيننا وأن يقوي أبداننا على طاعته
وأن يعافيـنا وأهـلنا وأحبتـنا
وأن يشفي مرضى المسلمين
وأن يرفع هذا الوباء
إنه سميع مجيب
تم
------
تعليق