بسم الله الرحمن الرحيم
دفع الاعتراضات عن أحكام العلماء في نازلة الوباء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، أما بعد.دفع الاعتراضات عن أحكام العلماء في نازلة الوباء
فهذه جملة من الاعتراضات أُطلِقت على الأحكام المتعلقة بنازلة الوباء المعروف بكورونا المستجد، أردت دفعها رفعا لتلبيس من قلَّ علمه وضعُف فهمه ممن لا هم له إلا التشغيب على فتاوى العلماء وأوامر أولي الأمر. والله الموفق.
الاعتراض الأول:اعتراض بعضهم على تعليق الجمعة والجماعة.
والجواب من وجوه:
1/ إن هذا من أحكام الضرورة والضرورة تقدر بقدرها، وأما متى تقدر؟ فالجواب: عند حلولها لا عند حصولها، مثاله: من غص بالطعام وعنده خمر؛ فله دفع الغصة بالخمر عند خوف الهلكة لا عند حشرجة الروح في الحلق، فإنه يكون قد فات أوان التدارك، ومثاله كذلك: أكل الميتة لمن أصابته مخمصة فله الأكل عند خوف الهلكة لا عند الهلكة؛ حيث لا يمكنه مضغ اللحم ولا احتزازها. والضرورة العامة يقدرها أهل العلم وفقهاء كل زمان.
2/ ولهذا فمن يقدر الضرورة هم من خول الشارع لهم تقديرها، في قوله سبحانه: {فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ} [الأنبياء:7]، وهم العلماء المجتهدون، وقد اتفقت كلمتهم في كل الأقطار على جواز تعليق الصلاة في المسجد، لا تعطيل الصلاة ولا غلق المساجد، حتى تبقى شعيرة الأذان بالصلاة ودخول الوقت قائمة، وحتى لا تُعَطَّل المساجد كلية، ووافقهم عقلاء بني آدم على ترك التجمعات.
3/ إن العلة في تجويز تعليق الجماعة في المسجد وفي سائر الأماكن واضحة جلية، وهي كون هذا الوباء ينتقل عن طريق التقارب بين الذوات، والتلامس، والنَفَس، فلما ظهرت العلة تعلق الحكم بها وعمَّ في كل موضع تحصل فيه هذه العلة.
4/ من أحكام الضرورة وقواعدها قول العلماء: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، فإذا احتاج العامة في المجتمع لشيء لا بد في تحصيله من ارتكاب مفسدة فلهم ذلك، بقيود يحكم بها العلماء ويبينونها في النوازل، إذ تغلب في هذه الحال المصلحة العامة على المفسدة، خاصة إذا كانت المفسدة متحققة لا متوهمة، كما هو الحال بالنسبة لهذا المرض.
هذا؛ فما بالك لو كانت الضرورة عامة؟ وهو الأنسب بالنسبة لواقعة كورونا، إذ تعلق الأمر بحماية الأنفس والـمُهج من الهلاك، ومعلوم أن من كليات شريعتنا، بل الشرائع كلها، حماية الأنفس من الهلاك بكل سبيل أباحه الشرع. وهذا من البدهيات حتى اجتمع في هذه النازلة الوجوب العادي والشرعي للاحتراز من هذا الوباء.
الاعتراض الثاني: اعتراض بعضهم بكون الصحابة لم يعلّقوا الصلاة في المساجد.
والجواب على هذا من وجوه:
1/ إن الأمر متعلق بنازلة، والنوازل لها أحكامها، يستخرجها أهل العلم بقواعد الاستنباط والقياس والإلحاق الحكمي بين الفروع وأصولها، فقد تستجد في بعض الأمور أشياء وقرائن تؤثر على تغّير أحكامها، أي تغير الأحكام التي يطلقها المجتهدون لا تغير الأحكام الشريعة ذاتها، فهي ثابتة ثبوت أصولها من الأدلة الشرعية.
2/ لما وقع الطاعون كان الصحابة قسمين، قسم خارج موضعه وهو عمواس وما جاورها، فهؤلاء، وعلى رأسهم الخليفة الراشد عمر -رضي الله عنه-، رجعوا في طريقهم ولم يعطّلوا جمعة ولا جماعة؛ إذ لا مانع يمنعهم، وأما القسم الثاني فهم من كان في المحلة، وعلى رأسهم أبو عبيدة -رضي الله عنه-، فلما قضى نحبه ثم مات بعده معاذ -رضي الله عنه- واستخلف عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أمر الناس بالانحياز إلى رؤوس الجبال والتفرق بالأبدان، لعلمه أن مادة الطاعون هي التقارب البدني، في مقولته المشهورة: (أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع يشتعل اشتعال النار فارتفعوا عنه في الجبال). أو قال: (فتجبلوا منه في الجبال) [السيرة لابن حبان: 2/477، والطبري: 4/62]. ولكن يُنَبَّه على أن الذي أمر بالارتفاع عن الأرض العميقة الموبوءة هو عمر بن الخطاب، فخرج أبو عبيدة بالناس إلى الجابية، وطُعن في الطريق.
وفي هذه الحال يبعد جدا أن تقام جماعة في المساجد والناس متفرقون في رؤوس الجبال والأودية، كل واحد بعائلته، ويبعد أن يأمرهم بالتفرق ثم يجمعهم خمس مرات في موضع واحد، ويجمعهم في الجمعة، على كثرتهم وحرصهم على حضور الجماعة، بحيث لم تكن تفوت أحدهم إلا نادرا. وقد مكث فيهم الطاعون شهرا كاملا.
وذلك عملا من الفريقين؛ من بقي ومن لم يدخل عمواس، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: « الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا، فِرَارًا مِنْهُ» متفق عليه.
3/ قد تسقط الجمعة لحصول فائدتها بغيرها كالعيد، قال عطاء رحمه الله: "اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر"، وفي رواية قال عطاء: "صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وُحدانا، وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة"، رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله، وعزى شيخ الإسلام فعل ابن الزبير لعمر كذلك [المجموع: 24/213] ذلك أنه ذكر لابن الزبير قول ابن عباس فقال: هكذا فعل بنا عمر [التمهيد: 10/274]، وأصله ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أعفى من حضر العيد من حضور الجمعة عند أن اجتمعا في يوم واحد.
4/ أن المعترض لم نعهد منه إقامة لأقوال الصحابة، ولا رفعا لرأس بإجماعهم وعملهم حتى إذا جاءت هذه الواقعة رأيناه يلهج بالاحتجاج بترك الصحابة وأفعالهم، وهذا عين الهوى.
مع أنه لم ينكر البدع التي أحدثت لمقابلة الوباء؛ من التكبير الجماعي والقنوت والصيام الجماعي وغيرها. وكلها لم يفعله الصحابة -رضي الله عنهم-.
الاعتراض الثالث: قول بعضهم لماذا لم تغلق الثكنات والمستشفيات وغيرها مع غلق المساجد؟
والجواب من وجهين:
1/ إن المساجد لم تغلق، بل يفتحها المكلفون بالأذان لإعلام الناس بالأوقات، ولإظهار الشرائع، ولم يقل أحد بغلقها، بل علقت الصلوات مؤقتا لسبب هذا المانع، وهو المرض الوبائي.
2/ إن الثكنات أصلا هي التي أغلقت على أهلها ومن كان خارجا بسبب العطلة أو غيرها، لا يدخلها عملا بمعنى الحديث النبوي، وأما الأسلاك الأمنية الأخرى فلا يعقل أن تعطل، فهي التي تحمي أمن الناس وأموالهم، وهي التي تشرف على إلزام الناس بلزوم بيوتهم، وهذا ما نشاهده ونشهد لهم به، حفظهم الله.
كذلك بالنسبة للمستشفيات، فأي عاقل على وجه الأرض يقول بوجوب غلق المستشفيات التي تأوي المصابين بهذا الوباء، وتحرص على عدم انتقاله وعلى مداواة المرضى؟ بل إن الجهات المختصة أفرغت المستشفيات من المرضى إلا أهل الضرورة، ومنعت من الزيارات، وألزمت ألّا يكون مع المريض إلا مرافق واحد، إلى غيرها من الإجراءات الاحترازية. أعانهم الله وثبتهم.
والفرق بين المسجد والمستشفى أن أهل المسجد لا طاقة لهم بصد العدوى ومداواتها، بخلاف أهل المشفى، مع أن المستشفى محل التداوي، فكيف يغلق؟
الاعتراض الرابع: اعتراض بعضهم بأن هذا ظلم في حق المساجد بقوله تعالى: {وَمَن أَظلمُ مِمَّن مَنعَ مَساجِدَ اللهِ} الآية.
والجواب من وجوه:
1/ إن الاستدلال بالآية خارج عن محل المسألة أصلا، فالآية في حق من منع مساجد الله أن يعبد فيها وسعى في خرابها وهدمها، وأما مسألتنا؛ فهي تعليق صلاة الجماعة والجمعة، مؤقتا، مع عدم ترك الأذان، وأن يصلي كل فرد في بيته وله أن يجمع بأهله، حتى لو جمّع بهم فلا يبعد، كما يأتي، بحيث لو ارتفع الوباء في أي لحظة لرجعت الجماعة على حالها. فرق واسع بين المسألتين، وإلا؛ فهل وجدنا حاكما من حكام المسلمين في هذه النازلة يهدم المساجد ويقتل المصلين وغير ذلك؟
2/ إن المقام مقام ضرورة كما سبق ومحلها الضرر العام، وقد حكى غير واحد من المؤرخين وقائع لطواعين مختلفة كانت سببا لتعطل المساجد عن الصلاة بل حتى لم يوجد في بعضها من يؤذن، كما حكاه المقريزي في كتاب السلوك في طاعون سنة742 والذي جاء من الصين؛ حتى وصل إلى أرض الإسلام سنة 748، وحكى عن طواعين أخرى في خطط القاهرة وفي كشف الغمة، وحكى غيره كابن كثير والطبري وغيرهم، بل في طاعون عمواس لم يكن الناس يسأل بعضهم بعضا: كيف أصبحت وكيف أمسيت، وحصّل عمرو بن العاص سبعين سيفا كلها ورثه عن كلالة، وصعب عليهم قسمة التركات لتتابع الموت فيهم. حتى كتبوا إلى عمر كيف يفعلون في الإرث، فقال: ورثوا بعضهم من بعض [سنن سعيد بن منصور: 232]، حتى قيل إن الطاعون عمهم وآساهم فلذلك سميت عمواس من عم وآسى. ومثله طاعون الجارف سنة 69 مات في ثلاثة أيام واحد وعشرون ألفا، وطاعون الأشراف سنة 87، وطاعون 131 كان يموت في كل يوم ألف.
والمقصود أن الناس تشاغلوا بين مريض وممرض وفار في رؤوس الجبال وحافر ودافن، فتعطل الجماعة في المسجد كان لضرورة منعت من إقامتها.
3/ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع أصنافا من دخول المسجد في أدنى من الطاعون، فقد قال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، متفق عليه، وكان يأمر الصحابة بإخراج من وجدت منه ريح منتنة حتى يُلقى خارج المسجد، وفي الوباء يعم الاحتمال على كل المصلين فيعاملون على أنهم كلهم يحملون العدوى (الفيروس) رغم عدم تحققها فعلا؛ لأنه لا يدرى من أي جهة ولا من أي شخص ينتقل.
كذلك فعله -صلى الله عليه وسلم- مع الرجل المجذوم في وفد ثقيف لما جاؤوا لبيعته، فقال: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ» رواه مسلم. قال ابن رجب: وكذلك يمنعُ المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره؛ لما روي من الأمر بالفرار منه. [فتح الباري: 8/18].
ويروى في الحديث: «مِنَ القَرَفِ التَّلَفُ»، لما سئل عن أرض وَبِئة، فأمر بتركها [رواه أبو داود وأحمد وضعفه الألباني]، لكن معناه صحيح؛ لأن مقارفة الوباء والاقتراب منه مظنة التلف والهلكة. يؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» متفق عليه.
الاعتراض الخامس: اعتراضهم بأن المساجد أغلقت ومجالس المقاهي وغيرها مفتوحة.
والجواب: أن هذا تنبيه بتعليق الأهم على ترك وتعطيل المهم، ومن باب أولى ما قلّت فائدته أو غلبت مفسدته، فإذا كانت جماعة المسجد على عظم شأنها عُلّقت لطارئ الوباء فغيرها من باب أولى، لكنَّ كثيرا من الناس لا يعقلون، وأيضا فإن الحكومات أخذت في منعها جميعا، بل فرضت الحظر الجزئي وبعضها الكلي على الأحياء والمدن، وهذا هو الرأي.
الاعتراض السادس: اعتراض بعضهم على دفن موتى الوباء بدون غسل للعذر.
والجواب: هو أن فقهاءنا -رحمهم الله- بينوا الحكم، قديما وحديثا أن الميت إذا تعذر غسله مباشرة لعلة تحلله وتفسخه، أو خشية انتقال العدوى بسبب مرض أو لتقطعه فإنه يرش من بعد، فإن تعذر فإنه ييمم، فإن تعذر فإنه يدفن على حاله، والقاعدة في ذلك : المشقة تجلب التيسير، مع أنه: لا يسقط الميسور بالمعسور.
وأما الصلاة عليه؛ فإنه يُصلَّى عليه في كفنه، فإن تعذر وقد وضع في الصندوق صلي عليه وهو فيه، فإن تعسر يصلى عليه في قبره، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاته على المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد وهي في قبرها، فإن تعذر ذلك كله، مثل من يموت من المسلمين في الغربة، صُلِّيَ عليه صلاة الغائب، والحمد لله. وهذه الأحكام معروفة في كتب الفقه، فليس لنا تركها والأخذ عن الجهال والمشغبين من ضعفاء العلم والإيمان.
الاعتراض السابع: اعتراض بعضهم بأنه دخل المملكة العربية السعودية، وقد يدخل المدينة، وقد جاء في الحديث بأنه لا يدخلها.
والجواب: أن الحديث جاء في الطاعون حيث قال صلى الله عليه وسلم: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلاَ الدَّجَّالُ» متفق عليه، وأما الوباء فهو أعم، إذ إن الطاعون بُثُور تخرج في الجسد فتتكاثر حتى تقتل صاحبها، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «هُوَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»، وأما الوباء فيطلق على الطاعون خصوصا ويطلق على غيره من الأمراض المعدية المهلكة عموما، لذلك فقد يدخل المدينة نوع منها، وفي الموطأ: (باب ما جاء في وباء المدينة)، بخلاف الطاعون فلا يدخلها بشهادته -صلى الله عليه وسلم-، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، آمنا به وبما جاء به.
الاعتراض الثامن: اعتراض من انتهى إلى ما علم، ثم ما أحسنوا البيان الجماعي، على تجويز إقامة الجمعة في غير المسجد.
والجواب من وجوه:
1/ قال شيخ الإسلام رحمه الله: "أحق الناس بالحق من علق الأحكام بالمعاني التي علقها بها الشارع" (مجموع الفتاوى:22/331). لا من تبرأ أمام وسائل الإعلام بالطعن في العلماء.
ثم إن السبر يعارض به عند الفتوى والاجتهاد (أي أنه حق للمجتهدين كما يقال: حصريا)، لا عند المناظرة فما دونها من البحوث والرسائل والمنتديات والتعليقات والبيانات وغيرها.
2/ إن الفتوى لها وجه صحيح فقهيا ومقاصديا، وهنا سوق لأقوال بعض المحققين في الشروط الاجتهادية لأداء الجمعة، قبل بيان المقصود:
- قال الإمام المحقق صديق حسن خان: "وهي كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم والمصر الجامع والعدد المخصوص، فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما؛ فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط" قال: "ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور قريبا؛ من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إقامته -صلى الله عليه وسلم- في زمنه في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات"ثم قال في الشروط الاجتهادية:"ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار ولا بعصر من العصور بل تبع فيه الآخر الأول؛ كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة. وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل"(الروضة الندية:1/135 ط المعرفة) وذكر أن الشوكاني ألف فيها مصنفين مطولا ومختصرا لرد تلك الشروط التي لا دليل عليها.
- وقبله قال الإمام الشوكاني ما حكاه مفتي الديار.
- وقبله قال الإمام الصنعاني: "وقد سرد الشارح الخلاف، والأقوال في كمية العدد المعتبر في صلاة الجمعة فبلغت أربعة عشر قولا وذكر ما تشبث به كل قائل من الدليل على ما ادعاه بما لا ينهض حجة على الشرطية" (سبل السلام:1/414، ط دار الحديث). قال: وقد كتبنا رسالة في شروط الجمعة التي ذكروها ووسعنا المقال والاستدلال سميناها: اللمعة في تحقيق شرائط الجمعة.
- وقبله شيخ الإسلام حيث اختار أنها تنعقد بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان؛ مؤذن ومستمع، راجع الاختيارات:79، والفتاوى:24/187.
- وقبله قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم في اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها، هو كون بعض تلك الأحوال أشد مناسبة لأفعال الصلاة من بعض، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة، إذ كان معلوما من الشرع أنها حال من الأحوال الموجودة في الصلاة، ولم ير مالك المصر ولا السلطان شرطا في ذلك لكونه غير مناسب لأحوال الصلاة ورأى المسجد شرطا لكونه أقرب مناسبة، حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ وهذا كله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر. ولقائل أن يقول: إن هذه لو كانت شروطا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها -عليه الصلاة والسلام- ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ولقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: 64] ، والله المرشد للصواب". (بداية المجتهد: 1/170 ط دار الحديث).
قال شيخ الإسلام: "والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة... وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا. وكان عبد الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم". (المجموعة 24/209).
فالحاصل: أن ما استدل به الفقهاء في اشتراط المصر والمسجد والإمام الأعظم وإذنه وعدد الجماعة وغيرها من الشروط فكلها من دلالة الاقتران العملي؛ ثبتت باستقراء الأحوال، أحوال صلاة الجمعة في عهده -صلى الله عليه وسلم-، لكنها ضعيفة في الاستدلال؛ لأنها أثبتت ببحث المناسب منها للشرطية، وهذا راجع لآراء الرجال؛ كما أشار ابن رشد، فتحتاج إلى [أدلة خاصة]، لذلك اضطرب الفقهاء واختلفوا في ضبط الشروط كثيرا، ولا عبرة إلا بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
3/ يصح إعمال أصل آخر غير هذا؛ وهو التداخل بين الأحكام المتحدة الجنس، كالغسلين والغسل مع الوضوء، وقاعدتها أن يدخل الأقوى على الأضعف، وإن تساويا أغنى الواحد عن الآخر، فالجمعة والعيد يحصل بأحدهما المقصود، فكذلك الجمعة في البيوت لعدم الاستطاعة في المسجد تغني عن الظهر؛ لأنه لا فرق بينها وبين الجماعات إلا بالخطبة، فتداخلا. لأثر ابن الزبير وعمر قبله وإقرار ابن عباس -رضي الله عنهم-. أو قل: تعمل قاعدة البدلية على رأي المالكية كما نقل الشيخ عن القاضي، وكلاهما متجه؛ حيث إن المسألة تدور بين عموم وخصوص مطلق وبين عموم وخصوص من وجه، يعني: تداخل لاتحاد الجنس أو بدلية لاتحاد السبب، وهي مبنية على الخلاف: هل هي مستقلة بأحكامها أم بدل عن الظهر. والأول أظهر؛ لأن سببها يوم الجمعة وسبب الظهر الظهيرة، إلا أن الإجماع على أنه لا تسقط إحداهما إلا بشهود الأخرى.
- وأصل ثالث: وهو أن العمل بالأحكام يضيق ويتسع بحسب الاستطاعة، فقد أمكن عمل الجمعة في البيوت بشرط عدم المفسدة لكي لا يضيع الشعار وفائدة الوعظ، خاصة إذا طال زمن الحجر بسبب هذا المرض. وقد قال شيخ الإسلام: "لا تتقى شبهة بترك واجب" (الفتاوى الكبرى:5/397)، والواجب يؤدى بحسب الاستطاعة، وأيضا؛ كان عبد الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم.
- وأصل رابع: وهو أن الأصل في خطبتها التذكير والوعظ، فقبل فرض الجمعة زمنه -صلى الله عليه وسلم-؛ كان يعظ من يحضره ويدعو عشيرته الأقربين دون تخصيص بالجمعة، ثم وسع الدعوة شيئا فشيئا حتى فتح الله عليه بعد الهجرة، وكذلك الأنصار بعد بيعة العقبة دعوا أهليهم شيئا فشيئا إلى أن صليت أول جمعة مع مصعب بن عمير في بني سالم بن عوف، ثم تلتها جمعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم جمعة جواثى بالبحرين، وتتابعت في قباء، ثم في مسجده -صلى الله عليه وسلم-. فكان الاجتماع للوعظ غير مقيد بزمن ثم قيد بالجمعة، وجعلت لها أحكامها. فكان المانع من إقامة الشعيرة في المسجد الحرام غلبة الكفار، والآن المانع هو غلبة الوباء، وأما السلطان حفظه الله ووفقه لكل خير؛ فقد علقها في المساجد وأطلقها في البيوت؛ جماعة وجمعة، لأنهم لا بد لهم من الاجتماع في البيوت مثل الطعام والتمريض والنوم والتعليم... ولأن الأمر اجتهاد فلا تعدو المسألة خلافها الفقهي، وهو مبني على رعاية المفسدة، حتى لو سميتموه شذوذا، فما هذا التأليب؟
ومثل تجويزها ما يفعله بعض المسلمين في بلاد الكفر حيث يصلون في بيوت يتخذونها للتجميع، وهو ما استحسنه الألباني -رحمه الله- وقد كان يجمِّع بطلابه، وفعله مقبل في أسفاره وألف فيه رسالة نصر بها مذهب الظاهرية في عدم اشتراط المكان، وجوزه ابن باز للمستقرين ولو قل عددهم. فانظروا في الأصول والحكم والغايات والعلل. أو انتهوا.
ذي المعَالي فَلْيَعْلُونْ مَنْ تَعَالى هكذا هكَذا وإلاَّ فَلا لاَ
- وأما عدم العهد بها في البيوت، فيقلب الاستدلال على من أنكر قول الشيخ؛ حيث أجاز الحاكم في بعض المساجد ومنع في أغلب مساجد البلاد، والعلة بين القولين هي هي، لأنه عندهم أمكن التجميع في تلك المساجد القليلة لتوفر القدرة على التحكم بالتعقيم وغيره، فكذلك على قول الشيخ توفرت في البيوت القدرة على إقامتها لقلة الاختلاط بالناس وقلة العدد وضعف احتمال العدوى. والمقصود أن التفريق بين بعض المساجد دون بعض كذلك لم يعهد فعله.
إلا على رواية أنها تصير فرض كفاية بشرط حصول العدد المعتبر، وهو كذلك محل البحث هنا.
كذلك السعي إليها؛ فعلى اختيار مالك وقول الحسن وقراءة عمر وابن مسعود: {فامضوا إلى ذكر الله} هو العمل وشدة الاهتمام بها لا السعي بالمشي، وهو كما قال تعالى: {وَمَن أَرَاد الآخِرَةَ وسَعَى لَها سَعيَهَا} [الإسراء:19].
وهاتان النقطتان سيقتا -عرضا- في حق بعض الفضلاء من العلماء وطلبة العلم ممن رد الفتوى، فحاشاهم أن نقصدهم بما تقدم من الكلام، فقد ردوا بأدب وحلم وعلم، حفظهم الله.
أقول هذا، وأنا شخصيا أصليها ظهرا، لكن أردت أن أقول: رأي الشيخ له وجه كما سبق بيانه، والله أعلم.
أما ما يدندن حوله (أهل الحواشي) فهو خارج عن محل المسألة أصلا؛ لأننا نتكلم عن حال عدم التمكن من إقامتها في المساجد لمانع الوباء فيتدارك منها ما يستطاع، وأما هم فينقلون كلام العلماء في حال إقامتها في المساجد ووجود من لا يستطيع الخروج إليها كالمسجونين، فافترقا.
فالشيخ يدندن حول العزيمة، وهم ينقلون أحكام الرخص. فيقال في هؤلاء كما قيل في الحجاج:
شَكَونَا إلَيْهِ خَرَابَ السَّوادِ فـحــرَّمَ فِينَـــــــا لُحُومَ البَقَرْ
فَكَانَ كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَنَـــــا أُرِيْهَا السُّهَا وَتُرِيْنِي القَمَرْ
فالشيخ علامة الجزائر يكتب للأجيال القادمة. وهو من أعرف العلماء بالأصول ومقاصد الشريعة، ومن أدراهم بالمصالح والمفاسد. ثبته الله ومتعنا بعافيته وعلمه.
أما الطعن في الفتيا منهجيا، كما فعلتم كثيرا، من أجل تأليب الحاكم فالله يغفر لكم ويهديكم سواء السبيل، وإن لم تتوبوا فإنها تترك ليوم القيامة.
وتأملوا قول مالك -رحمه الله-، قال بن القاسم قال لي مالك: "إن لله فرائض في أرضه؛ فرائض لا يسقطها الوالي، قال بن القاسم: يريد الجمعة" [الاستذكار: 2/57].
وأذكركم بمراجعة فصل معاملة الحكام من كتب العقيدة السلفية، كما أذكركم بأن مسألة اشتراط المكان والعدد فقهية خلافية من زمن السلف إلى اليوم، وأيضا؛ من قواعد المباحثة العلمية في الفقه ألا تخلط المسائل الفقهية بالمسائل المنهجية، بخلاف كتب العقيدة تذكر فيها بعض المسائل الفقهية عندما تكون المخالفة شعارا لأهل البدع، وما كنت أحسب يوما أن يجركم الصبيان إلى هذا الحد، والله المستعان.
ثم ها أنتم حصلتم مرامكم، ثم ماذا؟
- وأخيرا؛ إعراضا عن الاعتراض، ينبغي التواصي بوصايا شرعية في مقابلة هذا الوباء والبلاء، حتى يفرج الله عز وجل، منها ما يلي:
الثانية: التوكل على الله عز وجل والتضرع إليه في رفع البلاء، فهو الذي يصرّف الأمور كيف يشاء، وهو الذي يَصرف الوباء عمن يشاء، ويبتلي به من يشاء، هذا مع الأخذ بالأسباب في التداوي والاحتراز، وهذا من تمام التوكل، لكن ليس معناه التوكل على الأسباب، فذلك يقدح في التوحيد والتوكل، قال شارح الطحاوية: "ومما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفة من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا، نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ومعنى التوكل والرجاء، يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع.
وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، ورجاؤه والاستناد إليه. وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس بمستقل، ولا بد له من شركاء وأضداد مع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر". [شرح الطحاوية:468].
فينبغي تعليق القلب بالله عند فعل السبب.
الثالثة: أن نتيقن أن الوباء لا يقع إلا بقدر الله، وأن الاحتراز منه بعدم قربانه وعدم التقارب فرار من قدر الله إلى قدر الله أخذا بوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعمل عمر -رضي الله عنه-، فكل شيء بقدر، وأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. والصبر عبادة وانتظار الفرج عبادة، وقد علم بالتجربة أن الصبر والتجلد عند المرض مما يقوي المناعة.
الرابعة: أن نستبشر خيرا وراء هذا البلاء، وأن نستيقن أنه مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب، وأنه عسى أن نكره شيئا وهو خير لنا، وعلينا بالتفاؤل خيرا وأن نظن بالله خيرا، والله تعالى يبتلينا لنرجع إليه؛ فكم من فساد عم، وكم من معصية انتشرت، وبسبب هذا الوباء انحسرت كثيرا، فنسأل الله تعالى أن يردنا إلى دينه، وأن يتوب علينا لنتوب.
كذلك، نستيقن ضعف الإنسان وجهله وقلة حيلته وهوان قوته، فهذا الوباء مجهول الحجم والمصدر أربك أعتى الأطباء وجبابرة الحكومات، وسد على أصح الأبدان أبواب بيوتها، ليعلم البشر أنهم تحت قهر الواحد القاهر فوق عباده.
الخامسة: ما أحوجنا إلى الأخذ بوصية معاذ -رضي الله عنه- لما حضرته الوفاة بسبب الطاعون؛ حيث قال لبعض أصحابه: "خذ عني ما آمرك به، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين في جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله كثيرا على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تزنِ، ولا تعقّ والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيما، ولا تظلم مسلما، وحج واعتمر، وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة". [الاكتفا، للكلاعي: 2/ 316].
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرفع عنا الوباء وأن يعافينا في أبداننا وأوطاننا، وأن يعافي جميع المسلمين وأن يعفو عنا، ونسأله سبحانه أن يردنا إلى دينه ردا جميلا.آمين.
كتبه: عبد الجبار كعيبوش. بِـــــفــــدولــــس، ميلة
يوم الأحد. 5 شعبان 1441هـ، موافق 29/03/2020م.