بسم الله الرحمن الرحيم
لم أر سليمان في صلاة الصّبح...!
لم أر سليمان في صلاة الصّبح...!
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد، فإنّ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وإن عمر غدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان، فقال لها: "لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: "لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة" رواه مالك في الموطأ.
وإن المتأمل في هذه القصة ليجد فيها المواعظ البليغة، والفوائد الجليلة، والتي منها:
أوّلا: الحفاظ على صلاة الفجر في وقتها مع جماعة المسلمين في بيوت الله تعالى.
وهذا واجب على رجال هذه الأمّة، وله من الفضل العظيم الذي يعود عليهم في الدّنيا و الآخرة.
يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "من صلى الفجر فهو في ذمة الله" رواه مسلم.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا مرغبا فيها : "بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داوود، وما أحوجنا إلى هذا النّور في ذلك الموقف العظيم.
وإذا علمت أنّ صلاة الفجر من أعظم أسباب دخول الجنّة، فما يحول بينك وبينها؟
يقول النّبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى البردين دخل الجنة" رواه الشيخان.
ثانيا: حسن العشرة والوفاء للأصحاب.
مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تخرج منها جيل متكامل في دينه وأخلاقه وقيمه، أسوتهم في ذلك معلمهم ومربيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان رمزا لحسن العشرة والصحبة، يتفقد الأحباب، ويواسي المصاب، يتصدق على المحتاج، ويزور المريض ويمشي في الجنائز، ويعلم الخير.
فعن بريدة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم" رواه الحاكم وحسنه الإمام الألباني.
وكان رجل من الأصحاب يجلس في حلقة النبي صلى الله عليه وسلم وله ابن يأتيه من خلفه فيجلس بين يديه، فمات الولد، فانقطع الرجل عن المجلس، لذكر ابنه وحزنه عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما لي لا أرى فلانا؟" رواه النسائي وصححه الإمام الألباني رحمه الله.
وغاب ثابت بن قيس وانقطع، فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل من يعلمه بحاله، كما رواه البخاري عن أنس.
بل وفي أصعب الأحوال وأهمها يسأل ويتفقد أصحابه، ففي غزوة تبوك، لما بلغها النبي صلى الله عليه وسلم، سأل : "ما فعل كعب بن مالك؟" رواه الشيخان.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى وأتم صلاته، سأل عن الحضور، "أشاهد فلان؟ أشاهد فلان؟" رواه أبو داوود والنسائي وغيرهما وصححه الإمام الألباني رحمه الله.
ومن هذه المدرسة تخرج الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو على العهد الذي تركه عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، متأس به، يتفقد أصحابه عامة وعمار أهل المسجد خاصة، وعلى فليكن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يصحبوا نفسه ولكن أنفاسه صحبوا.
ثالثا: التّواضع خلق الأشراف مهما علت منزلتهم.
فهذا عمر بن الخطّاب خلفية رسول الله وأمير المؤمنين، يتفقد الناس من حوله، ولم تكتفي بذلك، بل قصد سكن سليمان يسأل عنه ويطمئنّ لحاله، تواضعا منه وحرصا على أصحابه.
و"ما تواضع عبد لله إلا رفعه" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة.
وكان الله تعالى قد خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملكا رسولا أو أن يكون عبدا رسولا، فأشار إليه جبريل عليه السلام "أن تواضع" فاختار أن يكون عبدا رسولا، كما رواه أبو داوود عن أبي هريرة وصححه الإمام الألباني رحمه الله، فعاش النبي صلى الله عليه وسلم متواضعا، فجزاه الله بذلك رفعة في الدنيا و الآخرة.
رابعا: شهود الصّبح جماعة خير من أفضل العبادات النّوافل.
وهذا من فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" رواه البخاري عن أبي هريرة.
فأحب الأعمال إلى الله تعالى التي يتقرب إليه بها هي الفرائض، وعلى رأسها الصلاة، فشأنها عند الله عظيم، وثمرها على صاحبها كبير، فإن "أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح باقي عمله" رواه أبو داوود والترمذي وصححه الإمام الألباني رحمه الله، ومن صلح عمله فقد أفلح ونجح ونجى.
خامسا: القيام لصلاة الفجر خير من السّهر في الطّاعة.
سليمان رضي الله عنه قضى ليله قائما بين يدي ربه، يناجي ربه عز وجل، متعبدا بأحب العبادات النوافل إلى الله تعالى، فغلبته عيناه فنام عن صلاة الصبح، مع ذلك يرشد عمر ويعاتب ويبين أن الصلاة التي نام عنها أفضل مما قام إليها.
فكيف بمن نام عن الصلاة بسبب هو ليس من الطاعة في شيء، كأن يستغلو بمباح فيتعب ويسهر؟!
والشّأن أعظم والخطر أكبر إذا كان سبب نومه عن الصّلاة سهره في معصية من معاصي والله تعالى.
ختاما:
إن على المسلم الحفاظ على صلاته التي هي عمود دينه وصلته مع ربه سبحانه، فمن وفق لذلك فليحمد الله تعالى على ما أنعم عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله تعالى.
ثم إن لهذا المسلم أهلا وأبناء وأصحابا، فليكن مقتديا متأسيا بنبيه صلى الله عليه وسلم وصحبه من بعده، فيتفقد أهله وأبناءه وإخوانه، يحثهم على الصلاة ويرغبهم، وإن غابوا سأل عنهم، وأبقظهم إليها، وبذلك يحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه، وأولى ما يتداعى إليه المسلم لأخيه دينه وعلى رأسه صلاته.
سبحانك الله وبحمد أشهد أن لّا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصلّى الله وسلّم على نبيّه محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه: أبو البراء يوسف صفصاف
السبت 10 ذو القعدة 1445
الموافق لـ 18 ماي 2024
السبت 10 ذو القعدة 1445
الموافق لـ 18 ماي 2024