إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دفع الإيهام فيما نُسِب إلى الشيخ فركوس-حفظه الله- من الشذوذ والإبهام. [الحلقة الأولى].

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دفع الإيهام فيما نُسِب إلى الشيخ فركوس-حفظه الله- من الشذوذ والإبهام. [الحلقة الأولى].

    بسملة


    عنوان البحث:
    دفع الإيهام
    فيما نُسِب
    إلى الشيخ محمد علي فركوس
    -حفظه الله-
    مِنَ الشذوذ والإبهام

    [الحلقة الأولى]
    موضوع البحث:
    دراسة في إبراز الفارق بين تأصيلات الشيخ الفقهية في فتاويه
    وبين الافتراء عليه بالشذوذ.
    ------





    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
    فإنّ المسائل الشرعية قد بُنِيَتْ على أسسٍ متينةٍ وقواعدَ أصيلةٍ عُرِفَتْ مِنْ وقت صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ففهموا شرعَ ربِّ العالمين فهمًا دقيقًا، ونقلوه إلى الناس نقلًا وثيقًا، ومع تقاربهم الكبير مِنْ حيث التخريجُ إلَّا أنَّه قد كَثُر بينهم الخلافُ في الفروع لاختلافهم في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، وقد يخالف الصحابيُّ الواحدُ عددًا مِنَ الصحابة كما وقع لابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في مسائلَ عديدةٍ ووقائعَ متكرِّرةٍ؛ فلم يُنسَب إلى أحَدٍ ممَّنْ خالف منهم الشذوذُ في القول ما دام أنَّ قوله لم يخرج عن كتاب الله وسنَّةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
    وعلى هذا المفهومِ سار الأئمَّةُ الأعلام الذين انتشرَتْ أقوالُهم في الآفاق ونُقِلَتْ خلفًا عن سلفٍ، فيُقابِلُ القولُ الأقوالَ والرأيُ الآراءَ؛ ومردُّ الترجيح عند السلف بين الأقوال: الدليلُ والعلَّة، وليس الكثرة والقلَّة.
    وممَّا شاهَدْناه ولاحَظْناه ومِنْ كلام العامَّة عهِدْناه: رميُ الشيخ الدكتور محمد علي فركوس ـ حفظه الله ـ في بعض الفتاوى بالشذوذ، واتَّخذوا ما يُتناقَل في مواقع التواصل الاجتماعيِّ دليلًا على حكمهم الجائر، فكُلُّ ما لم يعرفوه يكون عندهم قولًا شاذًّا ورأيًا مردودًا؛ ولا شكَّ أنَّ الحكم على القول بالشذوذ يَلْزَم منه معرفةُ معنى الشذوذ عند العلماء؛ ولا بأسَ مِنْ تعريفه وبيانِه لنتوصَّلَ بعدها إلى الحكم على فتاوى الشيخ حفظه الله -التي نُسِب إليها الشذوذُ- حكمًا على طريقة أهل العلم في التصويب والتخطئة.

    المبحث الأول: تعريف القول الشاذِّ

    المطلب الأوّل: تعريف الشذوذ لغةً:
    قال ابنُ فارس: «(شَذَّ) الشِّينُ وَالذَّالُ يَدُلُّ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْمُفَارَقَةِ؛ شَذَّ الشَّيْءُ يَشِذُّ شُذُوذًا؛ وَشُذَّاذُ النَّاسِ: الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي الْقَوْمِ وَلَيْسُوا مِنْ قَبَائِلِهِمْ وَلَا مَنَازِلِهِمْ؛ وَشُذَّانُ الْحَصَى: الْمُتَفَرِّقُ مِنْهُ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
    تُطَايِرُ شُذَّانَ الْحَصَى بِمَنَاسِمٍ ... صِلَابِ الْعُجَى مَلْثُومُهَا غَيْرُ أَمْعَرَا»([1])






    ويقول ابنُ منظور: «شَذَّ عَنْهُ يَشِذُّ ويَشُذُّ شُذُوذًا: انْفَرَدَ عَنِ الْجُمْهُورِ وَنَدَرَ، فَهُوَ شاذٌّ؛ وأَشذَّه غَيْرُهُ؛ ابْنُ سِيدَهْ: شَذَّ الشَّيءُ يَشِذُّ ويَشُذُّ شَذّاً وشُذوذاً: نَدَرَ عَنْ جُمْهُورِهِ؛ وشَذَّه هُوَ يَشُذُّه لَا غَيْرُ، وأَشَذَّهُ؛ أَنشد أَبو الْفَتْحِ بْنُ جِني:
    فَأَشَذَّني لِمُرُورِهِمْ، فَكَأَنني ... غُصْنٌ لأَوَّل عاضدٍ أَو عاسِفِ»([2])





    فالمراد بالشاذِّ في اللغة: المنفردُ النادر المختلف عن غيره مِنْ جنسه.

    المطلب الثاني: تعريف الشذوذ اصطلاحًا:
    إنَّ أهل كُلِّ فنٍّ قد اصطلحوا على تعريفٍ خاصٍّ لِلَفظ الشذوذ:
    فهو عند أهل مصطلح الحديث: "ما يخالِف فيهِ الرَّاوي مَنْ هُو أرجحُ منهُ"([3])
    وعند النحويين: "ما فارق ما عليه بقيَّةُ بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره"([4])

    أمَّا في الاصطلاح الفقهيِّ فالذي عليه المحقِّقون مِنَ العلماء أنَّ القول الشاذَّ هو القول المخالف للدليل ولو كان عليه الجمهورُ؛ يقول ابنُ القيِّم رحمه الله: "القَوْل الشاذُّ هُوَ الَّذِي لَيْسَ مَعَ قَائِله دَلِيلٌ مِنْ كتاب الله وَلَا مِنْ سنَّةِ رَسُول الله صلَّى الله عَلَيْهِ وَسلَّم؛ فَهَذَا هُوَ القَوْل الشاذُّ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهل الأرض"([5])
    فلم يعتبر العلماءُ في الشريعة قولَ الأقلِّ مرجوحًا نظرًا إلى عدد القائلين به، وإنَّما معيارُ الرجحانِ عندهم هو الدليلُ، وأصحابُه هم الجماعة ولو كانوا أفرادًا؛ وفي هذا يقول ابنُ القيِّم رحمه الله: "وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ وَالْحُجَّةَ وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ هُوَ الْعَالِمُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ: صَحِبْت مُعَاذًا بِالْيَمَنِ، فَمَا فَارَقْته حَتَّى وَارَيْته فِي التُّرَابِ بِالشَّامِ، ثُمَّ صَحِبْتُ مِنْ بَعْدِهِ أَفْقَهَ النَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَسَمِعْته يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ سَمِعْته يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَقُولُ: سَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ وُلَاةٌ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا فَهِيَ الْفَرِيضَةُ، وَصَلُّوا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ، قَالَ: قُلْت يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ مَا أَدْرِي مَا تُحَدِّثُونَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْت: تَأْمُرُنِي بِالْجَمَاعَةِ وَتَحُضُّنِي عَلَيْهَا ثُمَّ تَقُولُ لِي: صَلِّ الصَّلَاةَ وَحْدَك وَهِيَ الْفَرِيضَةُ، وَصَلِّ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ نَافِلَةٌ قَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ، قَدْ كُنْت أَظُنُّك مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، أَتَدْرِي مَا الْجَمَاعَةُ؟ قُلْت: لَا، قَالَ: إنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هُمُ الَّذِينَ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْت وَحْدَك، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي وَقَالَ: وَيْحَك، إنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى.
    وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: إذَا فَسَدَتِ الْجَمَاعَةُ فَعَلَيْك بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ قَبْلَ أَنْ تَفْسُدَ وَإِنْ كُنْت وَحْدَك، فَإِنَّك أَنْتَ الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ، ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
    وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ -وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ- فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ؟ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ وَأَصْحَابُهُ؛ فَمُسِخَ الْمُخْتَلِفُونَ الَّذِينَ جَعَلَوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَالْحُجَّةَ وَالْجَمَاعَةَ هُمْ الْجُمْهُورَ وَجَعَلُوهُمْ عِيَارًا عَلَى السُّنَّةِ، وَجَعَلُوا السُّنَّةَ بِدْعَةً، وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا لِقِلَّةِ أَهْلِهِ وَتَفَرُّدِهِم فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَالُوا: مَنْ شَذَّ شَذَّ اللَّهُ بِهِ فِي النَّارِ، وَمَا عَرَفَ الْمُخْتَلِفُونَ أَنَّ الشَّاذَّ مَا خَالَفَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَهُمُ الشَّاذُّونَ.
    وَقَدْ شَذَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ زَمَنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا فَكَانُوا هُمُ الْجَمَاعَةُ؛ وَكَانَتْ الْقُضَاةُ حِينَئِذٍ وَالْمُفْتُونَ وَالْخَلِيفَةُ وَأَتْبَاعُهُ كُلُّهُم هُمُ الشَّاذُّونَ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ الْجَمَاعَةَ، وَلَمَّا لَمْ يَتَحَمَّلْ هَذَا عُقُولُ النَّاسِ قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَكُونُ أَنْتَ وَقُضَاتُك وَوُلَاتُك وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ كُلُّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَأَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ عَلَى الْحَقِّ؟! فَلَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُهُ لِذَلِكَ؛ فَأَخَذَهُ بِالسِّيَاطِ وَالْعُقُوبَةِ بَعْدَ الحَبْسِ الطَّوِيلِ؛ فَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ، وَهِيَ السَّبِيلُ الْمَهْيَعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ، مَضَى عَلَيْهَا سَلَفُهُمْ، وَيَنْتَظِرُهَا خَلَفُهُمْ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} [الأحزاب: 23] وَلَا حَول وَلَا قُوَّة إلَّا باللّه العليّ العظيم."([6])
    والذي بيَّنه ابنُ القيِّم رحمه الله هو المنهجُ الربَّانيُّ والخُلُقُ القرآنيُّ الذي علَّمه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابَه وأخذه التابعون عن الصحابة وتَناقَله العلماءُ جيلًا عن جيلٍ، فنُصِر بمواقفهم الدِّين، ونُقِل إلينا شرعُ ربِّ العالمين جليًّا نقيًّا صافيًا.

    يقول الشيخ فركوس -حفظه الله- مبيِّنًا الشذوذَ في المسائل الشرعية: "فحدُّ الشذوذ هو: "مخالفة الحقِّ، فكلُّ مَنْ خالف الصوابَ في مسألةٍ ما فهو فيها شاذٌّ"([7])، وهذا القول الذي رجَّحه ابنُ حزمٍ بعد أَنْ ذَكَر حدَّ الشذوذ عند العلماء وفنَّدها، ذلك لأنَّ مفارقةَ الواحدِ مِنَ العلماءِ سائرَهم إمَّا أَنْ يكون عن دليلٍ وحجَّةٍ أو لا، فإِنْ كانت مخالفتُه مبنيَّةً عن أدلَّةِ الشرع، وحقَّق فيها الحقَّ والصوابَ فما هو بشاذٍّ، بل هو الجماعة وإِنْ كان وَحْدَه، لأنَّ مَنْ كان وَفْقَ الحجَّة والبرهان مِنْ كتابٍ أو سنَّةٍ، وقَوِيَتْ حجَّتُه وافق الحقَّ، وهو الأصلُ الذي قامَتِ السماواتُ والأرض به لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الحِجْر: ٨٥]؛ أمَّا إذا كان خروجُه عن الجماعة في صوابها، وتعلَّقَ خروجُه بمخالفة الحقِّ الذي هو مع غيره، فهو شاذٌّ عن الحقِّ موافقٌ للباطل الذي هو خروجٌ عنه وشذوذٌ منه، لأنَّه ليس في الوجود إلاَّ حقٌّ وباطلٌ، فإذا لم يَجُزْ أَنْ يكون الحقُّ شذوذًا فلَزِم أَنْ يكون الشذوذُ هو الباطلَ.

    وعليه، فلا يُسمَّى قولُ الأقلِّ شاذًّا، ولا قولُ الواحد ما دام الحقُّ قائمًا عنده مُستمسِكًا به، ولم يَرِدْ ما يُبِطله، فهو الجماعةُ أو جملةُ أهلِ الحقِّ، وقد أسلم أبو بكرٍ وخديجةُ رضي الله عنهما فقط، فكانا مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم هما الجماعةَ، وسائرُ الأرض أهلَ الشذوذ والفُرقة، ومَنْ جانب الصوابَ وخالف الحقَّ فهو الشاذُّ ما دام الباطلُ قائمًا عنده مُستمسِكًا به ولو كانوا جماعةً أو جملةً"([8]).

    المبحث الثاني: الشيخ فركوس ومرجعه في الاجتهاد.
    المطلب الأوَّل: منهجه -حفظه الله- في تحرير المسائل الفقهية:
    إنَّ المطَّلِع على فتاوى شيخنا -حفظه الله- يلحظ نقاطًا عدَّةً:
    1. تبسيط المسألة حتَّى يتأتَّى للقارئ تصوُّرُها.
    2. تحرير محلِّ الاتِّفاق ومحلِّ النزاع بين العلماء في المسألة المدروسة.
    3. ذكر الأدلَّة الشرعيَّة مرتَّبةً على منهج العلماء في الاستدلال، مبتدئًا بالكتاب ثمَّ السنَّة ثمَّ الاجماع إِنْ وُجِد ثمَّ القياس ثمَّ غيرها مِنَ الأدلَّة مرتَّبةً حسب قوَّتها في الدلالة.
    4. تتميَّز فتاوى الشيخ -حفظه الله- بالبناء على الأصول وتخريجها عليها؛ ومَنْ قرأ تحقيق الشيخ وتعليقه على كتاب «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني عرف مرتبتَه الأصوليَّة كما ذكر الشيخ سليمان الرحيلي حين ذكر تحقيق الشيخ للمفتاح.
    5. ذكر القول الراجح عنده، ومَنْ سبقه فيه مِنَ العلماء مقدِّمًا لقول الصحابة ثمَّ التابعين فالأئمَّة الأربعة ثمَّ مَنْ تَبِعهم مِنَ الأئمَّة الأعلام.
    6. ذكر الأقوال المرجوحة عنده وتفنيد أدلَّة القائلين بها.
    7. توقير واحترام أهل العلم والاعتذار لهم فيما أخطأوا فيه، مع تفنيد القول على طريقة الفقهاء.
    8. ذكر الصور المستثناة مِنَ الحكم الراجح إِنْ وُجِدَتْ مع بيان وجه استثنائها مِنَ الحكم.

    المطلب الثاني: ثناء العلماء والمشايخ عليه وإحالة الفتوى إليه.
    إنّ آثار الشيخ فركوس العلمية التي بلغت العلماءَ كانت كفيلةً بثنائهم عليه وإحالة المستفتين إليه؛ لما فيها مِنَ الحقِّ المبين على طريقة السلف الأوَّلين، والإحالةُ مِنْ علماء الحجاز وغيرهم على الشيخ فركوس -مع أنَّ كثيرا منهم لم ير الشيخَ- فيما يَرِدهم مِنْ أهل الجزائر وما جاورها مِنَ البلدان لدليلٌ على قوَّة الشيخ في تنزيل الأحكام الشرعيَّة على الواقع حسبَ ما تقتضيه النصوصُ والمصلحة الشرعيَّة؛ إذ لو كان الحكمُ لا يحتاج إلى تنزيلٍ لَاكْتفَوْا بذكرِ ما يعتقدونه راجحًا في المسألة، مِنْ باب الردِّ إلى الأقدر على التنزيل في تلك الواقعة، سواءٌ على الأشخاص لأنهم أهل بلده، أو على الأحوال والظروف لاختلاف الظروف مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ، أو لتَعلُّقه بفنٍّ مِنَ الفنونِ الشيخُ أَقوَمُ به مِنَ المسؤول لتخصُّصه فيه، أو تنبيهًا على فضل الشيخ عند مَنْ أَحسُّوا منه عدولًا وانصرافًا عن الشيخ وزهادةً فيه، أو اعترافًا بأفضليَّتِه وتوقيرًا لسِنِّه بسابقتِه إِنْ كان المسؤولُ أصغرَ مِنَ الشيخ.
    وممَّنْ أحال إلى الشيخ فركوس -حفظه الله- مِنْ أهل المشرق:
    1. الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله
    2. الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله.
    3. الشيخ عبد الرحمن محيي الدين حفظه الله
    4. الشيخ عبيد الجابري حفظه الله.
    5. الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله
    6. الشيخ محمد بن محمد صغير عكور حفظه الله
    7. الشيخ سليمان الرحيلي حفظه الله.
    8. الشيخ سليمان أبا الخيل حفظه الله
    9. الشيخ وصي الله عبّاس حفظه الله
    10. الشيخ محمد بن رمزان الهاجري حفظه الله
    11. الشيخ محمد العقيل حفظه الله
    12. الشيخ سعيد الرسلان حفظه الله.
    13. الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه الله
    14. الشيخ ناصر زكري حفظه الله
    15. الشيخ أحمد بن عمر بازمول حفظه الله
    16. الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله
    وغيرهم كثيرٌ منهم دكاترةُ الجامعة الإسلاميَّة وبالخصوص الذين هم في قسم الأصول، وكثيرًا ما سألني -وأنا طُوَيْلِبٌ- أساتذتي الذين درَّسوني في الأصول والفقه بالجامعة عن قول الشيخ في المسألة المدروسة أثناءَ المحاضرة، حتى إنَّ القائمين على الجامعة الإسلامية يعتبرون الشيخَ فركوس مفخرةً للجامعة كونَه دَرَس فيها، وحاز حفظه الله على تشريفٍ منهم لِمَا رأَوْه مِنْ آثاره النافعة التي بلغت الآفاقَ.

    وبهذا يتبيَّن أنَّ الذي يرمي الشيخَ بالشذوذ في الأقوال هو أحَدُ ثلاثةٍ:
    - إمَّا أَنْ يكون جاهلًا بمعنى الشذوذ وإطلاقات العلماء له.
    - أو أَنْ يكون جاهلًا بمقدار الشيخ ومؤهِّلاته الأصولية ومكانته الفقهيَّة والعلميَّة.
    -وإمَّا أَنْ يكون ممَّنْ تَقطَّع قلبُه حسدًا مِنْ أصحاب النفوس المريضة ممَّنْ كَسَف ضوءُ الشيخ نورَه إِنْ كان له نورٌ، أو مَنْ أراد أَنْ يمهِّد لنفسِه وينفِّق لزيوفِ بضاعته فلم يُمكِنْه ذلك إلَّا بالطعن في علم الشيخ ودِينه؛ وما أكثرَهم في بلدنا الحبيب.

    وبناءً على ما سبق سنعرض بعضَ فتاوى شيخنا الفقيه الأصوليِّ فضيلةِ الدكتور محمد علي فركوس حفظه الله، ونقف مع كلِّ فتوَى وقفاتٍ نُزيلُ فيها تلبيسَ الملبِّسين ونفنِّد افتراءَ المفترين، عسى اللهُ أَنْ ينفع بها مَنْ كان للحقِّ معظِّمًا ولمعرفة شرع الله طالبًا محقِّقًا.

    الفتوى الأولى:
    في حكم الجمعة في الأبنية حالَ العجز عن أدائها في المسجد الجامع.






    وهذا رابطها: http://ferkous.com/home/?q=fatwa-1231
    ولنا مع فتوى شيخنا حفظه الله وقفاتٌ:

    الوقفة الأولى: تُعتبَر هذه المسألة مِنَ النوازل الفقهية الطارئة على العلماء؛ إذ إنه لم يُنقَل عن العلماء حكمُ صلاة الجمعة حالَ غلق المساجد وتعذُّر الاجتماع.
    وكما هو معروفٌ أنَّ النظر في النوازل خاصيَّةُ العلماء الربَّانيِّين؛ وقد منَّ اللهُ على أهل الجزائر بالعلَّامة فضيلة الشيخ الدكتور محمد علي فركوس -حفظه الله- فهو مرجعُ المفتين والمستفتين فيها، وقد أفتى حفظه الله في جُلِّ النوازل الطارئة على الساحة الدعوية مِنْ عباداتٍ ومعاملاتٍ مع كثرتها وتنوُّعها؛ وكَتَب اللهُ لشيخنا القبولَ فيما حرَّره عند الخاصَّة والعامَّة وراجت بين الأئمَّةِ وطُلَّاب العلم لِمَا فيها مِنَ التوضيح والتيسير، مُستدِلًّا لكُلِّ ما يقوله بكتاب الله وسُنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ مُعمِلًا للقواعد الشرعيَّة على نهج سلفه مِنَ العلماء، فكانت فتاوى الشيخ حفظه الله في النوازل المرجعَ لجميع مَنْ تصدَّر للإفتاء في بلدنا الحبيب.

    الوقفة الثانية: ذكر الشيخ حفظه الله مسألة اشتراط المسجد والعدد وإذن وليِّ الأمر لإقامة صلاة الجمعة، ورجَّح عدمَ الاشتراط في جميعِ ما ذَكَر. وكما سبق في المقدِّمة لا بُدَّ للناظر في الأقوال الشرعيَّة أَنْ يرى الأدلَّةَ التي بُني عليها الحكمُ؛ إذ بها يميَّز القولُ الصحيح مِنَ الضعيف والمقبولُ مِنَ الشاذِّ المردود.
    وقد استدلَّ حفظه الله على قوله باستصحاب حكم النفي ما دام أنَّ الاشتراط لم يثبت بدليلٍ صحيحٍ؛ ومعلومٌ أنَّ الشروط في العبادات توقيفيَّةٌ، بل غايةُ ما في آيةِ الجمعةِ السعيُ إلى ذِكرِ الله عند سماع النِّداء، وليس فيها ذِكرُ المسجد؛ وقد فسَّرت السنَّةُ الذِّكرَ بالخُطبة، وغايةُ السعي المذكور إلى ذكِر الله أَنْ يكون مِنْ جنس إجابة المؤذِّن والمقيم في قوله: «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح» بالقيام إلى الصلاة؛ فإذا لم تنافِ إجابةُ الدعوةِ والقيامُ إلى الصلاة أداءَها للعذر في غير المسجد فكذلك هنا؛ وثنَّى حفظه الله بنفي الفارق بين الجمعة والجماعة في غيرِ ما استثناه الدليلُ مِنْ إيجاب الخطبتين للجمعة؛ وعضَّده بقول عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه: "جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ" وهو نصٌّ في المسألة فوجب المصيرُ إليه؛ بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "..فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.."([9]) مُستدِلًّا بالنصوص الشرعيَّة على وجوب تقديم أوامر الخالق على أوامر المخلوق.

    الوقفة الثالثة: إنَّ إسقاط الشروط السالفة عن صلاة الجمعة لعدم دليلها ليس قولًا شاذًّا لموافقة الحكم للأدلَّة الشرعيَّة السابقةِ الذِّكر؛ هذا إذا افترضنا انفرادَ الشيخ بهذا القول، كيف وقد سبق العلماءُ الشيخَ في نقض هذه الشروط وإسقاطِها، وكلُّ مَنْ أسقط شرطًا مِنَ الشروط استدلَّ بما أورده الشيخ حفظه الله أو ذَكَر ما هو مِنْ جنسه أو زاد عليه بسطًا.
    فمِنَ العلماء الذين سبقوا الشيخَ فيما ذُكِر -زيادةً على ما ذَكَره حفظه الله مِنْ قول الشوكاني
    والقاضي عبد الوهَّاب- على سبيل الاستشهاد لا الحصر:

    1- قال ابنُ المنذر رحمه الله: "وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ.} [الجمعة: 9] الْآيَةَ، فَاتِّبَاعُ ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجِبُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ جَمَاعَةٌ دُونَ عَدَدِ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ للهِ فِي عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ مُرَادٌ لَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ كَانَتِ الجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ فِي دَارِ إِقَامَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ أَنْ يُخْرِجَ قَوْمًا مِنْ جُمْلَتِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَفْزَعُ إِلَيْهَا، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِهِ الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْكِتَابِ، وَأَنْ لَا يُحَالَ ظَاهَرٌ مِنْهُ إِلَى بَاطِنٍ، وَلَا عَامٌّ إِلَى خَاصٍّ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوِ اتِّفَاقٍ"([10])

    2- قال ابن حزم رحمه الله: "وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَحَدٌ إلَّا مَنْ جَاءَ نَصٌّ جَلِيٌّ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْفَذَّ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ."([11])

    3- قال النووي رحمه الله "وَلَوِ انْهَدَمَتْ أَبْنِيَةُ الْقَرْيَةِ أَوِ الْبَلَدِ، فَأَقَامَ أَهْلُهَا عَلَى الْعِمَارَةِ، لَزِمَهُمُ الْجُمُعَةُ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانُوا فِي مَظَالَّ أَوْ غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِيطَانِ؛ وَلَا يُشْتَرَطُ إِقَامَتُهَا فِي مَسْجِدٍ وَلَا فِي كُنٍّ، بَلْ يَجُوزُ فِي فَضَاءٍ مَعْدُودٍ مِنْ خِطَّةِ الْبَلَدِ"([12]).

    4- قال ابن قدامة رحمه الله: "وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ، وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنْ الصَّحْرَاءِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ الْبُنْيَانِ؛
    لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْبَعِيدَ.
    وَلَنَا: أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَمَّعَ بِالْأَنْصَارِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، وَالنَّقِيعُ: بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً، فَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ نَبَتَ الْكَلَأُ.
    وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَجَازَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ كَالْجَامِعِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ عِيدٍ، فَجَازَتْ فِي الْمُصَلَّى كَصَلَاةِ الأَضْحَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَلَا نَصَّ فِي اشْتِرَاطِهِ وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَلَا يُشْتَرَطُ"([13])

    5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتجب الجمعة على مَنْ أقام في غير بناءٍ كالخيام وبيوت الشعر ونحوها"([14])

    -وقال أيضا: "والذى عليه الجمهور كمالك والشافعى وأحمد: أنَّ الجمعة تُقامُ فى القرى لأنَّ في الصحيح عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: أوَّلُ جمعةٍ جمِّعَتْ في الاسلام بعد جمعة المدينة جمعةٌ بجُواثَى -قريةٍ مِنْ قرى البحرين- وكان ذلك على عهد رسول الله حين قدم عليه وفدُ عبد القيس، وكذلك كتب عمر بنُ الخطَّاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا، وكان عبد الله بنُ عمر يمرُّ بالمياه التي بين مكَّةَ والمدينة وهم يقيمون الجمعةَ فلا ينكر عليهم"([15])

    6- قال البهوتي رحمه الله: " فصل: (يشترط لصحتها) أي: صحة الجمعة أربعة شروط (ليس منها إذن الإمام)؛ لأنَّ عليًّا صلَّى بالناس وعثمانُ محصورٌ فلم ينكره أحدٌ، وصوَّبه عثمان، رواه البخاريُّ بمعناه."([16])

    7- قال الشيخ أبو الطيِّب محمد صديق خان رحمه الله: "(وهي كسائر الصلوات لا تخالفها): لكونه لم يأتِ ما يدلُّ على أنها تخالفها في غير ذلك.
    وفي هذا الكلام إشارةٌ إلى ردِّ ما قِيلَ: إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص؛ فإنَّ هذه الشروطَ لم يدلَّ عليها دليلٌ يفيد استحبابها، فضلًا عن وجوبها، فضلًا عن كونها شروطًا؛ بل إذا صلَّى رجلان الجمعةَ في مكانٍ لم يكن فيه غيرُهما جماعةً؛ فقَدْ فَعَلا ما يجب عليهما؛ فإِنْ خَطَب أحَدُهما فقَدْ عَمِلَا بالسنَّة، وإِنْ تركا الخُطبةَ فهي سنَّةٌ فقط، ولولا حديثُ طارق بنِ شهابٍ - المذكورُ قريبًا - مِنْ تقييد الوجوب على كُلِّ مسلمٍ بكونه في جماعةٍ، ومِنْ عدم إقامتها في زمنه [صلى الله عليه وسلم] في غير جماعةٍ: لكان فعلُها فرادى مجزئًا كغيرها مِنَ الصلوات."([17])
    8- بل إنَّ مجمع الفقه الإسلاميِّ بجدَّةَ أفتى بأنَّ إقامة صلاة الجمعة في الكنائس أفضلُ مِنْ تعطيلها؛ فقَدْ جاء في المجلَّة "إذا لم تكن هناك أماكنُ مُعَدَّةٌ لإقامة الصلوات الخمس وصلاةِ الجمعة وصلاة العيدين فلا بأسَ مِنَ الصلاة في الكنيسة؛ لأنَّ الصلاة في الكنائس مكروهةٌ وإقامةَ الشعائر الدينيَّةِ خيرٌ مِنْ تركها، وإنما الأعمالُ بالنيَّات."([18])

    9- وَرَد في الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة في ذكر الأقوالِ فيمَنْ تنعقد بهم الجمعةُ:
    " أَوَّلُهَا: حُضُورُ وَاحِدٍ سِوَى الإْمَامِ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ -"([19])

    10- قال الشيخ الألبانيُّ رحمه الله: "لقد اختلفت أقوالُ العلماء كثيرًا في العدد الذي يُشترَط لصحَّة صلاة الجمعة حتَّى بلغت إلى خمسةَ عَشَرَ قولًا، قال الإمام الشوكانيُّ في السيل الجرار: "وليس على شيءٍ منها دليلٌ يُستدَلُّ به قطُّ، إلَّا قولَ مَنْ قال: إنها تنعقد جماعةُ الجمعة بما تنعقد به سائرُ الجماعات"
    . قلت: وهذا هو الصواب إِنْ شاء الله تعالى"([20])

    11- قال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله: "روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي مِنْ حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ما مِنْ ثلاثة في قرية لا تُقامُ فيهم الصلاةُ إلَّا استحوذ عليهم الشيطانُ»، والصلاة عامَّةٌ تشمل الجمعةَ وغيرَها، فإذا كانوا ثلاثةً في قريةٍ لا تُقامُ فيهم الصلاةُ، فإنَّ الشيطانَ قد استحوذ عليهم، وهذا يدلُّ على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أَنْ نقول: تجب على الثلاثة، ثمَّ نقول: لا تصحُّ مِنَ الثلاثة؛ لأنَّ إيجابها عليهم ثمَّ قولنا: إنها غيرُ صحيحةٍ تضادٌّ، معناه: أمرناهم بشيءٍ باطلٍ، والأمر بالشيء الباطلِ حرامٌ، هذا القول قويٌّ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ."([21])

    - وقال أيضًا: "والإمام إذا استُؤذِنَ يجب عليه أَنْ يأذن، ولا يَحِلُّ له أَنْ يمنع، فلو فُرِض أنه امتنع ومَنَعهم مِنْ إقامة الجمعة مع وجوبها فحينئذٍ يسقط استئذانُه."([22])
    ويقصد به الحاكم المسلم دون الكافر؛ والذي يعجب له كُلُّ مسلمٍ أنَّ بعض المنحرفين سُئِل مِنْ بلادٍ كافرةٍ عن فتوى الشيخ فركوس فقال: هذه المسألةُ لم أسمع بها أصلًا، وهي مِنْ شذوذاته وأنَّه يريد مخالفةَ الحاكم، ونَصَحه بطاعة الحاكم الكافر في البلد الأوروبيِّ الذي هو فيه، وبأَنْ يُصلِّيَها ظُهرًا؛ فاللهمَّ رُحماك كيف يكون لهؤلاء أتباعٌ؟!

    وغيرها مِنَ النصوص الثابتة عن الأئمَّة الأعلام كأبي البركات المجد ابن تيمية([23]) وأبي طالب العبدلياني([24]) وشمس الدين عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي([25]) وزين الدين بن المنجّا التنوخي([26]) والمرداوي([27]) وتقي الدين أحمد بن محمّد البغدادي الحنبلي([28]) وابن مفلح([29]) وعلي بن البهاء البغدادي الحنبلي([30]) وغيرهم كثير رحم الله الجميع.

    وقد ثبتت عن الشيخ الألباني([31]) والشيخ ابن باز([32]) والشيخ مقبل([33]) رحمهم الله فتاوى مثل فتوى شيخنا حفظه الله، فالألباني رحمه الله أفتى بجواز صلاة الجمعة في أيّ مكان تصحُّ فيه صلاةُ الجماعة، والشيخ ابنُ بازٍ أفتى بصحَّة صلاة الجمعة لستَّةِ رجالٍ عَسُر عليهم الذهابُ إلى المسجد لبُعده، وأفتى للدكتور عمر سليمان الأشقر ومن معه بصلاة الجمعة وهو في السجن([34])
    والشيخ مقبل رحمه الله أفتى العاملين بإخلاء مكانٍ في عملهم وإقامة الجمعة فيه.
    وبهذا يتبيَّن أنَّ مَنْ قال: إنَّ فتوى الشيخ حفظه الله لم تُعرَف عند العلماء؛ بعيدٌ كُلَّ البعد عن العلم وأهله، دافعُ قولِه الغِلُّ والحسد، ولو اطَّلع على المراجع الفقهية أو سأل طُلَّابَ العلم لَاسْتفاد؛ خيرٌ له مِنَ التسرُّع والولوج في ميدان الفحول، وأوَّلُ ما يتعلَّمه المسلم أنَّ العلم قبل القول والعمل كما بوَّب البخاريُّ رحمه الله في صحيحه؛ وهذا ممَّا استفاده كلُّ السلفيِّين مِنَ الشيخ العلَّامة المجدِّد محمد بنِ عبد الوهَّاب رحمه الله في بداية طلبهم.
    بل إنَّ بعضَ المنحرفين ممَّنْ يتولَّاهم هذا المُنكِرُ ويقول عنه: إنه أعلمُ وأكبرُ مِنَ الشيخ، وقال صاحبه إنه يزيد الإيمان بلُقياهُ، قد وافق جانبًا كبيرًا مِنْ فتوى الشيخ -حفظه الله-.

    الوقفة الرابعة: المقصود من اشتراط وليِّ الأمر عند الأحناف هو الحفاظُ على أداء صلاة الجمعة حتَّى لا تفوت أحدًا ممَّنْ وجبت عليه، وليس المفهوم منه تعطيل الجمعة طاعةً للحاكم.
    يقول السرخسي رحمه الله: "وإنما جعلنا السلطان شرطًا في الجمعة لئلَّا يفوِّت بعضُ أهل المصر على البعضِ صلاةَ الجمعة؛ لذلك لا يكون للسلطان أَنْ يفوِّت الجمعةَ على أهل المصر؛ فلهذا شَرَطْنا الإذنَ العامَّ في ذلك."([35])
    ومِنْ تعظيمهم لصلاة الجمعة اشترطوا السلطانَ حتى يزجر مَنْ تخلَّف عنها، وجعلوا ذلك مِنْ مَهامِّه؛ يقول علاء الدين الكاساني الحنفي: "وَأَمَّا السُّلْطَانُ فَشَرْطُ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ عِنْدَنَا حَتَّى لَا يَجُوزَ إقَامَتُهَا بِدُونِ حَضْرَتِهِ أَوْ حَضْرَةِ نَائِبِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السُّلْطَانُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ لِإِقَامَتِهَا السُّلْطَانُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَطَ الْإِمَامَ لِإِلْحَاقِ الْوَعِيدِ بِتَارِكِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ «وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ»."([36])
    وبهذا يتبيَّن أنَّ وجوب تعطيل الجمعة طاعةً لوليِّ الأمر ليس قولًا للأحناف، ولم أقف على مَنْ يقول به مِنْ أهل المذاهب الأربعة.
    بل إنَّ الأحناف ينصُّون على وجوب إقامتها حالَ تعذُّر إذن السلطان أو نائبه.
    يقول الكاساني: "فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ أَوْ بِسَبَبِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَحْضُرْ وَالٍ آخَرُ بَعْدُ حَتَّى حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِمُ الْجُمُعَةَ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: ذَكَرَهُ فِي الْعُيُونِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا حُوصِرَ قَدَّمَ النَّاسُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ."([37])
    هذا قولُ مَنِ اشترط إذنَ وليِّ الأمر؛ فما بالُك بمَنْ لم يشترطه أصلًا وهم الجمهورُ.

    الوقفة الخامسة: إنَّ صلاة الجمعة مِنْ شعائر الدِّين الظاهرة التي وجب علينا تعظيمُها بنصِّ كتاب الله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى: "ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"[الحج 32]، وتركُها لا بدَّ له مِنْ قيامِ دليلٍ قويٍّ يقضي على دليل إيجابها وإلزامها؛ يستشعر معه المفتي حالَ إعماله له قولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: "من ترك ثلاثَ جُمَعٍ مِنْ غير عُذرٍ طبع اللهُ على قلبه"([38])
    وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعاتِ أو ليختمنَّ اللهُ على قلوبهم ثمَّ ليكونُنَّ مِنَ الغافلين"([39])، حتى لا يحمل وِزرَ مَنْ تَبِعه في هذا.

    الوقفة السادسة: إنَّ التعليل بجواز تعطيل الجمعة للضرورة القائمةِ بناءً على وجوب حفظ النفس مُعارِضٌ للقواعد الشرعيَّة؛ لأنَّ التيسير في الأحكام الشرعيَّة يكون بقَدْرِ ارتفاع الضرورة ويبقى الحكمُ فيما عدا ذلك، فسقوطُ الجمعة في المساجد حفاظًا على النفس لا يَلْزَم منه سقوطُها في البيوت، فضلًا عن الحكم بعدمِ صِحَّتِها فيها؛ إذ إنَّ (الميسور لا يسقط بالمعسور)([40])؛ استنادًا لقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم"[التغابن16]، وقوله صلَّى الله عليه وسلّم "إذا أمرتكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم"([41])، وأنَّ الضرورة تُقدَّر بقَدْرها؛ فيُكتفى في التخفيف بما تزول معه الضرورة، والمتوسِّع على القدر اللازم آثمٌ شرعًا رافعٌ لحكمٍ ثابتٍ في الذمَّة مِنْ غير ضرورةٍ قائمةٍ في القدر المتوسَّع فيه.

    الوقفة السابعة: إنَّ إلحاق مَنْ وجبت عليه الجمعةُ بالمسافر أو المريض في إسقاط الجمعة وصلاتها ظهرًا هو قياسٌ مع الفارق؛ إذ إنَّ الجمعة قائمةٌ في المساجد في مسألة المسافر والمريض، وهو استثناءٌ لأهل الأعذار لا يصحُّ القياسُ عليه، ولا شكَّ في عدم جواز صلاة الجمعة في البيوت حالَ قيامها في المساجد، وهي مسألةٌ خارجةٌ عن محلِّ النزاع، وكذلك قُلْ في المسبوق الذي فاتَتْه الجمعةُ وهو في هذه أشدُّ؛ إذ لو قلنا بجواز قضاء الجمعة للمسبوق لَأَهْملَ الناسُ شهودَها في المسجد، وهو الأصل الذي لا يجوز العدولُ عنه حالَ قيامه مِنْ غير مقتضٍ شرعيٍّ، وفي جميعِ ما ذُكِر فإنَّ الصلاة قائمةٌ في المسلمين لم تُضيَّع بخلافِ مسألتنا.
    والمسألة التي نحن بصددِ دراستها قد أفتى فيها كبارُ العلماء مِنْ أمثال الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ مقبلٍ كما بيَّنَّا في الوقفة الثالثة؛ وهذا يكفي مَنْ كان سلفيًّا أَنْ لا ينسب إلى الشيخ فركوس حفظه الله في فتواه الشذوذَ والتفرُّدَ فضلًا عن تصوير المسألة بأنَّ الجمعة قائمةٌ في المساجد وتفرَّد الشيخُ بمخالفة إجماع المسلمين.

    الوقفة الثامنة: إنَّ الكثير ممَّنِ انتقد فتوى الشيخ استند إلى غرابة إقامة الجمعة على غير الهيئة التي اعتاد الناسُ عليها، واعتمد على هذا في التشويش على العامَّة؛ وصدورُ مثلِ هذا التعليلِ العليل لِمَنْ لا ينتسب إلى العلم مقبولٌ؛ أمَّا أَنْ يحمل شعارَه مَنْ يدَّعي التحقيقَ في المسائل الشرعيَّة فإنَّه منقصةٌ لقائلها، وكان الأَوْلى بهم أَنْ يستغربوا الإلزامَ بتعطيل الجمعة مِنْ كُلِّ المسلمين حتَّى في المناطق التي ليس فيها المرضُ المُعدي؛ حيث لم يُنقَلْ في التاريخ الإسلاميِّ مثلُه، بل غاية ما ذكروه مِنْ وقائعَ فيها عجزُ الناس عن شهود المسجد لعموم العدوى وانتشارِها وسقوطُ الوجوبِ عنهم، مع إغفالِ أنه كانت هناك أوبئةٌ أشدُّ انتشارًا مِنْ هذا وكان مَنْ كان به قوَّةٌ على الذهاب إلى الصلوات يشهد المسجدَ ويتضرَّع إلى الله ويدعو للمسلمين برفع البلاء.

    الوقفة التاسعة: نَشَر مرضى النفوس -نميمةً ووشايةً وسعايةً- عن الشيخ أنَّه يخالف تعليماتِ وليِّ الأمر، ورتَّبوا عليها أحكامًا جائرةً، ولا يجوز للمسلم إطلاقُ مِثلِ هذه الأحكام؛ لأنَّ المسألةَ شرعيَّةٌ والطاعةَ لله مقدَّمةٌ على طاعة غيره كما هو معلومٌ مِنَ الدِّين بالضرورة، وكما نقَلْنا كلامَ الشيخ ابن العثيمين بسقوط إذن وليِّ الأمر إذا امتنع عن إقامة الجمعة؛ هذا إذا كان الحاكمُ ينهى الناسَ عن إقامة الجمعة كيف ووليُّ أمرِنا قد اكتفى بغلقِ المساجد دون التطرُّق للمسألة أصلًا، فقرارُ الحاكم واضحٌ في إغلاقِ أماكن التجمُّعات ومنها المساجدُ -مع العلم أنَّ فتوى الشيخ صدرَتْ قبل غلقِ المقاهي والمطاعم- وغايةُ وليِّ الأمر عدمُ الخروج مِنَ البيوت، ولا يضرُّ غايَتَه ومقصِدَه أَنْ تُصلِّيَها جمعةً أم ظُهرًا كما تشاء؛ إذ إنَّ نظرتَه مبنيَّةٌ على احتمالِ انتشار العدوى لا على كيفيَّةِ إقامة الصلاة؛ فنسبةُ مخالفةِ وليِّ الأمر في هذه المسألةِ متكلَّفٌ فيه أيَّما تكلُّفٍ، خاصَّةً أنَّ ما يقع مِنْ تجمُّعٍ في الطوابير للحصول على الموادِّ الغدائيَّة أقربُ إلى احتمالِ انتشار العدوى مِنْ صلاة الجماعة أو الجمعة مع أولادك، واللهُ المستعانُ.

    - وقال مرضى النفوس: إنَّ صلاة الجمعة في البيوت بدعةٌ مخالفةٌ للإجماع، وما أدري مِنْ أين لهم الإجماعُ، ويصدق عليهم قولُ الإمام أحمد: "ما يدَّعي الرجلُ فيه الإجماعَ هذا الكذب، مَنِ ادَّعى الإجماعَ فهو كاذبٌ؛ لعلَّ الناس قد اختلفوا"([42])، فحَمَلهم جهلُهم بل حقدُهم وتطاوُلُهم المعهود على الكذب في دِين الله، والإجماع له أهله وشروطه ونقلته من أهل العلم؛ وجميع ذلك متعذّر فيما زعموه.

    الوقفة العاشرة: لا تُعتبَرُ مجرَّدُ مخالفة العالم لغيره سببًا لتخطئته وجحدِ جهوده حتَّى ولو أخطأ وشذَّ؛ فإنه تُحفَظ كرامتُه لكونه مجتهدًا فيما ذَهَب إليه مع ردِّ خطئه، يقول شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: "وكذلك في تأويل الشيخ أبي أحمد محمد بن علي الفقيه الكرجي الإمام المعروف بالقصَّاب للآيات والأخبار الواردة في إحساس الميِّت بالعذاب وإطنابه في كتابه المعروف بـ نُكَت القرآن وذهابه إلى أنَّ الميِّت بعد السؤال لا يُحِسُّ طولَ لبثه في البرزخ ولا بالعذاب؛ فنقول: هذا تأويلٌ تفرَّد به ولم يتابعه الأئمَّةُ عليه، والقول ما ذَهَب إليه الجمهورُ، وتفرده بالمسائل لا يؤثِّر ولا يقدح في درجاتهم، وعذرُ كُلِّ مَنْ تفرَّد بمسألةٍ مِنْ أئمَّتِنا مِنْ عصر الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا أَنْ يقال: لكُلِّ عالمٍ هفوةٌ، ولكُلِّ صارمٍ نبوةٌ، ولكُلِّ جوادٍ كبوةٌ، وكذلك عذرُ كُلِّ إمامٍ ينفرد بمسألةٍ على ممرِّ الأعصار والدهور؛ غير أنَّ المشهور ما ذَهَب إليه الجمهورُ"([44])
    هذا فيما خالف فيه المجتهدُ النصوصَ؛ كيف والشيخُ حفظه الله قد وافق النصوصَ والقواعد الشرعيَّةَ التي اتَّخذها الفقهاءُ مرجعًا لمَنْ أراد الاستنباط؟.
    والذي أعجب منه كون الذي يرمي الشيخ بالشذوذ لم يشتهروا بقولٍ فقهيٍّ موافقٍ ولا مخالفٍ للجمهور؛ ثمَّ يتطفَّلون على جهود غيرهم قَصْدَ هدمِ ما بنَوْه وتشويهِ ما شيَّدوه.
    وأنَّى لهم ذلك ؟!!، ومعلومٌ أنَّ الذي له آثارٌ علميةٌ تَرِدُه انتقاداتٌ؛ بخلاف حالِ البطَّالين مِنَ المشوِّشين، فالانتقادُ الوحيد الموجَّهُ إليهم: أَنْ ينشطوا ويُظهِروا لنا جهودَهم حتَّى يفتح اللهُ عليهم بمَنْ ينتقد آراءَهم.

    الوقفة الأخيرة: عند المصائب والمحن الأَوْلى بالمسلمين: الالتجاءُ إلى الله وتعظيمُ شعائره؛ لقوله تعالى: "ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" [الحج: 32]،والابتعاد عمَّا يُغضِبه تعالى، وممّا دلَّتْ عليه النصوصُ الشرعيَّةُ: أنَّ صلاة الجمعة مِنْ أعظم الشعائر الدينيَّة التي شَرَعها الله سبحانه، وثَبَت في تركها وعيدٌ شديدٌ كما ثَبَت مِنْ حديث عبد الله بنِ عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ"([45])
    وعن أبي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ"([46])
    فالواجب علينا وفي هذا الظرف خاصَّةً الرجوعُ إلى الله تعالى وامتثالُ شرعِه وطاعتُه سبحانه بامتثالِ أوامره واجتنابِ نواهيه والتضرُّع بين يديه عسى اللهُ أَنْ يرفع عنَّا هذا البلاءَ، ويصرف عنَّا هذا الوباء، وأَنْ يُبدِّل المسلمين مِنْ بعد خوفهم أمنًا ومِنْ بعد ضيقهم فَرَجًا.

    خلاصة البحث:
    يتجلى ممّا سبق نقاطٌ عدَّةٌ:
    1- مسألة صلاة الجمعة في البيوت مسألةٌ عُرِفَتْ عند السلف الصالح.
    2- بروز مدى قوَّة الشيخ العلمية في تنزيل فتوى صلاة الجمعة على واقع المسلمين في هذه الجائحة.
    3- ظهور جهل المشنِّعين على فتوى الشيخ ومدى تسرُّعهم في إطلاق الأحكام قبل دراسة المسائل.
    4- بيان رسوخ وتشبُّع الشيخ حفظه الله بالأصول السلفية ممَّا يحيي لنا ذكرى الأب الروحيِّ وشيخ السلفيِّين فضيلة الشيخ العالم الربّاني ناصر الدين الألباني رحمه الله.
    5- بزوغ ضوء ونور علم العلماء عند المصائب والمحن، ما يستوجب معه شُكرَ الله عزَّ وجلَّ على نعمة وجودهم بيننا.
    6-
    مراعاة الشيخ حفظه الله لتحقيق المصالح الدينية والدنيوية بحيث خرج بفتوى تحفظ للناس دينَهم كما تحفظ لهم أنفسَهم.
    7- وضوح مدى تمسُّك الشيخ بالأدلَّة الشرعيَّة والنظر لأدلَّة المخالفين دون عددهم.قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَارِضَ الْحَدِيثَ الصحيحَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ, كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لِرَجُلِ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ فِيهَا بِحَدِيثٍ, فَقَالَ لَهُ: {قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ} فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!}"([47]).

    ولكنَّ القوم لا يفقهون، وجعلوا مخالفةَ الشيخ للكثرة دليلًا لإبطال قوله؛ مع أنَّ هذا المسلكَ باطلٌ معلومٌ بطلانُه مِنَ الدين بالضرورة؛ يقول الشيخ ابنُ باز رحمه الله: "ومعنى هذا: أنَّ العبد يجب عليه الانقيادُ التامُّ لقول الله تعالى وقولِ رسوله, وتقديمُهما على قولِ كُلِّ أحدٍ؛ وهذا أمرٌ معلومٌ مِنَ الدِّين بالضرورة."([48])

    كما يظهر جليًّا قوَّةُ شخصية الشيخ حفظه الله؛ إذ لم تؤثِّر فيه طعونُ الطاعنين ولا تخذيلُ المخذِّلين وهي سنَّةُ الله في خلقه كما ثبت مِنْ حديث المغيرة بنِ شعبة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم أَو خَالَفَهُم حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ"([49])

    ولم يضرَّ الطاعنون إلَّا أنفُسَهم؛ فأنصحهم بالتوبة إلى الله مِنَ الإثم الكبير والافتراء المَقيت الذي وقعوا فيه؛ فقَدْ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة: "إن الله قال: (من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب... الحديث)"([50]).
    قال النووي رحمه الله: "وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما قالا: إن لم يكن العلماءُ أولياءَ الله فليس لله وليٌّ، قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله: اعلم يا أخي -وفَّقَنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقِّيه حقَّ تُقاته-: أنَّ لحوم العلماء مسمومةٌ، وعادةَ الله في هتك أستار منتقصيهم معلومةٌ، وأنَّ مَنْ أطلق لسانَه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب؛ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أَنْ تصيبهم فتنةٌ أو يُصيبَهم عذابٌ أليم"([51])

    كما لا ينبغي لطلبة العلم السكوتُ عن هذا التهجُّمِ المشين مِنَ الجاهلين بالمسائل الشرعية؛ إذ إنَّ سكوتهم إقرارٌ منهم على باطلهم الذي شاع وذاع، فمِنْ سمات طلبة العلم المُخلِصين الذبُّ عن الحقِّ وأهله حتى لا تضيع الأمانةُ التي كلَّفهم اللهُ بحفظها، وكثيرٌ منهم يعتقد ما قرَّره الشيخ حفظه الله في المسألة الشرعية ويعمل به، والحقُّ فيه واضحٌ جليٌّ.
    فيجب علينا أَنْ نكون يدًا واحدةً في الردِّ عن كلِّ مَنْ أراد عقيدتَنا ومنهجنا وعلماءنا بسوءٍ؛ فنذبَّ عن عِرضِ علمائنا ومشايخنا؛ وهذا الجهادُ الذي نحن مُطالَبون بتحقيقه، فَفَقْدُ العلماء ضياعٌ لمصالح الناس الدينية والدنيوية، وبخاصَّةٍ فضيلة الشيخ الدكتور محمد علي فركوس -حفظه الله- مربِّي السلفين على قواعد الدين المتين.

    فبالله عليكم هل عندنا مِنَ العلماء ما يكفينا؟، أو نجد أفضلَ مِنَ الشيخ فركوس يُرشِدُنا وبطريق الله يوصينا، أو يعرِّفنا ويبصِّرنا بذنوبٍ قد فشَتْ فينا، أو يجلس مجلسين في كُلِّ يومٍ يُفتينا، أو يحقِّق ويؤلف كُتُبًا لشرع الله تَهدينا، أو نحمل سلامًا لغيره مِنْ كلِّ العالَمِ تأتينا، واللهِ بحقٍّ هو مفخرةٌ لكلِّ مَنْ كانتِ السلفيةُ له مسلكًا ودِينًا.

    ولطلبة العلم السلفيين في بلدنا الحبيبِ الشكرُ الجزيل والامتنانُ الكبير أَنْ كانوا على قلب رجلٍ واحدٍ في صدِّ وردِّ افتراء الجاهلين، فقلوبُهُم قد مُلِئَتْ تعظيمًا للعلم واحترامًا لأهله؛ فلم يضرَّهم طعنُ الطاعنين الحاقدين، مُقتنِعين بوجاهة أدلَّةِ شيخنا حفظه الله وقوتها في فتواه المؤصَّلة؛ وهم الذين يصدق علهم قولُ الشيخ محمد بن رمزان الهاجري حفظه الله: "إنّ كلَّ طالبِ علم في الجزائر هو حسنةٌ مِنْ حسنات دعوة الشّيخ فركوس-حفظه الله تعالى-".

    هذا، واللهَ نسأل أَنْ يحفظ شيخَنا الكريم وأَنْ يَجزِيَه خيرَ ما يجزي به عبادَه الصالحين،
    وأَنْ يصرف عنه كيدَ الكائدين وغِلَّ الحاقدين، وأَنْ يبارك له في جهاده وجهوده،
    كما نسأله تعالى أَنْ يطيل عُمُرَه ويبارك له في علمه ورزقه وأهله وولده،
    إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ وبالإجابة جديرٌ،
    وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.
    يتبع......
    إعداد الطالب:
    أبو البراء يوسف أورابية

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ([1])
    انظر: مقاييس اللغة لابن فارس 3/180

    ([2]) انظر: لسان العرب 3/494 -مختار الصحاح 1/163
    ([3]) انظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر لابن حجر 1/70
    ([4]) انظر: الخصائص لابن جنّي 1/138
    ([5]) انظر: الفروسية المحمدية 1/299
    ([6]) انظر: إعلام الموقعين عن ربّ العالمين 3/308
    ([7]) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٥/ ٨٦٣.
    ([8]) انظر: موقع الشيخ فركوس فتوى رقم 459
    ([9]) رواه أبو داود (4607) والترمذي (266) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2549).
    ([10]) انظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 4/27
    ([11]) انظر: المحلى بالآثار 3/251
    ([12]) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين 2/4
    ([13]) انظر: المغني 3/209
    ([14]) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/354
    ([15]) انظر: مجموع الفتاوى 24/209
    ([16]) انظر: الروض المربع شرح زاد المستقنع 1/150
    ([17]) انظر: الروضة الندية شرح الدرر البهية 1/135
    ([18]) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي 3/1075
    ([19]) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 27/199
    ([20]) انظر: مجموع فتاوى العامة الألباني1/150
    ([21]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع 5/152
    ([22]) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع 5/27
    ([23]) انظر: المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد 1/143
    ([24]) انظر: الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1/427
    ([25]) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع 5/246
    ([26]) انظر: الممتع في شرح المقنع 1/549
    ([27]) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 5/246
    ([28]) انظر: المنور في راجح المحرر 1/146
    ([29]) انظر: المبدع شرح المقنع 2/165
    ([30]) انظر: فتح الملك العزيز بشرح الوجيز 2/504
    ([31]) هذا رابطها: https://www.youtube.com/watch?v=K8rCFzl5emY.
    ([32]) هذا رابطها: https://binbaz.org.sa/fatwas/10463.
    ([33]) هذا رابطها: https://www.muqbel.net/fatwa.php?fatwa_id=3766.
    ([34]) انظر: كتاب صفحات مِنْ حياتي للدكتور عمر سليمان الأشقر 1/48
    ([35]) انظر: المبسوط 2/214
    ([36]) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1/261
    ([37]) انظر: المرجع السابق
    ([38]) أخرجه الترمذي (550) والنسائي (1369) وابن ماجة (1125) وأبو داوود (1054) وصححه الألباني في صحيح الجامع (6143).
    ([39]) أخرجه مسلم (865).
    ([40]) راجع: المنثور للزركشي 3/198 -الأشباه والنظائر للسبكي 1/155 -الأشباه والنظائر للسيوطي 1/159
    ([41]) انظر: البخاري (7288) مسلم (1337)
    ([42]) انظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد 5/100 -إعلام الموقعين عن ربّ العالمين 2/54
    ([44]) انظر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 6/406.
    ([45]) سبق تخريجه صفحة 18.
    ([46]) سبق تخريجه صفحة 18.
    ([47]) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام 1/37
    ([48]) انظر: وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه 1/14
    ([49]) رواه البخاري (7311) ومسلم (1037) واللفظ لمسلم
    ([50]) رواه البخاري (6502)

    ([51]) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن 1/29
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء يوسف أورابية; الساعة 2020-04-20, 08:03 AM.

  • #2
    جزاكم الله خيرا أخي الكريم على مقالك النافع، وذب به عن عرضك النار كما ذببت عن الشيخ -حفظه الله-.
    غفر الله له

    تعليق


    • #3
      وجزاكم خيرا أخي عبد الله شكر الله لكم مروركم الطيب.

      تعليق


      • #4
        بارك الله فيك على هذا المقال المتين وفقك الله.
        وصدقت فالسلفيون على قلب رجل واحد في الذب عن شيخنا علامة المغرب، ولكن لا يعني بالضرورة اقتناع جميعهم بفتواه حفظه الله.
        فلا زال العلماء يختلفون ويختلف الناس في الأخذ بأقوالهم، ولا ينكر بعضهم على بعض في المسائل الاجتهادية.
        حفظ الله دعوتنا السلفية وثبتنا عليها وحفظ لنا مشايخنا الكرام وعلى رأسهم الشيخ محمد علي فركوس.

        تعليق


        • #5

          ذب الله عن عرضك النار أخي أبو البراء كما ذببت عن الشيخنا حفظه الله.

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيرا أخي يوسف، ينصح هؤلاء بعد تقوى الله بقراءة مؤلفين جامعين لأعظم سبل البعد عن الطعن في العلماء: رفع الملام لشيخ الإسلام ابن تيمية، والفرق بين النصيحة والتعيير للإمام ابن رجب، وأذكرهم بخطورة الطعن في أهل العلم بمقال دونته من قبل نصحا لنا وللمسلمين.
            الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أمّا بعد:
            فالمتأمل في تراجم ورثة الأنبياء بحقّ ينتقي منها العظات والعبر، كيف لا وهم حملة الدّين وبهم بعد فضل الله تعالى يحلّ الإصلاح والنّصح للبلاد والعباد، وممّا يؤخذ من تراجمهم، جزاء من اعتدى عليهم وظلمهم بالفعل والقول وأراد التعيّير ولم يرد النّصيحة لهم، ورحم الله ابن عساكر صاحب التّاريخ الذي مرّ بقصص الأخيار ومن عاداهم وطعن فيهم، فقال كلمة بقيت بقاء المدافعين عن العلماء يذكرونها ناصحين لمن أراد الطعن والتّعيّير فيكون مصيرهم مصير أحفاد المعتدين على أهل العلم إلّا من تاب وأناب، فقال رحمه الله: " وَاعْلَم يَا أخي وفقنَا الله وَإِيَّاك لمرضاته مِمَّن يخشاه ويتقيه حقّ تُقَاته إِنّ لُحُوم الْعلمَاء رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم مَسْمُومَة وَعَادَة اللَّه فِي هتك أَسْتَار منتقصيهم مَعْلُومَة لِأَنّ الوقيعة فيهم بِمَا هم مِنْهُ برَاء أمره عَظِيم والتنَاول لأعراضهم بالزّور والافتراء مرتع وخيم والاختلاق على من اخْتَارَهُ اللَّه مِنْهُم لنعش الْعلم خلق ذميم " ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري ص29.
            ومن قصص هؤلاء ما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك في ترجمة عالم القيروان في عصره لمّا قال كلمة حقّ في حكم القراءة الجماعية للقرآن الكريم فشنّع عليه بعض الحاقدين المعتدين وهوّل ونشر خلاف ما ذكره العالم وكذب عليه، فدعا عليه الرّجل الصّالح فاستجاب الله دعوة العالم المظلوم فحصل للرّجل ما حصل كما سيأتي في ذكر القصة، وقبل ذكر قصته أذكر ترجمة مختصرة للعلاّمة الفقيه عبد الله بن إسحاق.
            هو: أبو محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبّان الفقيه الإمام كان من العلماء الرّاسخين والفقهاء المبرّزين ضربت له أكباد الإبل من الأمصار، برع في عدّة فنون وعرف بالحفظ ورقّة القلب وكان من أشدّ النّاس عداوة لبني عبيد، وذكره أبو الحسن القابسي بعد موته، فقال: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد كنت تغار على المذهب، وتذب على الشّريعة.
            من تلامذته : أبو القاسم التّستري، ومحمد بن إدريس بن النّاظور، وأبو محمد بن يوسف الحجي، وأبو عبد الله الخرّاط وابن اللبيدي رحمهم الله.
            وكان مستجاب الدّعوة واشتهر أمره بين النّاس، ومن أقواله: قال أبو محمد لبعض من يتعلّم منه: خذ من النّحو ودع. وخذ من الشّعر وأقل. وخذ من العلم وأكثر. فما أكثر أحد من النّحو إلا حمّقه. ولا من الشّعر إلّا أذلّه. ولا من العلم إلّا شرّفه. ويذكر عنه أنه كان كثيراً ما كان ينشد:




            قد غاب عنك ثقيلُ كل قبيلة ... ممن يشوب حديثه بمراء
            فالآن طاب لك الحديث إنّما ... طيبُ الحديث بخفة الجلساء.




            قال اللّبيدي: قال ابن التبّان يوماً: لا شيء أفضل من العلم. قال الجبنياني: العمل به. فقال: صدق، العلم إذا لم يعمل به صاحبه، فهو وبال عليه. وإذا عمل به كان حجّة له، ونوراً يوم القيامة.
            كان مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. انظر : القاضي عياض، ترتيب المدارك (6/248-257)، والذهبي، سير أعلام النبلاء (12/330)، وصلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات (17/39)، وابن فرحون، الديباج المذهب (1/459).
            قال القاضي عياض في ترتيب المدارك : " وحكى اللّبيدي، أنّ أبا محمد حدث يوماً في المنستير بكراهة مالك بن أنس رضي الله عنه الاجتماع على قراءة القرآن، وأن ذلك بدعة. فقال له رجل: كيف تقول إنّ قراءة القرآن بدعة؟ فقال: لم أقل هذا، فخرج الرّجل فصاح: إنّ ابن التبّان قال قراءة القرآن بدعة. فرجف النّاس من كلّ جهة، منكرين هذا وأتوا حجرته. فجعل يرفق بهم ويبيّن لهم. قال: فمنهم من يتفهم، ومنهم من لا يتفهم. ثمّ حول أبو محمد وجهه للذي شنّع عليه، وقال له: أفجعت قلبي، أفجع الله قلبك. أفجعك الله بنفسك، وولدك، ومالك. قال اللبيدي: فأجيبت دعوة الشّيخ، فهوس ولده، فكان من جملة المجانين. وذهب ماله، وابتلي بداء البطن فكان منه موته."
            هذه عبرة أيّها الأحبة لمن اعتبر وأراد النّجاة فكم من عالم صادق صادع بالحق هو حفيد لابن التّبان، وكم من مشنّع ملبّس لا يريد النّصيحة هو حفيد لذلك الرّجل، بقي اسم عبد الله بن إسحاق كما سيبقى بإذن الله اسم الشيخ الألباني والشيخ العثيمين والشيخ الفوزان والشيخ ربيع بن هادي والشيخ محمد بن هادي والشيخ محمد علي فركوس، وأمّا أحفاد المشنّع الطاعن فنسأل الله لهم الهداية قبل أن تدركم دعوة العلماء والصّالحين والله المستعان، ونسأل الله العفو والعافية.



            ذكر نفسه وإخوانه بما سبق

            أخوكم: أبو صهيب منير الجزائري.

            تعليق


            • #7
              سلمت يمينك أخي يوسف، مقال موفق، أثلجت صدورنا، فجزاك الله خيرا.

              تعليق


              • #8
                أحسنت، أحسن الله إليك أخي يوسف.

                تعليق


                • #9
                  بارك الله فيك وجزاك خيرا أبا البراء، مقال ماتع جامع مؤصّل، زادك الله علما وفهما، وذبّ عن وجهك النار

                  تعليق


                  • #10
                    جزاكم الله خيرا على مروركم الطيب إخواني الأفاضل.
                    وجزى الله الأخ أحمد رغدي على ملاحظته الطيبة؛ والمقصود اقتناع الإخوة حاصل فيما أورده الشيخ من وجاهة الأدلة وأنّ القول بُني على أدلة وقواعد شرعية لا على مسالك باطلة كما ذكر المخالفون، ولعلها وضحت أكثر مع التعديل.
                    التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء يوسف أورابية; الساعة 2020-04-16, 09:55 PM.

                    تعليق


                    • #11
                      جزاك الله خيرا أخي يوسف وبارك فيك وأعانك على مواصلة إبراز منهج الشيخ في تأصيله وتحريره للمسائل بعيدا عن التعصب والجمود الفقهي.

                      تعليق


                      • #12
                        وجزاكم الله خيرا أخي خالد

                        تعليق


                        • #13
                          في هذا المقال تذكير وردٌّ قاطع على من اتهم الشيخ لزهر والمشرفين بأنـهم لم يدافع عن الشيخ فركوس .

                          تعليق

                          الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                          يعمل...
                          X