وجوب اتِّباع االمنهج السَّلفي وحرمة مخالفته / عماد معوش

المؤلف عماد معوش

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وبعد:

فهذه بعض الخواطر التي كانت تجول في الذهن مما استفدناه من أشياخنا -حفظهم الله- أردت أن أسودها لعل أن ينفع الله بها:

قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقونَ﴾.

وقد جاء بيان هذا الصراط في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾.

والمراد بسبيل المؤمنين سبيل الصحابة -رضوان الله عليهم- كما فسره السلف، وهو الذي أضافه الله تعالى إلى نفسه في قوله: ﴿وأن هذا صراطي﴾ لبيان شرفه وفضله، ومعلوم عند القاصي والداني أن المنهج السلفي قائم على اتباع سبيل الصحابة -رضي الله عنهم- ولذلك استدل ابن حزم بهذه الآية على وجوب اتباع إجماع الصحابة.

فإذا تقرر هذا؛ فمن أوجه الاستدلال بالآية الكريمة على وجوب اتباع منهج السلف ما يلي:

الأول: قوله ﴿وأن هذا صراطي﴾ فيه إشارة إلى وجود المنهج السلفي ذلك أن الله تعالى أشار إلى هذا الصراط الذي هو سبيل المؤمنين والإشارة لا تستعمل إلا للشيء الموجود؛ إذ المعدوم لا يشار إليه.
وثانيا: فيه تفضيل هذا الصراط على غيره من السبل؛ لأن الإضافة تقتضي التشريف، ولا شك أن ما أضافه الله تعالى إلى نفسه لشرفه وفضله على غيره هو أولى بالاتباع وبالعناية به من غيره، وخاصة أن هذا التشريف والتفضيل مؤكد بأن وهي لتوكيد النسبة.

الثاني: قوله :﴿مستقيمًا﴾ هذا حالٌ من الصِّراط، وكونه مستقيما فيه إشارة الى إيصاله الى المطلوب، لأن الانسان غالبا لا يتوصل إلى مطلوبه إلا بعد طول وتعب لا سيما إن كان من معالي المطالب بخلاف السبل القصيرة فإنها لا توصل إلى المقصود.

وفيه إشارة إلى أن هذا الصراط لا اعوجاج فيه، فلا فيه بدع ولا فيه أهواء، بخلاف سبل الضلال= فزيادة إلى ما فيها من قصور في إيصال سالكها إلى مطلوبه ففيها من الافتراق والاختلاف الشيء الكثير، مما يفرق جهد سالكه ويشتت همته بلا عائدة نفع على نفسه ولا على غيره، بل يحَصل فيه التيه والضياع لنفسه والتضليل والتلبيس على غيره.

الثالث: قوله: ﴿فاتبعوه﴾ فيه الأمر بوجوب سلوك واتباع هذا الصراط المستقيم الذي هو صراط الله وهو سبيل المؤمنين، وقد تقرر في علم الأصول أن الأمر يفيد الوجوب.

الرابع: قوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ فيه النهي عن اتباع السبل التي تبعد عن الصراط المستقيم وقد تقرر أيضا أن النهي يفيد التحريم، ففيه حرمة مخالفة سبيل السلف ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنينَ﴾ الآية، ففيها الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة لمن خالف سبيل السلف وما ذلك إلا أن مخالفة سبيل السلف من قبيل المشاقة للرسول، فرُتب الوعيد الشديد على مخالفة سبيل المؤمنين لكون مخالفة المنهج السلفي من المشاقة للرسول ﴿ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ والنبي -صلى الله عليه وسلم -يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ»، ولا تبعد أن تكون من المشاقة لله أيضا لأن الله يقول ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ يفهم منه أنه من عصى الرسول فقد عصى الله بل هو مخالفة لأمر الله الصريح ﴿فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ والله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنه أو يصيبهم عذاب أليم﴾.

الخامس: قوله: ﴿فتفرق بكم عن سبيله﴾ ففيه تأكيد لقوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ وبيان علة تحريم مخالفة المنهج السلفي؛ لأن من شأن اتباع السبل الصد عن سبيل الله وتفريق الصف وتضعيف الأمة ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾.

السادس: قوله: ﴿ذلكم وصاكم به﴾ أي ذلك الذي تقدم من الأمر باتباع الصراط المستقيم الذي هو صراط الله وسبيل المؤمنين والنهي عن اتباع السبل التي هي أوعية للجهل وأودية للضلال ومنبع للأهواء هو وصية الله التي يوصي بها عباده.

فإذا كانت وصية الله تعالى لعباده الأمر باتباع منهج السلف والنهي عن مخالفته بسلوك المناهج البدعية فلا مناص من تنفيذ الوصية.

السابع: قوله ﴿لعلكم تتقون﴾ و “لعل” في القرآن هي دائما للتحقيق، فمن الأسباب التي يُحصل بها الانسان تقوى ربه جل وعلا سلوك طريقة السلف، وتحصيل التقوى من أوجب الواجبات وقد جاء ذلك في كثير من الآيات ﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، ولا شك أن من أعلى مناقب المتقين الأخذ بوصية الرحمن أحكم الحاكمين.

ولذلك تجد السلفيين هم أعبد الناس و أخاشهم لله وأزهدهم في الدنيا وأورعهم وأتقاهم بخلاف أهل الأهواء فهم أبعد الناس عن الدين وأبعد الناس عن الله كما أنهم بعدوا من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسبيل المؤمنين فأُبعِدوا، فجمعوا بين فساد المنهج وبين فساد الدين، نسأل الله العافية والسلامة.

ولعل جِماع كل ما ذكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقه كلها في النار إلا واحدة)، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: (هي الجماعة)، وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

وبقي لي أن أنبه إلى مسألة وهي غفلة الناس عن الاستدلال على وجوب اتباع المنهج السلفي بسورة الفاتحة؛
نعم، وذلك أن في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إشارة إلى أن اتباع منهج السلف أمر مطلوب مرغب فيه، وذلك أن الإنسان يدعو ربه في كل صلاة يصليها ويناجي فيها ربه أن يهديه إلى الصراط المستقيم، وقد بينا في ما سلف أن الصراط المستقيم هو سبيل السلف، بل جاء التفسير السلفي لهذه الآية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (الذين أنعم الله عليهم محمد وأصحابه)، وهذا لا يتنافي مع قول أهل العلم أن المنعم عليهم هم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بل هذا من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد نالوا قصب السبق من هذه الأوصاف، فهم أصلح الناس وأصدقهم، وهم ورثة الأنبياء.

وفي الختام: نسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا، ويرزقنا تدبر كلامه وفهمه، وأن يتوفانا على السنة وهو راض عنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.